الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 م

  سوق الجهاد في العهد الأموي (1) (الفتوحات الإسلامية من 41هـ-96هـ)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة



تكاثرت سهام الأعداء -من الرافضة ومن تبعهم من الليبراليين والعلمانيين وغيرهم- على الدولة الأمويّة، ورموها عن قوس واحدة؛ سعيًّا منهم لإسقاط فضائلها، ونشر البغض والكراهية لها، متغافلين عما قامت به تلك الدولةُ المباركة مِن نصرةٍ للإسلام والمسلمين، وإذلالٍ للشرك وأهلِه؛ بما تضمَّنته أيامُها من كثرةِ الفتوحات الإسلامية واتِّساع رقعة الإسلام.

ولنستمع إلى شهادة الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهو يصِف ما كانت عليه الدولة الأموية من التدبير للإسلام ولنصرته؛ فيقول: “كانت سوقُ الجهاد قائمةً في بني أميَّةَ، ليس لهم شغلٌ إلا ذلك، قد علَت كلمةُ الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرِّها وبحرها، وقد أذلُّوا الكفر وأهلَه، وامتلأت قلوبُ المشركين من المسلمين رُعبًا، لا يتوجَّه المسلمون إلى قُطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شِرذمة عظيمَة ينصُر الله بهم دينه”([1]).

لذا جاءت هذه الورقة العلمية بعنوان: “سوق الجهاد في العهد الأموي”؛ لتكون دليلًا واقعيًّا على فضائل الدولة الأمويّة، وبيانًا لسعيها الحثيث في إعلاء كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبالغ حرصها على هداية الشعوب ودخولهم في دين الإسلام، غيرَ متغافلين عمَّا وقعت فيه من أخطاء كانت سببًا في نقض دعائمها وهدم بنيانها.

لقد استمرَّ حكم الدولة الأمويّة ما يقربُ من واحدٍ وتسعين عامًا؛ وكانت بدايتها في سنة واحد وأربعين من الهجرة النبوية (41هـ)، وسقوطها سنة اثنتين وثلاثين بعد المائة (132هـ)، وقد توالى على حكمها أربعة عشرَ خليفة؛ كانت سوقُ الجهاد في أغلب فتراتها قائمًة رائجة، وفيما يلي بيان ذلك:

1- خلافة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- (41 هـ-60هـ):

يبدأ تاريخ الدولة الأموية في العام الواحد والأربعين من الهجرة (41هـ)، وهو ما يسمَّى بعام الجماعة؛ حيث اجتمع الناس، وانقطعت الحرب بين الطائفتين العظيمَتين من المسلمين، عندما سلَّم الحسن بن علي الأمر لمعاوية -رضي الله عنهم-، وبويع لمعاوية بالخلافة، واستبشر الناس بذلك الصلح؛ وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي -رضي الله عنهما- فيما رواه أبو بكرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يُقبِل على الناس مرةً وعليه أخرى ويقول: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»([2]).

يقول ابن بطال: “فسلَّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية، وصالحه وبايعَه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيِّه، ثم دخلا الكوفةَ، فأخذ معاويةُ البيعة لنفسِه على أهل العراقَين، فكانت تلك السنةُ سنةَ الجماعة؛ لاجتماع الناس واتفاقِهم وانقطاع الحرب، وبايعَ معاويةَ كلُّ من كان معتزلًا عنه، وبايعه سعدُ بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك”([3]).

فلما زالت الفتنة واجتمعت القلوب أخذ معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- في توطيد دعائم الأمن والاستقرار، ولم ينسَ في خضمِّ انشغاله بذلك تأمينَ الثغور، واستأنف حركةَ الجهاد وإعادة الغزوات والفتوحات الإسلامية؛ لنشر الإسلام في ربوع المعمورة، كما عزَّز وقوَّى الأسطولَ البحريَّ للمسلمين.

إعادة معاوية للفتوحات والغزوات:

مِن محاسن معاويةَ أنه أعاد الفتوحاتِ والغزواتِ إلى المسلمين، ووضَّب لهم “غزو الروم في كلِّ سنة مرتَين: مرةً في الصيف، ومرةً في الشتاء”([4])؛ لعلمه بأن خطَر الروم على المسلمين عظيم، فما تكاد تمرُّ سنةٌ من سنيِّ إمارته للمسلمين إلا وفيها غزوٌ للروم شتاءً وصيفًا.

ومِن أعظم الفتوحات في عهد معاوية: فتحُ بلادِ إفريقيَّة سنة خمسين (50هـ)، على يد القائد المحنَّك عقبةَ بن نافع الفهريِّ، واختطَّ مدينةَ القيروان.

وبعدها بثلاثِ سنواتٍ فقط -أي: في سنة ثلاث وخمسين (53هـ)- افتتح المسلمون جزيرة رودس([5])، وعليهم القائد جنادةُ بن أبي أميَّة.

