السبت - 27 جمادى الأول 1448 هـ - 07 نوفمبر 2026 م

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

A A

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب الفكر الإسلاميَّ فحسب، بل أصاب الدعوة الإسلامية والتعليم الإسلامي والتفكير الإسلامي!

ولا شكَّ أنَّ من يريد أن يُخرج هذه الأمة إلى ساحات اليقين والمعرفة الحقَّة بالله وبرسوله وبهذا الدين يحذِّر من التَّقليد المذموم، ويبيّن شناعاتِه وجنايتَه على العقل المسلم، وقد سبق بنا الحديث عن التقليد المذموم([1])، والتقليد مقابل الدليل بالخصوص؛ لأنَّه أشدّ أنواع التقليد ذمًّا وأكثرها وقوعًا([2]). وفي هذا المقال نتحدَّث عن آثار التقليد المذموم؛ لنكون قد وضعنا أيدينا بدقة على المرض وأوصافه وآثاره([3])، ويكون ذلك عبر النقاط الآتية:

أولًا: أنه طريقٌ محفوفةٌ بالمخاطر:

التقليد المذمومُ طريق محفوفة بالمخاطر، وهو مثل رجلٍ يأتي إلى طريقين: إحداهما طريق واضحة بيّنة آمنة، على جنباتها النور، وتؤدّي إلى مخرج محدّد معلوم، والطريق الثانية مظلمة مليئة بالأشواك والمنحدرات والحفر والمستنقعات، ومع ذلك دخل هذا الرجل هذه الطريق؛ لأنه رأى غيره -ممن ليس معه شيء يميّزه- دخلَ هذه الطريق فدخل خلفه، فصار يتخبَّط يمنة ويسرة حتى هلك.

وهكذا التقليد المذموم، فالإنسان قد يتبع أحدًا لتعصُّبه له كأن يكون أباه، أو شيخَ قبيلته، أو شيخ مذهبه الذي لا يرضى بغيره بدلًا وإن ظهرت الأدلة، فلا يدري أين يقوده هذا المقلَّد؛ إلى الحقّ والجنة، أم إلى الضلال والنار!

وهذا من جنس ما وقع فيه المشركون، فقد أدَّاهم التقليد المذموم إلى الكفر والضلال، والتقليد المذموم داخل الشريعة الإسلامية هو من ذلك الجنس سواء، يبين ذلك ابن عبد البر رحمه الله، فإنه بعد أن سرد الآيات التي فيها ذم التقليد كقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 166، 167]، وقوله: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء 52، 53]، وقوله: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67] قال: “وقد احتجَّ العلماءُ بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من جهة الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجّة للمقلّد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وَجهَها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، وقد ثبت الاحتجاج بما قدَّمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك”([4]).

فلا فرق بين مقلِّدة الكفَّار ومقلِّدة الآباء وغيرهم، الذين يقلِّدون جهلًا وتعصُّبًا وليس لمعيارٍ صحيح ومبرِّر شرعيٍّ سليمٍ، وكلا التقليدين يؤدِّيان إلى تخبُّط في الآراء والأفكار، وإلى الضلال والبدعة والكفر.

ثانيًا: أنَّه يؤدي إلى التَّفرق ويكثر من الاختلاف:

لا شكَّ أن التفرقَ والاختلافَ ممَّا تنبذه الشريعة، وقد ذكر الله ذلك مرارًا في كتابه مثل قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

والتَّقليدُ المذموم ممَّا يؤدّي إلى التفرق والاختلاف، فكلُّ أحد يدَّعي أن الحقَّ مع مقلَّده، ولا يجمع الناس إلا الحقّ وسبيله، وقد أكَّد الله سبحانه وتعالى على ذلك فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

يقول القرطبي رحمه الله: “قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدَّم، فإنَّه لما نهى وأمر حذَّر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبيّنه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف… فأمَر باتّباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، ونهايته الجنة، وتشعَّبت منه طرق؛ فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار”([5]).

وهذه الطرق الخارجة عن سبيل الله كما أنَّها يمكن أن تكونَ طرق الكفر والشرك، كذلك تكون طرق البدعة والضلال، والتقليد في الاثنين سواء، يقول ابن عطية رحمه الله: “وهذه الآية تعمّ أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمّق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلّها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد”([6]).

فالتقليد المذموم بحرٌ عميق قلَّ من ينجو منه، سواء كان ذلك في الأديان، أو حتى في المذاهب والفرق، يقول الغزالي رحمه الله: “إن اختلافَ الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق وتباين الطرق بحرٌ عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون”([7]).

ثالثًا: أنه يورثُ الخروج عن نصر الله وتوفيقه:

من أعجبِ ما يورثه التقليد المذمومُ أنَّه يُخرج الإنسانَ عن توفيق الله سبحانه وتعالى؛ لذا نجد أممًا من الناس تتبع قادتها وتقاليد آبائها في عقائد واضحة البطلان، هشَّة في البناء العلميّ، ضعيفة في الميزان العقليّ، ومع ذلك يتبعها دكاترة ومهندسون ومثقَّفون وقادة سياسيون([8]). وكل ذلك لأنَّ من اتبع غير سبيل الهدى بعد ظهور الدليل قد يحرمه الله من التوفيق، والله سبحانه وتعالى يقول في ذلك: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

فالتقليد على هذا الحال مُورثٌ الابتعاد عن توفيق الله، يقول الشوكاني رحمه الله: “وفي هذه الآية من الوعيد الشَّديد الذي ترجف له القلوب وتتصدَّع منه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحُجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه تركَ الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسُّنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما، فإنَّ غالب هؤلاء وإن أظهر قبولًا وأبان من أخلاقه لينًا لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإنّ فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنَّة رسوله، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة وجهالة بينة ورأي منها، وتقليدٌ على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من وليّ ولا نصير، ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالةَ، وهالك بلا شكّ ولا شبهة“([9]).

