السبت - 20 ربيع الآخر 1442 هـ - 05 ديسمبر 2020 م

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

A A

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو كلِّها- وصرفَها عن ظاهرها.

والأدلةُ على مذهب السلف كثيرةٌ معلومة، وقد سبق للمركز نشر بعضها في المقال الذي بعنوان: (وجوب التمسك بظواهر النصوص في العقيدة)([2]).

أما أصحاب التأويل فيستدلّون على وجوبه ببعض الآيات والأحاديث التي يرونَ أنها لو لم تؤوَّل للزم منها التشبيه لله تعالى بمخلوقاته؛ لذا فهم يؤوّلون معناها، ثم يزعمون أن مذهب السلف كان تفويضَ المعنى والكيف معًا، وقد سبق للمركز أن ردَّ على هذه الشبهة في مقال بعنوان: (حقيقة التفويض وموقف السلف منه)([3]).

أما الأمر الثاني الذي يستدلون به على وجوب التأويل فبعض الأحاديث التي يزعمون أن ظاهرها لا يحتمِل غيرَ التشبيه، ومن ثم يوجبون تأويلها، ومن هذه الأحاديث حديث نفس الرحمن؛ إذ يزعمون أنه لا مناصَ من تأويله، بل وينسبون إلى الإمام أحمد تأويله! ثم يحتجّون عليه بأنه إن أوّل في هذا الموضع فلِمَ لا يؤوّل في باقي المواضع؟!

وهذه شبهةُ قديمةٌ، سبق أن ذكرها الغزالي ناسبًا إياها إلى الإمام أحمد، فذكر أنه سمع بعضَ الحنابلة يذكر أن الإمام أحمد منع التأويل إلا في ثلاثة أحاديث، منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأجدُ نفس الرحمن من جانب اليمن»([4]).

ونحن نجيب عن هذه الشبهة، ونبين معنى الحديث في النقاط التالية بإذن الله تعالى:

أولًا: لفظ الحديث وتخريجه:

روى الطبراني من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسَّان فخده، فقلت: يا رسول الله، تركت الخيل، وألقي السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال فقال: «كذبوا، الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمة قائمة على الحق، ظاهرة على الناس، يزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم»، وقال وهو موَلٍّ ظهرَه إلى اليمن: «إني أجد نفس الرحمن من ههنا، ولقد أوحي إلي أني مكفوت غير ملبَّث، وتتبعوني أفنادًا([5])»([6]).

وروى الطبراني في مسند الشاميين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن»([7])، وهو عند أحمد بلفظ: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن»([8])، وضعَّف هذه الزيادة الشيخ الأرناؤوط في تخريجه للحديث، فقد ذكر أن هذه الزيادة تفرَّد بها شبيب بن نعيم، وشبيب هذا روى عنه أربعة، منهم اثنان فيهما جهالة حال، ولم يؤثَر توثيقه عن غير ابن حبّان، وباقي رجال الإسناد ثقات([9])؛ وضعفها أيضًا الألباني وجعلها شاذّة أو منكرةً؛ وذلك لأن مدار هذه الزيادة على شبيب وقد تفرَّد بها([10])، ومن قَبِلَها فلتوثيق شبيب، قال الهيثمي: “رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شبيب، وهو ثقة”([11])، وكذلك قال العراقي([12]).

والخلاصة أن الحديث بلفظ: «نفس الرحمن» ثابت صحيح في الحديث الأول والثاني، أما الذي ضُعِّف فهو لفظ: «نفس ربكم» في الحديث الثاني، ومن أهل العلم من صححه.

ثانيًا: معنى الحديث:

المراد بنفس الرحمن: تنفيس الرحمن، مثل فرج الرحمن: يراد به تفريج الرحمن، اسمٌ وضِع موضعَ المصدر، فالمراد: إني أجد تَفريج الرحمن من قِبَل اليمن.

