الأربعاء - 06 صفر 1442 هـ - 23 سبتمبر 2020 م

الشَّواهد التَّوراتية على أن موطن بني إسراءيل ليس جنوب الجزيرة العربية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

لقد اكتَشف ذلك بالصُّدفة، فبينما كان يبحث عن أسماء الأماكن ذات الأصول غير العربية في غرب شبه الجزيرة العربية فوجئ بوجود أرض التوراة كاملةً هناك! في منطقة بطول يصل إلى 600 كيلومتر وبعرض حوالي 200 كيلومتر، تشمل عسير والجزء الجنوبي من الحجاز، فخرج بنتيجةٍ مفادها: “أنَّ البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، وتحديدًا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، وبالتالي فإن بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، أي: من شعوب الجاهلية الأولى”([1]). فاليهوديَّة لم تولد في فلسطين ومصر، ومسار بني إسرائيل ومسرح أحداثها هنا في مرتفعات عسير وسهول القنفذة والليث وغيرها من مدن غرب جنوب شبه الجزيرة العربية.

 

هذه هي النتيجة التي وصل إليها كمال صليبي ثم من تبعه من بعده، فصار عندهم بنو إسرائيل قومًا عربًا سكنوا شبه الجزيرة العربية، ولا علاقة لهم بالشام ومصر، وكل الآيات الصَّريحة التي تحدثت عن مصر والمسجد الأقصى والطور، والنصوص التي تثبت وجود الأقباط في مصر، كلها يحوِّرها كمال صليبي لتتناسب مع نظريته هذه، رغمَ أنَّ القرآن لم يصرح ولم يلمِّح ولا مرة واحدة بأن أرض مصر هي في جنوب جزيرة العرب، وأنَّ موسى وعيسى عليهما السلام بُعثا هناك، ولم يبيِّن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغم التَّواتر المعرفي المغروس في وعي كل الشعوب ناقلين ذلك جيلًا عن جيل.

ونحن في هذه السلسلة نقرر موطن بني إسرائيل من خلال القرآن والسُّنة وكلام العلماء وشواهد التوراة، وليس هدفنا الأساس هو الردّ على كمال صليبي أو غيره، وإن كنَّا سنشير إلى أقوالهم أثناء الحديث حتى نقرِّر ونردَّ على إمكانية تحوير ما نورده، وكنا قد بدأنا بورقة بعنوان: “الشواهد القرآنية على أن موطن بني إسرائيل ليس جنوب الجزيرة العربية”([1]).

وثنَّينا بورقة أخرى بعنوان: “بيانُ علماءِ الإسلام لموطن بني إسرائيل”([2]).

وورقتنا اليوم بعنوان: “الشواهد التوراتية على أن موطن بني إسرائيل ليس جنوب الجزيرة العربية”.

مكمن الخطر:

خطر هذه النظرية يكمن في انتزاع قدسيَّة فلسطين وبيت المقدس، وتحويل النِّزاع الحاصل إلى كونه مجردَ نزاع قوميّ لا تتعلق به أي قداسة دينية، فلا شأن للمسلمين به؛ ولذا يؤكِّد باحثون ممن انتهجوا هذا المنهج الخاطئ في تحديد موطن بني إسرائيل أنَّ أخطر ما زُوِّر ودُسَّ في التوراة هو أنَّ اليهود أعادوا لنا كتابة التَّاريخ، والسَّبب من وجهة نظرهم: استبدال مقدساتنا الربانية، وهم بذلك قد أدخلوا في وعينا ما لم يكن مقدَّسًا قط! هكذا يقول هؤلاء الباحثون، ويشيرون بقوة إلى هدفهم من هذا التحريف، وهو نزع فلسطين من أن يكون لها أي قدسية في الدين الإسلامي.

ويزعم هؤلاء الباحثون أن اليهود حينما حرَّفوا التوراة شطبوا مكة المشرفة وسلسلة جبال السراة بعسير الممتدَّة من شمال مكة إلى أقصى اليمن، وما دار فيها وما كان منها وما تحويه من بيت رب العالمين الذي لا وجود لمثيله على وجه الأرض، شطب اليهود كل ذلك من وجدان أكثر بني آدم، ووجهوا ببوصلة أكثر الناس إلى الشام حيث لم يكن هناك قطُّ شيء مذكور([3]).

فبناء على رأي هؤلاء ليس هناك شيء في الشام، لا أنبياء بُعثوا، ولا أرضٌ مقدسة، ولا بيت مبارك مقدَّس، ولا أحاديث في فضائل الشام، أو في فضائل بيت المقدس وفلسطين، ولا وصية من النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر والأقباط فيها!

مع التنبيه على أن كمال صليبي قد نصَّ على أنه لا يريد بهذا البحث أن يقرر حق إسرائيل في منطقة عسير، بل يصرِّح بأن يهود اليوم ليسوا يهود أمس لتكون لهم حقوق اليهود السابقين([4]). ووجب التنبيه حتى لا نجور على الكاتب فنقوِّله ما لم يقله، وقد بذل مجهودًا في كتابه؛ ولكن الكتاب على كل حال يخدم الفكرة -غير البريئة- التي ذكرناها.

وقد أغنانا فراس السواح في كتابه: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم عن الرد على كمال صليبي الذي لم يخدم الصهيونية الحديثة -من حيث أراد أو لم يرد- فحسب، بل انتشل التوراة -التي نؤمن كمسلمين بتحريفها- من الإخفاقات التاريخيَّة الأخرى؛ لكونها غير متسقة في كثيرٍ من تفاصيلها مع الوثائق التاريخية الأخرى.

ومن أسباب تلك الإخفاقات التي وقعت فيها التوراة المحرفة لدى الباحثين: عدم وجود كثير من الأودية والقرى التي ذكرت في التوراة المحرفة في الواقع المعاصر، الأمر الذي جعل كمال صليبي ومن حذا حذوه يسعون لإنقاذ التوراة التي ينكر البعض تحريفها، وذلك بتنزيل كثير من الأسماء على قرى وأودية جنوب المملكة العربية السعودية لمجرد تشابه بعض الأحرف والأوزان.

والذي ينبغي إدراكه جيدًا أنَّ عدم وجود بعض المعالم المذكورة في التَّوراة المحرفة في واقعنا المعاصر يعود لأحد أمرين:

الأول: طول العهد، فمدَّة ألفي عام وأزيد كفيلة بأن تتغير فيها المعالم بأسرها، وليس أسماؤها فقط، وهذا أمر لا يحتاج إلى كبير برهان؛ لا سيما في الشام ومصر اللتين تعاقبت عليهما العديد من الحضارات واللغات والأقوام.

الثاني: أنَّ التوراة نفسها حُرِّفت في أماكن متعددة لوجود علماء بني إسرائيل الذين اشتروا به ثمنًا قليلا، وهؤلاء لا نشك بأنَّ بعضهم وهو يصوغ القصص المتخيَّلة يسوق معها أسماء إمَّا متخيلة أيضًا أو بلهجته حيث مكان وجوده كعلماء السبي البابلي الذين كتبوا جزءًا من التلمود، ولا شكَّ أنهم أحدثوا كثيرًا من التحريفات أيضًا.

ومع ذلك فهناك مواقع في التوراة المحرفة -كثيرة أيضًا- وهي الأهم موجودة حتى اليوم، ومن غير المنطقي إسقاط تلك المناطق المهمة من أجل أسماء لم نعرف مكانها بعد، أو ليس لها حقيقة!

وهذان الأمران اليسيران لم يفقههما من زعم أن موطن بني إسرائيل كان في الحجاز أو منطقة جنوب السعودية، فاضطروا إلى نقل مسرح التوراة من الشام ومصر إلى مكان آخر بعيد عن المكان المعروف ما بين الشام ومصر.

وهذا النقل يُبقي التوراة بعيدة عن أيِّ نقدٍ تاريخي؛ لأنَّها ببساطة كانت في مكان لم تكتشف آثارها التاريخية حتى الآن، فبعد أن أظهرت المعلومات الأركيولوجية التي ظهرت خلال النِّصف الثاني من القرن العشرين الطَّابع غير التاريخي للمرويات التوراتية وعدم اتساقها -حسب تفسير المعتنين بأطلس الكتاب المقدس- مع كثير من الوثائق التاريخية، وأنَّ التوراة في كثير منه حكايات شعبية وملاحم وقصص بطولية، جاء هؤلاء لينقلوا مسرح الأحداث إلى مسرح آخر غير مصر والشام، وهو الفعل الذي سيخفف كثيرًا من حدَّة النقد التاريخي الموجه للتوراة، فهي خدمة أخرى لم يحسب لها كمال صليبي حسابًا، وربما قصد ذلك!

ورغم أنَّنا نؤمن أن التوراة محرفة، فليست هي التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام في مجملها، إلا أنها مفيدة في إثبات التواتر المعنوي الذي يفيد القطع، ولا تشترط فيه العدالة ولا الإسلام، ولا يصح نقضه بمجرد تخرصات وظنون! فالتوراة وإن لم تصلح كتابا للتشريع لثبوت التحريف فيها، فإننا نفهمها ككتابٍ تاريخي يتحدث عن موطن بني إسرائيل كُتب قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة قرون على الأقل([5])، فهي ليست للاستئناس فقط؛ بل في قضية الأمكنة والبقاع الباقية أسماؤها على حالها منذ كتابة التوراة حتى اليوم تُعتبر محل استدلال لعدد من الأمور:

أولا: موافقتها للشواهد القرآنية والنبوية التي قد دلَّتنا على موطن بني إسرائيل كما مرَّ بنا في ورقة سابقة، ووصفُنا التوراة المحرفة بأنها كتاب تاريخي يعني أنه يلحقه النقد كأي كتاب تاريخي آخر، لكن لا يمكن إنكار أنه حفظ ما كان محفوظًا عند الشعوب ومتداولًا بينهم، كما حفظت إلياذة هوميروس وأساطير اليونان القديمة أحوال الإغريق وبلدانهم وكثيرًا من طبائعهم.

ثانيًا: أنها تعتبر وثيقة قديمة من القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، وهي وإن لم تكن معصومة ومحفوظة، إلا أنَّها نقلت ما كان مقرَّرًا في تلك الفترة، ومجموع ما ذكر فيها يؤكد التواتر المعنوي الذي لا يمكن نقضه إلا بما هو أقوى منه، وعناصر هذا التواتر المعنوي إضافة إلى التوراة: ما توارثته شعوب المنطقة -بل وشعوب العالم- من أن مصر هي مصر المعروفة، وأن الشام هي الشام التي نعرفها بتفاصيلها، فلا يصح أن يُنقض هذا التواتر المعنوي إلا بإبطاله، ولا سبيل لذلك.

ومن أسباب ذكرنا للشواهد التوراتية أنَّ من طارحي هذه الشبهة من استند إلى التوراة استنادا كليًّا، واعتبره كتابًا تاريخيًّا موثوقا في جميع تفاصيله، ثم ذهب يحوِّر الكلمات ويلوك الألفاظ ليقربها من بعض أسماء القبائل أو المناطق في غرب شبه الجزيرة العربية([6]).

