السبت - 09 صفر 1442 هـ - 26 سبتمبر 2020 م

المنهجُ النَّقديُّ لدى خصوم السلفيَّة -كمال الحيدريّ ودعوى التَّجسيم نموذجًا-

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كمال الحيدريّ ودعوى الموضوعية:

كمالُ الحيدريّ مجتهد شيعيّ معاصرٌ، له حضور كبيرٌ في القنوات الفضائية الشيعية وفي اليوتيوب، ويتكلم في قضايا عقدية وكلامية وفلسفية متنوعة، ويُظهر نوعًا منَ الانفتاح والرغبة في التجديد، في نزعةٍ نقدية بدأت تظهر كثيرًا عند بعض علماء الشيعة الذين هم في الغالب -وفيما يظهر- غيرُ مرضيٍّ عنهم من المراجع الشيعية المعتمدة، إلا أنهم رغم نزعتهم النقدية هذه ودعواهم الانفتاح غالبهم لا يزال داخلَ الإطار الشيعي في التفكير، ولا يزال متمسِّكًا بأصول مذهبِ التشيع.

ويكرّر الحيدريُّ دائمًا دعاواه بالنظر للأقوال دون اعتبار قائليها، طلبًا للموضوعية والعدل مع المخالفين، وهي دعوى يدَّعيها الكثير، لكن قليل من أولئك من يصدق فعلُه قولَه. وقد كنت أستمع إليه في بعض محاضراته المتعلقةِ ببعض قضايا علم الكلام، ولفَت انتباهي مقطعٌ له عن (التجسيم عند ابن تيمية)، فأحببت أن أرى رأيه في ذلك، وأنظر هل استطاع أن يطبق ما يقول به من موضوعية وانفتاح مع ابن تيمية، لكنني تفاجأتُ أنه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا. والحقيقَة أني لاحظتُ هذا على كثير من المنتسبين للفرق المخالفة لأهلِ السنة -أهل الحديث أتباع السلف-، فهم يتحلَّون بقدرٍ كبير من التسامح وحُسن الظنّ وحمل الكلام على أحسن محاملة مع كل الفرق والطوائف، إلا عندما يتعلقُ الأمر بأهل السنة، فإن المعايير تتغيَّر وتتبدل، وينقلب التسامح تعنّتًا، ويظهر الاعتسافُ في التفسير وسوءُ الظن.

إنَّ النقد أمر مطلوبٌ، ولا يمكن للعلم ولا للفكر أن يتطوَّر ويتخلَّص من أخطائه إلا بالنقد. وقد كان النقد أحدَ أعمدة المنهج السلفي على مدى تاريخه، فهو في الواقع حركة نقدية تصحيحيّة ذاتية. إلا أن النقد -كما يقول العلماء- لا بد أن يتوفر فيه بالإضافة إلى إخلاص النية والنصح للمنقود شرطان أساسيان: العلم والعدل. فإذا اختلَّ العلم صار النقدُ جهلًا وقولًا بلا علم، وإذا اختلّ الشرط الثاني صار النقد تحيزًا وظلمًا، والإنسان ظلوم جهول.

ومِن قدَر الله أن جعلَ ابنَ تيمية “قضيةً نقديةً”، فهو قضية في نقدِه للآخرين، وقضية في انتقادِ الآخرين له. فقد توسَّع في دراسة الأقوال والفرق والشخصيات، وتولى نقدها بما يراه حقًّا في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف. كما أنه صار محورَ نقدِ الفرق المخالفة لأهل السنة بحيث يكاد يكون نقدُ ابن تيمية كاشفًا لمنهج الناقد أكثرَ مما هو كاشف للمنقود. فنقد ابن تيمية صار عُقدةً مفصليَّة كاشفةً لمنهج خصومه النقدي، فهو الذي أبان مدى مصداقية المبادئ النقدية التي يدعونها.

ورميُ ابن تيمية بالتجسيم (وغيره من التُّهَم) ليس جديدًا عند خصوم ابن تيمية، لكن الذي دعاني لمناقشة هذا الموضوع عند الحيدريّ أمران:

الأول: ما أشرتُ له من إظهار الحيدري للموضوعية والتسامح والعلمية في تعامله مع المخالفين.

والثاني: أن هذه نقطة منهجية يقع فيها أكثر خصوم ابن تيمية، ويرُوج بسبب عدم الانتباه لها كلامهم على أتباعهم. فغلطهم ليس أمرًا جزئيًّا، بل غلط يتعلق بمنهج القراءة وفهم النصوص والنقد.