رابعًا: أنه يورث الشحناء والتلاعن في الآخرة:

التَّقليد المذموم يورث الشحناء والتلاعن في الآخرة بين المقلِّد والمقلَّد، وقد ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه، فقال تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 38، 39].

يقول الطبري رحمه الله: “فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادَّاركوا، قالت أخرى أهل كل ملَّة دخلت النار الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تَقَدَّمتها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضلالة والكفر لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: {رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا} عن سبيلك، ودعونا إلى عبادة غيرك، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان، {فَآتِهِمْ} اليوم من عذابك الضعفَ على عذابنا”([10]).

ومن ذلك قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166، 167]، وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31].

وغيرها من الآيات التي تؤكّد العداء الشديد الذي يورثه هذا التقليد يوم القيامة، وأن من أراد أن يتخلَّص منه فعليه باتباع الكتاب والسنة والسير على طريقة العلماء، وإن كان ولا بد فالتقليدُ الجائز هو الأخذ بأقوال العلماء الربانيين مع الحرص على الدليل، ومتى ما تبين الدليل وجب ترك القول المخالف له، وبهذا يسلم الإنسان من مغبة التقليد المذموم، فالمقلدة ومن قلّدوهم يتحاورون في النار كما حكى الله عنهم فقال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الصافات: 27-33].

خامسًا: أنه يورث إهمال العقل وتبنِّي الخرافة:

التَّقليد المذموم يعمي عن إدراك الحقائق، ويعطّل التفكير والاستنباط، ويدخل الأمة في متاهات الخمول المعرفيّ، فالمقلّد جعل عقله أسيرًا لغيره، وعطل هذه النعمة العظيمة التي وهبه الله إياها، وأثر هذا نراه في الدنيا والدين، فكم من أمة تمسّكت بتقليد من سبقوها فكررت الأخطاء، وسلكت نفس الطرق، فكان مآلهم الفشل، وكذلك في أمور الدين؛ فإن الإنسان متى ما عطَّل عقله وقلَّد غيره في كل شيء وبلا بصيرة ولا إدراك فإنه سيكون أرضًا خصبة لقبول الخرافات، ومتى ما أردنا أن نخلِّص الأمة من ذلّ العكوف على القبور مثلًا، ومن وحل التمسك بالخرافات، يجب أن نشيع بينهم الأخذَ بالدليل وفهمه وإدراكه والعمل به، وأن لا تكون العصبية مانعةً لهم من قبول الحق عند وروده.

وأخيرًا: التقليد المذموم إلغاء للشخصية المسلمة؛ لأن الأصل فيها أن تكون متبصرة بما تعتقد وتقول، وتقليد أحد بعينه دون معيار صحيح وإنما لمجرد التعصب فعلٌ من أفعال الجاهلية! يقول ابن أبي العز رحمه الله: “فإن الغضب والتعصّب لواحد معين من الأئمة وصف مذموم، من جنس فعل الرافضة، وهو من أفعال الجاهلية”([11]).

وهذا التقليد المذموم -كما سبق بيانه- ليس خاصًّا بالتقليد في الديانات الباطلة، بل ما أكثرَه عند كثير من المسلمين ممن يتعصَّب لمذهب معيّن حتى لا يرى الحقَّ في غيره! وإن جاءه الحقّ رفضه! وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] بعد أن قال: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]: “فوصف اليهود بأنهم كانوا يعرفون الحقَّ قبل ظهور الناطق به والداعي إليه، فلمّا جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحقّ إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم. وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين، من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقا: رواية ورأيا، من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول صلى الله عليه وسلم”([12]).

وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر ورقة علمية بعنوان: (خروج من الهاوية.. نظرة على التقليد المذموم في الدين الإسلامي).

([2]) انظر ورقة علمية بعنوان: (أغلال على العقل.. التقليد بعد ظهور الدليل أنموذجا).

([3]) كتب الكثير عن آثار التقليد المذموم، وكلٌّ ينظر من جهة معينة، وإن كان الكلّ يتفق على أن له آثارًا وخيمة، انظر على سبيل المثال: (التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية) للدكتور ناصر العقل، وكتاب: (التقليد في باب العقائد) للدكتور ناصر الجديع.

([4]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 978).

([5]) تفسير القرطبي (7/ 137).

([6]) المحرر الوجيز (2/ 364).

([7]) المنقذ من الضلال (ص: 108).

([8]) منهم القائد السياسي الهندي (مهاتما غاندي)، فقد كان مما قاله عن البقرة: “إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم… إن البقرة خير رفيق للمواطن الهنديّ، وهي خير حماية للهند!… عندما أرى البقرة لا أعدني أرى حيوانا؛ لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع”. ينظر: أديان الهند الكبرى (ص: 31)، نقلا عن مجلة ((bhavan’s journalK، عدد نوفمبر من عام 1963م.

([9]) فتح القدير (1/ 158).

([10]) تفسير الطبري (12/ 417).

([11]) الاتباع لابن أبي العز (ص: 25).

([12]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 86-87).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017