وثمة أمر منهجيٌّ مهم ينبغي التَّنبيه عليه وهو: أن من المعلوم أنَّ التوراة نصوصٌ بالغة في القدم كُتبت بأحرف خالية من الحركات، ولغة هذه النصوص قد خرجت عن إطار الاستعمال العام؛ فجاء المسُّوريون -وهم علماء اليهود التقليديون- فضبطوا النصوص بالإشارات الصوتية فيما بين القرن السادس والتاسع الميلادي، فهو عملٌ بدأ بعد ألف سنة من كتابة التَّوراة، فدخلها تحريفاتٌ عديدة غير التَّحريفات التي كانت عند كتابة التوراة، وبين هذا وذاك اتَّبع كمال صليبي ومن تبعه منهجًا غريبًا لمعرفة الألفاظ والمدن التي وردت في التوراة، ويتمثَّل في “المقابلة اللغوية” بين الأسماء الواردة في التوراة وأسماء بعض مدن جنوب شبه الجزيرة العربية، وذلك بقلب الكلمات، واستبدال الأحرف، وباعتماد هذا المنهج عثر هو ومن تبعه -بزعمهم- على الأرض التوراتية الكاملة في غرب شبه الجزيرة العربية!([7]).

وحتى تكون الصورة واضحة؛ كان المؤلف يعمد إلى كلماتٍ توراتيَّة فيبدلها، من أمثال: “كنعان” ليتحول إلى “القناع”، و”صيدون” إلى “آل زيدان”، و”عموره” إلى “الغمر”، و”أورشليم” إلى “آل شريم”! وكثيرًا ما يخفق صليبي في إيجاد كلمة قريبة، فيعمد إلى دمج منطقتين لتصبح منطقة واحدة؛ مثل: “كركميش” المعروف تاريخيًّا بأنها منطقة على الفرات في الشمال السوري، يجعلها صليبي في منطقة “القر” و”القماشة” بمنطقة الطائف([8]).

فمشكلة هؤلاء أنَّهم يهربون من المنهج التاريخي والأركيولوجي إلى المنهج اللغوي المقارن، فتجدهم يبرعون في إيجاد بعض التَّشابه في أسماء النباتات، أو حتى تحوير أسماء مناطق لتوافق نطق بعض المناطق في التوراة، فالمشكلة الكبرى لا تكمن فقط في النتيجة التي توصلوا إليها، بل في المنهج الذي أعملوه في مسألة تاريخية حساسة كهذه، وحتى في المقارنة اللغوية نجد أنَّهم أغفلوا كثيرًا من الأسماء أو النُّصوص التي لا تخدم المراد، وبالغوا في البحث عن أي خيط يربط بين الكلمة التوراتية والاسم الواقعي لمنطقة ما في جنوب شبه الجزيرة العربية لدرجة التكلُّف الواضح، بل لدرجة أنَّهم يتيهون بين مناطق عديدة، فتراهم يقولون: لعلَّها كذا أو كذا! مع أنَّه لو جعل النصَّ في سياقه الواضح لما احتيج إلى كل هذا التكلُّف.

وقبل أن نبدأ في سرد بعض -وليس كل الشواهد التوراتية على موطن بني إسرائيل نوضح أنَّه إذا قلنا: إنَّ مسرح الأحداث كانت بين مصر والشام وفلسطين فلا يعني ذلك أننا نبرر وجود الصهاينة اليوم على أرض فلسطين، فأحقيَّة التواجد مسألة أخرى، والبحث في صهاينة اليوم وامتدادهم إلى بني إسرائيل الحقيقيين مسألة أخرى كذلك، ونحن موقنون أنه لا حق لهم في أرض فلسطين، كما أنه لا حق لهم في شبه الجزيرة العربية، وهي قضية مسلَّمة يقينيَّة عندنا، ولذلك مقامات أخر لكن وجب التنبيه.

وفيما يلي الشواهد التوراتية:

الشاهد الأول: إبراهيم عليه السلام:

تخبرنا التَّوراة عن إبراهيم عليه السَّلام في عدة مواطن، وتهمُّنا هنا تلك النُّصوص التي تحدثت عن موطنه ورحلاته، وقد بدأنا بإبراهيم عليه السلام -والذي كان يسمى في التوراة: أبرام- نظرًا لكونه أبا الشعبين: شعب إسماعيل وشعب إسرائيل عليهما السلام.

في سفر التكوين نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى يأمر إبراهيم عليه السلام بالارتحال من مدينته([9])، فيقول له: “1وقال الرب لأبرام: (اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. 2فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة. 3وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض). 4فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط. وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران. 5فأخذ أبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى أرض كنعان([10]).

وأرض كنعان سيمرُّ بنا أنَّها أرض فلسطين وما حولها، فأُمر إبراهيم عليه السلام أن يجتاز إلى هناك، ويسكن تلك الديار وهو ما فعله عليه السلام، ويتأكد ذلك بذكر بيت إيل كما جاء في التوراة: “6واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض. 7وظهر الرب لأبرام وقال: (لنسلك أعطي هذه الأرض). فبنى هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له. 8ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته. وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق([11]).

وممَّا يؤكد أنَّه كان هناك في الشام أنَّه قد جاء خبر رحيله إلى مصر التي سيأتينا أيضا أنها مصر المعروفة، جاء في التوراة: “9ثم ارتحل أبرام ارتحالًا متواليًا نحو الجنوب. 10وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرَّب هناك؛ لأنَّ الجوع في الأرض كان شديدًا. 11وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إنِّي قد علمت أنَّك امرأة حسنة المنظر. 12فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك. 13قولي: إنك أختي، ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك”([12]).

فرحيلُه وانحداره كان إذن إلى الجنوب وإلى مصر تحديدًا، وما حدث من جوعٍ في أراضي فلسطين والشام عمومًا ستشهد له شواهد أخرى على مرِّ التاريخ، وأنَّ الناس بينهم عرف بأنَّ في سنين الجوع ينحدر الناس إلى مصر، وهو ما يعني أنَّه حين يحل الجوع والجفاف في أراضي الشام لا يكون كذلك في مصر، فهما منطقتان مختلفتان، بينما لو جعلناهما منطقة واحدة في غرب شبه الجزيرة العربية لم يكن ثمة اختلاف كبير في الجفاف والجوع وغير ذلك، فهذا شاهدٌ آخر على أنَّهما منطقتان مختلفتان، وسيأتينا أنَّ الناس في زمن يعقوب عليه السلام أيضًا ينحدرون من الشام إلى مصر طلبًا للرزق والطعام حين يحل الجوع في أراضي الشام.

وواضحٌ أنَّ هذا النَّص يشير إلى قصة إبراهيم وسارة، وهي مروية في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل، قوله {إني سقيم} [الصافات: 89]، وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63]. وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة قال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيا، قالت: رد الله كيد الكافر، أو الفاجر، في نحره، وأخدم هاجر([13]).

وفي تكملة القصة ذاتها جاء في التوراة: “14فحدث لمَّا دخل أبرام إلى مصر أنَّ المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا. 15ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، 16فصنع إلى أبرام خيًرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال. 17فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام. 18فدعا فرعون أبرام وقال: (ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ 19لماذا قلت: هي أختي، حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هوذا امرأتك! خذها واذهب!). 20فأوصى عليه فرعون رجالا فشيعوه وامرأته وكل ما كان له”([14]).

وهنا نجد أنَّه يتحدث عن فرعون، وقد بينَّا في الورقة السابقة أنَّ فرعون لقب يطلق على من يملك مصر المعروفة لا على غيره، يقول ابن كثير وهو يبيِّن أن فرعون لا يطلق إلا على من ملك مصر المعروفة: “وَفِرْعَوْنُ عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ مِصْرَ كَافِرًا، مِنَ الْعَمَالِيقِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ قَيْصَرَ عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ مَعَ الشَّامِ كَافِرًا، وَكِسْرَى لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ، وتُبَّع لِمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ كَافِرًا، وَالنَّجَاشِيُّ لِمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ، وَبَطْلَيْمُوسَ لِمَنْ مَلَكَ الْهِنْدَ”([15]).

وممَّا يؤكد وجود إبراهيم عليه السَّلام في الشَّام أيضًا ما ورد من وقوع نزاعٍ بين رعاة أغنام إبراهيم ولوط عليهما السلام، فأمره إبراهيم أن يذهب إلى أرض أخرى، جاء في التوراة: “5ولوط السائر مع أبرام، كان له أيضا غنم وبقر وخيام. 6ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معا، إذ كانت أملاكهما كثيرة، فلم يقدرا أن يسكنا معا. 7فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي أبرام ورعاة مواشي لوط. وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض. 8فقال أبرام للوط: (لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخوان. 9أليست كل الأرض أمامك؟ اعتزل عني. إن ذهبت شمالا فأنا يمينًا، وإن يمينًا فأنا شمالًا).10فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن أن جميعها سقي قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب، كأرض مصر حينما تجيء إلى صوغر. 11فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن، وارتحل لوط شرقًا. فاعتزل الواحد عن الآخر. 12أبرام سكن في أرض كنعان، ولوط سكن في مدن الدائرة، ونقل خيامه إلى سدوم. 13وكان أهل سدوم أشرارا وخطاة لدى الرب جدًّا”([16]).

فهذا لوط عليه السلام قد انحدر إلى جهة الأردن التي حاول هؤلاء أيضًا أن يحرفوا معناها، خاصة أن الأردن قد ورد كثيرًا في التوراة، وسيأتينا بيان خطأ افتراضهم وتفسيرهم للأردن.

ومن الشَّواهد التي تدل على موطن إبراهيم عليه السلام أنَّ سارة زوجته قد ماتت في حبرون -مدينة الخليل اليوم-، جاء في التوراة: “1وكانت حياة سارة مئة وسبعًا وعشرين سنة، سني حياة سارة. 2وماتت سارة في قرية أربع، التي هي حبرون، في أرض كنعان. فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها. 3وقام إبراهيم من أمام ميته وكلم بني حث قائلا: 4 أنا غريبٌ ونزيلٌ عندكم. أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي”([17]).

والشواهد في قصة إبراهيم عديدة من أهمها:

1- ارتحاله إلى أرض الكنعانيين، التي تشمل فلسطين وما حولها.

2- انحداره إلى مصر.

3- ذكر فرعون مصر.

4- ذكر الأردن.

5- ذكر مدينة حبرون التي هي مدينة الخليل.

الشَّاهد الثاني: نهر الأردن:

إحدى أهمِّ الكلمات التي وقف عندها كمال صليبي: “الأردن، أو نهر الأردن”، فقد عنون له بقوله: “مسألة الأردن”، وقد ذُكرت هذه الكلمة كثيرًا في التوراة مشيرة إلى نهر الأردن في فلسطين، ويجدها صليبي مشكلةً بحثية حيث يقول: “أمَّا كيف أصبح النهر الفلسطيني الشهير يعرف بهذا الاسم فهي مسألة تستحق التَّمحيص بحدِّ ذاتها، ولكنها ليست المسألة التي سنتطرق إليها هنا، والمسألة المباشرة والآنية هي التالية: إذا كان أردن التوراة العبرية ليس نهرًا فماذا يمكن أن يكون؟”([18]).