قال الأزهري: “(النفس) في الحديث اسم وُضِع موضع المصدر الحقيقيّ من: نفَّس ينفس تنفيسًا ونفسًا، كما يقال: فرج يفرِّج تفريجًا وفرجًا؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربِّكم من قِبَل اليمن”([13]).

وقال البيهقي: “وهذا الخبر إن كان محفوظًا فمعناه: ألا إني أجد الفرَج من قِبَل اليمن، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كربةً نفس الله عنه كربة»، أي: فرَّج”([14]).

ثالثًا: هل ما ذكر من معنى الحديث يُعَدّ تأويلًا؟

الجواب: أن هذا ليس تأويلًا للحديث، فإنَّ ظاهر الحديث يدلّ على أن المراد تنفيس الرحمن عن عباده، والدليل على ذلك هو قوله في الحديث: «من قبل اليمن»، وهذا لا ينفي إثبات صفة النّفْس لله تعالى التي ثبتَت في الحديث المتَّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسِه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرتُه في ملإ خير منهم»([15]).

إذن: فليس هذا الحديثُ من أحاديث الصفات، وقد أشار ابن تيمية إلى أن ذِكر اليمن في الحديث يدلّ على ذلك، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظنَّ ذلك([16]).

رابعًا: هل ثبت ما ذكره الغزالي عن الإمام أحمد؟

والجواب: أن هذا الذي ينقله الغزالي عن أحمد نقلًا عن بعض الحنابلة هو نقل عن مجهول لا يُعرف، فلم يذكر الغزاليّ من هو، ولم يذكر إسنادًا له عن الإمام أحمد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الحكايةَ عن الإمام أحمد لم تثبت؛ إذ لم ينقلها عنه أحدٌ بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه([17]).

وخلاصة القول: أن المراد بنفس الرحمن: فرج الرحمن، وأن هذا ليس تأويلًا للحديث، بل هذا هو الظاهر منه، ونسبة التأويل للإمام أحمد في هذا الحديث مجازفة عظيمة، والله تعالى أعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 145)، العقيدة الواسطية لابن تيمية -بمجموع الفتاوى- (3/ 162).

([2]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/351/

([3]) وهذا رابطه: https://salafcenter.org/210/

([4]) انظر: قواعد العقائد للغزالي (1/ 135).

([5]) مكفوت أي: مقبوض مأخوذ، والكفت: الضم، أي: مضموم إلى القبر، وأفنادًا أي: جماعات متفرقين قومًا بعد قوم.

([6]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (6358)، والبيهقي في الأسماء والصفات (968)، وصححه الإشبيلي في الأحكام الصغرى (502)، والألباني في السلسلة الصحيحة (3367).

([7]) مسند الشاميين (1083).

([8]) مسند أحمد (10978).

([9]) انظر تخريجه لأحاديث المسند (10978).

([10]) انظر: السلسلة الضعيفة (1097).

([11]) مجمع الزوائد (10/ 56).

([12]) انظر: تخريج أحاديث الإحياء (1/ 253).

([13]) تهذيب اللغة (13/ 9).

([14]) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 391).

([15]) رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675).

([16]) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 398).

([17]) انظر: مجموع الفتاوى (5/ 398).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التفسير باللازم عند السلف ودعوى التأويل

يقَرِّر أهلُ السنة والجماعة أن لأسماء الله تعالى وصفاته دلالاتٍ تدلُّ عليها، وأنها ثلاث: المطابقة، والتضمُّن، والالتزام([1])، وهم بهذا أسعدُ الناس في هذا الباب؛ لمخالفتهم لأهل البدع أهل التعطيل وأهل التحريف. ولإيضاح ذلك على وجهه لا بد أولًا من بيان هذه الدلالات الثلاث كما قرره أهل العلم: دلالة المطابقة: هي دلالة المفرد اللفظية في كمال […]