تنبيهات مهمَّة:

لكن قبل أن أبدأ بعرض منهجِ الحيدريّ وأسلوبه في قراءة نصوص ابن تيمية والحكم عليه، يجب أن أنبِّه على أمور توطِّئ للموضوع:

أولًا: ليس هدفي أن أنفي القول بالتجسيم عن ابن تيمية، فأعتقد أن هذا صار مِن تحصيل الحاصل؛ فكتُب ابن تيمية متوفرةٌ، ونصوصه صريحة في ذلك، وقد كُتب عن الموضوع كتابات كثيرة (تنفي عنه ذلك). فالمقصود بهذا البحث مناقشةُ منهج الحيدري في نسبته للتجسيم لابن تيمية، وأسلوب الاستدلال عند الحيدري، وليس نفي (أو إثبات) القول بالتجسيم لابن تيمية، فهذا له مجال آخر. فموضوع هذه الورقات (الحيدري) وليس (ابن تيمية).

ثانيًا: ابن تيميةَ ليس له نصّ صريح في القول بإثبات الجسم لله، فعلى كثرة ما كتب في الموضوع، وعلى شجاعته المعروفة عنه في طرح آرائه، لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بنص صريح يقول فيه ابن تيمية: “إن الله جسم”. ومن يعرف شجاعة ابن تيمية يعرف معنى هذا، فهو إذا اعتقد صحة قول أعلنه ونافح عنه؛ ولذلك سجن أكثر من مرة بسبب أقواله التي خالف فيها علماء عصره، سواء في الفقه أو في العقيدة. فلو كان يرى (التجسيم) لأعلنه.

ثالثًا: نصَّ ابن تيمية صراحة في مواضع من كتبه أن الحنابلة والسلف لهم قولان في مسألة (الجسم): (النفي) و(الإمساك عن النفي أو الإثبات). فمن نفى راعى أن القول بالجسمية لم يأت في النص وفيه تمثيل، فنهى عنه، ومن أمسك (فلم يثبت ولم ينفِ) توقف؛ لأن اللفظ لم يأت في الشرع، ولأن اسم (الجسم) يحتمل أكثر من معنى. ومن أهل الكلام من ينفيه بناء على مفهوم خاص له في (الجسم)، وهو المفهوم الكلامي الذي يتوصّل به إلى نفي الصفات.

رابعًا: وهذه نقطة مهمة لأنَّ لها تعلقًا بتفسير الحيدري لكلام ابن تيمية: ابن تيمية دائما يستفصل في معنى (الجسم) قبل أن يثبت أو ينفي، فيثبت المعنى الصحيح، وينفي المعنى المبتدَع الفاسد دون إثبات اللفظ.

خامسًا: نصّ ابن تيمية صراحة على أن السلف أنكروا التعطيل، وألفوا في ذمّ أهله والتحذير منه أكثر مما ذمّوا التشبيه -الذي يتفرّع منه التجسيم- وحذروا منه([1]).

بل نصّ صراحة على أنه “لم يذمّ أحد من السلف أحدًا بأنه مجسّم، ولا ذمّ المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضا المشبهة الذين يقولون: صفات الله كصفات المخلوقين. ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق…”([2]).

فلو كان يقول بالتجسيم لأعلن ذلك ولم يحابِ أحدًا.

سادسًا: ليس في أصحاب ابن تيمية ولا أتباعه إلى اليوم -فيما أعلم- من يقول بالتجسيم. ومنِ اتُّهم من الحنابلة -بهتانا- بالتجسيم -كأبي يعلى- متقدّم على ابن تيمية. ومع ذلك لم يدافع ابن تيمية عن أبي يعلى في هذا، بل نفى عنه هذه التهمة. فلو كان يقول بالتجسيم لوجدها فرصة لتثبيت هذه التهمة؛ لنصرة قوله. بل إن ابن تيمية نبّه على ما حصل من بعض الحنابلة من غلو، فقال: “وفي الحنبلية أيضا مبتدِعةٌ، وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر، وبدعتهم غالبًا في زيادة الإثبات في حق الله وفي زيادة الإنكار على مخالفيهم بالتكفير وغيره”([3]).

فأنت تراه ينكر على أصحاب مذهبه الحنبليّ زيادتَهم في إثبات الصفات على الوارد عن السلف، وينتقدهم في ذلك.

هذه النقاط الستّ لا بدَّ من استحضارها عند مناقشة (قراءة) الحيدري لنصوص ابن تيمية. وكما ذكرت، لا يهمّني رأي الحيدري في ابن تيمية، إنما الذي يهم هو (منهج) القراءة لديه، الذي يصلح أن يكونَ نموذَجًا لقراءة خصوم ابن تيمية له، ويكونَ بصورة أوسع نموذجًا لقراءة الخصوم للسلفية. وهو منهج عانى منه أتباع التوجّه الأثري منذ القدم؛ لأنه منهج قائم على سوء الفهم، وسوء التفسير، وبتر الكلام، وإخراجه عن سياقه، والتشنيع بالألقاب. وجدَّده في هذا العصر وتوسَّع فيه الكوثريّ، وعنه نقل أكثر من جاء بعده وتوسَّع فيه.

