الجمعة - 26 جمادى الأول 1448 هـ - 06 نوفمبر 2026 م

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

A A

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو كلِّها- وصرفَها عن ظاهرها.

والأدلةُ على مذهب السلف كثيرةٌ معلومة، وقد سبق للمركز نشر بعضها في المقال الذي بعنوان: (وجوب التمسك بظواهر النصوص في العقيدة)([2]).

أما أصحاب التأويل فيستدلّون على وجوبه ببعض الآيات والأحاديث التي يرونَ أنها لو لم تؤوَّل للزم منها التشبيه لله تعالى بمخلوقاته؛ لذا فهم يؤوّلون معناها، ثم يزعمون أن مذهب السلف كان تفويضَ المعنى والكيف معًا، وقد سبق للمركز أن ردَّ على هذه الشبهة في مقال بعنوان: (حقيقة التفويض وموقف السلف منه)([3]).

أما الأمر الثاني الذي يستدلون به على وجوب التأويل فبعض الأحاديث التي يزعمون أن ظاهرها لا يحتمِل غيرَ التشبيه، ومن ثم يوجبون تأويلها، ومن هذه الأحاديث حديث نفس الرحمن؛ إذ يزعمون أنه لا مناصَ من تأويله، بل وينسبون إلى الإمام أحمد تأويله! ثم يحتجّون عليه بأنه إن أوّل في هذا الموضع فلِمَ لا يؤوّل في باقي المواضع؟!

وهذه شبهةُ قديمةٌ، سبق أن ذكرها الغزالي ناسبًا إياها إلى الإمام أحمد، فذكر أنه سمع بعضَ الحنابلة يذكر أن الإمام أحمد منع التأويل إلا في ثلاثة أحاديث، منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأجدُ نفس الرحمن من جانب اليمن»([4]).

ونحن نجيب عن هذه الشبهة، ونبين معنى الحديث في النقاط التالية بإذن الله تعالى:

أولًا: لفظ الحديث وتخريجه:

روى الطبراني من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسَّان فخده، فقلت: يا رسول الله، تركت الخيل، وألقي السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال فقال: «كذبوا، الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمة قائمة على الحق، ظاهرة على الناس، يزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم»، وقال وهو موَلٍّ ظهرَه إلى اليمن: «إني أجد نفس الرحمن من ههنا، ولقد أوحي إلي أني مكفوت غير ملبَّث، وتتبعوني أفنادًا([5])»([6]).

وروى الطبراني في مسند الشاميين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن»([7])، وهو عند أحمد بلفظ: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن»([8])، وضعَّف هذه الزيادة الشيخ الأرناؤوط في تخريجه للحديث، فقد ذكر أن هذه الزيادة تفرَّد بها شبيب بن نعيم، وشبيب هذا روى عنه أربعة، منهم اثنان فيهما جهالة حال، ولم يؤثَر توثيقه عن غير ابن حبّان، وباقي رجال الإسناد ثقات([9])؛ وضعفها أيضًا الألباني وجعلها شاذّة أو منكرةً؛ وذلك لأن مدار هذه الزيادة على شبيب وقد تفرَّد بها([10])، ومن قَبِلَها فلتوثيق شبيب، قال الهيثمي: “رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شبيب، وهو ثقة”([11])، وكذلك قال العراقي([12]).

والخلاصة أن الحديث بلفظ: «نفس الرحمن» ثابت صحيح في الحديث الأول والثاني، أما الذي ضُعِّف فهو لفظ: «نفس ربكم» في الحديث الثاني، ومن أهل العلم من صححه.

ثانيًا: معنى الحديث:

المراد بنفس الرحمن: تنفيس الرحمن، مثل فرج الرحمن: يراد به تفريج الرحمن، اسمٌ وضِع موضعَ المصدر، فالمراد: إني أجد تَفريج الرحمن من قِبَل اليمن.

قال الأزهري: “(النفس) في الحديث اسم وُضِع موضع المصدر الحقيقيّ من: نفَّس ينفس تنفيسًا ونفسًا، كما يقال: فرج يفرِّج تفريجًا وفرجًا؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربِّكم من قِبَل اليمن”([13]).

وقال البيهقي: “وهذا الخبر إن كان محفوظًا فمعناه: ألا إني أجد الفرَج من قِبَل اليمن، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كربةً نفس الله عنه كربة»، أي: فرَّج”([14]).

ثالثًا: هل ما ذكر من معنى الحديث يُعَدّ تأويلًا؟

الجواب: أن هذا ليس تأويلًا للحديث، فإنَّ ظاهر الحديث يدلّ على أن المراد تنفيس الرحمن عن عباده، والدليل على ذلك هو قوله في الحديث: «من قبل اليمن»، وهذا لا ينفي إثبات صفة النّفْس لله تعالى التي ثبتَت في الحديث المتَّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسِه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرتُه في ملإ خير منهم»([15]).

إذن: فليس هذا الحديثُ من أحاديث الصفات، وقد أشار ابن تيمية إلى أن ذِكر اليمن في الحديث يدلّ على ذلك، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظنَّ ذلك([16]).

رابعًا: هل ثبت ما ذكره الغزالي عن الإمام أحمد؟

والجواب: أن هذا الذي ينقله الغزالي عن أحمد نقلًا عن بعض الحنابلة هو نقل عن مجهول لا يُعرف، فلم يذكر الغزاليّ من هو، ولم يذكر إسنادًا له عن الإمام أحمد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الحكايةَ عن الإمام أحمد لم تثبت؛ إذ لم ينقلها عنه أحدٌ بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه([17]).

وخلاصة القول: أن المراد بنفس الرحمن: فرج الرحمن، وأن هذا ليس تأويلًا للحديث، بل هذا هو الظاهر منه، ونسبة التأويل للإمام أحمد في هذا الحديث مجازفة عظيمة، والله تعالى أعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 145)، العقيدة الواسطية لابن تيمية -بمجموع الفتاوى- (3/ 162).

([2]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/351/

([3]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/210/

([4]) انظر: قواعد العقائد للغزالي (1/ 135).

([5]) مكفوت أي: مقبوض مأخوذ، والكفت: الضم، أي: مضموم إلى القبر، وأفنادًا أي: جماعات متفرقين قومًا بعد قوم.

([6]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (6358)، والبيهقي في الأسماء والصفات (968)، وصححه الإشبيلي في الأحكام الصغرى (502)، والألباني في السلسلة الصحيحة (3367).

([7]) مسند الشاميين (1083).

([8]) مسند أحمد (10978).

([9]) انظر تخريجه لأحاديث المسند (10978).

([10]) انظر: السلسلة الضعيفة (1097).

([11]) مجمع الزوائد (10/ 56).

([12]) انظر: تخريج أحاديث الإحياء (1/ 253).

([13]) تهذيب اللغة (13/ 9).

([14]) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 391).

([15]) رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675).

([16]) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 398).

([17]) انظر: مجموع الفتاوى (5/ 398).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017