الأربعاء - 15 جمادى الآخر 1440 هـ - 20 فبراير 2019 م

هل في الإسلام بدعة حسنة؟

A A

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وبعد:

فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه، وجعل ذلك علامة محبته سبحانه، ومن مقتضيات هذا الاتباع حرمة الابتداع في الدين، وهو أمر دلت عليه أحاديثُ كثيرةٌ، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([1])، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «وإن شر الأمور محدثاتها
، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»([2]).

فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في حرمة الابتداع في الدين.

وإذا كان تحريم الابتداع في الدين بهذا الظهور فبماذا يستدلّ أهل البدع إذا أُنكرت عليهم بدعهم وبماذا يتخلّصون؟

فيقال: إنهم يحتجون بأنه ليس كل بدعة في الدين محرمة، وأن جماهير العلماء على ذلك، ويجوّزون بذلك أنواعًا من البدع، مثل: الاحتفال بالمولد النبوي، وتخصيص بعض الأماكن بأنواع من العبادات لم يرد بحقها دليل([3])، ويستدلون على أنه ليس كل بدعة في الدين محرمة بأمرين:

الأول: حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده»([4])، فيذكرون أن الحديث يدل على جواز الإحداث في الدين، بشرط أن يكون حسنًا، فيكون هذا الحديث مخصِّصًا لحديث: «كل بدعة ضلالة».

والثاني: عبارات للعلماء في تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، وهي كثيرة([5]).

ونحن نوجز الرد على هذه الشبهة فنقول:

البدعة معناها في اللغة: ما عُمل على غير مثال سابق، فالبدعة اسم من ابتدع الأمرَ: إذا ابتدأه وأحدثه([6]).

أما في الاصطلاح: فللعلماء فيها طريقتان في التعريف.

الطريقة الأولى: يقصر المعنى الشرعي للبدعة على بعض معانيها اللغوية، فيجعل البدعة الشرعية: طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية([7]).

والمقصود من العبادات الشرعية هو التقرُّب المحض([8])، لذا فالبدعة الشرعية على هذا الاتجاه هي التقرب المحض إلى الله بما لم يشرع.

وخص التقرب بكونه محضًا؛ لأن التقرب إلى الله قد يكون محضًا، وذلك في العبادات التي لا تقع إلا على وجه القُرْبة، مثل: الصلاة والصوم. وقد لا يكون محضًا، وذلك إذا كان الفعل مباحًا في الأصل وينقلب إلى قربة وطاعة بالنية، وذلك إذا قصد به التوصل إلى عبادة شرعية، مثل زيارة الابن والجار([9]).

إذن فالبدعة الشرعية عند هذا الفريق أخص من البدعة اللغوية.

وحديث «كل بدعة ضلالة» المراد به البدعة الشرعية.

وحكم البدعة الشرعية أنها محرمة، ولا تكون إلا مذمومة.

وممن صرح بذلك: ابن تيمية([10])، وابن رجب([11])، وابن كثير([12])، وغيرهم.

وأما ما وقع في كلام بعض السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدعة اللغوية لا الشرعية ([13]).

ومن أقوى الأدلة على ذلك: العموم المؤكد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، فهذه الصيغة من أقوى صيغ العموم.

قال ابن رجب: “فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين”([14]).

الاتجاه الثاني في تعريف البدعة الشرعية: هي كل محدث.

قال النووي: «البدعة في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»([15]).

وبذلك تكون البدعة الشرعية عندهم هي عين البدعة اللغوية.

ولذا فالبدعة الشرعية عند هذا الفريق تنقسم إلى الأحكام الخمسة؛ إذ إن ما جد بعد النبي صلى الله عليه وسلم تكتنفه هذه الأحكام.

ومن أشهر من نُقل عنه هذا التفصيل هو العز ابن عبدالسلام، فقد قال: “البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة»([16]).

ولا يخفى من تعريف العز للبدعة أن البدعة عنده -وعند أصحاب هذا الاتجاه- : هي كل محدث.

وممن سلك هذا المسلك: النووي([17])  والغزالي([18]) وابن حزم([19]) وابن الأثير([20])، وأبو شامة([21]) وغيرهم.

إذن: تعريف البدعة عند الفريق الأول غير تعريف البدعة عند الفريق الثاني، ولذا فلا يمكن أن يقال: إن العلماء مختلفون في حكم البدعة على قولين، فإن هذا يكون مجانبة للصواب، وإنما ننظر في المعنى، هل حصل فيه خلاف أم لا؟

وذلك يكون بالبحث عن الخلاف في أمرين:

الأول: هل وقع خلاف في أن قصد التقرُّب المحض بمحدَث لا يكون إلا بدعة؟ وهو معنى البدعة عند الفريق الأول.

والثاني: هل وقع خلاف في أن كل ما جد بعد عصر النبوة تكتنفه الأحكام الخمسة؟ وهو معنى البدعة عند الفريق الثاني.