وأريد أن أنبِّه على نقطةٍ مهمةٍ فيما يتعلَّق بفهم النصّ وتفسيره، وهي أن القارئ للنص غالبًا ما يفسّره بما يتناسب مع آرائه السابقة. وغالبا -وليس دائما- ما يكون هذا لا شعوريًّا، فالقارئ للنص لا يشعر بما يقع فيه من تحيز أو خطَأ واضح أحيانًا في الفهم. وأحسب أن الحيدريَّ وقع في هذا؛ لأن الشيخ الحيدريَّ ممارس لأقوال علماء الكلام، ومتمرس في قراءة نصوص الخصوم، ومطّلع على آليات الاستدلال وقراءة النصوص وتفكيكها، فيبعد جدًّا أن يكونَ ما وقع فيه خطأً عارضًا، لكن يغلب على ظني أن الشيخَ الحيدري وقع في (متلازمة التحيّز)، وهي أن يسارع العقل إلى قبول -أو إيجاد- التفسير الذي يتوافق مع ما تقرر عنده سلفًا. لكني لا أخفيك -عزيزي القارئ- أني بعدَ جولة في مقاطع الشيخ الحيدري عن ابن تيمية وبعض أتباعه صار من الصّعب عليّ جدًّا (والصعب على أيّ منصف) أن يستبعد سوء القصد لدى الشيخ الحيدري؛ فهناك تدليس متعمَّد، ورغبة أكيدةٌ في التشويه، وتعسف في تحريف كلامٍ واضحِ المعنى، يصير معه حسنُ الظن نوعًا من السذاجة ونمطًا من إهمال كل القرائن التي تشير إلى الموقف الحقيقي للشيح الحيدري.

وعلى أيّ حال فـ(الدافع) لا يهمّني كثيرا، إنما يهمّني بيان مجانبة الحيدري للعلمية والموضوعية في قراءة نصوص ابن تيمية التي استشهد بها.

النصوص التي استشهد بها الحيدري لنسبة ابن تيمية للتجسيم:

استشهد الشيخ الحيدري بثلاثة نصوص، سأعرضها مع بيان المعنى الصحيح الواضح لها دون تكلّف، ثم أعرض (تفسير) الشيخ الحيدري لها، وأبين منشأ الغلط في قراءته.

وليُعلم أن للحيدري كلامًا كثيرًا في موضوع اتهام ابن تيمية والوهابية بالتجسيم (وغيره من التهم)، ولم أتقصَّد تتبّع كلامه في ذلك، وهو يستحقّ أن يُتتبع؛ لبيان ما فيه من الخلل العلمي والمنهجي والأخلاقي، وليكون نموذجًا يُضمّ إلى النماذج الكثيرة للمتجنّين على ابن تيمية وعلى المنهج السلفيّ.

المقطع الذي سيكون محورَ المناقشة موجودٌ على اليوتيوب بعنوان: (دليل ابن تيمية على إثبات الجسم لله)([4]). وقد رأيت أن الحيدريَّ كرر كلامَه هذا في عدد من اللقاءات في قنوات فضائية.

بدأ الحيدريّ بتقرير أنه لا يوجد في القرآن نصّ يقول: “إن الله ليس بجسم”.

ثم قرر أن الجسم هو “ما له أبعاد ثلاثة”. وهذا أحد التفسيرات لـ(الجسم) وليس التفسير الوحيد. وهو ما لم يُشر إليه الحيدري.

ثم ذكر أنَّ الذين نفوا الجسميَّةَ استدلّوا بأدلَّة عقليةٍ فلسفية([5])، وأنه بناء على كلامهم لزم من القول بجسميته وحدوثُه، مضافًا إلى أدلة نقلية، ولم يذكر ما هي هذه الأدلة النقلية.

ثم يتباهى بأنه كتب في رد (جسمية ابن تيمية) كتابًا في 500 صفحة بعنوان: (التوحيد عند الشيخ ابن تيمية).

إن أيّ قارئ -أو مستمع- للحيدري يتوقّع من باحث كتب كتابًا عن التوحيد عند ابن تيمية، ويريد أن يثبتَ أن ابن تيمية يقول بالتجسيم، لا يتصور أن تعوزَه الأدلة من كلام ابن تيمية، ولا يتوقّع أن يضطر للّجوء إلى أساليب غير علمية وغير أخلاقية في الاستدلال والنقد.

وحتى نتبين الأمر للنظر أدلة الحيدري على (تجسيم ابن تيمية) المزعوم.

