الاثنين - 22 ذو القعدة 1441 هـ - 13 يوليو 2020 م

أبعدت النُجعة يا شيخ رائد صلاح   (الكلمات الموجزة في الرد على كتاب (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 وقع في يدي كتابان من تأليف الشيخ أشرف نزار حسن -عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس- وهو أشعري المعتقد؛ الكتاب الأول: (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)، والثاني: (قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة).

والذي دعاني لأكتبَ هذا المقال كونُ الشيخِ رائد صلاح هو من قدَّم لهما، ولم أكن أتوقَّع يومًا أن يتدخَّل الشيخ رائد صلاح في هذه المسائل كونَه شخصيةً اعتبارية معروفة في الدفاع عن المسجد الأقصى، ويعمَل على توحيد الجهود من جميع الاتجاهات الإسلاميّة والعلمانية للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، ولا سيما إذا علمنا أنَّ الكتابين فيهما طعنٌ بالدعوة السلفية المباركة والعلماء السلفيين! فأين توحيد الجهود وتجميع الأمة؟! وأين شعار: نجتمع فيما اتَّفقنا فيه، ويعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختَلفنا فيه؟!

كنت أنتظر من الشيخ رائد -حفظه الله- أن يقدِّم لكتبٍ أخرى وعناوينَ أفضلَ تتناول الشأنَ الفلسطيني وقضية القدس؛ ليتسق مع دعوته ودفاعه عن المسجد الأقصى؛ ولكن خاب ظني عندما قرأتُ الكتابين! فكيف للشيخ رائد أن يروّج لشبهات ضدَّ الدعوة السلفية عفا عليها الزمن، والردود عليها معروفة ومشهورة؟!

أما عند الحديث عن محتوى الكتابين فمحتوى الكتابين لا يستحقُّ عناء الردِّ عليه؛ لاحتوائهما على شبهات ضعيفةٍ لا تدلُّ على فقه الكاتب ولا اطِّلاعه، وعجبي يزيد حينما يطلق الشيخ رائد صلاح -غفر الله له- على المؤلف لقب (فقيه السّجون)! حيث كان الأجدر به أن يؤلِّف كتابًا عن أحكام السجناء والمعتقلين.

فضل الدعوةَ السلفية:

بداية لا بد أن يُعرف أن الدعوةَ السلفية المباركة لها الدور العظيم في إعادة المسلمين إلى دينهم وعقيدتهم الصحيحة، كما كان لعلمائها الدور البارز في تصحيح عقائد كثير من المسلمين وتصحيح عباداتهم، ولا ينكر هذا الأثر إلا أعمى، ويكفي السلفيين شرفا انتسابهم إلى الصحابة رضوان الله عليهم عقيدةً وعملا، ومن جاء بعدهم من التابعين والأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم.

كما أوجّه ندائي إلى الشيخ رائد صلاح -غفر الله- له أن ينأَى بنفسِه عن الدخول في هذه الأمور، وأن يبقَى على ثغره ورباطه في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، رزقنا الله الصلاة فيه.

أهم النقاط التي سنناقشها:

  • السلفية هم على مذهب الظاهرية ومخالفتهم للإمام أحمد.
  • السلفيون يبدعون غيرهم عند المخالفة.
  • السلفيون ليس عندهم فقه الأولويات.
  • السلفيون لا يناصرون قضية فلسطين.
  • السلفيون لم يضحّوا ولم يسجنوا.
  • السلفية حزب نخبوي.
  • مضامين مصطلح السلفية بدعي.
  • إنكاره على السلفيين مهاجمة الصوفية.
  • خلاف علماء السلفية مع علماء الحنابلة في الفقه.
  • السلفية هم على مذهب الظاهرية ومخالفتهم للإمام أحمد:

يقول المؤلف -هداه الله-: (إن السلفية المعاصرة الدعوية أو الظاهرية الجدد ليسوا في الحقيقة حنابلة أو ينتسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل، ودليلي على ادعائي هو عدم تطابق آرائهم مع مذهب الحنابلة).