وقبل أن ندلف إلى إجابة صليبي وبيان معنى الأردن نتساءل: لِمَ لمْ يجب عن تسمية النَّهر في فلسطين بهذا الاسم؟ فإنَّ هذا الاسم هو المشهور، وهو الذي ينبغي أن ينصرف له الذهن عند الإطلاق، خاصَّة أنَّه هو يقول: “في الاستعمال التَّوراتي تؤخذ كلمة (هـ يردن) تقليديًّا على أنَّها اسم النهر المعروف في فلسطين، ولكنَّها ليست اسمًا دومًا!”([19])، فماذا يمكن أن يكون؟

يجيب صليبي فيقول: “بل -كما في العربية- تعبير طوبوغرافي يعني جرف أو قمة أو مرتفع… تشير (هـ – يردن) بلا استثناء إلى الجرف الرئيسي لسراة عسير الجغرافية الذي يمتد من الطائف في جنوب الحجاز إلى منطقة ظهران الجنوب قرب الحدود اليمنية!”([20]).

أمَّا في التوراة فإنَّنا نجد في سفر الملوك الثاني النَّص الآتي: “1وقال بنو الأنبياء لأليشع: (هوذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك ضيق علينا. 2فلنذهب إلى الأردن ونأخذ من هناك كل واحد خشبة، ونعمل لأنفسنا هناك موضعًا لنقيم فيه). فقال: (اذهبوا). 3فقال واحد: (اقبل واذهب مع عبيدك). فقال: (إنِّي أذهب). 4فانطلق معهم، ولَمَّا وصلوا إلى الأردن قطعوا خشبًا. 5وإذ كان واحد يقطع خشبة، وقع الحديد في الماء. فصرخ وقال: (آه يا سيدي! لأنه عارية). 6فقال رجل الله: (أين سقط؟) فأراه الموضع، فقطع عودا وألقاه هناك، فطفا الحديد. 7فقال: (ارفعه لنفسك). فمد يده وأخذه”([21]).

وهذا تتابعٌ منطقي في الأحداث؛ حيث يعبِّر عن الأردن هنا بماءٍ وقع فيه الفأس، وليس بماءٍ خفيف حتى يستطيع الإنسان أن يأخذ منه الفأس بسهولة، فلا يمكن أن يكون المقصود هو جرف أو قمة جبلية، إذ لا توجد مياه بهذه الكثرة في الجروف الصخرية عادة.

وفي نصٍّ أكثر وضوحًا تتحدث التوراة عن مياه وضفة وشطآن، ولا تكون إلا لنهر، جاء في التوراة: “6وقال يشوع للكهنة: (احملوا تابوت العهد واعبروا أمام الشَّعب). فحملوا تابوت العهد وساروا أمام الشعب. 7فقال الربُّ ليشوع: (اليوم أبتدئ أعظمك في أعين جميع إسرائيل لكي يعلموا أني كما كنت مع موسى أكون معك. 8وأما أنت فأمر الكهنة حاملي تابوت العهد قائلا: عندما تأتون إلى ضفة مياه الأردن تقفون في الأردن…11هوذا تابوت عهد سيد كل الأرض عابر أمامكم في الأردن. 12فالآن انتخبوا اثني عشر رجلا من أسباط إسرائيل، رجلًا واحدًا من كل سبط. 13ويكون حينما تستقر بطون أقدام الكهنة حاملي تابوت الرب سيد الأرض كلها في مياه الأردن، أن مياه الأردن، المياه المنحدرة من فوق، تنفلق وتقف ندًّا واحدًا). 14ولَمَّا ارتحل الشعب من خيامهم لكي يعبروا الأردن، والكهنة حاملو تابوت العهد أمام الشعب، 15فعند إتيان حاملي التابوت إلى الأردن وانغماس أرجل الكهنة حاملي التابوت في ضفة المياه، والأردن ممتلئ إلى جميع شطوطه كل أيام الحصاد، 16وقفت المياه المنحدرة من فوق، وقامت ندًّا واحدًا بعيدًا جدًّا عن (أدام) المدينة التي إلى جانب صرتان، والمنحدرة إلى بحر العربة (بحر الملح) انقطعت تمامًا، وعبر الشعب مقابل أريحا([22]).

ثمَّ في الإصحاح الذي يليه: “1وكان لَمَّا انتهى جميع الشعب من عبور الأردن أن الرب كلم يشوع قائلا: 2(انتخبوا من الشعب اثني عشر رجلًا، رجلًا واحدًا من كل سبط، 3وأمروهم قائلين: احملوا من هنا من وسط الأردن، من موقف أرجل الكهنة راسخة، اثني عشر حجرًا، وعبروها معكم وضعوها في المبيت الذي تبيتون فيه الليلة).4فدعا يشوع الاثني عشر رجلًا الذين عينهم من بني إسرائيل، رجلًا واحدا من كل سبط. 5وقال لهم يشوع: (اعبروا أمام تابوت الرب إلهكم إلى وسط الأردن، وارفعوا كل رجل حجرا واحدا على كتفه حسب عدد أسباط بني إسرائيل، 6لكي تكون هذه علامة في وسطكم. إذا سأل غدا بنوكم قائلين: ما لكم وهذه الحجارة؟ 7تقولون لهم: إن مياه الأردن قد انفلقت أمام تابوت عهد الرب. عند عبوره الأردن انفلقت مياه الأردن. فتكون هذه الحجارة تذكارا لبني إسرائيل إلى الدهر). 8ففعل بنو إسرائيل هكذا كما أمر يشوع، وحملوا اثني عشر حجرًا من وسط الأردن، كما قال الرب ليشوع، حسب عدد أسباط بني إسرائيل، وعبروها معهم إلى المبيت ووضعوها هناك. 9ونصب يشوع اثني عشر حجرًا في وسط الأردن تحت موقف أرجل الكهنة حاملي تابوت العهد. وهي هناك إلى هذا اليوم. 10والكهنة حاملو التابوت وقفوا في وسط الأردن حتى انتهى كل شيء أمر الرب يشوع أن يكلم به الشعب، حسب كل ما أمر به موسى يشوع. وأسرع الشعب فعبروا….15وكلم الرب يشوع قائلا: 16 (مر الكهنة حاملي تابوت الشهادة أن يصعدوا من الأردن). 17فأمر يشوع الكهنة قائلا: (اصعدوا من الأردن). 18فكان لما صعد الكهنة حاملو تابوت عهد الرب من وسط الأردن، واجتذبت بطون أقدام الكهنة إلى اليابسة، أن مياه الأردن رجعت إلى مكانها وجرت كما من قبل إلى كل شطوطه. 19وصعد الشعب من الأردن في اليوم العاشر من الشهر الأول، وحلوا في الجلجال في تخم أريحا الشرقي. 20والاثنا عشر حجرا التي أخذوها من الأردن نصبها يشوع في الجلجال”([23]).

فهاهنا وصفٌ ملحميٌّ عن عبور الأردن، وحديثٌ عن ضفَّة الأردن، وامتلاء الشطآن، وأرجلٍ تنغمس في المياه، بل وفلق مياه الأردن ليعبروا، فهل يكون ذلك في جرفٍ صخري؟!

وفي سفر الملوك الثاني عند عرض معجزة قيام النبي إيليا بفلق مياه الأردن بردائه وتسليم النبوة لأليشع جاء في التوراة: “1وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة إلى السماء، أن إيليا وأليشع ذهبا من الجلجال. 2فقال إيليا لأليشع: (امكث هنا لأنَّ الرَّب قد أرسلني إلى بيت إيل)… ثم قال له: (أمكث هنا لأن الرب قد أرسلني إلى الأردن). فقال: (حي هو الرب، وحية هي نفسك، إني لا أتركك). وانطلقا كلاهما. 7فذهب خمسون رجلًا من بني الأنبياء ووقفوا قبالتهما من بعيد. ووقف كلاهما بجانب الأردن. 8وأخذ إيليا رداءه ولفه وضرب الماء، فانفلق إلى هنا وهناك، فعبرا كلاهما في اليبس. 9ولما عبرا قال إيليا لأليشع: (اطلب: ماذا أفعل لك قبل أن أوخذ منك؟)”([24]).

فهل يمكن أن يكون هذا جرفًا، وأن يقفا بجانب الجرف، ويأخذ إيليا رداءه ويلفه ويضرب به الماء؟! أي ماء؟! وما الذي انفلق حتى مروا في اليبس؟ تعبير اليبوسة هنا يعني أنَّ النهر هو الذي انفلق، وليس ثمة جرف([25]).

وفي تعبير صريح عن الأردن أنه نهر لا جرف، جاء في التوراة: “8ولما سمع أليشع رجل الله أن ملك إسرائيل قد مزق ثيابه، أرسل إلى الملك يقول: (لماذا مزقت ثيابك؟ ليأت إلي فيعلم أنه يوجد نبي في إسرائيل). 9فجاء نعمان بخيله ومركباته ووقف عند باب بيت أليشع. 10فأرسل إليه أليشع رسولا يقول: (اذهب واغتسل سبع مرات في الأردن، فيرجع لحمك إليك وتطهر)…14فنزل وغطس في الأردن سبع مرات، حسب قول رجل الله، فرجع لحمه كلحم صبي صغير وطهر”([26]).

فالغطس لا يكون في جرف وإنَّما في نهر، وممَّا يؤكد أنَّه ليس جرفا في جبال عسير أن العبور كان عبر نهر الأردن إلى مدينة أريحا، وهي معروفة [انظر: الخريطة رقم (2)]، جاء في التوراة: “1وارتحل بنو إسرائيل ونزلوا في عربات موآب من عبر أردن أريحا”([27]).

وكلُّ هذه الشواهد تدلُّنا على أنَّ الأردن هو النَّهر المعروف، وكمال صليبي نفسه طرح التَّساؤل حول تسمية النهر بنهر الأردن، لكنه لم يقدم أي جواب، والمهم أن الأردن لديه أي جرف في أي مكان بشرط أن لا يكون في فلسطين! يقول كمال صليبي: “وعلى العموم فإن (هـ يردن) من دون عبر يمكنها أن تشير إلى أي جزء من جرف عسير، وهي كثيرًا ما تشير أيضًا إلى أي من القمم والمرتفعات التي لا تحصى في الجانب البحري من عسير وجنوب الحجاز، وتشير في الحقيقة إلى قمم الجبال أو إلى الجروف في أي مكان آخر”([28]).

الشَّاهد الثالث: كنعان:

أرض كنعان تتمثَّل في المناطق الواقعة إلى الغرب من نهر الفرات بما فيها فلسطين؛ لذا فكل ذِكرٍ لبني إسرائيل في أرض كنعان فهو بيان لموطنهم في الشَّام، وقد بينت التوراة حدود بلاد الكنعانين، جاء فيها: “19وكانت تخوم الكنعاني من صيدون، حينما تجيء نحو جرار إلى غزة، وحينما تجيء نحو سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم إلى لاشع([29]).

وهذه التسمية -أعني: كنعان- ليس استعمالا توراتيًّا فحسب، بل هي تسمية قائمة قبل تحرير أسفار التوراة، وقبل التاريخ المفترض لدخول الإسرائيليين إلى كنعان، فقد استعملت النصوص المصرية تسمية “كنعان” منذ الألف الثانية قبل الميلاد([30]).

وكنعان ليست في غرب شبه الجزيرة العربية كما يدعيه صليبي، وأنَّ كنعان تعني “قرية القناع” في منطقة المجاردة شمال منطقة بلحمر، أو أنها تعني قرية تسمى بـ”ذي القناع”، أو أخرى تسمى “القنعة”، أو ثالثة تسمى “القنعات”، والأخيرتان في جيزان، فعنده قد تكون هذه أو هذه لكن لن تكون التي في فلسطين!([31]).

