الأحد - 01 جمادى الآخر 1441 هـ - 26 يناير 2020 م

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

المقدمة:

محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بلي بكل أنواع البلاء وبه رفعه الله تعالى، فإن وقوع البلاء بنوعيه على العلماء ورثة الأنبياء هو من سنة هذه الحياة كما ورد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على قدر دينِه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة»([1]).

والإمام الطبري (ت: 310هـ) كان واحدًا ممن جمع الله له أبواب الخير، وابتلاه الله باتهام بعض الحنابلة له ورميه بالعظائم تارة وبغير ذلك تارات أخرى.

وهو الأمر ما طار به بعض المشكِّكين والمغرضين فرحًا؛ ليتَّخذوا منه دليلًا على جمود أهل السنة وتعصبهم، وليشكِّكوا في موضوعية الأئمَّة وصدقهم وأمانتهم، ويعرِّضوا بالإمام الطبري ومن معه من الأئمة رحمهم الله أجمعين.

ومن هنا كانت هذه الورقة للتنقيب في هذه القضية، والتحقيق فيها، ورد الأمور إلى نصابها.

تمهيد:

قديمًا كانت المعارك غالبًا ما تقوم على أيدي القوَّاد وحاملي اللواء، ويكونون من أوائل المستهدَفين فيها؛ ذلك أنهم إذا سقطوا وأطيح بلوائهم هزم الجيش بأكمله، وشلَّت أركانه، وانتصر الأعداء، وينتهج أعداء الإسلام اليومَ في غزوهم الفكري لأمة الإسلام الخطةَ نفسها، فهم يتَّجهون بسهامهم صوبَ العلماء الأعلام والرموز الكبار؛ ذلك أنهم الأساس، فإذا سقطوا كان من دونهم أهون سقوطًا وأسرعَ انصياعًا لما يرنون إليه.

وهم في كيدهم هذا مَكيدون، فقد أُتوا من حيث لم يحتسبوا، فبدلًا من سقوط هؤلاء العلماء على أيديهم نجد أنَّ الله كتب أن يعيد ذكرهم ويرتفع أثرهم بعد ضمور وغيابٍ على يد هؤلاء الطّاعنين، فتكون المنحة في داخل هذه المحنة، وهذه سنة من سنن الله تعالى، فعندما يريد الله الرفعة لرجل أو جماعة يسخِّر لهم من يعاديهم لينتصر عليهم، وتدور الدائرة على أعدائهم، فيعرفهم الناس ويترحمون عليهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم، ويكيلون الويلات والسوءات لمن نال منهم، وصدق الله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].

يُظهر الله الحقَّ بالباطل:

“من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهورُ المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، كما قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 112-115]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 27-31]”([2]).

وإن كثيرًا من أعداء الإسلام اليومَ حين يعجزون عن اختراع شبهاتٍ ومشكِّكات جديدة، يتناولون الشبهات والإشكالات القديمة ويعيدون تدويرها وتكريرها؛ سعيًا منهم في التشكيك ونشر البلبلة في الصف الإسلامي.

“والحق إذا جُحِد وعورض بالشبهات أقام الله تعالى له مما يحقّ به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة. فالقرآن لما كذَّب به المشركون، واجتهدوا على إبطاله بكل طريق، مع أنه تحداهم بالإتيان بمثله، ثم بالإتيان بعشر سور، ثم بالإتيان بسورة واحدة، كان ذلك مما دلَّ ذوي الألباب على عجزهم عن المعارضة، مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب، ولو اتَّبعوه من غير معارضة وإصرار على التبطيل لم يظهر عجزهم عن معارضته التي بها يتم الدليل.

وكذلك السَّحرة لما عارضوا موسى عليه السلام، وأبطل الله ما جاؤوا به، كان ذلك مما بين الله تبارك وتعالى به صدقَ ما جاء به موسى عليه السلام، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبراهينهم التي تسمَّى بالمعجزات، وبين ما قد يشتبه بها من خوارق السحَرة وما للشيطان من التصرفات، فإن بين هذين فروقًا متعددةً، منها ما ذكره الله تعالى في قوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221، 222].

ومنها ما بيَّنه في آيات التحدّي من أن آيات الأنبياء -عليهم السلام- لا يمكن أن تعارض بالمثل فضلا عن الأقوى، ولا يمكن أحدًا إبطالها، بخلاف خوارق السحرة والشياطين، فإنه يمكن معارضتها بمثلها وأقوى منها ويمكن إبطالها.

وكذلك سائر أعداء الأنبياء من المجرمين شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، إذا أظهروا من حجَجهم ما يحتجّون به على دينهم المخالف لدين الرسول، ويموِّهون في ذلك بما يلفِّقونه من منقول ومعقول؛ كان ذلك من أسباب ظهور الإيمان الذي وعد بظهوره على الدين كلِّه بالبيان والحجة والبرهان، ثم بالسيف واليد والسنان، قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

وذلك بما يقيمه الله تبارك وتعالى من الآيات والدلائل التي يظهر بها الحقَّ من الباطل، والخالي من العاطل، والهدى من الضلال، والصدق من المحال، والغي من الرشاد، والصلاح من الفساد، والخطأ من السداد، وهذا كالمحنة للرجال التي تميز بين الخبيث والطيب، قال تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، وقال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 1-4]…

فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر، وناظر عنه المناظر؛ ظهرت له البراهين، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين.

والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقيم عوده المائل؛ أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق، وظهر فيه من القبح والفساد والحلول والاتحاد والتناقض والإلحاد والكفر والضلال والجهل والمحال ما يظهر به لعموم الرجال أن أهله من أضل الضلال، حتى يظهر فيه من الفساد ما لم يكن يعرفه أكثر العباد، ويتنبه بذلك من سنة الرقاد من كان لا يميز الغي من الرشاد، ويحيا بالعلم والإيمان من كان ميت القلب لا يعرف معروف الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا ينكر منكر المغضوب عليهم والضالين”([3]).

ورغم تكاثر الشبهات وتنوُّع الهجَمات وتعدُّد الأهواء، إلا أن الله تعالى تكفَّل بحفظ هذا الدين دستوره وشرعه وهدي رسوله وورثة هداه، فالله حافظٌ دينه والقائمين به من كلِّ ملبِّس ومشكِّك، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ويكفي ذا اللبِّ عبرةً أن الله عزَّ وجل أخرج من أصلاب عتاة أعداء الدين هداةً إلى الإيمان، ومن أصلاب صناديد الكفر حماةً للإسلام، سواء في عصوره الذهبية الأولى أم في عصوره المتلاحقة، ولم يمت الإسلام بموت رجاله ولن يموت، بل كلّما ذهب رجال من حماته قيَّض الله آخرين ينافحون عنه ويرخصون المهج والأرواح وحظوظَ النفس دونه، وهو مصداق قوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

وعلماء الإسلام ما كلُّوا ولا ملُّوا يومًا عن ردِّ شبهات المشبِّهين وتلبيسات المشككين، بل ما من شبهة إلا وكانوا لها بالمرصاد، وصبُّوا عليها سياط التفنيد والإبطال، وما من شبهةٍ من تلك الشبهات التي يعيدون إحياءها إلا وتجد في ردود العلماء ما يكشف عوارها ويزيل غبارها.

الإمام الطبري والحنابلة:

الإمام الطبري -رحمه الله- سخَّر الله له من يبتليه في عصره لتبقى حياتُه وسيرتُه عطرة حتى عصرنا الحاضر، ذلك أن الطعنَ فيه طعنٌ في أئمة الإسلام وحملةِ هذا الدين وحماته، والطعن في رموز الإسلام مستمرٌّ إلى قيام الساعة، وقد شارك في هذا بعضُ حنابلة عصره، ويرجع السِّرّ في محنة الإمام الطبري إلى محنة الإمام أحمد.

بداية القصة:

هنا نموذج حيٌّ لما ذكرنا من أن الله عزَّ وجل يخبِّئ المنحة في جوف المحنة، ويرفع عباده بالبلاء وتسلُّط بعض الشانئين عليهم، فلا يكاد يخفى اليومَ مكانةُ الإمام أحمد ابن حنبل (ت: 241هـ) على أحد من صغار طلبة العلم فضلًا عن الكبار، وبات يعرفه عامة المسلمين رحمه الله تعالى، ومبتدأ ذلك حين ثبتَ في المحنة التي امتُحن فيها، ألا وهي محنة القول بخلق القرآن، فثبت وقال كلمةَ الحقّ، فرفع الله قدرَه وأعلى منزلته، وساد مذهبُه حتى غدَا مذهبًا مشهورًا من المذاهب، خاصَّة في أرض العراق، وتحديدًا في الأرض التي جرت فيها أحداثُ تلك المحنة أرض بغداد، فكان مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- هو المذهب السائد فيها في القرنين الثالث والرابع بين غالبية علماء وعامة أهل بغداد، وهو ما يذكرنا بالإمام الطبريّ الذي نزل بهذه البلاد إمامًا محدِّثًا، ولكن بغداد كان لها شأن آخر كما ذكرنا.

فقد كان إمام أهل العراق في ذلك الوقت -وخاصة الحنابلة- أبا بكر عبد الله ابن الحافظ أبي داود السجستاني (ت: 316هـ)([4])، وكان مقرَّبًا من السلطان، حتى إنه نصب له منبرًا ليحدِّث الناس فيه، ولكن وقع بينه وبين الطبريّ ما يقع بين الأقران، ورغم أن كلام الأقران يُطوَى ولا يُروى -كما ذكر أهل العلم- إلا أننا مضطرّون إلى تناول الحادثة هنا لردِّ تشكيك المشكِّكين، والحيلولة دون استغلال صاحب كلِّ مذهب ونحلة هذه الحادثة للدفاع عن مذهبه ورمي العلماء بالتُّهم لإسقاطهم.

كلام الأقران يطوى ولا يروى:

وقع بين الإمام الطبري والإمام أبي بكر بن أبي داود ما يقع بين الأقران من المشاحنات والمخاصمات، وكان له جانب إيجابيٌّ يتمثَّل في تنافسهما في خدمة العلم والتمكُّن من جوانبه، فكان كلما بذل أحدهما في جانب من جوانب العلم نافَسَه الآخر ببذل جهدٍ أكبر، فقد ألَّف الإمام الطبريّ كتابًا في فضائل القرآن، فما كان من الإمام أبي بكر إلا أن ألَّف في ذلك -ولعله كتابه المسمى بـ(المصاحف)-.