يقرِّر كلَّ هذا الإمام أبو زرعةَ فيما يرويه عن دُحيم، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز قال: “لما قُتِل عثمان لم يكن للناس غازيةٌ تغزو، حتى كان عام الجماعة، فأَغزَى معاوية أرضَ الروم ستَّ عشرةَ غزوةً، تذهب سريَّة في الصّيف، ويُشتُّوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقُبها أخرى، وكان في جملة من أغزَى ابنُه يزيد، ومعَه خلقٌ من الصحابة، فجاز بهم الخليجَ، وقاتلوا أهل القسطنطينيَّة على بابها، ثمَّ قفَل بهم راجعًا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاويَة أن قال: شدَّ خناق الروم”([6]).

كل هذا يدفعنا لتعرُّف تفاصيلِ تلك الغزوات والفتوحات، وهو ما سنذكر في الفقرة التالية.

تفاصيل الغزوات والفتوحات في عهد معاوية (41هـ-60هـ)([7]):

لا يُعدُّ ذكر تفاصيل الغزوات والفتوحات للمسلمين من نافلة القول؛ وإنما هو مؤشِّر صدقٍ على مدى ما كانت عليه قوَّة الجيوش الإسلامية في تلك الحقبة المباركة؛ حتى إنَّ المرء ليعجب كيف استطاعوا أن يغزوا الروم -وقد كانت قوَّةً كبيرة في تلك الآونة- في كل سنة مرةً أو مرات، شتاءً وصيفًا، برًّا وبحرًا!

ففي سنة اثنتين وأربعين (42هـ): غزا المسلمون اللان (alania)، وهي بلاد واسعة في طرف أرمينية([8])، كما غزَوا بلادَ الروم أيضًا، فهزموهم هزيمةً مُنكرة.

وفي سنة ثلاث وأربعين (43هـ): غزا بُسر بن أرطاة بلاد الروم، فتوغَّل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية.

وفي سنة أربع وأربعين (44هـ): غزا المسلمون بقيادةِ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلادَ الروم، وأقاموا الشتاءَ هناك، كما غزا بسر بن أرطاة في البحر.

ولما دخلت سنة خمس وأربعين (45هـ): غزا الحكم بن عمرو -نائب زياد على خراسان- جبل الأسل عن أمر زياد، فأظفره الله، وغنم أموالًا جمَّة.

ثم في سنة ست وأربعين (46هـ): شتَّى المسلمون([9]) ببلاد الروم مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

وفي سنة سبع وأربعين (47هـ): شتَّى المسلمون ببلاد الروم.

وجاءت سنة ثمان وأربعين (48هـ): فشتى أبو عبد الرحمن القيني بالمسلمين ببلاد أنطاكية، وفيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر.

وفي سنة تسع وأربعين (49هـ): غزا يزيد بن معاوية بلادَ الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه جماعات من سادات الصحابة -رضي الله عنهم- منهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري.

وقد حازوا بهذا قصَب السبق بالمغفرة؛ تحقيقًا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»([10])، يقول الحافظ ابن حجر: “مدينة قيصر يعني: القسطنطينية”([11])، ويقول الحافظ ابن كثير: “فكان هذا الجيش أوّل من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد”([12]).

وقال المهلب: “في هذا الحديث منقبةٌ لمعاوية؛ لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنه أول من غزا مدينةَ قيصر”([13]).

وفي تلك السنة نفسها: شتَّى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، كما غزاها فضالة بن عبيد، وشتَّى هنالك، ففتح البلد، وغنم شيئًا كثيرًا.

وفيها أيضًا: كانت صائفة عبد الله بن كرز، أي: غزوه للروم في الصيف.

وفي سنة خمسين (50هـ): افتتح عقبة بن نافع الفهري -عن أمر معاوية- بلادَ إفريقية، واختطَّ القيروان.

وفيها أيضًا: غزا بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف أرضَ الروم، وفيها غزا فضالة بن عبيد البحر.

ولما دخلت سنة ثنتين وخمسين (52هـ): غزا سفيان بن عوف الأزديُّ بلادَ الروم، وشتَّى بها، فمات هنالك.

وفيها غزا محمد بن عبد الله الثقفيُّ الرومَ صيفًا.

وفي سنة ثلاث وخمسين (53هـ): غزا عبد الرحمن بن أمِّ الحكم بلادَ الروم وشتَّى بها.

وفيها: افتتح المسلمون جزيرةَ رُودِس بقيادةِ جنادة بن أبي أمية، فأقام بها طائفةٌ من المسلمين، وكان معاويةُ يدرّ عليهم الأرزاقَ والأعطياتِ الجزيلةَ.

وفي سنة أربع وخمسين (54هـ): شتَّى محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي.

ولما دخلت سنة ست وخمسين (56هـ): شتَّى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن بن مسعود، ويقال: فيها غزا في البحر يزيد بن شجرة، وفي البر عياض بن الحارث.

وفي سنة سبع وخمسين (57هـ): كان مَشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم.