استشهد الحيدريّ على نسبة القول بالجسمية بثلاثة نصوص، سأعرضها وأعرض كلام الحيدري عنها.

النص الأول:

“… وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا: هو جسم، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها. وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل الكلابية وأئمة الأشعرية وهو مذهب الكرامية، ومن المعلوم أن بين إثبات الأشعرية ونحوهم له وبين إثبات الكرامية ونحوهم له فرقا وكثير منهم ينفي…”([6]).

هذا هو النص، وأرجو -أخي القارئ- أن تعيد قراءته؛ لتفهم معناه.

ودعني أعيد كلام ابن تيمية مضيفًا عليه بعض الكلمات -بين قوسين- التي تبين المقصود.

وإن أردت (يا رازي) أنهم (أي: الحنابلة) وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد، وذلك يقتضي (عند أهل الكلام) التجزئة والتبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي (عند أهل الكلام) أن يكون جسمًا، والجسم (عند أهل الكلام) متبعّض ومتجزئ، وإن لم يقولوا (أي: الحنابلة): هو جسم، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك (أي: وصفه بالصفات الخبرية)، بل هذا (أي: وصفه بالصفات الخبرية) مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها.

ثمّ انظر كيفَ حرَّف الحيدري الكلام بما لا يمكن أن يخطر على بال عاقلٍ منصف، وسأضع كلام الحيدري التوضيحي بين معقوفين:

وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد، وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا: هو جسم، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك [أن الله جسم، ماكو مشكلة] بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها. [كلهم يقولون: إن الله جسم].

فالحيدري عدّ عبارة (… وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا هو جسم) من كلام ابن تيمية، بينما من الواضح أن هذه العبارة تابعة للكلام المقول على لسان للرازي؛ لأن هذا هو قول أهل الكلام، وأنها جاءت قبل قول ابن تيمية (فيقال…).

فتأمَّل كيف فهم الحيدري كلام ابن تيمية، وكيف دسّ فيه عباراتٍ أجنبيةً عنه؛ ليختلق المعنى الذي يريده، ولا يمكن أن يفهمه أحد من كلام ابن تيمية.

فابن تيمية يقرّر أن إثبات الصفات الخبرية (القول بأن لله وجهًا ويدًا، وأنه استوى على العرش…) هو مذهب جماهير أهل الإسلام وسلف الأمة. وهذا حق، لكنهم لا يفسرونها التفسيرات الكلامية التي تستلزم التجسيم عند أهل الكلام -ومنهم الرازي-. فالحيدري حرف كلام ابن تيمية بأن المقصود أنهم يقولون بأنه جسم([7]).

ولا أدري كيف تكوَّن هذا الفهم عند الحيدري! ولا أدري كيف يقبله أتباعه ومريدوه! وبهذه المنهجية في القراءة والتفسير يمكن لأيّ أحد أن يفسِّر الكلام بما يريد.

ولاحظ -أيها القارئ الكريم- أن هذا (دليل) الحيدري الأول على تجسيم ابن تيمية!

قد يقول قائل: لا بأس، هذا فهمٌ أخطأ فيه الحيدري، أو التبست عليه مراجع الضمائر وأسماء الإشارة. ومع أن هذا ليس بعذر؛ لأن الحيدريَّ كتب كتابًا عن ابن تيمية، ومارس قراءة كتب الكلام، فلا يمكن أن يشكِل عليه مثل هذا الكلام. لكن على أي حال، دعنا ننتقل للنص الثاني -دليل الحيدري الثاني على تجسيم ابن تيمية-، فقد يزيد الأمور وضوحا.

النص الثاني:

“ومعلومٌ أنَّ كونَ الباري ليس جِسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل مقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمّل وترك التقليد، وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدوما…”([8]).

فابن تيمية يقرِّر في هذا النصّ الواضح أن القول بأن الله ليس بجسم ليس أمرًا فطريًّا، إنما يحتاج إلى استدلال عسير. والحيدري في بداية مقطعهِ قرر هذا، وقال: إن دليل عدم جسمية الله يتمّ ادِّعاؤه بناء على استدلالات فلسفية عقلية! فماذا قال ابن تيمية غير هذا؟!!

لكنه يخالف ما قرره، كما في موقعه([9]): “إذن هو عندما يقول: إن نفي الجسمية ليس أمرًا فطريًّا، إذن إثبات الجسيمة يكون من الأمور الفطرية، يقول: (ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة) يعني: نفي الجسمية ليس قريبًا من الفطرة، (ولا بمقدمات بينة في الفطرة ولا بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء) هذه كلّها يريد أن يرد نظرية نفي الجسمية. هل هناك أوضح من هذا؟ لا عقلًا ولا فطرةً يثبت لنا أن الله ليس بجسم”.