عرض ونقد لكتاب:(بِدَع السلفيَّةِ الوهابيَّةِ في هَدم الشريعةِ الإسلاميَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو نموذج صارخ لما يرتكبه أعداء المنهج السلفي من بغي وعدوان، فهم لا يتقنون سوى الصراخ والعويل فقط، تراهم في كل ناد يرفعون عقيرتهم بالتحذير من التكفير، ثم هم أبشع من يمارسه مع المخالفين بلا ضابط علمي ولا منهجي سوى اتباع الأهواء، في […]

الهجوم على السلفية.. الأسباب والدوافع

في عصر المادَّة واعتزاز كلِّ ذي رأيٍ برأيه وتكلُّم الرويبضة في شأن العامَّة لا يكادُ يوجد أمرٌ يُجمع عليه الناسُ رَغمَ اختلاف ألسنتهم وألوانهم وعقائدهم سِوى الهجوم على السلفيَّة، ولكي تأتي بالنَّقائص وتختصرَها يكفي أن تذكرَ مصطلح السلفيَّة ليجرَّ عليك المصطلحُ بذيله حمولةً سلبيَّة من الرمي بالتكفير والتفجير والتبديع والتفسيق، ولتعَضّك السيوف وتنهشك كلاب الديار […]

تجريم التنقُّص منَ الأنبياء تشريعٌ إسلاميٌّ ومطلبٌ عالميٌّ

حاجة البشر إلى الرسالة: الأنبياءُ الكرام هم مَنِ اصطفاهم الله سبحانه وتعالى مِن خلقه ليحمِّلهم أمانةَ تبليغِ الرسالةِ الإلهيَّة إلى البشريَّة، فهم يبلِّغون أوامر الله ونواهيه، ويبشِّرون العباد وينذرونهم. وإرسالُ الله الرسلَ والأنبياءَ رحمةٌ منه بعباده كلِّهم؛ إذ إنَّه ليس من الحكمة أن يخلقهم فيتركهم هملًا دون توجيه وهداية وإرشاد، فأرسل الرسل وأنزل الكتب ليبين […]

وقفات مع كتاب (صحيح البخاري أسطورة انتهت ومؤلفه)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  برز على الساحة كتاب بعنوان “صحيح البخاري: أسطورة انتهت” لمؤلفه رشيد إيلال المغربي. وبما أن الموضوع يتعلق بأوثق كتاب للمصدر الثاني للإسلام، ظهرت كتابات متعددة، تتراوح بين المعالجة المختصرة جدا والتفصيلية جدا التي تزيد صفحاتها على 450 صفحة. وتتألف الوقفات من خمس وقفات رئيسة وخاتمة تناقش المناهج الرئيسة للكتاب […]

هل استبدَّت الأشعريةُ بالمذهب المالكي في المغرب؟

الإشكالية: لا يُفرِّق كثيرٌ منَ الناس بين انتشار المذهَب نتيجةً لقوَّة أدلته وبين انتشاره نتيجةً لعوامل تاريخيّة شكَّلته على مرِّ العصور وساعدت في استقراره، وقد يكون من بين هذه العوامل الانتحالُ له والدعاية العريضة وتبني السلاطين لَه، فقد كان المعتزلة في فترة ظهورِهم هم السواد الأعظم، فمنهم القضاة، ومنهم الوزراء، ومنهم أئمة اللغة والكُتّاب، ولم […]

ترجمة الشيخ علي بن حسن الحلبي رحمه الله تعالى([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه وكنيته ولقبه ونسبتُه: هو: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، أبو الحارث وأبو الحسن، السلفيُّ الأثريُّ، الفلسطيني اليافي أصلًا ومنبتًا، الأردُنِّيُّ مولدًا، الحلبيُّ نسبة. مولده: كانت أسرة الشيخ في بلدة يافا في فلسطين، وبعد احتلال فلسطين عام (1368هـ-1948م) واستيلاء اليهود على بلدة أهله يافا هاجرت […]