وفي سنة ثمان وخمسين (58هـ): غزا مالك بن عبد الله الخثعميُّ أرض الروم، قال الواقدي: وفيها قيل: شتى يزيد بن شجرة في البحر، وقيل: بل غزا البحر وبلاد الروم جنادة بن أبي أمية، وقيل: إنما شتى بأرض الروم عمرو بن يزيد الجهني.

وفي سنة تسع وخمسين (59هـ): شتى عمرو بن مرة الجهنيُّ في أرض الروم في البر، وغزا في البحر عامئذٍ جنادة بن أبي أمية.

وفي سنة ستين (60هـ): كانت غزوة مالك بن عبد الله مدينة سورية([14]).

توقُّف حركة الجهاد من (60هـ-75هـ):

توقَّفت الفتوحات والغزوات قرابة خمس عشرة سنة: من (سنة 60هـ-75هـ)، وضعف المسلمون في تلك الفترة؛ بسبب القلاقل والاضطرابات والنزاعات التي نشبَت بين المسلمين، وخاصَّة ما كان بين بني مروان وعبد الله بن الزّبير، وحروبهم ضدَّ الخوارج المارقين.

ووصل الضعف بالمسلمين أنه في سنة سبعين من الهجرة (70هـ) ثارت الرومُ، واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم؛ لما يرون من الاختلاف الواقع بين بني مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملكَ الروم وهادَنه، على أن يدفعَ إليه عبدُ الملك في كلّ جمعة ألفَ دينار؛ خوفًا منه على الشامِ، وقد تتابع على ولايةِ العهد في تلك المدة أربعة خلفاء:

2- خلافة يزيد بن معاوية (60هـ-64هـ):

بويع ليزيد بالخلافة بعد وفاة معاوية -رضي الله عنه- في سنة ستين من الهجرة (60هـ)، واضطربت الأمور اضطرابًا شديدًا؛ فقدِ استهلَّت السنة الأولى من خلافته -سنة إحدى وستين (61هـ)- بمقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما-، وفي سنة ثلاث وستين (63هـ) كانت وقعةُ الحرَّة، وانتهبوا المدينةَ ثلاثةَ أيام، ثم في سنة أربع وستين (64هـ) سار مسلم بن عقبة إلى مكَّةَ قاصدًا قتالَ ابنِ الزبير، واستمرَّ حصار مكَّة إلى مستهلِّ شهر ربيع الآخر، وجاء للناس نعي يزيد بن معاوية، فكانت ولايته ثلاثَ سنين وستة -أو ثمانية- أشهر، من (60هـ-64هـ).

يقول الحافظ ابن كثير: “فغلب أهل الشام هنالك، وانقلبوا صاغرين، فحينئذٍ خمدَت الحربُ، وطفئت نار الفتنة”([15]).

3- خلافة معاوية بن يزيد (64هـ):

لما توفّي يزيد بن معاوية بويع لابنه معاويةَ بنِ يزيد بالخلافة في الشام، وكان رجلًا صالحًا ناسكًا، ولم تطل مدَّة خلافته؛ فلم يمكث إلا ثلاثةَ أشهرٍ حتى هلَك، وقيل: إنه مكَث في الملك أربعين يومًا، وفي السَّنة نفسها بويع لعبد الله بن الزّبير بالخلافة في الحجاز([16]).

ويُروى أن معاوية بن يزيد هذا نادَى في الناس ذاتَ يوم: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: “يا أيها الناس، إني قد ولِّيت أمرَكم وأنا ضعيفٌ عنه، فإن أحببتُم تركتُها لرجلٍ قويٍّ كما تركها الصِّدِّيق لعمَر، وإن شئتم تركتُها شورى في ستَّةٍ منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لِذلك، وقد تركتُ لكم أمركم، فوَلُّوا عليكم من يصلح لكم”([17]).

4- خلافة مروان بن الحكم (64هـ-65هـ):

في سنة (64هـ) بويع لمروان بن الحكم بالشّام، ولم يكن عازمًا على ذلك، وإنما كان مِن رأيه أن يذهبَ إلى ابن الزبير فيبايِعه بالخلافة، وإنما أثناه عن ذلك ابن زياد([18]).

5- خلافة عبد الملك بن مروان من (65هـ-86هـ):

بويع لعبد الملك بالخلافة في عهدِ أبيه مروان، في سنة خمس وستين (65هـ)، واستأنفت في عهده حركة الجهاد في سنة خمس وسبعين (75هـ) على يد أخيه محمَّد بن مروان، وهو ما سيأتي بيانه في الفقرات التالية:

لما دخلت سنة خمس وسبعين (75هـ): استأنفت حركة الجهاد والغزوات على يدِ محمد بن مروان -أخي عبد الملك بن مروان-، فغزا صائفة الروم، حين خرجوا من عند مَرْعَش([19]).

ثم كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم، في سنة ثمان وسبعين (78هـ)، وعلى إثرها افتتح المسلمون إرقيلية.