وهذا يدل على عدم معرفته بالدعوة السلفية كمنهج للتلقي، حيث إنه يؤكّد على أن السلفيين لا تتطابق آراؤهم مع مذهب الحنابلة، وهذا حقّ، مع إدراكهم أن التعلم على المذاهب من المسالك العلمية التي يَنصُح بها أهل العلم السلفيّون، وما من عالم فيهم إلا ودرس على مذهب من المذاهب الأربعة، فعلماء الحجاز حنابلة، والعلماء السلفيين في الهند أحناف، وفي المغرب العربي مالكية، وفي مصر وغيرها من البلاد شافعية.

كما أن هناك حنابلة خالفوا اعتقادَ السلف الصالح، وهناك شافعية وأحناف ومالكية على مذهب السلف الصالح، وهذا دليل بأن السلفية ليست مذهبًا ولا حزبًا كما يدَّعي خصومها، وإنما هي طريقة لفهم الدين، وهي طريق الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم من أئمة الإسلام، فهل يا شيخ رائد صلاح تؤيِّد هذا الكلام؟!

  • السلفيون يبدِّعون غيرهم عند المخالفة:

يقول المؤلف: (إن سلف الأمة اختلفوا فيما بينهم في الفقه، وفي كيفية التعامل مع الواقع، ووسِعَهم الخلاف، ولم يتَّهم بعضهم بعضًا بالبدعة أو الفسق).

لا بدَّ بدايةً من توضيحِ مفهوم الخلاف، وأنه ليس كلّ خلاف معتبرًا، فخِلاف التَّضاد منه ما هو سائغٌ، ومنه ما هو غير سائغ، فالخلاف مع من يبيح ربا الفضل ومخالفةَ اعتقاد السلف الصالح ومصادمةَ الأدلة الصحيحة، يختلف عن الخلاف بين من يرى وجوب بعض أفعال الصلاة ومن يرى استحبابها.

والسلفيون -بحمد الله تعالى- سائرون على هذا النهج، فمتى بدّع السلفيون غيرهم بسبب الآراء الفقهية وكيفية التعامل مع الواقع؟! وكيف يكون هذا الادِّعاء صحيحًا والسلفيون مختلفون فيما بينهم في المسائل الفقهية، ويرد بعضهم على بعض؟! ولا يخدش هذا في سلفيتهم، فيسعهم ما وسع الأئمة قبلهم، وعلماء الدعوة السلفية ينطلقون من منطلقات شرعية وليست حزبية، ولو أردتُ أن أسوق أدلةً على صحة كلامي لطال المقام، ولكن أضرب لذلك ببعض الأمثلة لعلها تقنع الكاتب بخطَأ دعواه، فقد اختلف أهل العلم السلفيون في حكم دخول البرلمانات، واختلفوا في حكم الاستعانة بالقوات الأجنبية وغيرها من النوازل.

  • السلفيون ليس عندهم فقه الأولويات:

يقول المؤلف: (إن اختلاف فقه الأولويات هو أظهر سمات السلفية).

لا بد أن يُعلم أنَّ أولويات الدعوة السلفية وأصولها هي التوحيد والاتباع والتزكية، وهذه الأصولُ هي التي دعا إليها الرسلُ -صلوات والله وسلامه عليهم أجمعين-، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، والذي يشمل كذلك الدعوة إلى تحكيم شرع الله وإعادة الأمة إلى دينها.

وعن أهمية الاتباع وأنه أصل من أصول الشريعة قوله تعــالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وحذرنا من الابتداع في الدين فقال في حديث جابر بن عبد الله: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»([1]).

ودليل مقام التزكية في الشريعة في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»([2]).

فهذه الأصول لا تتغيَّر بتغير الزمان والمكان؛ لكونها أصولَ الشريعة وغيرُها تبعٌ لها، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكِّد عليها في السلم والحرب والعسر واليسر في السفر والحضر.