وسمع الإمام الطبري أن الإمام أبا بكر يملي الناس في فضائل عليّ، فحدَّث بذلك الإمام الطبريّ وألف في فضائل عليّ، وافتتحه بذكر فضائل الخلفاء الراشدين، ثم ذكر فضائل علي -رضي الله عنهم أجمعين-. ومن بين الأحاديث التي ذكرها حديث غدير خم الشهير، وأفاض في ذكر طرقه واحتجَّ لتصحيحه، ويذكر الإمام الذهبي (ت: 748هـ) -رحمه الله- أنه وقف عليها وأنها بلغت أربعة أجزاء، يقول: “جمع طرق حديث: غدير خم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك”([5]). ويبهرنا الأمر أكثر إذا عرفنا أن الإمام الطبري مات ولم ينته من الكتاب كما يذكر الذهبي رحمه الله([6]).

فألَّف الإمام أبو بكر في تضعيف ذلك الحديث، وكان هذا أحدَ أوجه اتهام الطبريّ بالتشيُّع عند كثير من الناس كما سيأتي بيانه.

الانتصار للنفس أصل الخلافات:

ما أجمل هذا التنافسَ والتباري في خدمة العلم والبذل له، ولكن الشيطان أوغر بين الإمامين ولم يقف الأمر على هذا، بل شحن نفسيهما بما يحصل عادةً بين الأقران، وكان كلُّ واحد منهما يتمادى في الانتصار لشخصه من الآخر، ويبالغ في ذلك، ولا ينصف قرينه، وتفاقم الأمر والحدَّة فيما بينهما، وشنَّ الإمام أبو بكر حملةً شعواء على قرينه، وجيَّش أتباعه خاصَّة -حيث كان رأس الحنابلة في بغداد- على الإمام الطبري، ولفَّقوا له التهمَ والافتراءات، وتتبعوا عثراته وزلَّاته، وجعلوا من مناقبه مثالبَ بتبريراتهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم، فتارة زعموا أنه شيعي، وتارة نسبوه إلى الزندقة والإلحاد.

يقول علي بن عيسى عن حالهم: “والله، لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه”([7])، ولكن الأمر كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة           وعين السّخط تبدي المساويا

التعصب داء مَقيت مُعمٍ:

داء التعصب المقيت المعمي عن الحقّ الذي يغيب فيه الحق من الباطل عميقُ الغور قديمٌ في البشر، فقد كان شرذمة من المثلِّثين في دين النصارى انحازَ لهم الإمبراطور قسطنطين، فكان ما كان من شرعنة التثليث والقول بالحلول، الأمر الذي غدا اليومَ غُصَّة في حلوق النصارى، فلا هم يستطيعون إقناعَ العقول به وإثبات كونه أمرًا معقولًا، ولا هم الذين ملكوا له سندًا أو تاريخًا يوصلهم بربِّ العالمين كما هو الحاصل مع دستور المسلمين وعقائدهم، فتعصَّبوا لقول قسطنطين وباتوا في دوامة من الحيرة والضلال، ونجد في كلّ مذهب من المذاهب الفقهية شرذمة يتعصبون لمذهبهم وإن استبان لهم أنَّ الحقَّ في غيره، ومنهم من يجعل -بلسان حاله- إمامَه في مقام المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم؛ لينفي عنه أي خطأ، ومن هذا ما حصل للإمام الطبري مع بعض الحنابلة.

وكان من أمر الإمام أبي بكر -رحمه الله- أن وشى بالإمام الطبري إلى نصر الحاجب فذكر عنه أشياء، منها: أنه نسبه إلى رأي الجهم، وقال: إنه يرى أن قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسَوطَتَانِ} [المائدة: 64] أي: نعمتاه. فأنكر الطبري هذا، وقال: ما قلته.

ومنها: أنه روى أن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجت سالت في كف علي فحساها، فقال: إنما الحديث: مسَح بها على وجهه، وليس فيه أنه حساها([8]).

سبب اتهام العامة للإمام الطبري:

الحاصل في الأمر أنه كان من تبِعات هذا التشاحُن بين الأقران أن شُحن أتباع الإمام أبي بكر من الحنابلة على الإمام الطبري، وراحوا يتتبَّعونه ويبحثون عن كلِّ شيء يذمُّونه به، ويشنعون عليه عند عامة الناس، وكان من ذلك أنه ألف كتابه “اختلاف الفقهاء”، ولم يسبق أن صنّف مثله، وأورد فيه مذاهبَ الفقهاء السابقين كالإمام أبي حنيفة (ت: 150هـ) ومالك (ت: 179هـ) والشافعي (ت: 204هـ) وغيرهم، ولكنه لم يورد ضمنَهم الإمام أحمد ابن حنبل، وهذا ما استغله الشانئون عليه، فألَّبوا عليه العامة والناس، وواجهَه بعض الحنابلة بالسؤال مثل أبي عبد الله الجصاص وجعفر بن عرفة والبياضي، وقصدوه، فسألوه عن أحمد ابن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد ابن حنبل فلا يعدّ خلافُه؛ لأنه لم يكن فقيهًا وإنما كان محدِّثًا، وهذا الرأيُ كان قد تبناه بعضُ الأئمة في الإمام أحمد، فالطبري مسبوقٌ في ذلك، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فذكر علته: ما رأيته رُوِي عنه، ولا رأيتُ له أصحابًا يُعوّل عليهم، أي: لم تجمع أقواله ومذهبه كحال بقية المذاهب.