وبعدها بعام -سنة تسع وسبعين (79هـ)- كانت مناوشة من الروم، حيث وصلوا إلى أنطاكية، فأصابوا خلقًا من أهلها؛ لعِلمهم بضعف الجنود والمقاتِلة([20]).

ولم يؤثِّر هذا الهجوم المباغِت من الروم على حركة الفتح الإسلامي، بل في نفس السنة -سنة تسع وسبعين (79هـ)- غزا المسلمون بقيادة عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل -ملك الترك الأعظم فيهم-، وقد كان رتبيل ماكرًا؛ يصانع المسلمين تارةً، ويتمرَّد أخرى، فكتب الحجاج إلى ابن أبي بكرة أن تأخذَه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعَه وتقتل مقاتِلَتَه.

فخرج عبيد الله في جمعٍ من الجنود من بلاده وخلق من أهل البصرة والكوفةِ، ثمَّ التقى مع رتبيل -ملك الترك- فكسَره وهدَم أركانه بسطوةٍ بتَّارة، وجاس ابن أبي بكرة وجندُه خلال ديارهم، واستحوَذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره.

ثم إن رتبيل تقهقر منه، وما زال يتبعه حتى اقتربَ من مدينته العُظمى، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخًا، وخافتِ الأتراك منهم خوفًا شديدًا.

ثم إنَّ الترك أخذَت على المسلمين الطرقَ والشعاب، وضيَّقوا عليهم المسالك حتى ظنَّ كل من المسلمين أنه لا محالةَ هالك، فعند ذلك طلَب عبيد الله أن يصالح رتبيل على أن يأخذَ منه سبعمائة ألف، ويفتحوا للمسلمين طريقًا يخرجون عنه ويرجعون عنهم إلى بلادهم([21]).

وفي السنة التالية -سنة ثمانين (80هـ)-: جهَّز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رتبيل -ملك الترك-؛ ليقضوا منه ما كان من قتلِ جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية.

ووقع اختيار الحجَّاج على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قائدًا لهم؛ فسار ابن الأشعث بالجيوش نحوَ أرض رتبيل، فلمَّا بلغ رتبيلَ مجيءُ ابنِ الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يتعذَّر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية، وأنه كان لذلك كارهًا، وأن المسلمين هم الذين ألجؤوه إلى قتالهم، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحَه وأن يبذلَ للمسلمين الخراج، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك، وصمَّم على دخول بلاده.

وجمع رتبيل جنودَه، وتهيأ له ولحربه، وجعل ابنُ الأشعث كلما دخل بلدًا أو مدينة أو أخذ قلعةً من بلاد رتبيل استعمَل عليها نائبًا من جهته يحفظُها له، وجعَل المشايخ على كلِّ أرض ومكان مخوف، فاستحوَذ على بلادٍ ومدن كثيرة من بلاد رتبيل، وغنِم أموالًا كثيرة جزيلة، وسبى خلقًا كثيرة.

ثم حبَس ابن الأشعث المسلمين عن التوغُّل في بلاد رتبيل حتى يصلِحوا ما بأيديهم من البلاد، ويتقوَّوا بما فيها من المغلات والحواصل، ثم يتقدَّمون في العام المقبل إلى أعدائهم، فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم، حتى يحاصروا رتبيل وجنوده في مدينتهم مدينة العظماء على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها، ثم يقتلون مقاتِلَتهم، وعزموا على ذلك، وكان هذا هو الرأي([22])، ولم يمنع من تحقق ما أراده ابن الأشعث من ذلك إلا ما وقع من فتنة ابن الأشعث، والتي كانت من أسبابِ توقُّف حركة الجهاد وانشغال المسلمين بأنفسهم؛ وليس هذا موضع بسط هذا.

ولما دخلت سنة إحدى وثمانين (81هـ): فتح عبيد الله بن عبد الملك بن مروان مدينة قاليقلا([23])، وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة([24]).

وفيها: غزا موسى بن نصير -أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك- بلادَ الأندلس، فافتتح مدنًا كثيرة، وأراضي عامرة، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الرقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط.

وبعد ثلاث سنوات فقط -سنة أربع وثمانين (84هـ)-: افتتح عبد الله بن عبد الملك المصيصة.

وفيها: غزا محمد بن مروان أرمينية.

وفيها: افتتح موسى بن نصير طائفةً من بلاد المغرب، من ذلك بلد أرومة.

وفيها: فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس([25]).

ودخلت سنة ست وثمانين (86هـ): وفيها غزا قتيبة بن مسلم -نائب الحجاج على مرو وخراسان- بلادًا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلَّم وتسلَّم قلاعًا وحصونًا وممالك، تم قفل فسبق الجيش.

فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنتَ قاصدًا بلادَ العدوّ فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلتَ راجعًا فكن في ساقة الجيش -يعني: لتكونَ ردءًا لهم من أن ينالَهم أحدٌ مِن العدوّ وغيرهم بكيد- وهذا رأيٌ حسن، وعليه جاءت السنة([26]).