فما الأولويات عند الكاتب؟ أهي الثورات العربية والكلام في الحكام والمؤامرات الغربية التي لا يجهلها أحد وتهييج عواطف الناس دون ترسيخ العقيدة في نفوسهم؟! وهل من الأولويات اللقاءات والتعاون ومدّ الأيدي مع الذين يسبّون الصحابة لتحرير فلسطين، أم الأولويات دخول البرلمانات ومناكفة السلطات؟! وكما قالوا من ثمارهم تعرفونهم.

  • السلفيون لا يناصرون قضية فلسطين:

ثم يدّعي المؤلف زورًا أنه لم يجِد من السلفية المعاصرة أنها قدّمت شيئا يذكر ولو الدعم النفسي أو المادي لقضية فلسطين.

ونقول: ستكتب شهادتكم وتسألون! وإنني أعرف يقينا ما قدَّمه السلفيون من دعم لفلسطين ماديّا ومعنويّا على كافة الأصعدة، منذ عشرات السنين، ولكننا لسنا بحاجة إلى شهادتك لنثبت صحَّة كلامنا، وأموال السلفيين وصلت -بحمد الله تعالى- إلى كل المسلمين في العالم، وليس إلى فلسطين فحَسب، ولا ينكر هذا إلا أعمى أو حاقد، وبلاد الإسلام تشهد بهذا ولله الحمد، فهل -يا شيخ رائد صلاح- توافقه على هذا الكلام، وأنت تعلم أهل القدس ومن هي الجهات الداعمة للمقدسيّين هناك؟!

  • السلفيون لم يضحّوا ولم يسجنوا:

ثم يقول: (إن السلفيين لم يضحّوا يومًا بحياتهم من أجل الذّود عن حقّ المسلمين في فلسطين، كما إنهم لم يدخلوا السجن يوما).

أما موقفنا في قضية فلسطين فإننا نعتقد أنها من المسلَّمات والمؤكّدات والمقرَّرات. ومما ينبغي أن يذكر بهذا الصدد أن السلفيين ينظرون للأمور جميعها -بما فيها قضية فلسطين- بمنظار شرعي، ويؤمنون بالعمل دون القول، فمتى يسّر الله عز وجل لهم الجهاد هبّوا وما قعدوا، والجهاد عندهم له أسس وقواعد، وهم في ذلك كله وراء العلماء الربانيين لا أمامهم. هذه من الثوابت في أفهامهم في قضية فلسطين.

ومما ينبغي أن يذكر بهذا الصدد أنَّ السلفيين ما قصَّروا أبدا في البيان والكلام، وما سكتوا ولن يسكُتوا، فإن مخالفة أهل الكتاب -اليهود والنصارى- مركوز في حسّ كل سلفي في جميع أمور حياته وتصوراته وسلوكياته.

وأيضا متى كانت السجون هي مقياس الحق والباطل؟! فليس كونك سُجِنت دليلا على صحَّة معتقدك ومنهجك؛ فالذين سجنوا من الشيوعيين والاشتراكيين والقوميين -ممن دافعوا عن فلسطين وغيرها- أكثر ممن سجن من جماعتك، وليس معنى كلامي التقليل من عظم تضحيات المعتقلين -فرّج الله عنهم-، ولكن الحديث عن كون ميزان الحق لا يعرف بالسجون، وإنما بالاستقامة على الطريق المستقيم، ومع ذلك فقد سجن الإمام أحمد بن حنبل، فهل أنت على معتقد الإمام أحمد بن حنبل؟! وسجن شيخ الإسلام ابن تيمية سبع مرات، فهل أنت على معتقده؟! وفي العصر الحديث إمام المجاهدين وعلى رأس هؤلاء المعاصرين المجاهد المعروف: محمد عز الدين القسام -رحمه الله تعالى-، الذي كان منبرا للدعوة السلفية في فلسطين، وقبل ذلك في سوريا قبل أن يلتحق بكتائب المجاهدين في فلسطين؛ والدليل على ذلك أنه ألَّفَ سنة ألف وتسعمائة وخمس وعشرين كتابا مطبوعا بعنوان: (النقد والبيان في دفع أوهام خزيران)، رد في هذا الكتاب على صوفي عكي مخرف ناصر للبدعة، ومما ذكر فيه أنه قال: (وكنا نود أن نرشد الأستاذ الجزار وتلميذه -أي: خزيران- وكلاهما صوفي، إلى الاستفادة من كتاب الاعتصام للشاطبي الذي لا ندّ له في بابه، ولكننا خشينا أن يرمينا هؤلاء بالنزعة الوهابية)([3]). كما سجن الإمام الألباني رحمه الله في نفس السجن الذي سجن فيه شيخ الإسلام، وغيرهم كثير.

