الجمعة - 16 ذو القعدة 1440 هـ - 19 يوليو 2019 م

هل في الإسلام بدعة حسنة؟

A A

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وبعد:

فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه، وجعل ذلك علامة محبته سبحانه، ومن مقتضيات هذا الاتباع حرمة الابتداع في الدين، وهو أمر دلت عليه أحاديثُ كثيرةٌ، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([1])، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «وإن شر الأمور محدثاتها
، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»([2]).

فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في حرمة الابتداع في الدين.

وإذا كان تحريم الابتداع في الدين بهذا الظهور فبماذا يستدلّ أهل البدع إذا أُنكرت عليهم بدعهم وبماذا يتخلّصون؟

فيقال: إنهم يحتجون بأنه ليس كل بدعة في الدين محرمة، وأن جماهير العلماء على ذلك، ويجوّزون بذلك أنواعًا من البدع، مثل: الاحتفال بالمولد النبوي، وتخصيص بعض الأماكن بأنواع من العبادات لم يرد بحقها دليل([3])، ويستدلون على أنه ليس كل بدعة في الدين محرمة بأمرين:

الأول: حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده»([4])، فيذكرون أن الحديث يدل على جواز الإحداث في الدين، بشرط أن يكون حسنًا، فيكون هذا الحديث مخصِّصًا لحديث: «كل بدعة ضلالة».

والثاني: عبارات للعلماء في تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، وهي كثيرة([5]).

ونحن نوجز الرد على هذه الشبهة فنقول:

البدعة معناها في اللغة: ما عُمل على غير مثال سابق، فالبدعة اسم من ابتدع الأمرَ: إذا ابتدأه وأحدثه([6]).

أما في الاصطلاح: فللعلماء فيها طريقتان في التعريف.

الطريقة الأولى: يقصر المعنى الشرعي للبدعة على بعض معانيها اللغوية، فيجعل البدعة الشرعية: طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية([7]).

والمقصود من العبادات الشرعية هو التقرُّب المحض([8])، لذا فالبدعة الشرعية على هذا الاتجاه هي التقرب المحض إلى الله بما لم يشرع.

وخص التقرب بكونه محضًا؛ لأن التقرب إلى الله قد يكون محضًا، وذلك في العبادات التي لا تقع إلا على وجه القُرْبة، مثل: الصلاة والصوم. وقد لا يكون محضًا، وذلك إذا كان الفعل مباحًا في الأصل وينقلب إلى قربة وطاعة بالنية، وذلك إذا قصد به التوصل إلى عبادة شرعية، مثل زيارة الابن والجار([9]).

إذن فالبدعة الشرعية عند هذا الفريق أخص من البدعة اللغوية.

وحديث «كل بدعة ضلالة» المراد به البدعة الشرعية.

وحكم البدعة الشرعية أنها محرمة، ولا تكون إلا مذمومة.

وممن صرح بذلك: ابن تيمية([10])، وابن رجب([11])، وابن كثير([12])، وغيرهم.

وأما ما وقع في كلام بعض السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدعة اللغوية لا الشرعية ([13]).

ومن أقوى الأدلة على ذلك: العموم المؤكد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، فهذه الصيغة من أقوى صيغ العموم.

قال ابن رجب: “فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين”([14]).

الاتجاه الثاني في تعريف البدعة الشرعية: هي كل محدث.

قال النووي: «البدعة في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»([15]).

وبذلك تكون البدعة الشرعية عندهم هي عين البدعة اللغوية.

ولذا فالبدعة الشرعية عند هذا الفريق تنقسم إلى الأحكام الخمسة؛ إذ إن ما جد بعد النبي صلى الله عليه وسلم تكتنفه هذه الأحكام.

ومن أشهر من نُقل عنه هذا التفصيل هو العز ابن عبدالسلام، فقد قال: “البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة»([16]).

ولا يخفى من تعريف العز للبدعة أن البدعة عنده -وعند أصحاب هذا الاتجاه- : هي كل محدث.

وممن سلك هذا المسلك: النووي([17])  والغزالي([18]) وابن حزم([19]) وابن الأثير([20])، وأبو شامة([21]) وغيرهم.

إذن: تعريف البدعة عند الفريق الأول غير تعريف البدعة عند الفريق الثاني، ولذا فلا يمكن أن يقال: إن العلماء مختلفون في حكم البدعة على قولين، فإن هذا يكون مجانبة للصواب، وإنما ننظر في المعنى، هل حصل فيه خلاف أم لا؟

وذلك يكون بالبحث عن الخلاف في أمرين:

الأول: هل وقع خلاف في أن قصد التقرُّب المحض بمحدَث لا يكون إلا بدعة؟ وهو معنى البدعة عند الفريق الأول.

والثاني: هل وقع خلاف في أن كل ما جد بعد عصر النبوة تكتنفه الأحكام الخمسة؟ وهو معنى البدعة عند الفريق الثاني.

أما الأول: فالعلماء مجمعون على أنه لا يجوز التقرب المحض إلى الله إلا بما شرع، ولم يقل أحد من الفريق الثاني: إنه يجوز ذلك([22])، بل منهم من صرح بالمنع.

قال ابن حجر الهيتمي-وهو ممن يقسم البدعة إلى الأقسام الخمسة-: «البدعة الشرعية ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن، فإنما قسم البدعة اللغوية»([23]).

وأما الثاني: فكذلك لا خلاف بين العلماء في أن كل ما جدَّ بعد عصر النبوة تكتنفه الأحكام الخمسة، ولم يقل أحد من أصحاب الفريق الأول: إن كل محدث من الأمور بعد عصر النبوة فهو محرم.