وبهذا انتهَت إحدى عشرةَ سنة من الفتوحات والانتصارات، من (75هـ-86هـ)، وبها انتهت خلافة عبد الملك بن مروان.

6- خلافة الوليد بن عبد الملك (86هـ-96هـ):

في سنة ست وثمانين (86هـ) تولى الوليد بن عبد الملك الخلافةَ، وكثُرت في عهده الفتوح والغزواتُ، وانتعَش سوق الجهاد، وأعزَّ الله جنده وحزبه من المسلمين، وأذلَّ الشرك وأهله.

قال عليّ بن محمد المدائني: “كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضلَ خلائفهم، بنى المساجدَ: مسجد دمشق، ومسجد المدينة، ووضع المنار، وأعطَى الناس، وأعطى المجذمين، وقال: لا تسألوا الناسَ، وأعطى كلَّ مقعد خادمًا، وكلَّ ضرير قائدًا، وفُتِح في ولايته فتوحٌ عظام: فتح موسى بن نصير الأندلس، وفتح قتيبة كاشغر، وفتح مُحَمَّد بن القاسم الهند”([27]).

وفي نفس تلك السنة التي تولى فيها الوليد الخلافة (86هـ): غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم، ففتح حصونًا كثيرة، وغنم غنائم جمَّة.

ويقال: إن الذي غزا بلادَ الروم في هذه السنة هو هشام بن عبد الملك، ففتح حصنَ بولق، وحصن الأخرم، وبحيرة الفرمسان، وحصن بولس، وقميقم.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك، وصالحه ملكهم -نيزك- على مال جزيل، وعلى أن يطلق كلّ من ببلاده من أسارى المسلمين.

وفيها: غزا قتيبة بيكند، فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير، وهي من أعمال بخارى([28]).

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين (88هـ): وفيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصنَ طوانة في جمادى من هذه السنة -وكان حصينًا منيعًا-، اقتتل الناس عنده قتالًا عظيمًا، ثم حمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحمَلوا على المسلمين، فانهزم المسلمون، ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد، ومعه ابن محيريز الجمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه الله عز وجل؟ فقال: نادِهم يأتوك، فنادى: يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحمَلوا على النصارى، فكسروهم ولجؤوا إلى الحصن، فحاصروهم حتى فتحوه.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كوربغانون -ابن أخت ملك الصين- ومعه مائتا ألف مقاتل من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورًا، فكسرهم قتيبة بن مسلم، وغنم من أموالهم شيئًا كثيرًا([29]).

ولما دخلت سنة تسع وثمانين (89هـ): غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم، ففتحا حصونًا كثيرة، منها حصن سورية وعمورية وهرقلة وقمودية، وغنما شيئًا كثيرًا، وأسرا جمًّا غفيرًا.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم بلادَ الصغد ونسف وكش، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك، فظفر بهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك، فقاتلهم يومين وليلتين، عند مكان يقال له: خرقان، وظفر بهم.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم الترك، حتى بلغ باب الأبواب من ناحية أذربيجان، وفتح حصونًا، ومدائن كثيرة هنالك.

وفيها: افتتح عبد الله بن موسى بن نصير جزيرتي ميورقة ومنورقة، وهما جزيرتان في البحر، بين جزيرة صقلية وجزيرة الأندلس، وتسمَّى: غزوة الأشراف؛ فإنه كان معه خلق من الأشراف والكبار([30]).

وفيها: سيَّر موسى بن نصير ولده إلى النقريس -ملك الفرنج- فافتتح بلادًا كثيرة.

وفي سنة تسعين (90هـ): غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصونًا، وغنما وأسرا خلقًا كثيرًا.

وفيها: فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى، وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصَّاها ابن جرير في تاريخه.

وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام، فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنا عليه([31]).

وفي السنة التي تليها -سنة إحدى وتسعين (91هـ)-: غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد.

وفيها: غزا مسلمة بلاد الترك، حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصونًا كثيرة أيضًا.

وفيها: غزا موسى بن نصير بلاد المغرب، ففتح مدنًا كثيرة، ودخل في تلك البلاد، وولج فيها، حتى دخل أراضي غابرة قاصية، فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارة سائغة، فبادوا جميعًا فلا مخبرَ بها.

وفيها: مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة، وذلك بعد قتال شديد، وحرب يشيب لها الوليد.

وبالجملة فإن قتيبة بن مسلم قد فتح في هذا العام مدنًا كثيرة، وقرر ممالك كثيرة، وأخذ حصونًا كثيرة.

ثم سار قتيبةُ إلى الطالقان -وهي مدينة كبيرة وبها حصون وأقاليم- فأخذها واستعمل عليها، ثم سار إلى الفارياب، وبها مدن ورساتيق، فخرج إليه ملكها سامعًا مطيعًا، فاستعمل عليها رجلًا من أصحابه.