  • السلفية حزب نخبوي:

يصرّ المؤلف على جعل السلفيين حزبا نخبويا كما يدعي وينطبق عليه وصف الحزبية.

فأقول إن السلفية -دعوة ومنهجا- هي دعوة معصومة؛ لأن مصادرها معصومة، وأما أتباعها فهم بين سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه -كغيرهم من المسلمين-، فلا تتحمل الدعوة السلفية أخطاء بعض منتسبيها، كما أن السلفيين يؤمنون بالعمل الجماعي والمؤسسي، وأنه وسيلة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن الضوابط الشرعية، وهذا ما أكد عليه العلماء قديما وحديثا، كشيخ الإسلام ابن تيمية وهيئة كبار العلماء والإمام الألباني، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزَّب -أي: تصير حزبا- فإن كانوا مجتمعين على أمر الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق الباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن الإثم والعدوان”([4]).

والسلفيون ليسوا كغيرهم ممن لا يدخل معهم إلا من أدّى البيعة وانضم إلى أسرة تنظيمية وأصبح فردا منتسبا منتظما، ولكن الدعوة السلفية تنظر إلى عامة المسلمين أنهم السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة، فتجد منهم البسطاء والفقراء والعلماء والمجاهدين والتجار؛ هدفهم تبليغ دين الله عز وجل، ونشر العقيدة الصحيحة، وإصلاح المجتمع، وتحكيم شرع الله عز وجل، فأين النخبوية التي تدّعيها؟! ولكن كما قيل: “رمتني بدائها وانسلت”.

  • مضامين مصطلح السلفية بدعي:

والعجيب في كلام المؤلف أنه يقول: (إن اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها، بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح، ولا الخلف الملتزم بنهجه) نقلا عن كتاب السلفية مرحلة زمنية.

أقول للمؤلف: أليس مصطلح الأشاعرة طارئا على الأمة لم يعرفه السلف الصالح لا مصطلحا ولا عقيدة؟! ولماذا لا ينطبق مصطلح البدعة على باقي الجماعات الإسلامية كذلك؟! مع أن مصطلح السلفية بمضامينه هو عينه منهج الصحابة رضوان الله عليهم، منهجنا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول بين قول فقيه

وأود أن أذكر للمؤلف -ردًّا على ادعائه أن السلفية حركة ليس لها تاريخ وأن لها نحوا من مائة عام- قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “لا عيب على مَن أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقـًّا؛ فإن كان موافقـًا له باطنـًا وظاهرًا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنـًا وظاهرًا، وإن كان موافقـًا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق؛ فتُقبَل منه عَلانِيَتُه، وتُوكَل سَرِيرَتُه إلى الله؛ فإنَّا لم نـُؤمَر أن ننقُبَ عن قلوب الناس ولا نشقَّ بطونَهم”([5]).

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله: “السَّلَفي -بفتحتين- وهو من كان على مذهب السلف”([6])، وقال في ترجمة ابن الصلاح رحمه الله: “وكان سلفيًّا حسن الاعتقاد، كافًّا عن تأويل المتكلمين”([7]).

ثم بدأ المؤلف بضرب الأمثلة على اختلاف السلفية مع الحنابلة، وذكر مبحث العقيدة وأن آيات الصفات من المتشابه عند الحنابلة خلافا للسلفية، وأحيل هنا لمزيد من البحث في هذا الموضوع إلى رد مركز سلف للبحوث والدراسات بعنوان: (براءة الإمام أحمد من التفويض وكشف دعوة الحنابلة الجدد)([8]) ففيه الكفاية.