والحنابلة بطبيعة الحال لم يعجبهم كلام الإمام الطبري، بل وجدوا في هذا الصنيع فرصةً للنيل من الإمام الطبري والتشنيع عليه؛ بدعوى كراهية الإمام أحمد، وثارت ثائرة العوام بتنقّصه من الإمام أحمد، وأوغرت صدورهم ضدَّه.

وكان دخول الحظوظ الشخصيّة له دوره في إذكاء فتيل الفتنة بين الإمامين الطبري وأبي بكر، ولو أن أبا بكر اقتصر مع الإمام الطبري على الخلاف الذي حصل بينهما ولم ينتقل إلى شحن عامة الناس ضدَّ الإمام خاصَّة وأن الإمام الطبري كان لقوله في ذلك الوقتِ وجه علميٌّ معقول، وليس مجردَ هوى أو تعصّب، ثم هو إمام متَّبع مستقلّ بمذهبه واجتهاده، ولكن أبا بكر بن أبي داود غلَبت عليه حدته وطبيعته، فتفاقم الأمر بينهما([9]).

ومن الأمور التي غاظت أتباعه على الإمام الطبري أيضًا أنه خالف مذهبَ الحنابلة في المسألة الثانية، حيث أجاب الإمام الطبري عن حديث الجلوس على العرش، فقال: وأما حديث الجلوس على العرش فمحال، ثم أنشد:

سبحان من ليس له أنيس                       ولا له في عرشه جليس([10])

وصدق الإمام الذهبي -رحمه الله- حين قال: “وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد”([11]).

فلما سمعوا ذلك منه وثبوا وشنَّعوا عليه ورموه بمحابرهم.

وهناك رأى الإمام أبو جعفر إخماد الفتنة وإن كلَّفه ذلك التنازل عن حقِّ الدفاع عن نفسه، والتغاضي عما فعلوه بهم، فاعتزلهم وقام ودخل داره، ولما رأوا الإمام الطبريَّ يستقبل طلبة العلم في داره منعوا طلبةَ العلم من الدخول عليه، وكان ممن مُنع من ذلك الحسين بن علي بن محمد الرازي حيث يقول: “أول ما سألني الإمام أبو بكر بن خزيمة قال لي: كتبتَ عن محمد بن جرير الطبري؟ قلت: لا، قال: لم؟ قلت: لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه”([12]).

ومن غيظهم على الإمام الطبريِّ رموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتلّ العظيم، حتى اضطرت الشرطة للتدخُّل ومنعهم من ذلك، ورفعوا الحجارة عن بابه. وكان من تواضع الإمام الطبري وسماحة نفسه أن أعرض عن مجادلتهم، وخلا بعد ذلك في داره، وكتب كتابًا في الاعتذار إليهم، بيَّن فيه مذهبه واعتقاده، وجرّح من ظن فيه غير ذلك، وفضَّل أحمد ابن حنبل وذكر مذهبه وتصويبَ اعتقاده، وقرأ الكتاب عليهم، وانتهت المشكلة، ولكن بقي بعض عوامِّ الحنابلة متحاملين عليه في ذلك، رغم أنه لم يخرج كتابَه “اختلاف الفقهاء” الذي انتقدوه عليه حتى مات، فوجدوه مدفونا في التراب، فأخرجوه ونسخوه([13])، ولكن عوام الحنابلة ظلموه كما يذكر الإمام ابن خزيمة رحمه الله([14]).

وهذا الخطأ من الإمام أبي بكر بن أبي داود -رحمه الله- ينبغي أن يوضع في موضعه، ويقدَّر بقدره، ولا يعمَّم على جميع أتباع الإمام أحمد، وهنا مهارة من مهارات المشككين في الدين الإسلامي، وهو تركيز العدسة على الأمثلة الشاذَّة والحوادث النادرة المشينة للمذاهب، وهو بلا شكٍّ بعيدٌ عن البحث العلميّ الموضوعي، وأجنبي عن الصدق والأمانة العلمية اللتين هما من أساسيات وأبجديات الباحث العلمي، فإننا إذا نظرنا بموضوعية إلى الأمر فإن مثل هذا التعصب كما أنه دافع بشري هو حاصل من كثير من الطوائف سواء في المذاهب الفقهية أو حتى في الآراء العامة.

والتعصب داء لا مذهب له ولا دين ولا عقيدة، فهو حالةٌ مَرَضيةٌ تعتري صاحبَها لا علاقةَ للتمذهب بها، بدليل وجودِ التعصُّب عند بعض المتحرِّرين المناوئين للمذاهب بصورة أشدَّ وأحدَّ مما هي عند المتمذهبين. فالتعصب موجود عند المتمذهبين وعند غير المتمذهبين، بل حتى عند عامة الناس في أحوالهم نجد من يفتن بأشخاص أو أفكار ويتعصب لها.