ثم يبين ابن تيمية أن طوائف من أهل الكلام -وليس السلف- يقدحون في تلك الأدلة، ويقولون (تلك الطوائف من أهل الكلام، وليس ابن تيمية): بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب (أي: أن الله ليس بجسم)، وأن القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا…

فليس لابن تيمية هنا قول في موضوع الجسمية. هو يقرر أن دليلَه عقليّ فلسفيّ غامض، (وهو ما أقرَّ به الحيدري في بداية المقطع، لكن يبدو أنه نسي!)، ثم يذكر أن طوائف من أهل الكلام خالفت وادَّعت أن القواطعَ العقليةَ قامت على خلاف ذلك. ومن تلك الطوائف سنة وشيعة، وقد ذكر بعضَهم الشيخ الحيدري في مقطع آخر. وليس من تلك الطوائف أحد من السلف!

كيف فهم الحيدري النص؟! وكيف فسره؟!

بدأ أوّلا قراءةَ النص وفسَّره حرفيًّا تفسيرًا صحيحًا، لكن بنبرة استنكارية، وكأنه يحاول تنفير المستمع منها. مع أن ما قاله ابن تيمية هو عين ما قرره الحيدري بشأن دليل (عدم الجسمية). لكن نبرة الحيدريّ تهيئ المستمع لاستعظام ما سيقال. ولو اقتصر الأمر على هذا لهان! لكن الداهية الدهياء تأتي بعد ذلك، وذلك بأن يقفز الحيدري كلامًا مهمًّا وهو قول ابن تيمية: (وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون…).

ويبدأ من (… بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب…) ويفسر ذلك بـ(أدلته) يعني أدلة ابن تيمية. ويضيف الحيدري “موضّحا”: “أي: أن الله ليس بجسم. أنت تقول: قامت القواطع العقلية أن الله ليس بجسم، وهو يقول: قامت القواطع العقلية أن الله جسم”.

ولا أعتقد أنَّ الأمر يحتاج إلى كبير تأمّل في تلبيس الحيدري، وضعف أمانته العلمية -بل خيانته العلمية- في هذا العمل. فالكلام الذي ينسبه ابن تيمية صراحة إلى طوائف من أهل الكلام تحوَّل بسبب فقد الأمانة العلمية وسوء القصد إلى قول لابن تيمية. فأين قال ابن تيمية في هذا النص: “إن الله جسم”؟!

ولأبيّن لك شناعة فعل الحيدري دعني أسوق النصَّ بحسب قراءة الحيدريّ، ثم أسوقه كما هو في الكتاب ليتَّضح الفرق العظيم:

نصّ قراءة الحيدري:

“ومعلوم أن كون الباري ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل مقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد… بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما…”.

نص ابن تيمية:

“ومعلومٌ أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل مقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون: بل قامت القواطع العقليَّة على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسِه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا”.

فهل النَّصَّان متساويان؟! وهل يستجيز أحد ينتسب للعلم أو يتّقي الله فيما يقول أن يساويَ بينهما؟!

ثم يقرِّر على العبارة الأخيرة (وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا) -التي ليست من كلام ابن تيمية، إنما ينقلها عن أهل الكلام- أن من لا يقول: إن الله جسم؛ فإنه يعتقد بعدم وجود الله، فهو إذن ملحد! وينسب ذلك لابن تيميّة.

فابن تيميةَ يسوق كلام (طوائف من أهل الكلام)؛ ليبين أن الاستدلال العقليَّ على نفي الجسمية ليس قطعيًّا ومتفقًا عليه بين أصحاب المنهج العقليّ. والحيدري بكل جرأةٍ يحذف كلامًا مهمًّا ظاهرًا في الصورة يبيّن من القائل، وينسب الكلام لابن تيمية!

أي قيمة علمية تبقى لدروس الحيدري وآرائه واستنتاجاته وكلامه الكثير مع ما وقع فيه في هذين النقلين من سوء الفهم والتلبيس؟! لا أظنه يوجد إفلاس علميّ -وأخلاقي- أكثر من ذلك.

هذا، والحيدريّ يصطحب كتبه التي ينقل منها ويعرضها على مشاهديه، فكيف لو كان ينقلها كتابة؟! وهو في ما يظهر يفعل ذلك إمعانًا في التلبيس على حضور دروسه ومشاهديه، وإيهامًا لهم بأنه دقيقٌ في نقله وموضوعيّ في حكمه.