والحقيقة أنَّ كنعان ليست إلا تلك الديار التي ذكرناها، ومدنها تتفق مع ما ذكرناه وليس مع ادعاء الصليبي ومن تبعه، ومن أشهرها مدينة صور، فقد ورد اسمها في التوراة، فقد طلب سليمان عليه السلام من ملك صور خشبًا، فقال له سليمان: “6والآن فأمر أن يقطعوا لي أرزا من لبنان، ويكون عبيدي مع عبيدك، وأجرة عبيدك أعطيك إياها حسب كل ما تقول، لأنك تعلم أنه ليس بيننا أحد يعرف قطع الخشب مثل الصيدونيين([32])، فرد عليه حيرام ملك صور قائلًا: “(قد سمعت ما أرسلت به إلي. أنا أفعل كل مسرتك في خشب الأرز وخشب السرو. 9عبيدي ينزلون ذلك من لبنان إلى البحر، وأنا أجعله أرماثا في البحر إلى الموضع الذي تعرفني عنه وأنقضه هناك، وأنت تحمله، وأنت تعمل مرضاتي بإعطائك طعاما لبيتي). 10فكان حيرام يعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مسرته. 11وأعطى سليمان حيرام عشرين ألف كر حنطة طعاما لبيته، وعشرين كر زيت رضي الله عنه”([33]).

وهذا الخشب الذي طلبه سليمان عليه السلام سيتمُّ إنزاله في يافا كما جاء في التَّوراة: “16ونحن نقطع خشبًا من لبنان حسب كل احتياجك، ونأتي به إليك أرماثًا على البحر إلى يافا، وأنت تصعده إلى أورشليم([34]).

وصور المقصودة هنا والتي طلب منها سليمان الخشب هي الميناء الفينيقي المعروف على الساحل اللبناني؛ إذ إنَّ الخشب سينقل بحرًا، وسليمان سيستلمها بحرًا، وينقل إلى أورشليم، وعلى رواية الصليبي إن كانت صور هي زور الوادعة بمنطقة نجران، فلِمَ تنقل الأخشاب إلى البحر بهذا الجهد ثم يستلم من البحر مع أن نقله برًّا أسهل؟!([35]).

كما أنَّ يافا التي حددتها التوراة هي يافا الشام وهي مدينة ساحلية، وليست الوفية في منطقة جيزان، أو الوافية” قرب خميس مشيط([36])؛ ذلك أن نصوصًا أخرى تؤكد ذلك، ففي سفر عزرا جاء في التوراة: “7وأعطوا فضة للنحاتين والنجارين، ومأكلا ومشربًا وزيتًا للصيدونيين والصوريين ليأتوا بخشب أرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن كورش ملك فارس لهم”([37]).

فنفهم أن يافا ميناء بحري وليست مدينة داخلية، والذي نريد أن نصل إليه هو: أن الأراضي الكنعانية في الشام، وكل ما يرد في التوراة متعلقًا بكنعان فهو شاهدٌ على أن موطن بني إسرائيل كان في الشام، وقد مرَّ بنا ذكر كنعان في قصة إبراهيم عليه السلام، وسيمر بنا في الشواهد الآتية.

وفي النصوص السابقة عددٌ من المواضع التي لا زالت حتى اليوم من يوم كتابة التوراة قبل أكثر من ألفي عام بالاسم والرسم نفسيهما مثل: لبنان، صيدون من أسماء صيدا، صور، وحيفا؛ فما الداعي إلى زعم كونها أسماء لبلاد أخرى، ثم العبث بأسماء تلك البلاد لكي يتم الزعم بأن جنوب السعودية أو الحجاز هو موطن بني إسرائيل؟!

الشاهد الرابع: إسحاق:

إسحاق هو أب يعقوب الذي هو إسرائيل، وقد كان أيضًا في الشَّام، كما جاء في التوراة: “1وكان في الأرض جوعٌ غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحاق إلى أبيمالك ملك الفلسطينيين، إلى جرار. 2وظهر له الرب وقال: لا تنزل إلى مصر. اسكن في الأرض التي أقول لك. 3تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك”([38]).

ويتضح من خلال النَّص أنه كان في الشام إن لم يكن في فلسطين نفسها.

الشَّاهد الخامس: يعقوب:

يعقوب عليه السلام هو إسرائيل، وقد مرَّ بنا أن ذلك ثابت بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «فأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب عليه السلام مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه…»([39]).

فاسم إسرائيل نفسه يجعله الصليبي “مرتفعات السراة”، ويذكر أنَّها كلمة قرينة للكلمة العربية “سرو” أو “سري”، والسرو هو ما ارتفع من الوادي وانحدر عن غلظ الجبل، فإسرائيل في الأصل اسم جغرافي قبل أن يكون اسمًا لشعب، فهو اسم يشير إلى مرتفعات السراة بين الطائف واليمن([40])؛ لكن هذا لا يتسق إطلاقًا مع المعنى الحقيقي لإسرائيل الذي أتت به التوراة، ففي سفر التكوين: “22ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق. 23أخذهم وأجازهم الوادي، وأجاز ما كان له. 24فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. 25ولمَّا رأى أنَّه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. 26وقال: (أطلقني، لأنه قد طلع الفجر). فقال: (لا أطلقك إن لم تباركني). 27فقال له: (ما اسمك؟) فقال: (يعقوب). 28فقال: (لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت). 29وسأل يعقوب وقال: (أخبرني باسمك). فقال: (لماذا تسأل عن اسمي؟) وباركه هناك”([41]).

وبغض النَّظر عن النصِّ الذي ينسبون فيه أمرًا شنيعا إلى الله -على تفسير أن الذي صرعه هو الله- فإنَّه يظهر فيه أنَّ يعقوب هو إسرائيل، وأنَّه سمي بذلك لأنه جاهد مع الله، إلا أنَّ كمال صليبي يرى أنَّ هذا التفسير ليس إلا تفسيرًا ميثولوجيًّا من نسج الخيال!([42]).

وقد بينت التوراة موطن يعقوب -إسرائيل- عليه السلام فجاء فيها: “17وأما يعقوب فارتحل إلى سكوت، وبنى لنفسه بيتًا، وصنع لمواشيه مظلات. لذلك دعا اسم المكان (سكوت). 18ثم أتى يعقوب سالما إلى مدينة شكيم التي في أرض كنعان، حين جاء من فدان أرام. ونزل أمام المدينة”([43]).

وقد مرَّ بنا الحديث عن أرض كنعان، والنصُّ التوراتي هنا يؤكد أن إسرائيل كان في أرض كنعان، وفي نصٍّ آخر تقرر التوراة نفس الموطن لإسرائيل فجاء فيها: “5ثم رحلوا، وكان خوف الله على المدن التي حولهم، فلم يسعوا وراء بني يعقوب. 6فأتى يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان، وهي بيت إيل. هو وجميع القوم الذين معه. 7وبنى هناك مذبحا، ودعا المكان (إيل بيت إيل) “([44])، ولقصته ارتباطٌ بقصة يوسف عليه السَّلام الآتية.

الشَّاهد السَّادس: يوسف:

قصَّة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم قد أكَّدت في مواضع كثيرة أنَّ موطن بني إسرائيل ما بين الشام ومصر، بل كان والد يوسف وهو يعقوب عليه السلام إسرائيل هو من نقل بني إسرائيل إلى مصر بعد أن كانوا في الشام، وكانوا يزورون مصر للطعام فقط أيام الجوع كما مرَّ، والشواهد التوراتية أيضًا تؤكد على موطن بني إسرائيل من خلال قصة يوسف عليه السلام.

فقد بدأت القصة كما هي في القرآن بأن إخوة يوسف ألقوه في الجُبّ، فجاءت سيارة فأخذوه، جاء في التوراة: “28واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر، وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة. فأتوا بيوسف إلى مصر([45])، ومن هنا انتقل يوسف عليه السلام إلى مصر، وتؤكد التوراة ذلك مرارًا، فجاء فيها: “1وأمَّا يوسف فأنزل إلى مصر، واشتراه فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط، رجل مصري، من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك. 2وكان الرب مع يوسف فكان رجلًا ناجحًا، وكان في بيت سيده المصري”([46])، وقد مرَّ بنا أنَّ فرعون إنما يطلق على من ملك مصر، وتبين قصة يوسف أنَّه كان في مصر التي عليها فرعون، وليست هي المصرمة في غرب جزيرة العرب كما يدعيه كمال!

جاء في التوراة: “1وحدث من بعد سنتين من الزَّمان أن فرعون رأى حلمًا: وإذا هو واقف عند النهر، 2وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم، فارتعت في روضة… 14فأرسل فرعون ودعا يوسف، فأسرعوا به من السجن. فحلق وأبدل ثيابه ودخل على فرعون…”([47]).

وهي قصة طويلة جرت بين يوسف عليه السَّلام وفرعون عصره، في نهايتها جعله فرعون على خزائن مصر كما جاء في التوراة: “41ثم قال فرعون ليوسف: (انظر، قد جعلتك على كل أرض مصر). 42وخلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف، وألبسه ثياب بوص، ووضع طوق ذهب في عنقه، 43وأركبه في مركبته الثانية، ونادوا أمامه (اركعوا). وجعله على كل أرض مصر. 44وقال فرعون ليوسف: (أنا فرعون. فبدونك لا يرفع إنسان يده ولا رجله في كل أرض مصر”([48]).

وقد تحدثنا سابقًا عن الجوع الذي كان يضرب بعض مناطق الشام، فيُضطر أهلها إلى النزول إلى مصر ليتزودوا بالطعام، كما حدث في زمن إبراهيم عليه السلام ومن بعده عدة مرات، وكذلك حدث في زمن يعقوب عليه السلام، وكان السبب المباشر في انتقال بني إسرائيل إلى مصر، جاء في التوراة: “1فلمَّا رأى يعقوب أنَّه يوجد قمح في مصر، قال يعقوب لبنيه: (لماذا تنظرون بعضكم إلى بعض؟) 2وقال (إني قد سمعت أنه يوجد قمح في مصر. انزلوا إلى هناك واشتروا لنا من هناك لنحيا ولا نموت”([49]).

ثم في آخرها حين يعرف يوسف عليه السلام بنفسه يطلب من إخوته أن يأتوا بأبيهم من أرض كنعان التي عرفناها سابقا وبيَّنَّا موضعها، جاء فيها: “9أسرعوا واصعدوا إلى أبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك يوسف: قد جعلني الله سيدا لكل مصر. انزل إلي. لا تقف. 10فتسكن في أرض جاسان وتكون قريبا مني، أنت وبنوك وبنو بنيك وغنمك وبقرك وكل ما لك… 25فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان، إلى يعقوب أبيهم. 26وأخبروه قائلين: (يوسف حي بعد، وهو متسلط على كل أرض مصر). فجمد قلبه لأنه لم يصدقهم. 27ثم كلموه بكل كلام يوسف الذي كلمهم به، وأبصر العجلات التي أرسلها يوسف لتحمله. فعاشت روح يعقوب أبيهم. 28فقال إسرائيل: (كفى! يوسف ابني حي بعد. أذهب وأراه قبل أن أموت”([50])، ثم جاء فيها: “27وسكن إسرائيل في أرض مصر، في أرض جاسان، وتملكوا فيها وأثمروا وكثروا جدا”([51]).