ثم سار إلى الجوزجان فأخذها من ملكها واستعمل عليها، ثم أتى بلخ فدخلها وأقام بها نهارًا واحدًا، ثم خرج منها وقصد نيزك خان ببغلان، وقد نزل نيزك خان معسكرًا على فم الشعب الذي منه يدخل إلى بلاده، وفي فم الشعب قلعة عظيمة تسمَّى: شمسية؛ لعلوِّها وارتفاعها واتساعها([32]).

ولما دخلت سنة ثنتين وتسعين (92هـ): غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصونًا كثيرة، وغنما شيئًا كثيرًا، وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم.

وفيها غزا طارق بن زياد -مولى موسى بن نصير- بلاد الأندلس في اثني عشر ألفًا، فخرج إليه ملكها أدرينوق في جحافله، وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره، فكان من جملة ذلك السرير، وتملك بلاد الأندلس بكمالها.

وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة، وبلغا إلى خليج القسطنطينية.

وفيها: فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد -إلى طرخون خان ملك تلك البلاد-، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالًا كثيرة.

وفيها: غزا قتيبة سجستان، يريد رتبيل -ملك الترك الأعظم-، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه، فصالحه.

وفيها: غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة.

وفيها: كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح، وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالًا ورقيقًا كثيرًا على أن يقاتل أخاه ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالًا أو نساء أو صبيانًا أو دواب أو غيره.

فأقبل قتيبة في الجيوش، فسلم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشًا، فأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فدفع أخاه إليه.

وفيها: فتح قتيبة بن مسلم سمرقند.

وفيها: بعث موسى بن نصير العساكر، وبثَّها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنًا كثيرة من جزيرة الأندلس، منها قرطبة وطنجة.

ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس، فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه.

كما جهز موسى بن نصير البعوث والسرايا غربًا وشرقًا وشمالًا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدًا بلدًا، وإقليمًا إقليمًا، ويغنمون الأموال، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة.

وفيها افتتح محمَّد بن القاسم -وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف- مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند، وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش، فلقوا الملك داهر -وهو ملك الهند- في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلًا منتخَبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر.

فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدًّا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل الملك داهر وغالب من معه.

ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها، ورجع بغنائم كثيرة، وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك([33]).

ولما دخلت سنة أربع وتسعين (94هـ): غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل: إنه فتح أنطاكية، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية.

وفيها: افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرضَ الهند، وغنم أموالًا لا تعد ولا توصف.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة، حتى بلغ خجندة وكشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند.

ثم خاض قتيبة في تلك البلاد يفتح فيها، حتى وصل إلى كابل، فحاصرها وافتتحها، وقد لقيه المشركون في جموع هائلة من الترك، فقاتلهم قتيبة عند خجندة فكسرهم مرارًا وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وغنم أموالًا كثيرة جدًّا([34]).

ولما دخلت سنة خمس وتسعين (95هـ): غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصونًا كثيرة.

وفيها: فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها، ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين.

وفيها: افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا من بلاد الهند، وأخذ منها أموالًا جزيلة.

وفيها: قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية، ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي.

وفيها: غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش، ففتح مدنًا وأقاليم كثيرة، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف، فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو.

وفيها: كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيرًا، ويثني عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد وقتال أهل الكفر والعناد([35]).

ولما دخلت سنة ست وتسعين (96هـ): فتح قتيبة بن مسلم كاشغر من أرض الصين، وبعث إلى ملك الصين رسلًا يتهدَّده ويتوعَّده، ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلادَه، ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم، أو يدخلوا في الإسلام، فدخل الرسل على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة، ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاء.

وفيها: غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة.

وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرز بانين من بلاد الروم([36]).

وصدق الحافظ ابن كثير في كلمته المشهورة، وشهادته الزكية لدولة بني أمية: “فكانت سوق الجهاد قائمةً في بني أمية، ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلّوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه”([37]).

ثم فصَّل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذلك بقوله: “فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفًا وأموالًا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث أن ملوك تلك النواحي كلّها تؤدّي إليه الخراج خوفًا منه.

ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبقَ إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مرّ.

ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم، ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعًا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبًا.

ومحمد بن القاسم -ابن أخي الحجاج- يجاهد في بلاد الهند، ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم.

وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب، ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم.

وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان”([38]).

جميع ما سبق جعل الحافظ ابن كثير يقول: “فتح الله على الإسلام فتوحاتٍ عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه، حتى عاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-“([39]).

ولله الحمد والمنة، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبهذا انتهى الجزء الأول من عرض سوق الجهاد في العهد الأموي، ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثاني من أول خلافة سليمان بن الوليد بن عبد الملك، سنة ست وتسعين (96هـ) إلى نهاية الدولة الأموية سنة ثنتين وثلاثين ومائة (132هـ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) البداية والنهاية (9/ 104).

([2]) أخرجه البخاري (2704).

([3]) شرح صحيح البخاري (8/ 97).