صورة النبي ﷺ في الخطاب الاستشراقي وأثره في الإعلام الغربي (الإعلام الفرنسي نموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وبعد: فقد تجددت حملات الاستهزاء برسولنا ﷺ في الغرب هذه الآونة الأخيرة، وهذه المرة كانت بزعامة دولة فرنسا، وبتصريحات رئيسها الأبتر “ماكرون”، الذي عبّر عن هذا الصنيع بأنه من […]

بدعة القراءة الجديدة للنصوص والتحلل من أركان الإسلام (2) “الزكاة والصيام والحج نموذجًا”

تقدَّم في المقالة السابقة نقضُ الانحرافات التي اخترَعها الحداثيّون حول رُكنَيِ الشهادتين والصلاةِ من أركان الإسلام، وفي هذه المقالة إكمالٌ لنقض ما أحدثوه من الانحرافات والمغالطات في سائر أركان الإسلام من الزكاة والصيام والحج؛ انطلاقًا من ادِّعائهم الفهم الجديد للإسلام، وقد اصطلح بعضهم لهذا بعنوان: “الرسالة الثانية للإسلام”، أو “الوجه الثاني لرسالة الإسلام”؛ إيماءً إلى […]

صُورٌ من نُصرة الله وانتِصاره لرسولِه ﷺ عَبرَ القرونِ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ من عظيم فضلِ النبي صلى الله عليه وسلم أن اختصَّه الله سبحانه بخصائص لم تكن لأحدٍ قبله، ومنها أنه تعالى تولى نصرتَه صلى الله عليه وسلم والانتصارَ له والردَّ على أعدائه، بخلاف من تقدَّمه من الأنبياء عليهم السلام؛ فإنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، ويتولَّون الردَّ على أعدائهم بأنفسهم([1]). […]

لماذا يرفض المسلمون الإساءةَ لدينهم؟

لماذا يرفضُ المسلمون الإساءة لدينهم، ويشتدُّ غضبُهم عند الإساءة لرسولهم؛ مع أن دينهم يتضمَّن الإساءةَ للأديان الاخرى؟! ألم يصفِ القرآن المشركين بأنَّهم نجسٌ، وأنَّ غيرهم كالأنعام بل هم أضلُّ؟! أولم يصف المسلمون كلَّ من خالف الإسلام بالكفر والشرك والخلود في النار؟! هكذا يردِّد كثير ممن فُتن بالغرب وشعاراته ومذاهبه الفاسدةِ عند حدوث غَضبَة من المسلمين […]

بدعة القراءة الجديدة للنصوص والتحلل من أركان الإسلام (1) “الشهادتان والصلاة نموذجًا”

تعدَّدت وسائل الحداثيِّين والعلمانيِّين في التحلُّل من الشريعة والتكاليفِ، ما بين مجاهرٍ بالتنصُّل منها بالكلِّيَّة صراحة، وما بين متخفٍّ بإلغائها تحت أقنِعَة مختَلِفة -يجمعها مآل واحدٌ- كالتأويل والتجديد ومواكبة التطوُّرات الحديثة، ونحو ذلك من الدعاوى الفارغة من المضمون والبيِّنات. وفي هذه المقالة نقضٌ لما وصل إليه الحداثيّون وغيرهم في هذا المجال -أعني: التحلُّل من التكاليف […]

ترجمة الإمـام محمد بن عبدالوهـاب للشيخ عبد المتعال الصعيدي المتوفى بعد 1377هـ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وبعدُ: فإنَّ سيرة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب ودعوته الإصلاحية وكذلك الدولة السعودية الأولى التي رفعت لواء دعوة التوحيد، تعرَّضت لتشويهٍ كبيرٍ من خصومها، وأُلِّفت ولا تزال تُؤلَّف الكثير الكثير من الكتب لصدِّ الناس عنها وإثارة الشبهات حولها، مثلها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017