فإسرائيل إذن ارتحل من أرض الكنعانيين كما جاء في التوراة: “1فارتحل إسرائيل وكل ما كان له وأتى إلى بئر سبع، وذبح ذبائح لإله أبيه إسحاق. 2فكلم الله إسرائيل في رؤى الليل وقال: (يعقوب، يعقوب!). فقال: (هأنذا). 3فقال: (أنا الله، إله أبيك. لا تخف من النزول إلى مصر، لأني أجعلك أمة عظيمة هناك. 4أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك أيضا. ويضع يوسف يده على عينيك).5فقام يعقوب من بئر سبع، وحمل بنو إسرائيل يعقوب أباهم وأولادهم ونساءهم في العجلات التي أرسل فرعون لحمله. 6وأخذوا مواشيهم ومقتناهم الذي اقتنوا في أرض كنعان، وجاءوا إلى مصر. يعقوب وكل نسله معه. 7بنوه وبنو بنيه معه، وبناته وبنات بنيه وكل نسله، جاء بهم معه إلى مصر”([52])، وقد سبق الحديث عن كنعان وأرض كنعان.

ومن الشواهد المهمة في قصة يوسف عليه السلام أن يعقوب -إسرائيل- عليه السلام حين حضرته الوفاة أوصى يوسف عليه السلام أن يدفنه في أرض كنعان فقال كما جاء في التوراة: “ولما قربت أيَّام إسرائيل أن يموت دعا ابنه يوسف وقال له: (إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فضع يدك تحت فخذي واصنع معي معروفا وأمانة: لا تدفني في مصر، 30بل أضطجع مع آبائي، فتحملني من مصر وتدفنني في مقبرتهم”([53])، ففعل يوسف عليه السلام ودفنه في أرض الكنعانيين التي مر ذكرها، جاء فيها: “7فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه جميع عبيد فرعون، شيوخ بيته وجميع شيوخ أرض مصر، 8وكل بيت يوسف وإخوته وبيت أبيه، غير أنهم تركوا أولادهم وغنمهم وبقرهم في أرض جاسان. 9وصعد معه مركبات وفرسان، فكان الجيش كثيرا جدا. 10فأتوا إلى بيدر أطاد الذي في عبر الأردن وناحوا هناك نوحا عظيما وشديدا جدا، وصنع لأبيه مناحة سبعة أيام. 11فلما رأى أهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر أطاد قالوا: (هذه مناحة ثقيلة للمصريين). لذلك دعي اسمه (آبل مصرايم). الذي في عبر الأردن. 12وفعل له بنوه هكذا كما أوصاهم: 13حمله بنوه إلى أرض كنعان ودفنوه في مغارة حقل المكفيلة، التي اشتراها إبراهيم مع الحقل ملك قبر من عفرون الحثي أمام ممرا”([54]).

فهذه قصة يوسف عليه السلام ملحمة عظيمة سطرتها كتب التاريخ، وأخبرنا الله عنها في القرآن الكريم، وذكرت في التوراة، وفيها عدة شواهد على تنقلات بني إسرائيل، وتنقلهم من الشام إلى مصر، وبقائهم فيها حتى خرجوا مع موسى عليه السلام.

الشَّاهد السَّابع: مصر:

في الوقت الذي يدَّعي فيه كمال صليبي ومن معه بأنَّ “مصريم” الواردة في التوراة تعني “قرية المصرمة” في مرتفعات عسير، أو “قرية مصر” في وادي بيشة، نجد أنَّ التوراة قد ذكرت مصر ذكرًا وافرًا، وأكثر ما يهمنا هنا هو موسى عليه السلام ووجوده في مصر ثم خروجه منها؛ حيث تبين النصوص التوراتية أن ذلك في مصر المعروفة وليس في غرب شبه الجزيرة العربية، وصليبي نفسه يعترف بأن “مصريم” في التوراة قد يطلق على مصر المعروفة فيقول: “وكما أشير سابقا فإن كوش يترافق ذكرها في النصوص التوراتية مع مصريم، التي تشير بالتأكيد إلى مصر في بعض الفقرات التوراتية… أما في أماكن أخرى من التوراة فإن اسم مصريم يشير إلى أي من مواقع عديدة في غرب شبه الجزيرة العربية، بما فيها قرية المصرمة (مصرم) ويلفظ اسمها محليا (المصرامة) (مصرءمه) في مرتفعات عسير بين أبها وخميس مشيط، أو قرية (مصر) في وادي بيشة في عسير الداخل”([55]). فمصر في المواضع التي لا يستطيع أن يتهرب فيها عن الحقيقة يقول: نعم هي مصر المعروفة، أما في مواضع أخرى فإنه ينقل مصر من شمال القارة الإفريقية إلى غرب الجزيرة العربية بالقارة الآسيوية! وليست منطقة محددة بل هي -كما الحال مع يردن- تشير إلى عدة مناطق، فقد تكون هذه أو هذه، وهنا معضلة كبيرة وقع فيها صليبي سيأتي الحديث عنها.

لكن لنرى الآن ماذا ذكرت التوراة عن “مصريم”، ولنقتصر في ذلك على بعض الشواهد لا كلها، ومن تلك الشَّواهد أنَّ التوراة تتحدث عن مصر وتذكر فيها النِّيل والنهر، وهو تعبير صريح عن المراد بمصر، فسفر إرميا جاء فيه: ” 7من هذا الصاعد كالنيل، كأنهار تتلاطم أمواهها؟ 8تصعد مصر كالنيل، وكأنهار تتلاطم المياه. فيقول: أصعد وأغطي الأرض. أهلك المدينة والساكنين فيها”([56]).

وقد بينا أن فرعون يطلق على ملك مصر، وجاء نصٌّ في سفر حزقيال يجمع بين فرعون مصر وبين الأنهار التي يدعي أنه يملكها، وذلك مشابه لسياق القرآن في سورة الزخرف في قول الله تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51]، فالنهر هنا نهر النيل كما ذكره عدد من المفسرين كما بيناه في الورقة السابقة، جاء في التوراة: “1في السنة العاشرة، في الثاني عشر من الشهر العاشر، كان إلي كلام الرب قائلا: 2(يا ابن آدم، اجعل وجهك نحو فرعون ملك مصر وتنبأ عليه وعلى مصر كلها. 3تكلم وقل: هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا فرعون ملك مصر، التمساح الكبير الرابض في وسط أنهاره، الذي قال: نهري لي، وأنا عملته لنفسي([57]). هذه هي مصر المعروفة، وهو تعبير صريح يجمع بين مصر وفرعون والأنهار التي لا تجتمع إلا في مصر التي نعرفها.

تنبيه: يظنُّ البعض أن لكلام كمال صليبي ومن تبعه وجهًا من الصحة لأن جزيرة العرب كانت مروجًا وأنهارا كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا»([58])، ويجاب عن هذا الاستدلال بما يأتي:

أولًا: مجرد كون جزيرة العرب فيها أنهار لا يعني أنها هي مصر التي كان فيها أنهار، والمقصود أنه لا يعدُّ دليلًا صحيحا بمفرده، ولا يعتدُّ به، فالأنهار إن وجدت فهي موجودة في بلاد كثيرة، وإثبات وجودها في جزيرة العرب لا تفيد أن مصر ومسرح التوراة كان فيها.

فإن قيل: هو ليس دليلا بمفرده لكنه يقوي الأدلة الأخرى التي تثبت أن بني إسرائيل كانت ديارهم بها، فإن كانت التوراة تحدثت عن الأنهار فأرض العرب يومًا ما كان فيها أنهار، فنقول:

ثانيًا: لا شك أن علم الجيولوجيا قد أثبت وجود تشكلات تفيد بوجود أنهار في جزيرة العرب، وقبل ذلك نحن نصدق بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكن إثبات وجود الأنهار وحده لا يكفي؛ إذ يجب تحديد وجود تلك الأنهار الضخمة في تلك المناطق المحددة لتكون مسرحا للتوراة وبني إسرائيل، وفي الحقيقة فإن هذا إن حدد سيكتنفه إشكال آخر وهو:

ثالثًا: هل من نهر في جنوب جزيرة العرب سمي بنهر النيل؟ فقد نصت التوراة على أن النهر الذي كان موجودا بمصر هو نهر النيل، كما فيها: “7من هذا الصاعد كالنيل، كأنهار تتلاطم أمواهها؟ 8تصعد مصر كالنيل، وكأنهار تتلاطم المياه. فيقول: أصعد وأغطي الأرض. أهلك المدينة والساكنين فيها”([59]).

وجاء فيها عند ذكر مصر: “5وتنشف المياه من البحر، ويجف النهر وييبس. 6وتنتن الأنهار، وتضعف وتجف سواقي مصر، ويتلف القصب والأسل. 7والرياض على النيل على حافة النيل، وكل مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون. 8والصيادون يئنون، وكل الذين يلقون شصا في النيل ينوحون. والذين يبسطون شبكة على وجه المياه يحزنون، 9ويخزى الذين يعملون الكتان الممشط، والذين يحيكون الأنسجة البيضاء. 10وتكون عمدها مسحوقة، وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفس”([60])، وهو بيان واضحٌ لمصر، وأنها على النيل، وأن مدنها كذلك على النيل، فأين ذلك النيل في جنوب الجزيرة العربية؟!

رابعًا: أن الأنهار في جزيرة العرب كانت موجود قبل زمن موسى عليه السلام، بل وقبل زمن إبراهيم عليه السلام!

وقد كانت الجزيرة العربية مروجا وأنهارا في العصور الجليدية كما توصل إليه بعض الباحثين، يقول جواد علي: “وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر البلايستوسين (pleistocene) خصبة جدًّا كثيرة المياه، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة، كالأشجار التي نجدها في الزمان الحاضر في الهند وإفريقية، وأن جوّها كان خيرًا من جوّ أوروبة في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة، ثم أخذ الجوّ يتغير في العالم، فذابت الثلوج بالتدريج، وتغير جوّ بلاد العرب بالطبع، حدث هذا التغير في عصر النيوليتك (neolithic) أو في عصر الكالكوليتك (chalcolithic)”([61]).

وفي هذا العصر بدأ الجفاف كما يرى فلبي، يقول جواد علي: “أما فلبي فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى أن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين، وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها الذي ظهرت بَوَادره منذ عصر البالثوليتيك (palaeolithic) هاجرت في رأيه في موجات متعاقبة، سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقر فيها”([62]).

واستمر التحول تدريجيا، فقد استغرق ذلك آلاف السنين، أي: لا يمكن أن تكون جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا في زمن اليهود ثم يحدث الجفاف التام في غضون ألفي عام! يقول جواد علي: “وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان تغيّر مستمر طرأ عليها، أدى إلى انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها؛ مما أثّر على قشرتها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر من جزيرة العرب، وقد استمر هذا التغير آلافا من السنين حتى حوّل بلاد العرب أرضين غلبت عليها الطبيعة الصحراوية، وقلّت فيها الرطوبة، وغلب على أكثر بقاعها الجفاف”([63]).

ويؤكد أن جزيرة العرب قد جفت حتى قبل إبراهيم عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى حكى عن إسكان إبراهيم لهاجر عليه السلام في مكة وقد وصفها بقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37]، وهو دليل قرآني صريح على أن جزيرة العرب في أيام إبراهيم عليه السلام لم تكن ذات مروج وأنهار، بل كانت جافة قاحلة غير ذي زرع، وهذا قبل موسى عليه السلام كما هو بيِّن، وعليه فلا يمكن أن تكون هذه الأنهار التي تحدثت عنها التوراة في جنوب جزيرة العرب.