أما الأول: فالعلماء مجمعون على أنه لا يجوز التقرب المحض إلى الله إلا بما شرع، ولم يقل أحد من الفريق الثاني: إنه يجوز ذلك([22])، بل منهم من صرح بالمنع.

قال ابن حجر الهيتمي-وهو ممن يقسم البدعة إلى الأقسام الخمسة-: «البدعة الشرعية ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن، فإنما قسم البدعة اللغوية»([23]).

وأما الثاني: فكذلك لا خلاف بين العلماء في أن كل ما جدَّ بعد عصر النبوة تكتنفه الأحكام الخمسة، ولم يقل أحد من أصحاب الفريق الأول: إن كل محدث من الأمور بعد عصر النبوة فهو محرم.

إذن الخلاف بين الفريقين إنما هو خلاف اسمي في المسمى الذي يطلق عليه لفظ البدعة.

فالبدعة اللغوية عند الفريق الأول هي البدعة الشرعية عند الفريق الثاني. والبدعة اللغوية هي البدعة الشرعية عند الفريق الثاني.

أما وجه الخلاف بين القولين فهو: هل تسمى البدعة اللغوية بدعة شرعية أم لا؟

فالقائلون بالقول الأول يقولون: لا. وعليه، فحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» خاص بالبدعة اللغوية، وحديث «كل بدعة ضلالة» خاص بالبدعة الشرعية.

وفي هذا حفظ للعموم في الحديث الثاني عن التخصيص بالحديث الأول.

والقائلون بالقول الثاني يقولون: نعم. ولذا يخصصون الحديث الثاني بالحديث الأول.

ورغم أن هذا الخلاف في التسمية لا أثر له في الأحكام؛ إلا أن القول الأول هو الأولى؛ لأن لفظ البدعة إذا أطلق فالمتبادر إلى الأذهان ما قصد به التقرب، وليس كل محدث، ولفظ البدعة لفظ شرعي فلا داعي لحمله على أصله اللغوي إذا كان له عرف مخالف، ثم هو يحفظ عموم حديث «كل بدعة ضلالة» من التخصيص، وهو أولى من تخصيصه، لا سيما وهذا لا يؤدي إلى تخصيص الحديث الثاني.

ثم في هذا سد لذريعة من يحتج بهذا الاختلاف الاسمي-في غير محله- ليسوِّغ لبدعته.

حاصل القول: إن الاختلاف بين العلماء اختلاف اسمي في ما يطلق عليه لفظ البدعة، فالمعنى الذي يحكم عليه الفريق الأول بالذم مطلقًا لا يفصل فيه الفريق الثاني، والمعنى الذي يفصل فيه الفريق الثاني لا يطلق الأولون القول بذمه، فلا يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة، فالبدعة الشرعية -التي هي قصد التقرب المحض بالمحدث- لم يقل أحد من العلماء قط بجوازها، وخلاف العلماء وأقوالهم ليس في هذا المعنى، وإنما في أمر آخر هو ما سبق تفصيل القول فيه، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه البخاري (2697) ومسلم (1718).

([2]) رواه أبو داود (4607)، والنسائي (1578)، وابن ماجه (45)، وصححه الألباني في الصحيحة (6/526، 2735).

([3]) انظر: “مفهوم البدعة” لعبدالإله العرفج، فالجانب التأصيلي للكتاب مبني على هذا.

([4]) رواه مسلم (1017).

([5]) سيأتي الإشارة إليها قريبًا.

([6]) انظر مادة بدع: “العين” (2/54).”معجم مقاييس اللغة” (1/209)، و”المحكم والمحيط الأعظم” (2/33).

([7]) الاعتصام (ص 28).

([8]) جامع العلوم والحكم (ص 84).

([9]) تحرير معنى البدعة (171-172).

([10]) الاستقامة (1/42)، مجموع الفتاوي (4/107).

([11]) جامع العلوم والحكم (358-359).

([12]) تفسير ابن كثير (2/38).

([13]) انظر: “جامع العلوم والحكم” (358-359).

([14]) جامع العلوم والحكم (ص358).

([15]) تهذيب الأسماء واللغات (3/22).

([16]) قواعد الأحكام (2/337).

([17]) شرح النووي على صحيح مسلم (6/393).

([18]) إحياء علوم الدين (3/6).

([19]) الإحكام (1/75).

([20]) النهاية في غريب الحديث والأثر (ص 67).

([21]) الباعث على إنكار البدع والحوادث (20-21).

([22]) “الميزان بين السنة والبدعة” لمحمد دراز (ص 46).