([4]) البداية والنهاية (8/ 135).

([5]) جزيرة رُودِس: هي أوَّل بلاد إفرنجة من جهة المسلمين؛ قبالة الإسكندرية في وسط بحر الشام. ينظر: معجم البلدان (1/ 228، 3/ 78).

([6]) ينظر: البداية والنهاية (8/ 142).

([7]) ينظر: تاريخ الطبري (5/ 172 وما بعدها)، والكامل لابن الأثير (3/ 5-119)، والبداية والنهاية (8/ 26-123).

([8]) ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (5/ 8).

([9]) أي: أقاموا الشتاء بها.

([10]) أخرجه البخاري (2924).

([11]) فتح الباري (6/ 102).

([12]) البداية والنهاية (8/ 36).

([13]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (6/ 102).

([14]) موضع بالشام بين خناصرة وسلمية. ينظر: معجم البلدان (3/ 280).

([15]) البداية والنهاية (8/ 247).

([16]) ينظر: الكامل في التاريخ (3/ 225).

([17]) ينظر: الإمامة لابن قتيبة (2/ 13)، والكامل في التاريخ (3/ 226)، والبداية والنهاية (8/ 261).

([18]) ينظر: الكامل في التاريخ (3/ 237-238).

([19]) مرعش: مدينة في الثغور بين الشام وبلاد الروم، لها سوران وخندق، وفي وسطها حِصن عليه سور يعرف بالمرواني، بناه مروان بن محمد الشهير بمروان الحمار. ينظر: معجم البلدان (5/ 107)، والبداية والنهاية (9/ 11).

([20]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 28-34).

([21]) ينظر: تاريخ الطبري (6/ 322-323)، والبداية والنهاية (9/ 36-37).

([22]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 39-40).

([23]) هي بأرمينية العظمى من نواحي خلاط، ثم من نواحي منازجرد من نواحي أرمينية الرابعة. ينظر: معجم البلدان (4/ 299).

([24]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 43). وجعلها ابن الأثير في الكامل (3/ 485) من أعمال سنة إحدى وثمانين.

([25]) ينظر: تاريخ الطبري (6/ 386)، والبداية والنهاية (9/ 46-64).

([26]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 74).

([27]) ينظر: تاريخ الطبري (6/ 496).

([28]) ينظر: تاريخ الطبري (6/ 496)، والبداية والنهاية (9/ 86).

([29]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 89-90).

([30]) ينظر: تاريخ الإسلام (2/ 920)، والبداية والنهاية (9/ 91-92).

([31]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 92).

([32]) ينظر: تاريخ الإسلام (2/ 1037)، والبداية والنهاية (9/ 96-97).

([33]) ينظر: الكامل في التاريخ (4/ 35)، والبداية والنهاية (9/ 98).

([34]) ينظر: البداية والنهاية (9/ 112-113).

([35]) ينظر: تاريخ الطبري (8/ 389)، والبداية والنهاية (9/ 135-136).

([36]) ينظر: تاريخ الإسلام (2/ 1043)، والبداية والنهاية (9/ 161-162).

([37]) البداية والنهاية (9/ 104).

([38]) البداية والنهاية (9/ 98-104).

([39]) المرجع السابق (9/ 113).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

هَل غَلِط السَّلفيُّون في مفهوم العبادة؟ -مناقشة للأشاعرة والمتصوِّفة في مفهوم العبادة-

الخلاف في مفهوم العبادة: الخلافُ في مفهومِ العبادة خلافٌ في أصلٍ كبير، وينبَني عليه كثيرٌ منَ الأحكام، ومن ثَمَّ حرِص علماءُ الملَّة على تحرير مفهوم العبادة؛ لأنَّ به يتَّضح ما كان حقًّا لله عز وجل وما هو من خصائص المعبود، وما هو حقٌّ للعبد يمكن أن يُصرَف له تبعًا لعبادةٍ أو خاصًّا به، وتحريرُ هذا […]

حديث: «أنّي لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه» ودعوى رد الاحتجاج بالسنة

من الأحاديث التي حاول منكرو الاحتجاج بالسنة الاستدلال بها على عدم حجية السنة حديث: «إني لا أحل إلا ما أحلَّ الله في كتابه»([1]) وقديمًا قالوا: “ثبِّت العرش ثم انقُش”، فلا بدَّ من صحّة الأصل قبل بناء الأحكام عليه؛ لذا كان العلماء يوجّهون الناس ويرشدونهم إلى الاهتمام بالإسناد أولًا، وأنه هو طريق المتن؛ وفي هذا يقول […]

قصَّة بناء مسجِدٍ على قبرِ أبي بَصير في ميزان النّقدِ العلميّ

من جملة ما استدل به مجيزو الصلاةَ في المساجد التي يوجد بها أضرحَة الأولياءِ والصالحين وأنها صحيحةٌ ومشروعة، بل تصِل إلى درجة الاستحباب([1]) =ما نُسب إلى أبي جندل رضي الله عنه: أنه بنى على قبر أبي بصير مسجدًا. ولا شكَّ أنَّ الحكمَ بصحَّة العمل ومشروعيَّته -فضلًا عن استحبابه- حكم شرعيّ يلزم إثباتُه بالأدلة الشرعية الصحيحة؛ […]