يقول الإمام الشوكاني وهو ينبذ هذا المرض: “ها هنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله؛ بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا لسنة ولا لقرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين، لقَّنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب بالقيعة، فيا لله وللمسلمين من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين! والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين! وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله عز وجل وحصة من الغيرة الإسلامية قد علمت وعلم كلّ من له علم بهذا الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإسلام، قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه أنه: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله، والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة وقام بها حقَّ القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك، كائنا من كان، فمن جاءك بما يخالف هذا من ساقطِ القول وزائف العلم بل الجهل فاضرب به في وجهه، وقل له: قد تقدَّم هذيانك هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه”([15]).

فالتعصبُ غلوّ في التعلُّق بالأشخاص والتمسك بالأفكار والإصرار على المبادئ، وهو ما يعمّي عن الحقّ ويجعله تابعًا للأشخاص بدلَ أن يتبع الأشخاص الحقَّ.

فالتعصب في حقيقته عدمُ قبول الحقّ ممن جاء به مع ظهور دليله؛ بسبب ما في النفس من أغراض وأهواء وانحياز.

معنى قول ابن جرير: (ما رأيته رُوي عنه):

وأما الإمام ابن جرير فيقصد بقوله: (ليس لأحمد رواة) أي: رواة فقه على طريقة الفقهاء وأصحاب المذاهب كأبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو ما يذكره عنه غيره، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذين نقلوا النصوص عن الإمام أحمد -كالخرقي وغيره- قد فاتهم كلام كثير ولم يبلغهم سائر النصوص، قال: فإن كلام أحمد كثير منتشر جدًّا، وقلَّ من يضبط جميع نصوصه في كثير من المسائل؛ لكثرة كلامه وانتشاره وكثرة من كان يأخذ العلم عنه. وأبو بكر الخلال قد طاف البلادَ وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين مجلدًا، وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه، وأما ما جمعه من نصوصه فمن أصول الدين مثل “كتاب السنة” نحو ثلاث مجلدات، ومثل أصول الفقه والحديث مثل “كتاب العلم” الذي جمعه من الكلام على علل الأحاديث، مثل “كتاب العلل” الذي جمعه من كلامه في أعمال القلوب والأخلاق والأدب، ومن كلامه في الرجال والتاريخ، فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه([16]).

ثم يقول: “وأما المشهور عن أحمد -وهو تخيير الغلام بين أبويه- فهو مذهب الشافعي وإسحق ابن راهويه، وموافقته للشافعي وإسحق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظمهما، ويرجح أصول مذاهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما. ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحق هما عنده من أجلِّ فقهاء الحديث في عصرهما”([17]).

وحتى هذه المسائل المروية عنه فقد كانت بحسب أحوال أصحابها.

قال شيخ الإسلام: “وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل المدينة، كما كان يسأله إسحق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره، وكما كان يسأله الميموني عن مسائل الأوزاعي، وكما كان يسأله إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه ؛ فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي حنيفة واجتهد في مسائل كثيرة رجح فيها مذهب أهل الحديث، وسأل عن تلك المسائل أحمد وغيره، وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام مسجد دمشق”([18]).

وفي هذا يقول الشيخ بكر أبو زيد: “فابن جرير ولد سنة (224هـ) في حياة الإمام أَحمد المتوفى سنة (241هـ)، ثم توفي ابن جرير سنة (310هـ) ومذهب الإمام أَحمد لم يتكوَّن إقراء فروعه في هذه الفترة، فكان في طور رواية تلامذته له، وجمع الخلال له المتوفى سنة (311هـ)، أي: بعد ابن جرير بعام واحد، وأول مختصر في فقهه كان من تأليف الخِرَقي المتوفى سنة (334هـ)، فصار بدءُ إقرائه في الكتاتيب كما في تلقُّن القاضي أَبي يعلى له، وعلى يد أبي يعلى المتوفى سنة (458هـ) الذي تولى القضاء وشيخه الحسن بن حامد المتوفى سنة (403هـ) بدأ ظهور المذهب، وتكوُّنه، وتكاثر أَتباعه، والاشتغال في تهذيبه، وتدوين المتون والأصول، وكل هذا بعد وفاة الإمام ابن جرير بزمنٍ كما هو ظاهرٌ، فرحم الله ابن جرير ما أبرَّه حينما قال: أما أحمد فلا يعدُّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف! فقال: ما رأيته رُوي عنه، ولا رأيت له أُصحابًا يعوَّل عليهم. وهذا من الوضوح بمكان مكينٍ لمن تأمَّله، لكن ما فهم الأَصحاب كلامه ومراده فوقع ما وقع، ولله الأَمر من قبل ومن بعد”([19]).