  • إنكاره على السلفيين مهاجمة الصوفية:

ومن عجائبه إنكاره على السلفيين مهاجمة التصوف، ويدعي أن هناك من علماء السلف من يمدح بعض المتصوفة.

فلم يفرق المؤلف بين الثناء على أشخاص معينين ممن اتَّصفوا بالتصوف وكانوا على منهج أهل السنة في العموم، وبين الثناء على التصوف من حيث العقيدة والمنهج والسلوك، ولا يخفى على باحث وجود كثير من الآثار من أئمة الإسلام فيها ذمهم للتصوف الذي يبنى على البدع والشركيات والخزعبلات، قال القاضي عياض رحمه الله: “قال المسيبي: كنا عند مالك وأصحابه حوله، فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله، عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرًا، ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: الصبيان هم؟ قال: لا. قال: أمجانين؟ قال: لا، قوم مشايخ. قال مالك: ما سمعت أن أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا”([9]).

أما الإمام الشافعي فقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: “لو أن رجلا تصوف أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمق”([10])، وقال أيضا: “مَا لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا”([11])، وقال أيضا: “صَحِبْتُ الصُّوفِيَّةَ، فَمَا انْتَفَعْتُ مِنْهُمْ إِلَّا بِكَلِمَتَيْنِ: سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: الْوَقْتُ سَيْفٌ فَإِنْ قَطَعْتَهُ وَإِلَّا قَطَعَكَ، وَنَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ وَإِلَّا شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ”([12]). فهل أنت موافق على كلام المؤلف يا شيخ رائد صلاح؟!

  • خلاف علماء السلفية مع علماء الحنابلة في الفقه:

ثم تكلم المؤلف عن الخلاف بين العلماء السلفيين وبين الحنابلة في المسائل الفقهية، فينقل رأي بعض أهل العلم ويقارنه بأقوال البهوتي رحمه الله، ولا أدري كيف لطالب علم أن يجعل قولا من أقوال بعض أهل العلم السلفيين هو المعتمد عند السلفيين في المسائل الفقهية؟! ومن له أدنى عناية بالعلم يعلم يقينا كيف يختلف السلفيون فيما بينهم في المسائل الفقهية.

وسأضرب لذلك مثالا واحدا يغني عن الرد على باقي المسائل، فيقول المؤلف: “السلفيون يزعمون أن صوت المرأة عورة، ودليله قول الشيخ ابن جبرين: (صوت المرأة عورة) ويدلل على قول الحنابلة بكلام الإمام البهوتي: (وصوتها -أي: الأجنبية- ليس بعورة)، مع العلم أن الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين يقولون بأن صوت المرأة ليس بعورة، خلافا لما نقله عن الشيخ ابن جبرين، مع أن نقله لكلام الشيخ ابن جبرين ليس دقيقا.

هذا ما تيسر تقييده، مع مراعاة الاختصار، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه مسلم (867).

([2]) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).

([3]) النقد والبيان في دفع أوهام خزيران (ص: 25). وانظر: السلفيون وقضية فلسطين، من إصدارات مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية.

([4]) مجموع الفتاوى (11/ 92).

([5]) مجموع الفتاوى (4/ 149).

([6]) سير أعلام النبلاء (21/ 6).

([7]) تذكرة الحفاظ (4/ 1431).

([8]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/2715/.

([9]) ترتيب المدارك (2/ 53).

([10]) رواه البيهقي في مناقب الشافعي (2/ 207) بإسناد صحيح.

([11]) ينظر: تلبيس إبليس (ص: 327).