إنَّ فائدةَ النقل بالنصّ والإحالة للكتاب بالجزء والصفحة وتصوير النصوص المنقولة هو تأكيد الأمانة العلمية والتوثيق وطمأنة القارئ بالاعتماد على النص حرفيًّا. فما فائدة ذلك كله إذا كان الناقل يفسّر الكلام بما لا يحتمله، وإذا كان يزيد فيه وينقص بما يحقِّق مراده من النص لا بما يدلّ عليه النص، بل بما يخرجه عن معناه الأصلي الذي قصده المؤلف، وربما يجعله على العكس تماما؟! لا فائدة من ركم الكتب وعرض النصوص -في هذه الحالة- إلا خداع المشاهد!

فهذا هو “الدليل” الثاني للحيدري على قول ابن تيمية بالتجسيم. ليس فيه أي دليل لا مباشر ولا غير مباشر، بل هو دليل واضح على إفلاس الحيدريّ وافتقاده للأمانة العلمية، واستخفافه بمشاهديه وطلابه، بل هو (بانضمامه لدليله الأول) دليل أكيد على عدم وجود الدليل، ودليل على التجني والتعسّف.

إن هذين الدليلين اللذين ساقهما الحيدري لا يدلان على تجسيم ابن تيمية بأي حال، إنما يدلان بكل وضوح على الخيانة العلمية والتعصّب وفقد الحجة.

ومع هذا فيأبى الحيدري إلا أن يستوعبَ كلّ أغلاط الاستدلال وأساليب التلبيس؛ فلذلك يسوق “دليلا” ثالثا. فدونك دليل الحيدري الثالث:

النص الثالث:

“وهذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة، ولا في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام. فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في:

الوجه الثامن: وهو أن يقول: غاية ما ألزمتني به من حجة الدهرية أن يقال بقدم بعض الأجسام؛ إذ القول بقدم الأجسام جميعها لم يقل به عاقل. والقول بخلق السموات والأرض لم تدلّ هذه الحجة على نفيه، وإنما دلَّت -إن دلَّت- على قدم ما هو جسم أو مستلزم لجسم، وهذا مما يمكنني التزامه، فإنه من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم؛ إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه أو الموجود أو الموصوف، فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول بحدوث كل موجود وموصوف وقائم بنفسه، وذلك يستلزم بأن الله تعالى محدث…”([10]).

بشكلٍ واضح وصريح يقول ابن تيمية في هذا النص: “وإنما دلَّت -إن دلَّت- على قدم ما هو جسم أو مستلزم لجسم، وهذا مما يمكنني التزامه، فإنه من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم”، من قال لكم: إن كل جسم حادث حتى يلزم أن يكونَ الله حادثًا؟ يقول: “فإن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم”، إلى أن يأتي في (ص401) يقول: فأقول”، إذن هذا كلام ابن تيمية، فهو ليس نقلًا عن الآخرين، وإنما هو كلامه: “فأقول إذا كانت هذه الحجة التي عارضتمونا بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة من غير أن تعين جسمًا أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه بأنه الجسم القديم هو الله سبحانه”. يقول: إذا ألزمَنا أحد أنه يوجد جسم قديم، نقول: نعم هناك جسم قديم هو الله سبحانه وتعالى (كما يقوله المثبتون) للجسمية، لا النافون للجسمية. هذه هي النقطة الثانية.

فأين التصريح بإثبات الجسم لله؟! بالتأكيد لا يوجد.

إذن الحيدري يستنتج من “كلام” ابن تيمية، لكن هذا الكلام يسوقه ابن تيمية في مقام الجدل والتنزّل، وهذا واضح من سياق الكلام من أوله، ففي الصفحة السابقة كان يجادل الرازي على لسان (الفيلسوف)، وكلامه هنا امتداد لهذا الجدل. فابن تيمية يقول: “وهذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة، ولا في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام. فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في: الوجه الثامن: وهو أن يقول…”. ويكمل الكلام على لسان الفيلسوف أو المثبت للجهة. والحيدري يعلم هذا -كما في موقعه-، لكنه يصرّ على أن هذا الكلام لابن تيمية!

فلو كان هذا احتجاج ابن تيمية فما الذي يدعوه إلى افتتاح الوجه الثامن بعبارة: “وهو أن يقول”؟!

ومع ذلك فلنفرض جدلا -أرجو أن تنتبه أني أقول: نفرض جدلًا- أن ابن تيمية قال بالتزام القول بالجسم، فهو عرّف الجسم الذي يقصده، أي: معنى الجسم الذي يلتزمه، عندما قال في نفس الفقرة التي قرأ أولها الحيدري: “إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف”.