([23]) الفتاوى الحديثية (ص 200).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله (2)  

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا تَلتقِي الأديانُ السَّماوية في كَلِمة سواءٍ ومَقصد أعلَى، وهو جمعُ أهلِها على الهدَى والحقِّ؛ ليسعَدوا في الدنيا، ويَستعدُّوا لسعادةِ الأخرى. بهذا جاءَت الأديان المعروفةُ، وبهذا نزلَت كتُبها. والقرآنُ الذي هو المهَيمِنُ عَليها يُخبرنا بأنَّ كتابَ موسى إمامٌ ورحمة، وأنَّ الله تعالى أنزل التوراةَ والإنجيلَ هدًى للناس، وأنهما جاءَا بما جاء […]

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين (1) للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله([1])

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد أشرف المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبِه أجمعين. {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]. آمنت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالكعبة قبلةً، وبالقرآن إمامًا، وبسيِّدنا […]

أطروحات ابن تيمية… ودعوى عدم الاستقرار

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  إنَّ من السنَّة توقيرَ العالم الذي لا يتقدَّم بين يديِ الله تعالى ورسوله؛ إذ “كل […]

حرب المصطلحات ” جولة حول إحدى تقنيات الحداثيين في أطروحاتهم “

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الجوهر والعرض والجنس والفصل والماصدق والمركب والذرة والمتحيز واللامحدود وغيرها من المصطلحات، دخلت على […]

حديث: «تقتل عمارًا الفئةُ الباغية».. شبهات وردود

لا ريبَ أنَّ الدماءَ التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم كانت فتنةً سقَط فيها طوائفُ من أهل البدع؛ كالخوارج والروافض والمعتزلة، وعصم الله تعالى أهلَ السنة والجماعة من الوقوع في شِرَاكها؛ حيث رأَوا وجوبَ إحسان الظنِّ بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والسكوت عمَّا شجر بينهم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا […]

أوَ مِن العدل والإنصاف أن يُعَذّبَ ذو الخلق والإحسان من الكفّار ؟!

لو أنَّ موظَّفًا في شركة مرموقةٍ توفِّر له غالب احتياجاته، وكان الجميعُ حوله حسنَ التعامل، متعاونين متكاتفين، وهو أيضًا كذلك مع الجميع، لكن الأمر كان مختلفًا مع صاحب الشركة ومدير العمل!! لقد كان سيئًا في التعامل معه، مقلًّا للأدَب، بطيئًا في إنجازاته ومهامِّه! مع أنَّه حسنُ الخلق ولبِقٌ في التعامل مع زملائه وأقرانه. فهل يا […]

عرض وتعريف بكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية، للدكتور طاهر جابر العلواني)

 معلومات الكتاب: عنوان الكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) -للدكتور طاهر جابر العلواني-. اسم المؤلِّف: د. أحمد جمال أبو يوسف، دكتوراه في الحديث الشريف وعلومه من الجامعة الأردنية. قدَّم له: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن العتيبي. حجم الكتاب: يقع في ثلاث مائة وأربعَ عشرة صفحة. أهداف الكتاب: هدف المؤلِّف إلى […]

حديث: «القاتل والمقتول في النار» ودفع المعارضة

 إنَّ المتتبعَ لشُبهاتِ أهل البدَع على اختِلاف أطيافِهم، يلحَظ أنَّ القاسمَ المشترَك بينَهم هو أُحاديَّة التفكير، وتتبُّع المتَشابِه، مع لـَيِّ أعناق الأدلّة؛ لتُوافق أهواءهم؛ لذا حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم مِن مسلكِهم. فقد روَت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنه قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ […]

طعنُ ابن تيميّة في الإمام علي.. فريةٌ بتراء

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله […]

السلفية وتهمة تفريق الأمة

تمهيد: لا يُمكن نفيُ أنَّ أيَّ طائفةٍ أو مَنهج يوجَد فيه الأصفياءُ والأدعياءُ، والحكمُ عليه بتصرُّفات أدعيائه ظلمٌ له وجَور في حقِّه. ومِن أكثرِ المناهجِ وقوعًا تحتَ نَير الظلم بنسبة أدعيائه إليه وتعميم أخطائهم المنهجية ومحاكمة المنهج إليها: المنهجُ السَّلفي، حتى صار أكبر مناقض للمنهج السلفي السمة التي يرمز له بها أولا وهي قضية تفريق […]

فرية أمْرِ معاوية بلعن علي رضي الله عنهما على المنابر.. مرة أخرى

قديمًا قال العرب في أمثالهم: “ابدأهم بالصراخ يفروا”، وهو مثَل قد ابتذَله الناس، وأصله كما قال أبو عبيد: “وذلك أنَّ يكونَ الرجل قد أساء إلى رجل، فيتخوَّف لائمةَ صاحبه، فيبدؤه بالشكاية والتجنّي؛ ليرضى منه الآخر بالسكوت عنه”([1]). وما أشبه الليلة بالبارحة! فإننا نجد الشيعة ومن وافقهم يطعنون في الشَّيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- […]

عرض ونقد لكتاب “قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة جاء الإسلامُ بأسمى شريعة وأفضل نظام، ولم يترُك مجالًا من المجالات إلا وتحدَّث عنه أو أشارَ إليه، وبقيَ المسلمون على مرِّ العصور يستلهمون أفكارَهم من الكتاب والسنة ويستندون عليهما في شؤون حياتهم، وقد عرف التاريخُ الإسلامي أنواعًا من المناقشات والجدل والمناظرات والكتابات حول عدد من الموضوعات التي كانت ولا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017