([12]) ينظر: مدارج السالكين (3/ 124).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض وتعريف بكتاب حماية علماء المالكية لجناب التوحيد

معلومات الكتاب: العنوان: حماية علماء المالكية لجناب التوحيد. المؤلف: الدكتور أحمد ولد محمد ذي النورين. نشر: مركز البحوث والدراسات/ البيان، الطبعة الأولى، 1434ه. موضوعات الكتاب: ليس الكتاب مبوَّبًا وفق خطَّة بحثيَّة على طريقة الكتب الأكاديمية، وإنما هو معنوَن وفقَ عناوين مترابطة يخدم بعضها بعضًا، وهي كالتالي: أولا: المقدمة: تحدث المؤلف فيها بإجمال عن اعتقاد السلف […]

المنهج الجدلي وطريق القرآن في تقريره

لقد جاء القرآنُ بيانًا للحقِّ وشفاءً لما في الصدورِ وهدًى ورحمة للمؤمنين، وقدِ استخدم لذلك أفضل أساليبِ البيان وأقوى طرقِ الحجاج الموصِلة للحقِّ، وقد جمع قربَ المأخذ وسهولةَ الإقناع وقلَّة المقدِّمات، كما جمع بين برهان العقل والتأثير على العاطفة. وفي الحديث عن أسلوب القرآن تقريبٌ للحقيقة التي غيَّبتها عن الناس الدِّعاية الشيطانية المطالِبَةُ بالاستغناء عن […]

مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أحبائي الكرام: عنوان لقائنا: “مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمَّة”.   كما يعتاد الأكاديميون بأن يُبدأ بشرح العنوان، نشرح عنواننا فنقول: ما هو المقصود بكلمة (مناهج الإصلاح)؟ مناهج الإصلاح هل تعني طرق الإصلاح؟ […]

رمتني بدائها وانسَـلّـت (1) الإسقاط من تقنيات أسلاف الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: تزوَّجت رُهم بنتُ الخزرج بنِ تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبْرة من سعد بن زيد مَناة ابن تميم، وكانت ذاتَ جمال، وكان لها ضرائر، فكنَّ يشتمنَها ويعيِّرنها ويقُلن لها: يا عَفلاء، فأرهقها ذلك من ضرائرها، فذهبت تشتكي ذلك الحال لأمِّها، ولكن أمها نصحتها بأن تبدأ […]

تأثير المعتزلة في الفكر الأشعري -قضية التنزيه نموذجًا-

لا يخفى على قارئٍ للفكر الإسلاميِّ ولحركتهِ أنَّ بعض الأفكار كانت نتيجةَ عوامل عدَّة أسهَمَت في البناء المعرفي لتلك الأفكار التي ظهرت وتميَّزت على أنها أفكار مجردة عن الواقع المعرفي للحقبة التي ظهرت فيها، ومن بين الأفكار التي مرت بمسارات عدَّة فكر الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله؛ فإن نشأته الاعتزالية لم يتخلَّص منها في […]

الهجومُ على السَّلفية وسبُل الوقاية منه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين وبعد، بادئ ذي بَدءٍ أسأل الله عز وجل أن يوفق هذا المركز المتسمي باسم “حبل القرآن”، وأن يبارك في القائمين عليه، والدَّارسين فيه، ويجعل […]

عرض ونقد لكتاب:(نظرة الإمام أحمد بن حنبل لبعض المسَائل الخلافية بين الفرق الإسلامية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على متابع أن الصراع الفكريَّ الحاليَّ بين المنهج السلفي والمنهج الأشعري على أشدِّه وفي ذروته، وهو صراع قديم متجدِّد، تمثلت قضاياه في ثلاثة أبواب رئيسية: ففي باب التوحيد كان قضية ماهية عقيدة أهل السنة هي محل الخلاف والنزاع. وفي باب الاتباع كانت قضية المذهبية، وما يكتنفها […]

العقل المسلم في زمن الأوبئة (دفع البدع والأوهام، وبيان ما يشرع عند نزولها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: توالتِ الأزمات التي أصيبت بها الأمَّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ووقع للناس فيها صنوفٌ شتى من المحن والابتلاءات؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وقد دوَّن التاريخ الإسلاميُّ وقائعَ تلك المِحَن وأحداثها وآثارها، ولعلَّ أوضحها وأعظمها فتكًا الأوبئةُ والطواعين التي انتشرت مراتٍ عديدةً في بلادٍ كثيرة من […]