ولا ننسى أن الإمام الطبري -رحمه الله- أحد الأئمة المتبوعين آنذاك، وهو قريبٌ من عصر الإمام أحمد، ويُقبل من مثله مثلُ هذا الاجتهاد، بغضِّ النظر عن صحَّة قوله أو بطلانه، ولكن لم ينفرد -رحمه الله تعالى- بمثل هذا القول، بل قد قال به غيره، فلم يذكر ابن قتيبة الإمام أحمد في كتابه “المعارف” بين الفقهاء([20])، واقتصر ابن عبد البر في كتابه “الانتقاء” على الأئمة الثلاثة، وذكره المقدسيّ في “أحسن التقاسيم” في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء، وكذلك ابن رشد في كتابه “بداية المجتهد”.

ولا شكَّ أن الإمام أحمد من فقهاء أهل الحديث، بل هو إمام فيهم، فقد شهد له بذلك أئمة الإسلام، يقول أبو زرعة الرازي: “اختيار أحمد وإسحاق أحبُّ إليَّ من قول الشافعي، وما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد”([21]). وقال عبد الرزاق: “ما رأيت أفقه من أحمد ابن حنبل، ولا أورع”([22]). وقال الشافعي: “رأيت ببغداد شابًّا، إذا قال: حدثنا، قال الناس كلهم: صدق”، يقصدُ أحمدَ ابنَ حنبل، وقال أيضًا: “خرجت من بغداد، فما خلَّفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد ابن حنبل”، وقال: “ما رأيت أعقل من أحمد وسليمان بن داود الهاشمي”([23])، وقَالَ: “أَحْمَد إمام فِي ثمان خصال: إمام فِي الحديث، إمام فِي الفقه، إمام فِي اللغة، إمام فِي القرآن، إمام فِي الفقر، إمام فِي الزهد، إمام فِي الورع، إمام فِي السنة”([24]).

وقال أبو إسحاق الشيرازي: ثم انتهى الفقه بعد ذلك في جميع البلاد التي انتهى إليها الإسلام إلى أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وداود، وانتشر عنهم الفقه في الآفاق، وقام بنصرة مذاهبهم أئمة ينتسبون إليهم وينصرون أقوالهم”([25]).

وقال إبراهيم الحربي: “يقولُ الناس: أَحمد ابن حنبل بالتَّوهّم، واللهِ ما أَجد لأَحد من التابعين عليه مَزية، ولا أَعرف أَحدًا يَقدر قَدره، ولا يعرف مِنَ الإِسلام مَحله. ولقد صحبتُه عشرين سنةً صيفًا وشتاءً، وحرًّا وبردًا، وليلًا ونهارًا، فما لقيته لقاةً في يوم إِلا وهو زائدٌ عليه بالأَمس، ولقد كان يَقْدَمُ أَئمة الإِسلام والعلماء من كل بلد وإِمام كل مصر، فهُم بجلالتهم ما دامَ الرجل منهم خارجًا من المسجد، فإِذا دخلَ المسجد صارَ غلامًا متعلِّمًا”([26]).

وقال عبدُ الوهاب الوراق: “ما رأيت مثلَ أحمدَ ابنِ حنبلٍ”، قالوا له: وأي شيء بانَ لك من فضلهِ وعلمه على سائر مَنْ رأيتَ؟ قال: “رجل سُئل عن ستين ألفَ مسألةٍ، فأجابَ فيها بأن قال فيها: حدثنا، وأخبرنا”([27]).

ونقل الخلال فقال: سمعت أَبا القاسم بن الجبُّلي -وكفاك به- يقول: “أكثرُ الناس يظنون أَن أَحمد ابن حنبل إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المِحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد ابن حنبل إِذا سُئِلَ عن المسأَلة كأَن علم الدنيا بين عَينيه”([28]).

ويقول الذهبي -وهو شافعي المذهب-: “وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنّة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه. وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق”([29]).

وعلَّق أبو يعلى على الخصلة الثانية التي ذكرها الشافعيّ قائلًا: “وأما الخصلة الثانية -وهي قوله: إمام فِي الفقه- فالصدق فِيهِ لائح، والحق فيه واضح؛ إذ كان أصل الفقه كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال صحابته، وبعد هَذِهِ الثلاثة القياس، ثُمَّ قد سُلم له الثلاث، فالقياس تابع، وإنما لم يكن للمتقدمين من أئمة السنة والدين تصنيف فِي الفقه، ولا يرون وضع الكتب ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السنن والآثار، ويجمعون الأخبار، ويفتون بها. فَمَنْ نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقَّاها عَنْهُمْ، ودراية يتفهمها منهم، ومن دقَّق النظر وحقَّق الفكر شاهد جميع ما ذكرته. وأما نقلة الفقه عَنْ إمامنا أَحْمَد فهم أعيان البلدان وأئمة الأزمان، منهم: ابناه صالح وعبد اللَّه، وابن عمه حنبل وإسحاق بن مَنْصُور الكوسَج المروزي وأبو دَاوُد السجستاني… وهم مائة ونيف وعشرون نفسًا”([30]).

وقال ابن عقيل: “من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث. وهذا غاية الجهل؛ لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وربما زاد على كبارهم”. وعلَّق عليه الذهبيُّ بقوله: “أحسبهم يظنّونه كان محدِّثًا وبس، بل يتخيَّلونه من بابة محدِّثي زماننا، ووالله لقد بلغ في الفقه خاصَّة رتبة الليث ومالك والشافعي وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضل وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رتبة شعبة ويحيى القطان وابن المديني، ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره”([31]).