أمَّا عن موسى عليه السلام ففي قصته شواهد كثيرةٌ تدلُّ على مصر المعروفة، من أهمها: أن موسى عليه السلام حين كان في مديان ثم خرج منها كلمه الله سبحانه وتعالى، فكان مما قال له كما جاء في التوراة: “6ثم قال: (أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب). فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. 7فقال الرب: (إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم. إني علمت أوجاعهم، 8فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين. 9والآن هوذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إلي، ورأيت أيضا الضيقة التي يضايقهم بها المصريون، 10فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون، وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر”([64]). وفي هذا النص تظهر شواهد عديدة من ذكر مصر، وذكر فرعون الذي لا يكون إلا ملك مصر المعروفة، وذكر أنه سيخرجهم من مصر إلى أرض الكنعانيين التي بيناها سابقًا، وكلها تدلُّ على أن مصر في هذا النَّص هي مصر المعروفة.

الشاهد الثامن: الخروج:

أمَّا عن الخروج من مصر فإن القصة برمتها تشهد أن مصر هي مصر المعروفة، وقد أوقعت هذه القصة كمال صليبي في حرج ومعضلة!

ذلك أنَّه أورد خروج الإسرائيليين من مصر التي هي “مصرمة” في مرتفعات عسير، أو قرية “مصر” في وادي بيشة كما مرَّ، كما حدد صليبي ومن تبعه مكان الانطلاق لعبور الأردن الذي جعله بمنطقة الطَّائف [انظر: الخريطة رقم (1)]، ومهما حاولت أن تجد طريقًا بين المنطقتين في وسطه بحرٌ فإنك لن تجد! فأين تذهب قصة عبور البحر وتلك المعجزة الكبرى التي ذكرها القرآن الكريم؟!

يقول تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، وجاء في التوراة أيضا: “6فشد مركبته وأخذ قومه معه. 7وأخذ ست مئة مركبة منتخبة وسائر مركبات مصر وجنودا مركبية على جميعها. 8وشدد الرب قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل، وبنو إسرائيل خارجون بيد رفيعة. 9فسعى المصريون وراءهم وأدركوهم. جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه، وهم نازلون عند البحر عند فم الحيروث، أمام بعل صفون. 10فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم، وإذا المصريون راحلون وراءهم. ففزعوا جدا، وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب. 11وقالوا لموسى: (هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ 12أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين: كف عنا فنخدم المصريين؟ لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية). 13فقال موسى للشعب: (لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. فإنه كما رأيتم المصريين اليوم، لا تعودون ترونهم أيضا إلى الأبد. 14الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون). 15فقال الرب لموسى: (ما لك تصرخ إلي؟ قل لبني إسرائيل أن يرحلوا. 16وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه، فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة. 17وها أنا أشدد قلوب المصريين حتى يدخلوا وراءهم، فأتمجد بفرعون وكل جيشه، بمركباته وفرسانه. 18فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه). 19فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم، وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم. 20فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل، وصار السحاب والظلام وأضاء الليل. فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل. 21ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة وانشق الماء. 22فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. 23وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم. جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر. 24وكان في هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب، وأزعج عسكر المصريين، 25وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون: (نهرب من إسرائيل، لأن الرب يقاتل المصريين عنهم). 26فقال الرب لموسى: (مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين، على مركباتهم وفرسانهم). 27فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة، والمصريون هاربون إلى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر. 28فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحد. 29وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. 30فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين. ونظر إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر. 31ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى”([65]).

فانظر إلى هذه القصة الملحمية العظيمة وما ورد فيها، ثم قارن بينها وبين ما ذكره صليبي وبيَّنَه من مكان الانطلاق والخروج ومكان الوصول؛ هل يمكن أن يكون هناك بحرٌ بهذا الحجم؟!

بحر يخبر الله عنه أنه شقَّه، وأن بني إسرائيل بأعدادهم الضخمة قد دخلوا وسط البحر على اليابسة، ودخل خلفهم فرعون بجنوده بعدتهم وعتادهم، فأين هذا البحر الكبير في هذه المناطق بين عسير والطائف كما بين هؤلاء؟! وإذا عرفت مكان الانطلاق والوصول عند صليبي [انظر: الخريطة رقم (1)] فستدرك مباشرة حجم المعضلة التي وقع فيها من ذكر أن هذه الأحداث كلها وقعت في غرب جزيرة العرب؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك بحر بين هذه المناطق التي ذكروها، ولذا أغفل صليبي ذكر البحر كما أوردته التوراة بهذه الضخامة.

ومن أعظم الشواهد على أن مصر هي التي نعرفها قصة بلعام بن بعور، فإن شعب بني إسرائيل حين خرجوا خافوا ملوك “مديان”، وهي مدين التي ذهب إليها موسى عليه السلام، فأتوا إلى بلعام وطلبوا منه أن يلقي عليهم اللعنة حتى لا يأتوا، جاء في التوراة: “1وارتحل بنو إسرائيل ونزلوا في عربات موآب من عبر أردن أريحا، 2ولما رأى بالاق بن صفور جميع ما فعل إسرائيل بالأموريين، 3فزع موآب من الشعب جدا لأنه كثير، وضجر موآب من قبل بني إسرائيل. 4فقال موآب لشيوخ مديان: (الآن يلحس الجمهور كل ما حولنا كما يلحس الثور خضرة الحقل). وكان بالاق بن صفور ملكا لموآب في ذلك الزمان. 5فأرسل رسلا إلى بلعام بن بعور، إلى فتور التي على النهر في أرض بني شعبه ليدعوه قائلا: (هوذا شعب قد خرج من مصر. هوذا قد غشى وجه الأرض، وهو مقيم مقابلي. 6فالآن تعال والعن لي هذا الشعب، لأنه أعظم مني، لعله يمكننا أن نكسره فأطرده من الأرض، لأني عرفت أن الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون”([66]).

وأهمية هذه القصة تكمن في أنها أحد أهم الشواهد الأركيولوجية التي تدل على أن صاحب هذه القصة -وهو بلعام- كان في الشام، أو على الأقل شمال الجزيرة العربية وليس جنوبها، فقد كشفت التنقيبات هناك عن نصوص آرامية في غاية الأهمية، بينها نصٌّ عنوانه: “هذه طور بلعام بن بعور”. وهذه بيّنة أركيولوجية وكتابية دامغة تظهر إلى أي مدى يمكن لمنهج مقابلة أسماء المواقع أن يؤدي إلى نتائج بعيدة عن الواقع([67]).

الشَّاهد التاسع: سيناء والتيه:

مرَّ بنا في ورقة “الشواهد القرآنية” ذكر سيناء والطُّور ذلك الجبل الذي أوحى الله فيه إلى موسى عليه السلام، وقد ذكرت التوراة نصوصًا كثيرة في وصف سيناء، بحيث لا يمكن أن تكون سيناء في غرب جزيرة العرب، وإذا أردت أن تعرف ذلك فإنك تجمع كل الحقائق التي وردت عن مصر، والبحر الذي انفلق؛ لتدرك أنهم خرجوا إلى سيناء المعروفة، جاء في التوراة عن بداية خروجهم: “1ثم ارتحلوا من إيليم. وأتى كل جماعة بني إسرائيل إلى برية سين، التي بين إيليم وسيناء في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني بعد خروجهم من أرض مصر. 2فتذمر كل جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون في البرية. 3وقال لهما بنو إسرائيل: (ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزا للشبع. فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع”([68])، وهو نصٌّ يذكرنا بقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61].

ويبين سفر الخروج في موضع آخر أنهم نزلوا برية سيناء، فجاء فيه: “1في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر، في ذلك اليوم جاءوا إلى برية سيناء. 2ارتحلوا من رفيديم وجاءوا إلى برية سيناء فنزلوا في البرية. هناك نزل إسرائيل مقابل الجبل”([69]).

وأثناء سيرهم في برية سيناء يذكِّرهم الله بالأرض التي هم ذاهبون إليها فيقول كما في التوراة: “31وأجعل تخومك من بحر سوف إلى بحر فلسطين، ومن البرية إلى النهر”([70]).

ثم حدثت هناك القصة التي ذكرها الله في كتابه في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 20-26].

وقد ذكرت التوراة وفصَّلت هذا الامتناع وهذا الذنب من بني إسرائيل، جاء فيها: “17فأرسلهم موسى ليتجسسوا أرض كنعان، وقال لهم: (اصعدوا من هنا إلى الجنوب واطلعوا إلى الجبل، 18وانظروا الأرض، ما هي: والشعب الساكن فيها، أقوي هو أم ضعيف؟ قليل أم كثير؟…21فصعدوا وتجسسوا الأرض من برية صين إلى رحوب في مدخل حماة. 22صعدوا إلى الجنوب وأتوا إلى حبرون… وأيضا قد رأينا بني عناق هناك. 29العمالقة ساكنون في أرض الجنوب، والحثيون واليبوسيون والأموريون ساكنون في الجبل، والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن)”([71]).

ففي هذا النص يصفون الأرض التي هم خارجون إليها، فذكروا حماة، وحبرون التي هي مدينة الخليل كما مرَّ، وذكروا الكنعانيين وأرضهم، وكلها تصدق على تلك الديار من الشام، لا على غرب شبه الجزيرة العربية.

فالأرض التي هم ذاهبون إليها هي أرض كنعان كما في نصوص عديدة في التوراة، منها: “50وكلم الرب موسى في عربات موآب على أردن أريحا قائلا: 51(كلم بني إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان”([72]).

ومنها أيضا نصٌّ يبين بوضوح حدود تلك الأراضي، فيذكر حماة والأردن وغيرها، ويذكر منها “بحر الملح” الذي ارتبط كثيرًا بنهر الأردن الذي مر بنا، جاء في التوراة: “1وكلم الرب موسى قائلا: 2(أوص بني إسرائيل وقل لهم: إنكم داخلون إلى أرض كنعان. هذه هي الأرض التي تقع لكم نصيبًا. أرض كنعان بتخومها، 3تكون لكم ناحية الجنوب من برية صين على جانب أدوم، ويكون لكم تخم الجنوب من طرف بحر الملح إلى الشرق، 4ويدور لكم التخم من جنوب عقبة عقربيم، ويعبر إلى صين، وتكون مخارجه من جنوب قادش برنيع، ويخرج إلى حصر أدار، ويعبر إلى عصمون. 5ثم يدور التخم من عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه عند البحر. 6وأما تخم الغرب فيكون البحر الكبير لكم تخما. هذا يكون لكم تخم الغرب. 7وهذا يكون لكم تخم الشمال. من البحر الكبير ترسمون لكم إلى جبل هور. 8ومن جبل هور ترسمون إلى مدخل حماة، وتكون مخارج التخم إلى صدد. 9ثم يخرج التخم إلى زفرون، وتكون مخارجه عند حصر عينان. هذا يكون لكم تخم الشمال. 10وترسمون لكم تخما إلى الشرق من حصر عينان إلى شفام. 11وينحدر التخم من شفام إلى ربلة شرقي عين. ثم ينحدر التخم ويمس جانب بحر كنارة إلى الشرق. 12ثم ينحدر التخم إلى الأردن، وتكون مخارجه عند بحر الملح. هذه تكون لكم الأرض بتخومها حواليها([73]).