ذمُّ الشِّرك والتحذير منه من خلال تفسير الطّبريّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقَدّمَة: من أخطر الأشياء على العبد أن يُحرَم من رضوان الله تعالى ومغفرته، ويزجَّ به في دار الهلاك والعذاب السرمديِّ، فبدلًا من أن يكونَ مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين يساقُ إلى جهنَّم سَوقًا مع الكافرين والمشركين والمنافقين، وأعظم ما يسبِّب ذلك الشركُ بالله تعالى، يقول المسيح عيسى -عليه السلام- […]

حديث: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يَضرِب بعضُكم رقابَ بعض» ودفع شبهة الطعن في الصحابة

تمهيد: اشتَدَّ حنَقُ بعض المبتدِعة على الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فبدلًا من مراعاة حقِّهم، والالتزامِ بوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، والانتهاء عند تحذيره من سبِّهم والطعن فيهم، راحوا يطلقون ألسنتهم الحداد عليهم بالسبِّ والطعن، والشتم واللَّعن؛ وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: […]

فرية تَكفير الصَّحابة لعُثمان بن عفَّان رَضِي الله عَنه ودفنه في مقبرةِ يهوديّ

تعدَّدَت الطُّعون الكاذبة التي يوجِّهها أهلُ الأهواء والبدع لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم الشيعةُ الذين يطعنُون في أبي بكرٍ وعمر وعثمان، بل وجلِّ الصَّحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولا شكَّ أنَّ الطَّعن في الصَّحابة طعنٌ في النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، بل يقول النسائي رحمه الله: “إنَّما الإسلام كدارٍ لها باب، […]

صلاةُ الجماعةِ والقولُ بوجوبها عند السلف وجمهور الفقه

أهمية صلاة الجماعة: اشتدَّ حِرصُ السلف على صلاةِ الجماعة، وبالَغوا في الاهتمام بها والعنايةِ بأدائها في المساجد، حيث جعلوها من سنن الهداية، وعدُّوا من تخلَّف عنها في وقتهم منافقًا مَعلومَ النِّفاق؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلواتِ حيث يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ […]

معَاييرُ نقدِ المتن عند المُحدِّثين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة يعدُّ ما بينَ القرن الثَّاني إلى الرَّابع عصرًا ذهبيًا للسنة النبوية، فقد جُمعت المتون ودونت المدونات، وبرزت علوم الحديث الكثيرة، وسطع نجم كثيرٍ من المحدثين والنقاد مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس ويحيى القطان، ومن جاء بعدهم من أمثال يحيى بن معين وعلي بن المديني […]

حديث شقّ الصدر ودعوَى مخالفة العقل!

ما بال أهل الأهواء يردُّون بعضَ الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بحجَّة مخالفتها لعقولهم القاصرة، حتى ولو شهِد الواقع بموافقتها؟! أليس هذا تناقضًا يبرهن على ضلال مسلكهم وبطلان شبهاتهم؟! ولعل من أبرز الأمثلة على مسلكهم الفاسد هذا: ما فعله كبراؤهم مع حادثة شقِّ صدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنجد أحدَهم يشكِّك في أحاديث شقِّ الصدر، ويستعمل […]

ثقوب في الفكر الحداثي: الموقف من الحضارة نموذجًا

لم يكن الفكر الحداثيّ متماسكًا، لا على مستوى الأدوات المعرفيَّة، ولا على مستوى الطرح العلميّ، يعرف ذلك كلُّ من اختبر الجدِّيَّة العلمية لدى القوم، فغالب ما عندهم ذوقٌ واستحسانٌ، يخرجونه مخرجَ التجديد، وبلغةٍ انفعاليَّة ثائرة على الشَّرع، محبَطَة من الواقع، مستسلِمة لثقافات أجنبيَّة وافِدة، ولو أنها استسلمت لها في مصدرِ قوَّتها لكان الأمر هيِّنًا وفي […]

هل الخلاف شرّ أو رحمة؟ نصوص وتخريجات

تخريج حديث اختلاف أمتي رحمة: قال التاج السبكي: “ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع”([1]). وقال السخاوي: “ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك عن ابن عباس منقطِع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيانٍ لسنده، […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

شبهات حول الإسراء والمعراج

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: الشبهات حول الدِّين بعدَد مواضيعه، فما من موضوع من موضوعات الإسلام إلا وقد حاول الأعداء والسَّمَّاعون لهم أن يثيروا شبهاتٍ حوله، ويلبِّسوا أمره على الناس. ومن القضايا التي احتدَّ النقاش حولها منذ حدوثها إلى يومنا هذا قضيةُ الإسراء والمعراج، حيث أنكَرها من أدركها من الكفَّار، وورث هذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017