ويقول الشيخ بكر أبو زيد: “وما كان أَغنانا عن البحث في هذا؛ لأَن ثبوت إمامة أَحمد في الفقه ومعرفته فيه وغوصه في فهم نصوص الوحيين الشريفين وفقه الصحابة والتابعين وشهرة ذلك كالشمس إلَّا أَنها تغرب، وهذا واضح للعيان لمن وقف على أَفعاله وأقواله في أَجوبته وفتاويه التي بلغت عشرات الأَسفار، يكتبها عنه مئات الأصحاب، وقد شهد بفقهه الأَئمة الكبار من شيوخه وأَقرانه وتلامذته، ممن لهم قدم صدق في الإسلام والعلم والورع والإيمان من أَئمة أهل العلم في الأَقطار، في بغداد والحجاز واليمن والشام ومصر وبلاد العجم، وقد ساق الذهبي أقوالهم في تاريخ الإسلام والسير وغيره في غيرها من سابق ولاحق. فَمِنَ الذين نَعَتُوْه بِالفقه: أَبو عبيد القاسم بن سَلَّام، وأَبو ثور، وعبد الله ابن المديني، وابن وارة، والنسائي، وصالح بن محمد جزرة، والبوشنجي، وأَبو زرعة الرازي، وإبراهيم بن خالد، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن آدم، وإبراهيم الحربي، وأَبو حاتم الرازي، والعجلي، ويحيى بن معين، كل هؤلاء نعتوه بالفقه. ومنهم من فَضَّله على غيره، وأَلحقه بطبقة التابعين؛ بل منح لقب: الإمام، وقد سمى ابن الجوزي بعض من لقبوه بالإمام، منهم: علي ابن المديني، وأَبو عبيد القاسم بن سلام، وبشر بن الحارث، ويحيى بن آدم القرشي، والذهلي، وأَبو ثور”([32]).

داء التعصُّب لا يحل بالتعصب وردة الفعل:

فالإمام أبو بكر بن أبي داود أخطأ، وينبغي علينا إذا وقفنا على الخطأ أن نعترف بذلك، ذلك أنه أحد أفاضل العلماء وليس بنبيٍّ؛ فالعصمة ليست لأحد بعد الأنبياء، وإن كان ما حصل منه هو في باب خلاف الأقران الذي لا يكاد يسلم منه إنسان.

ومثلُ هذا الأمر القاعدةُ فيه ما ذكر العلماء، وهو أنه يطوى ولا يروى، وهذا باب من أبواب النصاعة والبراعة مع الدّقة والإتقان في المنهج الإسلامي في الكلام على الرجال، فقد تنبَّه الفطناء من علماء الإسلام إلى أن الدوافعَ النفسية والغرائز الشخصية غالبًا ما تدفع إلى حصول العداوات بين الأقران، حتى وإن كان الرجل من أئمة الإسلام وأفاضل العلماء، فهم لا يسلمون من ذلك، فصاغوا لذلك هذه القاعدة: (كلام الأقران يطوى ولا يروى)([33]).

وعودًا على بدء، فقد كان هذا التعصب من الحنابلة على الإمام الطبري في آخر عمره، حيث قبض الله روحه بعد ذلك، ولكن عمى التعصب ما زال مدوِّيًا في نفوس عوام الحنابلة، ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وأبوا إلا أن يدفن في داره([34]).

الخاتمة:

ونلخّص فيها أهمَّ الدروس والنتائج:

  1. أن ما حصل من مشاحنات بين الإمام الطبري والإمام أبي بكر بن أبي داود -رحمهما الله- هو مما يحصل بين الأقران، وحقُّه أن يُطوَى ولا يُروَى.
  2. نتج عن هذه المشاحنة بينهما أن شحن بعض الحنابلة في بغداد حيث كان الإمام أبو بكر رئيسَهم، فتتبعوا عثرات الإمام الطبري وزلاته.
  3. من أهم الأخطاء الجوهرية التي وصلتنا مما أثاروه ضد الإمام الطبري:

أ- تصحيحه حديث غدير خم، وهي أقوى حجة لهم في نسبته إلى التشيع، وسيتمّ مناقشها في مقال مستقلٍّ.

ب- عدم إدراجه مذهب الإمام أحمد ضمن المذاهب في كتابه “اختلاف الفقهاء”؛ لاعتباره الإمام أحمد محدِّثًا وليس فقيهًا، ولعدم وجود نَقَلة فقهه، وعدم اكتمال أصول الفقه الحنبلي في ذلك الزمان، وهو ما فصلنا القول فيه هنا.