ولما عصى القوم ولم يدخلوا ولم يحاربوا عاقبهم الله بما ذكره في كتابه العزيز: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26]، وبينت التوراة أن الله سبحانه وتعالى غضب على بني إسرائيل، وقال لهم: “29في هذا القفر تسقط جثثكم، جميع المعدودين منكم حسب عددكم من ابن عشرين سنة فصاعدا الذين تذمروا علي. 30لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكننكم فيها، ما عدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون. 31وأما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة فإني سأدخلهم، فيعرفون الأرض التي احتقرتموها. 32فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر، 33وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة، ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر. 34كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض أربعين يوما، للسنة يوم. تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي. 35أنا الرب قد تكلمت. لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة علي. في هذا القفر يفنون، وفيه يموتون)”([74]).

وفي فترة التيه تلك مات هارون عليه السلام([75]).

وقد مات موسى عليه السلام أيضًا قبل أن يدخل الأرض التي خرجوا إليها، جاء في التوراة: “48وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلا: 49(اصعد إلى جبل عباريم هذا، جبل نبو الذي في أرض موآب الذي قبالة أريحا، وانظر أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ملكا، 50ومت في الجبل الذي تصعد إليه، وانضم إلى قومك، كما مات هارون أخوك في جبل هور وضم إلى قومه”([76]).

وانتهت قصة موسى عليه السلام التي تحمل شواهد عديدة على موطن بني إسرائيل، يمكن تلخيصها في الآتي:

1- ذهابه إلى مدائن.

2- ربط مصر التي ذهب إليها بمصر فرعون.

3- ملحمة الخروج من مصر وعبور البحر الكبير الذي يبس لبني إسرائيل، ودخله العدد الكبير جدًّا الذي تقدره التوراة فتقول: “فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت، نحو ست مئة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد”([77])، ثم دخل خلفهم فرعون بجيشه بعدتهم وعتادهم، فأين هذا البحر الكبير في غرب شبه الجزيرة العربية؟!

4- الأمر بالرحيل إلى أرض الكنعانيين.

5- كونه في سيناء.

فهذه شواهد واضحة الدلالة على موطن بني إسرائيل وكونه في الشام ومصر.

الشَّاهد العاشر: يشوع:

آل أمر بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام إلى يوشع بن نون من سبط أفرايم، وكان خادمًا لموسى كما في سفر الخروج حين قال الرب لموسى: “(اصعد إلي إلى الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم). 13فقام موسى ويشوع خادمه. وصعد موسى إلى جبل الله”([78])، ثم عينه موسى عليه السلام لقيادة بني إسرائيل([79])، كما اختاره خليفة من بعده بأمر من الله كما في التوراة: “18فقال الرب لموسى: (خذ يشوع بن نون، رجلا فيه روح، وضع يدك عليه، 19وأوقفه قدام ألعازار الكاهن وقدام كل الجماعة، وأوصه أمام أعينهم. 20واجعل من هيبتك عليه ليسمع له كل جماعة بني إسرائيل”([80]).

وحسب رواية التوراة فإنَّ الله قد كلم يشوع ليبين له الأرض التي ستكون لبني إسرائيل، يقول: “2(موسى عبدي قد مات. فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل…4من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحثيين، وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم([81])، وتتضح فيه المدن الداخلة تحت هذا الحدود، وفي نص آخر جاء في التوراة: “24من البرية ولبنان. من النهر، نهر الفرات، إلى البحر الغربي يكون تخمكم([82]).

الشَّاهد الحادي عشر: القدس:

لا شكَّ أن القدس أو أورشليم كانت مدينة مستلقة موجودة من قبل أن يأتيها بنو إسرائيل، فقد كانت مدينة كنعانية، وبنصِّ التوراة كان اليبوسيون يسكنها في عصر القضاة، وقد سكن معهم بنو يهوذا، جاء في التوراة: “63وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم، فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم([83]).

ويشوع هو الموعود أن يدخل تلك الأراضي بما فيها القدس -حسب التوراة-، وقد ذكرت التوراة تفاصيل الملاحم التي وقعت أثناء دخول أراضي الفلسطينيين، وبينت بوضوح أن يشوع دخل أراضي الكنعانيين التي هي في الشام كما بينَّا سابقًا، وقد بعث يشوع رجالا ليروا تلك الأمكنة بما فيها القدس -أورشليم- والأحداث التي ذكرتها التوراة والمدن التي ذكرتها منطقية جدا، فقد أمر يشوع رجاله بعبور نهر الأردن الذي هو في فلسطين كما بينا واستدللنا لذلك، يقول الله ليشوع كما في التوراة: “1وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا: 2 (موسى عبدي قد مات. فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل”([84])، وقد امتثل يشوع لأمر الرب، جاء في التوراة: “فبكر يشوع في الغد وارتحلوا من شطيم وأتوا إلى الأردن، هو وكل بني إسرائيل، وباتوا هناك قبل أن عبروا”([85]).

ثم أرسل يشوع رجالا لينظروا إلى تلك المناطق ويعرفوها ومنها القدس -أورشليم-، فجاؤوا إلى أريحا وجلسوا فيها، وهو الأمر المنطقي إذ إن بعد عبور الأردن وقبل أن تصل إلى القدس ستجد مدينة أريحا [كما يتضح في الخريطة رقم (2)]، جاء في التوراة: “1فأرسل يشوع بن نون من شطيم رجلين جاسوسين سرا، قائلا: (اذهبا انظرا الأرض وأريحا). فذهبا ودخلا بيت امرأة زانية اسمها راحاب واضطجعا هناك. 2فقيل لملك أريحا: (هوذا قد دخل إلى هنا الليلة رجلان من بني إسرائيل ليتجسسا الأرض)”([86]).

فالحديث إذن واضحٌ جدا عن عبور الأردن ثم تقابلهم أريحا ثم القدس، والتوراة تؤكد أنهم يريدون مناطق الكنعانيين وغيرهم، كما جاء فيها: “9فقال يشوع لبني إسرائيل: (تقدموا إلى هنا واسمعوا كلام الرب إلهكم). 10ثم قال يشوع: (بهذا تعلمون أن الله الحي في وسطكم، وطردا يطرد من أمامكم الكنعانيين والحثيين والحويين والفرزيين والجرجاشيين والأموريين واليبوسيين”([87]). وقد عرَّفنا بأرض الكنعانيين، وبينَّا أيضًا قبل قليل أن القدس مقر اليبوسيين، ولذلك تجهز كل هؤلاء لمحاربة يشوع ومن معه، جاء في التوراة: “1ولما سمع جميع الملوك الذين في عبر الأردن في الجبل وفي السهل وفي كل ساحل البحر الكبير إلى جهة لبنان، الحثيون والأموريون والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسيون، 2اجتمعوا معا لمحاربة يشوع وإسرائيل بصوت واحد”([88]).

الشَّاهد الثاني عشر: داود:

كان صموئيل نبيًّا من أنبياء بني إسرائيل، قد طلبوا منه أن يجاهدوا في سبيل الله، ولأجل ذلك طلبوا ملكا كما حكى الله سبحانه وتعالى في كتابه إذ قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246]. فلما أصروا على ذلك بعث الله عليهم ملكًا وهو طالوت كما قال الله: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247].

وقد خرج للقتال إلى أن وصل إلى جالوت، ولأجل هذا تم سياق هذه القصة، فقد برز في هذا الوقت داود عليه السلام الذي سيكون أيضًا له ملاحم كثيرة في أراضي الشام، وقد حكى الله قصته البطولية بقوله: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

وكانت تلك الحرب بين طالوت ومن معه وبين الفلسطينيين حسب رواية التوراة، ومعروف منطقة الفلسطينيين، فكانت الحرب في منطقتهم، جاء في التوراة: “1وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب، فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا، ونزلوا بين سوكوه وعزيقة في أفس دميم. 2واجتمع شاول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطم، واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين. 3وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا، وإسرائيل وقوفا على جبل من هناك، والوادي بينهم. 4فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات، من جت…12وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسى وله ثمانية بنين… 14وداود هو الصغير. والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاول. 15وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم… 48وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني. 49ومد داود يده إلى الكنف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع، وضرب الفلسطيني في جبهته، فارتز الحجر في جبهته، وسقط على وجهه إلى الأرض. 50فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله”([89]). فكان هذا هو الظهور الأول لداود عليه السلام، وفيه من الشواهد أن تلك الحرب كانت مع الفلسطينيين، وأنه قد ذكر فيه بيت لحم، وهي منطقة معروفة في الشام.

وكان داود قد جعل من أورشليم -القدس- عاصمة له، وقد بينا أن يشوع قد دخلها، إلا أن داود عليه السلام قد دخلها وجعلها عاصمته كما جاء في التوراة: “4كان داود ابن ثلاثين سنة حين ملك، وملك أربعين سنة. 5في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين وستة أشهر. وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة على جميع إسرائيل ويهوذا. 6وذهب الملك ورجاله إلى أورشليم، إلى اليبوسيين سكان الأرض”([90]).

وكانت القدس والمدن التوراتية الأخرى في الشام قريبة من بعض، فلا يمكن الفصل بين تلك المدن ليدعي أحدهم أن حبرون أو صور في مكان والقدس في مكان آخر، والتوراة تبين أن صور وحبرون والقدس مناطق متقاربة، جاء فيها: “11وأرسل حيرام ملك صور رسلا إلى داود، وخشب أرز ونجارين وبنائين فبنوا لداود بيتا. 12وعلم داود أن الرب قد أثبته ملكا على إسرائيل، وأنه قد رفع ملكه من أجل شعبه إسرائيل. 13وأخذ داود أيضا سراري ونساء من أورشليم بعد مجيئه من حبرون”([91]). وقد بيان سابقا موضع حبرون ومدينة صور، والقدس قريبة منهما، فالحديث كله إذن عن أراضي الشام.

الشَّاهد الثالث عشر: سليمان عليه السلام:

لا شكَّ أن سليمان عليه السلام قد أخذ الملك بعد والده داود، كما أنه كان نبيا من أنبياء الله، وقصته طويلة، يهمنا منها تنازله عن بعض المدن لملك صور، جاء في التوراة: “10وبعد نهاية عشرين سنة بعدما بنى سليمان البيتين، بيت الرب وبيت الملك. 11وكان حيرام ملك صور قد ساعف سليمان بخشب أرز وخشب سرو وذهب، حسب كل مسرته. أعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض الجليل. 12فخرج حيرام من صور ليرى المدن التي أعطاه إياها سليمان، فلم تحسن في عينيه. 13فقال: (ما هذه المدن التي أعطيتني يا أخي؟) ودعاها (أرض كابول) إلى هذا اليوم. 14وأرسل حيرام للملك مئة وعشرين وزنة ذهب”([92])، فسليمان عليه السلام قد تنازل عن بعض مدن الجليل، وكنا قد تحدثنا عن صور وموقعها.