عرض وتعريف بكتاب (الاتجاه السلفي عند الشافعية حتى القرن السادس الهجري)

تمهيد: في خضم الصراع السلفي الأشعري يستطيل الأشاعرة دائمًا بأنهم عَلم على المذهب الشافعي ومرادف له، في استغلالٍ واضحٍ لارتباط المدرسة الشافعية بالمدرسة الأشعرية عبر التاريخ الفكري للمذهبين. هذا الارتباط بين الشافعية والأشعرية صار من العوائد التي تتكرر كثيرًا، دون الانشغال بحقيقتها، فضلًا عن التدليل عليها، أو ما هو أبعد من ذلك: البحث في مدى […]

ترجمة الشيخ د. عبد الشكور بن محمد أمان العروسي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ الدكتور عبد الشكور بن محمد أمان بن عبد الكريم بن علي الغدمري الأمالمي العروسي. مولده: ولد في أثيوبيا، وتحديدًا في منطقة بالي الإسلامية، عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وستين للهجرة النبوية (1363هـ). نشأته العلمية: امتنَّ الله تعالى عليه بأن نشأ في بيت علم وفضل وتقى؛ حيث […]

تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصريَّة “كلُّكم من آدم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: افتتح إبليس تاريخ العنصريَّة عندما أعلن تفوُّق عنصره على عنصر التُّراب، فأظهر جحوده وتكبُّره على أمر الله حين أمرَه بالسُّجود، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. كانَ هذا البيان العنصري المقيت الذي أدلى به إبليس في غَطرسته وتكبره مؤذنًا بظهور كثيرٍ ممن […]

أبعدت النُجعة يا شيخ رائد صلاح   (الكلمات الموجزة في الرد على كتاب (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  وقع في يدي كتابان من تأليف الشيخ أشرف نزار حسن -عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس- وهو أشعري المعتقد؛ الكتاب الأول: (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)، والثاني: (قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة). والذي دعاني لأكتبَ هذا المقال كونُ الشيخِ رائد صلاح هو من قدَّم لهما، ولم […]

ترجمة العلامة السلفي التقي بن محمد عبد الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة شهد القرن الماضي في شنقيط أعلامًا سلفية ضنَّ الزمان بمثلها، وكانوا أئمةً في كل الفنون، وإليهم المنهى في علوم المنقول والمعقول، هذا مع زهد ظاهر وعبادة دائمة، فنفع الله بهم البلاد والعباد، وصحَّحوا العقائد المنحرفة، ووقفوا في وجه الخرافة. ومن هؤلاء: الشيخ العلامة محدث شنقيط وشيخ الشيوخ التقي ابن […]

تعريف بكتاب عناية الإسلام بالصحة والنظافة للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد

هذا تعريف موجز بكتاب (عناية الإسلام بالصحة والنظافة) للمؤلف د. محمد بن إبراهيم الحمد، من منشورات دار ابن الجوزي بالدمام، في طبعته الأولى عام 1436هـ، ويقع في غلاف (58) صفحة:   – انطلق في مقدمته من شمول الإسلام وإحاطته بعامة منافع الإنسان، ومنها حفظ الصحة والعناية بالطهارة، وعلى هذين الموضوعين قسم الكتاب إلى شقين: العناية […]

هل كلُّ من يؤمن بوجود الله مسلم؟! وهل يصح وصف اليهود والنصارى بالمسلمين؟!

يكفي لكي ترى العجب أن تعيشَ، وهذا عجبٌ أيضا؛ لأن الناس يتوقَّعون العجبَ عند المكابدَة، ولا يتوقَّعونه بهذه السهولة، وإن تعجب من هذا فعجبٌ أن يتكلَّم مسلم منتَمٍ لأهل القبلة بتصحيح إيمانِ مَن كفَر بالنبي صلى الله علي وسلم، وقال: ما أنزل الله من شيء؛ لأن في قوله: ما أنزل الله من شيء إثباتًا لوجود […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017