الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

A A

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو كلِّها- وصرفَها عن ظاهرها.

والأدلةُ على مذهب السلف كثيرةٌ معلومة، وقد سبق للمركز نشر بعضها في المقال الذي بعنوان: (وجوب التمسك بظواهر النصوص في العقيدة)([2]).

أما أصحاب التأويل فيستدلّون على وجوبه ببعض الآيات والأحاديث التي يرونَ أنها لو لم تؤوَّل للزم منها التشبيه لله تعالى بمخلوقاته؛ لذا فهم يؤوّلون معناها، ثم يزعمون أن مذهب السلف كان تفويضَ المعنى والكيف معًا، وقد سبق للمركز أن ردَّ على هذه الشبهة في مقال بعنوان: (حقيقة التفويض وموقف السلف منه)([3]).

أما الأمر الثاني الذي يستدلون به على وجوب التأويل فبعض الأحاديث التي يزعمون أن ظاهرها لا يحتمِل غيرَ التشبيه، ومن ثم يوجبون تأويلها، ومن هذه الأحاديث حديث نفس الرحمن؛ إذ يزعمون أنه لا مناصَ من تأويله، بل وينسبون إلى الإمام أحمد تأويله! ثم يحتجّون عليه بأنه إن أوّل في هذا الموضع فلِمَ لا يؤوّل في باقي المواضع؟!

وهذه شبهةُ قديمةٌ، سبق أن ذكرها الغزالي ناسبًا إياها إلى الإمام أحمد، فذكر أنه سمع بعضَ الحنابلة يذكر أن الإمام أحمد منع التأويل إلا في ثلاثة أحاديث، منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأجدُ نفس الرحمن من جانب اليمن»([4]).

ونحن نجيب عن هذه الشبهة، ونبين معنى الحديث في النقاط التالية بإذن الله تعالى:

أولًا: لفظ الحديث وتخريجه:

روى الطبراني من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسَّان فخده، فقلت: يا رسول الله، تركت الخيل، وألقي السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال فقال: «كذبوا، الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمة قائمة على الحق، ظاهرة على الناس، يزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم»، وقال وهو موَلٍّ ظهرَه إلى اليمن: «إني أجد نفس الرحمن من ههنا، ولقد أوحي إلي أني مكفوت غير ملبَّث، وتتبعوني أفنادًا([5])»([6]).

وروى الطبراني في مسند الشاميين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن»([7])، وهو عند أحمد بلفظ: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن»([8])، وضعَّف هذه الزيادة الشيخ الأرناؤوط في تخريجه للحديث، فقد ذكر أن هذه الزيادة تفرَّد بها شبيب بن نعيم، وشبيب هذا روى عنه أربعة، منهم اثنان فيهما جهالة حال، ولم يؤثَر توثيقه عن غير ابن حبّان، وباقي رجال الإسناد ثقات([9])؛ وضعفها أيضًا الألباني وجعلها شاذّة أو منكرةً؛ وذلك لأن مدار هذه الزيادة على شبيب وقد تفرَّد بها([10])، ومن قَبِلَها فلتوثيق شبيب، قال الهيثمي: “رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شبيب، وهو ثقة”([11])، وكذلك قال العراقي([12]).

والخلاصة أن الحديث بلفظ: «نفس الرحمن» ثابت صحيح في الحديث الأول والثاني، أما الذي ضُعِّف فهو لفظ: «نفس ربكم» في الحديث الثاني، ومن أهل العلم من صححه.

ثانيًا: معنى الحديث:

المراد بنفس الرحمن: تنفيس الرحمن، مثل فرج الرحمن: يراد به تفريج الرحمن، اسمٌ وضِع موضعَ المصدر، فالمراد: إني أجد تَفريج الرحمن من قِبَل اليمن.

قال الأزهري: “(النفس) في الحديث اسم وُضِع موضع المصدر الحقيقيّ من: نفَّس ينفس تنفيسًا ونفسًا، كما يقال: فرج يفرِّج تفريجًا وفرجًا؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربِّكم من قِبَل اليمن”([13]).

وقال البيهقي: “وهذا الخبر إن كان محفوظًا فمعناه: ألا إني أجد الفرَج من قِبَل اليمن، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كربةً نفس الله عنه كربة»، أي: فرَّج”([14]).

ثالثًا: هل ما ذكر من معنى الحديث يُعَدّ تأويلًا؟

الجواب: أن هذا ليس تأويلًا للحديث، فإنَّ ظاهر الحديث يدلّ على أن المراد تنفيس الرحمن عن عباده، والدليل على ذلك هو قوله في الحديث: «من قبل اليمن»، وهذا لا ينفي إثبات صفة النّفْس لله تعالى التي ثبتَت في الحديث المتَّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسِه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرتُه في ملإ خير منهم»([15]).

إذن: فليس هذا الحديثُ من أحاديث الصفات، وقد أشار ابن تيمية إلى أن ذِكر اليمن في الحديث يدلّ على ذلك، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظنَّ ذلك([16]).

رابعًا: هل ثبت ما ذكره الغزالي عن الإمام أحمد؟

والجواب: أن هذا الذي ينقله الغزالي عن أحمد نقلًا عن بعض الحنابلة هو نقل عن مجهول لا يُعرف، فلم يذكر الغزاليّ من هو، ولم يذكر إسنادًا له عن الإمام أحمد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الحكايةَ عن الإمام أحمد لم تثبت؛ إذ لم ينقلها عنه أحدٌ بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه([17]).

وخلاصة القول: أن المراد بنفس الرحمن: فرج الرحمن، وأن هذا ليس تأويلًا للحديث، بل هذا هو الظاهر منه، ونسبة التأويل للإمام أحمد في هذا الحديث مجازفة عظيمة، والله تعالى أعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 145)، العقيدة الواسطية لابن تيمية -بمجموع الفتاوى- (3/ 162).

([2]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/351/

([3]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/210/

([4]) انظر: قواعد العقائد للغزالي (1/ 135).

([5]) مكفوت أي: مقبوض مأخوذ، والكفت: الضم، أي: مضموم إلى القبر، وأفنادًا أي: جماعات متفرقين قومًا بعد قوم.

([6]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (6358)، والبيهقي في الأسماء والصفات (968)، وصححه الإشبيلي في الأحكام الصغرى (502)، والألباني في السلسلة الصحيحة (3367).

([7]) مسند الشاميين (1083).

([8]) مسند أحمد (10978).

([9]) انظر تخريجه لأحاديث المسند (10978).

([10]) انظر: السلسلة الضعيفة (1097).

([11]) مجمع الزوائد (10/ 56).

([12]) انظر: تخريج أحاديث الإحياء (1/ 253).

([13]) تهذيب اللغة (13/ 9).

([14]) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 391).

([15]) رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675).

([16]) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 398).

([17]) انظر: مجموع الفتاوى (5/ 398).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017