ومن الشواهد في قصة سليمان عليه السلام أنه قد بنى مدن المخازن في بعض المناطق المعروفة في الشام، جاء في التوراة: “1وبعد نهاية عشرين سنة، بعد أن بنى سليمان بيت الرب وبيته، 2بنى سليمان المدن التي أعطاها حورام لسليمان، وأسكن فيها بني إسرائيل. 3وذهب سليمان إلى حماة صوبة وقوي عليها. 4وبنى تدمر في البرية وجميع مدن المخازن التي بناها في حماة. 5وبنى بيت حورون العليا وبيت حورون السفلى، مدنا حصينة بأسوار وأبواب وعوارض. 6وبعلة وكل مدن المخازن التي كانت لسليمان، وجميع مدن المركبات ومدن الفرسان وكل مرغوب سليمان الذي رغب أن يبنيه في أورشليم وفي لبنان وفي كل أرض سلطانه”([93]).

وأخيرًا:

تعطينا التوراة ملخصًا شاملًا للأحداث التي ذكرناها هنا، بدءًا من إبراهيم عليه السلام، وللشواهد التي تطرقنا لها، والتي تؤكد موطن بني إسرائيل ووجودهم بين الشام ومصر، جاء في التوراة: “1وجمع يشوع جميع أسباط إسرائيل إلى شكيم. ودعا شيوخ إسرائيل ورؤساءهم وقضاتهم وعرفاءهم فمثلوا أمام الرب. 2وقال يشوع لجميع الشعب: (هكذا قال الرب إله إسرائيل: آباؤكم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر. تارح أبو إبراهيم وأبو ناحور، وعبدوا آلهة أخرى. 3فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر وسرت به في كل أرض كنعان، وأكثرت نسله وأعطيته إسحاق. 4وأعطيت إسحاق يعقوب وعيسو، وأعطيت عيسو جبل سعير ليملكه. وأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر. 5وأرسلت موسى وهارون وضربت مصر حسب ما فعلت في وسطها، ثم أخرجتكم. 6فأخرجت آباءكم من مصر، ودخلتم البحر وتبع المصريون آباءكم بمركبات وفرسان إلى بحر سوف. 7فصرخوا إلى الرب، فجعل ظلاما بينكم وبين المصريين، وجلب عليهم البحر فغطاهم. ورأت أعينكم ما فعلت في مصر، وأقمتم في القفر أياما كثيرة. 8ثم أتيت بكم إلى أرض الأموريين الساكنين في عبر الأردن فحاربوكم، ودفعتهم بيدكم فملكتم أرضهم وأهلكتهم من أمامكم. 9وقام بالاق بن صفور ملك موآب وحارب إسرائيل، وأرسل ودعا بلعام بن بعور لكي يلعنكم. 10ولم أشأ أن أسمع لبلعام، فبارككم بركة وأنقذتكم من يده.11ثم عبرتم الأردن وأتيتم إلى أريحا. 14فالآن اخشوا الرب واعبدوه بكمال وأمانة، وانزعوا الآلهة الذين عبدهم آباؤكم في عبر النهر وفي مصر، واعبدوا الرب”([94]).

فها هي الشواهد التي أردنا أن نورد بعضًا منها، والتوراة مليئة بها، وقد كفانا تقرير القرآن والسنة، إلا أننا أحببنا أن نظهر هذه الشواهد ممن يعتمد على التوراة اعتمادًا كليا، سواء لاعتقاده صحته، أو لاعتباره كتابًا تاريخيًّا لا يخطئ! ورغم تحريف التوراة ويقيننا بذلك إلا أنها كانت شاهدة لما قرره القرآن، وجمع نصوصها من مواضعها المختلفة يبيّن ويظهر بجلاء أن موطن بني إسرائيل كان في الشام ومصر.

ونؤكد وبشدَّة أننا إذ نورد الشواهد التي تبيّن أن أرض بني إسرائيل كانت في الشام لا نعني بذلك أنه يحق لهم اليوم أن يحتلوا فلسطين والقدس، بل الأدلة الشرعية والعرفية والقوانين الدولية كلها تقتضي عدم أحقية بني إسرائيل اليوم بأرض فلسطين، ولتفصيل ذلك مقامات أخرى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الملحقات

الخريطة رقم (1): منطقة انتقال بني إسرائيل ومكان الوصول بحسب رؤية كمال صليبي ومن تبعه

 

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) على الرابط: https://salafcenter.org/4725/

([2]) على الرابط: https://salafcenter.org/4738/

([3]) انظر: نداء السراة، اختطاف جغرافيا الأنبياء (ص: 15-17).

([4]) انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 13).

([5]) انظر: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم (ص: 6).

([6]) انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 53-54).

([7]) انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 13-14).

([8]) انظر: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم (ص: 3-14).

([9]) في كلِّ نصٍّ نقول فيه: قال الله؛ فإنما هو باعتبار التوراة، مع إيماننا بدخول التحريف فيها، وعدم الجزم بأن هذا القول هو قول الله سبحانه وتعالى.

([10]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر (1-5).

([11]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر (6-8).

([12]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر (9-13).

([13]) صحيح البخاري (3358).

([14]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر (14-20).

([15]) تفسير ابن كثير (1/ 258). وينظر: تفسير أبي السعود (3/ 257).

([16]) سفر التكوين، الإصحاح الثالث عشر (5-13).

([17]) سفر التكوين، الإصحاح الثالث والعشرون (1-4).

([18]) التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 133).

([19]) التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 134).

([20]) التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 134).

([21]) سفر الملوك الثاني، الإصحاح السادس (1-7).

([22]) سفر يشوع، الإصحاح الثالث (6-16).

([23]) سفر يشوع، الإصحاح الرابع (1-24).

([24]) سفر الملوك الثاني، الإصحاح الثاني (1-9).

([25]) انظر: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، لفراس السواح (ص: 227-228).

([26]) سفر الملوك الثاني، الإصحاح الخامس (8-14).

([27]) سفر العدد، الإصحاح الثاني والعشرون (1).

([28]) التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 134-135).

([29]) سفر التكوين، الإصحاح العاشر (19).

([30]) انظر: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم (ص: 250).

([31]) انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 101).

([32]) سفر الملوك الأول، الإصحاح الخامس (6).

([33]) سفر الملوك الأول، الإصحاح الخامس (8-11).

([34]) سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثاني (16).

([35]) انظر: الحديث التوراتي والشرق الأدنى القديم (254).

([36]) كما يدعيه كمال صليبي، انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 120).

([37]) سفر عزرا، الإصحاح الثالث (7).

([38]) سفر التكوين، الإصحاح السادس والعشرون (1-3)

([39]) أخرجه الإمام أحمد (2471).

([40]) انظر: التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 195-196).

([41]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني والثلاثون (22-29).

([42]) انظر: التوراة جاءت من جزير العرب (ص: 195).

([43]) سفر تكوين، الإصحاح الثاني والثلاثون (17-18).

([44]) سفر التكوين، الإصحاح الخامس والثلاثون (5-7).

([45]) سفر التكوين، الإصحاح السابع والثلاثون (28).

([46]) سفر التكوين، الإصحاح التاسع والثلاثون (1-2).

([47]) سفر التكوين، الإصحاح الحادي والأربعون (1-14).

([48]) سفر التكوين، الإصحاح الحادي والأربعون (41-44).

([49]) سفر التكوين، الإصحاح الثاني والأربعون (1-2).

([50]) سفر التكوين، الإصحاح الخامس والأربعون (9-28).

([51]) سفر التكوين، الإصحاح السابع والأربعون (27).

([52]) سفر التكوين، الإصحاح السادس والأربعون (1-7).

([53]) سفر التكوين، الإصحاح السابع والأربعون (29-30).

([54]) سفر التكوين، الإصحاح الخمسون (7-13).

([55]) التوراة جاءت من جزيرة العرب (ص: 92-93).

([56]) سفر إرميا، الإصحاح السادس والأربعون (7-8).

([57]) سفر حزقيال، الإصحاح التاسع والعشرون (1-3).

([58]) أخرجه مسلم (157).

([59]) سفر إرميا، الإصحاح السادس والأربعون (7-8).

([60]) سفر إشعياء، الإصحاح التاسع عشر (5-10).

([61]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1/ 239-240).

([62]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1/ 232).

([63]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1/ 240).

([64]) سفر الخروج، الإصحاح الثالث (6-10).

([65]) سفر الخروج، الإصحاح الرابع عشر (6-31).

([66]) سفر العدد، الإصحاح الثاني والعشرون (1-6).

([67]) انظر: الحدث التوراتي والشرق، الأدنى القديم (ص: 246).

([68]) سفر الخروج، الإصحاح السادس عشر (1-3).

([69]) سفر الخروج، الإصحاح التاسع عشر (1-2).

([70]) سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرون (31).

([71]) سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر (17-29).

([72]) سفر العدد، الإصحاح الثالث والثلاثون (50-51).

([73]) سفر العدد، الإصحاح الرابع والثلاثون (1-12).

([74]) سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر (29-35).

([75]) انظر: سفر العدد، الإصحاح العشرون (22-29).

([76]) سفر التثنية، الإصحاح الثاني والثلاثون (48-50).

([77]) سفر الخروج، الإصحاح الثاني عشر (37).

([78]) سفر الخروج، الإصحاح الرابع والعشرين (12-13).

([79]) انظر: سفر الخروج، الإصحاح السابع عشر (8-9).

([80]) سفر العدد، الإصحاح السابع والعشرون (18-20).

([81]) سفر يشوع، الإصحاح الأول (2-4).

([82]) سفر التثنية، الإصحاح الحادي عشر (24).

([83]) سفر يشوع، الإصحاح الخامس عشر (63).

([84]) سفر يشوع، الإصحاح الأول (1-2).

([85]) سفر يشوع، الإصحاح الثالث (1).

([86]) سفر يشوع، الإصحاح الثاني (1-2).

([87]) سفر يشوع، الإصحاح الثالث (9-10).

([88]) سفر يشوع، الإصحاح التاسع (1-2).

([89]) سفر صموئيل الأول، الإصحاح السابع عشر (1-50) مختصرًا.

([90]) سفر صموئيل الثاني، الإصحاح الخامس (4-6).

([91]) سفر صموئيل الثاني، الإصحاح الخامس (11- 13).

([92]) سفر الملوك الأول، الإصحاح التاسع (10-14).

([93]) سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثامن (1-6).

([94]) سفر يشوع، الإصحاح الرابع والعشرون (1-14).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

إنكار الإمام محمد بن عبد الوهاب للشفاعة – بين الدعوى والحقيقة-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يقول شارل سان برو عن حالة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: “كان المجتمع الإسلامي يعاني من الخرافات والأوهام، ومن الشعائر الوثنيَّة، والبدع ومخاطر الردة، كان مفهوم التوحيد متداخلًا مع الأفكار المشركة، وكانت المنطقة برمتها فريسة الخرافات والطُّقوس الجاهلية العائدة إلى ظلمات العصر الجاهلي، حيث كان الناس […]

شعار “التنمية هي الحلّ” بين السلفية والليبرالية العربية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة التنمية هي الحلّ، ومن ذا الذي يُمكن أن يُخالف في ذلك إذا علم أن مصطلح التنمية مرادف لمصطلحٍ قرآني هو الاستعمار في الأرض الذي هو الغاية من خلق الإنسان على هذه البسيطة؟! لأن الغاية المطلقة من خلق الإنسان هي الاستعباد لله، وهي غاية يُشاركنا فيها الجن؛ كما قال تعالى: […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017