لكن الحيدري لما وصل إلى هذه الجملة المهمَّة والمفيدة في بيان القضية قيد البحث، وهي قول ابن تيمية: “إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف” قطع القراءة! مع أن هذه العبارة مهمة جدًّا؛ لأنها توضح المعنى الذي يقصده بعض من أثبت الجسم، وهو: (القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف)، أي: ليس المفهوم الكلامي الذي يعني المركب أو المكون من الأجزاء المفردة… إلخ. فمن أثبت الجسم أثبته بمعنى (القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف). وتوقف الحيدري عن إكمال العبارة، وجمجمته عند بدء قراءتها تؤكِّد لي سوء قصده، وأن ما وقع فيه في هذه النصوص الثلاثة ليس سوء فهم عفويّ، بل خيانة علمية وتدليس.

ولاحظ أن ابن تيمية قال: “الجسم عندهم…”، ولم يقل: عندنا! وهذا يؤكّد أنه يسوق الكلام على لسان آخرين من باب التنزّل في الجدل.

والغريب أن الحيدري -ربما إمعانًا في الاستخفاف بعقول متابعيه- لم يبالِ بظهور هذه العبارة في الصورة، بحيث يقرؤها أيّ مشاهد.

في هذا النقل الثالث أكمل الحيدري طيفًا من الأغلاط والتلبيسات؛ ليستوعب عامّتها في قراءة ابن تيمية، مع أني لم أتتبع كلامه في مقاطع أخرى حول الموضوع.

فهذه ثلاثة نصوص، وليست نصًّا واحدًا، وقد ذكرها في أكثر من مقطع يوتيوب وقناة، كما وضعها في موقعه على الإنترنت. فهي لم تأتِ عرضًا، أو حالَ استدلال آني.

فثبت من خلال تأمّل هذه النصوص الثلاثة التي كرر الشيخ الحيدري الاستشهاد بها في أكثر من مقطع ووضعها في موقعه أمور:

1- أنه لا يوجد نصّ لابن تيمية في إثبات الجسم لله تقدس وتعالى؛ لأنه مع حرص الحيدري على إيجاد مثل هذا النص وتأليفه كتابًا عن (التوحيد عند ابن تيمية) لم يجد نصًّا بذلك.

2- قيام الحيدريّ بتحريف كلام ابن تيمية يخالف ما هو واضح من كلام ابن تيمية.

3- تدليس الحيدري بنسبة كلام غير ابن تيمية لابن تيمية.

4- تناقضه بحيث يقرّر الأمر ثم يستنكره من ابن تيمية.

والحقيقة أني لا أدري ما حال الكتاب الذي كتبه الحيدري عن (التوحيد عند ابن تيمية) في أكثر من 500 صفحة، إذا كان هذا هو أسلوب الفهم وطريقة الاستدلال لديه! من هذه الأمثلة الثلاثة التي أوردتها هنا لا أظنّ أنه يصعب على أي باحث أن يتوصَّل لحكم على علمية كتاب الحيدري وموضوعيته وأمانته.

إنني من خلال الاطّلاع على ما قاله الحيدري في هذه النقول الثلاثة السالفة وغيرها لا يدهشني السقوط العلمي -على شناعته- بقدر ما يدهشني السقوط الأخلاقي([11]). فما من عالم إلا ويخطئ الفهم، أو يسهو، أو يغلبه الهوى الخفي في مواضع، فهذا كلّه محتمل، ويتوقعه العلماء بعضهم من بعض، لكن الداهية الدهياء في العلم، والعيب الذي لا يُقبل فيه العذر، والسوأة التي لا يمكن سترها هي السقوط الأخلاقي الذي يأتي في صورة الكذب والتدليس والتزوير والبهت. فهذه تقدح في أمانة العالم -والعلم أمانة-، وتقدح في خلقه، ولا يستمرئها إلا وضيعُ الطبع دنيء الخلق. و”هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

وأنا على يقين أن الحيدري -ومن على شاكلته- لم يلجأ إلى هذا الأسلوب إلا لسببين:

الأول: إفلاسه من الحجة والدليل.

والثاني: يقينه أن تلامذته ومن يستمع إليه لن يتتبعوا أقواله ولن يفكّروا فيها، بل سيقبلونها ويسلمون بها وسينقلونها دون تدقيق. وقد يكون هذا طبعًا نشأ عليه لا يستطيع الانفكاك منه.

وهذه الطريقة في البحث عند الحيدري تفقد كلَّ كتبه ومحاضراته قيمتها العلمية، وتحتِّم على كل قارئ أن يحتاط عند القراءة أو السماع له. فمن لا يفهم كلام العلماء، أو يسيء تفسير نصوصهم، أو يفتقد الأمانة العلمية فيما ينقله عنهم أو ينسبه لهم من أقوال، ليس بأهل لأن يوضع في زمرة العلماء، ولا أن يوثق به أو بنقله أو فهمه. وأولئك هم آفة العلم والتدين.