  1. ليس من الحقّ أن يعمَّم هذا التعصب الذي حصل من أفراد من المذهب الحنبلي على جميع الحنابلة، وينبزون به في كلّ عصر وفي كل مصر، بل الحقّ أن يفرق بين ما هو منهج يتبنَّاه جميع الطائفة المنسوب إليها قول من الأقوال، وبين الأفكار والتصرفات الفردية التي لا تمثِّل المذهب ككلّ، ولا يسلِّم به كل أطيافه ورجاله.
  2. التعصُّب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به دين الله، وهو الذي به صلاح المسلمين وفلاحهم، وأما التعصب للأشخاص والجماعات والأفكار والمذاهب فهو داء مقيت ينبغي على أهل الإسلام التخلُّص منه.
  3. لم ينفرد المذهب الحنبلي بهذا الوباء، بل هو منتشر بين المذاهب سواء الفقهية أو العقدية أو الفكرية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه الترمذي (2561)، ابن ماجه (4023)، والنسائي في “الكبرى” (7439)، وقال الترمذي: وقال: “حديث حسن صحيح”.

([2]) الجواب الصحيح (1/ 85).

([3]) الجواب الصحيح (1/ 85).

([4]) قال الذهبي: “وقد تكلم فيه أبوه وإبراهيم ابن أورمة، وينسب في الابتداء إلى شيء من النصب. ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده الوزير علي بن عيسى، فحدث، وأظهر فضائل علي رضي الله عنه، ثم تحنبل فصار شيخًا فيهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث”. سير أعلام النبلاء (13/ 228).

([5]) سير أعلام النبلاء (14/ 277).

([6]) ينظر: سير أعلام النبلاء (14/ 274).

([7]) ينظر: الكامل في التاريخ (6/ 677).

([8]) ينظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (13/ 217).

([9]) وبهذه الطبيعة حصلت خلافات بينه وبين غير الطبري من العلماء، يقول الإمام الذهبي: “كان شهمًا، قويَّ النفس، وقع بينه وبين ابن جرير، وبين ابن صاعد، وبين الوزير ابن عيسى الذي قرَّبه”. سير أعلام النبلاء (13/ 230).

([10]) معجم الأدباء (6/ 2450).

([11]) سير أعلام النبلاء (14/ 274).

([12]) ينظر: الكامل في التاريخ (6/ 678).

([13]) ينظر: معجم الأدباء (6/ 2451).

([14]) ينظر: معجم الأدباء (6/ 2443).

([15]) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص: 981).

([16]) مجموع الفتاوى (34/ 111).

([17]) مجموع الفتاوى (34/ 113).

([18]) مجموع الفتاوى (34/ 114).

([19]) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (1/ 365).

([20]) المعارف (1/ 494).

([21]) ينظر: سير أعلام النبلاء (13/ 79).

([22]) ينظر: تاريخ الإسلام (5/ 1015).

([23]) ينظر: سير أعلام النبلاء (11/ 195).

([24]) ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 5).

([25]) ينظر: سير أعلام النبلاء (13/ 114).

([26]) ينظر: مناقب الإمام أحمد (ص: 186).

([27]) ينظر: كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (1/ 14).

([28]) ينظر: مناقب الإمام أحمد (ص: 77).

([29]) سير أعلام النبلاء (11/ 291).

([30]) طبقات الحنابلة (1/ 6 وما بعدها).

([31]) سير أعلام النبلاء (11/ 321).

([32]) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (1/ 357 وما بعدها).

([33]) ينظر: كلام الأقران بعضهم في بعض، لأبي سفيان مصطفى باحوط. دار الضياء.

([34]) ينظر: البداية والنهاية (14/ 849).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

اشتراط القطعية في الدليل حتى يكون حجة.. رؤية موضوعية

تمهيد: في أهمية التسليم لأحكام الله تعالى: ليسَ للمسلمِ أن يتعاملَ مع الوحي بمحاذَرة أو يشترط لقبولِه شروطًا، فذلِك مناقضٌ لأصل التسليم والقبول الذي هو حقيقةُ الإيمان والإسلام؛ ولهذا المعنى أكَّدت الشريعةُ على ضرورة الامتثال، وأنه مِن مقاصد الأمر الشرعيِّ كما الابتلاء، ولا شكَّ أنَّ السعي إلى الامتثال يناقِض الندِّيَّة وسوءَ الظنِّ بالأوامر الشرعية، والناظِر […]

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال

مقدمة: كثيرةٌ هي دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها إخباره بما سيكون في المستقبل من الغيوب، فتحقَّق بعض ذلك على ما أخبر به في حياته وبعد موته؛ كالإخبار عن انتشار أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمته، والفتن الكائنة بعده، وغير ذلك مما أخبر به، ورآه الناس عيانًا، وبعضها […]

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي

اتَّفق سلف الأمة على أنه لا حجَّة لأحد على الله في تركِ واجب، ولا في فعل محرَّم؛ وتصديق ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، والمعنى: “لا حجَّة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده”، قاله الربيع بن أنس رحمه الله([1]) . فمن احتجَّ […]

السَّلَفيةُ..بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدِّمة: يتعرَّض المنهجُ السلفيّ لاستهدافٍ مستمرّ من الخصوم والمناوئين؛ بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، وذلك طبيعيّ لا غرابةَ فيه إن وضعناه في سياقِ الصراع بين اتِّجاه إصلاحيٍّ والاتجاهات المخالفة له، لكن الأخطر من دعاوي المناوئين وتهم الخصوم هو محاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار […]

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017