وأختم برجاءٍ أوجّهه لخصوم السلفية، وخصوم ابن تيمية خاصّة: سئمنا وضجرنا من كذبكم وتلفيقكم وألاعيبكم في كلامكم عن ابن تيمية، صار أمر قراءتها والردّ عليها مملًّا بالنسبة لنا؛ لأنه لا جديد فيها إلا التنويع في الإفك وسوء الفهم والتلبيس وبلادة الحجة. ترتكبون من الأخطاء ما لا يقع فيه مبتدئو الطلبة. وكل ذلك نقمة منكم على ابن تيمية وحسدًا له. وأنتم لا تعودون في كلِّ مرة إلا بالخيبة والفضيحة. فكم أسأتم فهم كلامه! وكم حرفتموه! وكم تجاهلتم! وكم حذفتم وزدتم إمعانا في التلبيس! لكن لا أظنّ ذلك يروج على طلبتكم، فضلا عن أن يروج على أنصار ابن تيمية. كذبُكم وخيانتكم العلمية تروج على فئة واحدة: الذين لا يقرؤون ابنَ تيمية ولا يريدون أن يقرؤوه. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

انقُدوا ابن تيمية، ففي النقدِ حياة العلم، لكن اتركوا الكذبَ عليه والتدليس. قولوا: إنكم تلزمونه إلزامًا بحسب ما تعتقدونه أنتم! قولوا: إنكم تقولون وتكتبون ما تعتقدونه عن ابن تيمية، لكن ليس لديكم أدلة من كلامه، وأنتم بهذا وإن سقطَت حجتكم، لكن تكونون أقرب للعدل وأدنى للحقيقة. وأيما اخترتم فسيبقى ابن تيمية يعلو وتسقطون، ويضيء وتنطفئون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: العقود الذهبية (1/ 169).

([2]) بيان تلبيس الجهمية (1/ 372).

([3]) مجموع الفتاوى (20/ 186).

([4]) نشر بتاريخ: 17/ 5/ 2018م، على الرابط:

([5]) وتذكّر هذه النقطةَ -أيها القارئ- فسنحتاج إليها بعد قليل.

([6]) بيان تلبيس الجهمية (1/ 251). وقبل هذا كلامٌ جيّد، يحسن أن يُطَّلع عليه، يساعد على الفهم، وهو: “فيقال: إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض، وأطلقوا ذلك عليه من غير نفي للمعنى الباطل، وقالوا: إنه يتجزأ أو يتبعض وينفصل بعضه عن بعض، فهذا ما يعلم أحد من الحنابلة يقوله، هم مصرحون [بنفي ذلك]، وإن أردتَ إطلاق لفظ البعض على صفاته في الجملة فهذا ليس مشهورًا عنهم، لا سيما والحنابلة أكثر اتّباعًا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية بإثبات لفظ الجسم، فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين والحنبلية، وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا اللفظ كما سنذكره إن شاء الله، وليس للحنبلية في هذا اختصاص، ليس لهم قول في النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم؛ إذ هم لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والائتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات، وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي والإثبات، فهو أقرب من الغلط الموجود في الطرفين في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والاتباع”.

([7]) كلام ابن تيمية الذي يقرر فيها موقفه من (الجسمية) كثير ومتنوع ومتفرق في كتبه، لكن انظر مجموع الفتاوى (5/ 434)، ففيه تحقيق مفيد، لا تكاد تجده عند غير ابن تيمية.

([8]) بيان تلبيس الجهمية (1/ 359).

([9]) http://alhaydari.com/ar/2011/10/14007/.

([10]) بيان تلبيس الجهمية (1/ 399).

([11]) وهو الأسلوب نفسه الذي يمارسه سعيد فودة مع ابن تيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

إنكار الإمام محمد بن عبد الوهاب للشفاعة – بين الدعوى والحقيقة-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يقول شارل سان برو عن حالة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: “كان المجتمع الإسلامي يعاني من الخرافات والأوهام، ومن الشعائر الوثنيَّة، والبدع ومخاطر الردة، كان مفهوم التوحيد متداخلًا مع الأفكار المشركة، وكانت المنطقة برمتها فريسة الخرافات والطُّقوس الجاهلية العائدة إلى ظلمات العصر الجاهلي، حيث كان الناس […]

شعار “التنمية هي الحلّ” بين السلفية والليبرالية العربية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة التنمية هي الحلّ، ومن ذا الذي يُمكن أن يُخالف في ذلك إذا علم أن مصطلح التنمية مرادف لمصطلحٍ قرآني هو الاستعمار في الأرض الذي هو الغاية من خلق الإنسان على هذه البسيطة؟! لأن الغاية المطلقة من خلق الإنسان هي الاستعباد لله، وهي غاية يُشاركنا فيها الجن؛ كما قال تعالى: […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017