إذن الخلاف بين الفريقين إنما هو خلاف اسمي في المسمى الذي يطلق عليه لفظ البدعة.

فالبدعة اللغوية عند الفريق الأول هي البدعة الشرعية عند الفريق الثاني. والبدعة اللغوية هي البدعة الشرعية عند الفريق الثاني.

أما وجه الخلاف بين القولين فهو: هل تسمى البدعة اللغوية بدعة شرعية أم لا؟

فالقائلون بالقول الأول يقولون: لا. وعليه، فحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» خاص بالبدعة اللغوية، وحديث «كل بدعة ضلالة» خاص بالبدعة الشرعية.

وفي هذا حفظ للعموم في الحديث الثاني عن التخصيص بالحديث الأول.

والقائلون بالقول الثاني يقولون: نعم. ولذا يخصصون الحديث الثاني بالحديث الأول.

ورغم أن هذا الخلاف في التسمية لا أثر له في الأحكام؛ إلا أن القول الأول هو الأولى؛ لأن لفظ البدعة إذا أطلق فالمتبادر إلى الأذهان ما قصد به التقرب، وليس كل محدث، ولفظ البدعة لفظ شرعي فلا داعي لحمله على أصله اللغوي إذا كان له عرف مخالف، ثم هو يحفظ عموم حديث «كل بدعة ضلالة» من التخصيص، وهو أولى من تخصيصه، لا سيما وهذا لا يؤدي إلى تخصيص الحديث الثاني.

ثم في هذا سد لذريعة من يحتج بهذا الاختلاف الاسمي-في غير محله- ليسوِّغ لبدعته.

حاصل القول: إن الاختلاف بين العلماء اختلاف اسمي في ما يطلق عليه لفظ البدعة، فالمعنى الذي يحكم عليه الفريق الأول بالذم مطلقًا لا يفصل فيه الفريق الثاني، والمعنى الذي يفصل فيه الفريق الثاني لا يطلق الأولون القول بذمه، فلا يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة، فالبدعة الشرعية -التي هي قصد التقرب المحض بالمحدث- لم يقل أحد من العلماء قط بجوازها، وخلاف العلماء وأقوالهم ليس في هذا المعنى، وإنما في أمر آخر هو ما سبق تفصيل القول فيه، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه البخاري (2697) ومسلم (1718).

([2]) رواه أبو داود (4607)، والنسائي (1578)، وابن ماجه (45)، وصححه الألباني في الصحيحة (6/526، 2735).

([3]) انظر: “مفهوم البدعة” لعبدالإله العرفج، فالجانب التأصيلي للكتاب مبني على هذا.

([4]) رواه مسلم (1017).

([5]) سيأتي الإشارة إليها قريبًا.

([6]) انظر مادة بدع: “العين” (2/54).”معجم مقاييس اللغة” (1/209)، و”المحكم والمحيط الأعظم” (2/33).

([7]) الاعتصام (ص 28).

([8]) جامع العلوم والحكم (ص 84).

([9]) تحرير معنى البدعة (171-172).

([10]) الاستقامة (1/42)، مجموع الفتاوي (4/107).

([11]) جامع العلوم والحكم (358-359).

([12]) تفسير ابن كثير (2/38).

([13]) انظر: “جامع العلوم والحكم” (358-359).

([14]) جامع العلوم والحكم (ص358).

([15]) تهذيب الأسماء واللغات (3/22).

([16]) قواعد الأحكام (2/337).

([17]) شرح النووي على صحيح مسلم (6/393).

([18]) إحياء علوم الدين (3/6).

([19]) الإحكام (1/75).

([20]) النهاية في غريب الحديث والأثر (ص 67).

([21]) الباعث على إنكار البدع والحوادث (20-21).

([22]) “الميزان بين السنة والبدعة” لمحمد دراز (ص 46).

([23]) الفتاوى الحديثية (ص 200).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التعريف بكتاب: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية

واحد من أكثر التحالفات نجاحًا هو التحالف الذي قام بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كما أن واحدة من أكثر الدعوات التي كتب الله لها القبول وانتشرت شرقا وغربًا هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولو لم يكن من حسناتها إلا أنها حرَّكت الماء الراكد وأرجعت الأمة إلى التفكّر والتعقّل […]

ترجمة الشيخ محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم السلفي الندوي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث العلامة المسند الطبيب، أمير جمعية أهل الحديث بولاية هريانة بالهند، محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم بن عبد الحليم بن ذريا بن دهن سنكه بن نعمت بن نظام، السلفي الندوي. مولده: ولد في الثامن عشر من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وثلاث وخمسين للهجرة النبوية، […]

هل منع أتباعُ الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب الناسَ من الحجّ؟ بين الحقيقة والتَّزوير

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يَأتي أحدُهم ويسلِّط عدستَه على واحدٍ من النَّاس وهو يشقُّ بطنَ آخر، ثم يبدأ يخبر الناس بأنَّ هذا تعدٍّ وتجنٍّ وظُلم، ويتلقَّى النَّاسُ ذلك على هذا الحال، فيتَّهمون هذا الذي يقطِّع بطنَ الآخر بأشنع التُّهم. وهذه الصورةُ بلا شكٍّ ظلم وتجنٍّ، لكن هل هي الحقيقة كاملة؟! لو أبعد […]

ملخص من مقال: (التسامح  السلفي في المعتقد بين انفلات المعاصرين وتشدد بعض المتكلمين )

ظهر التكفير بشكل عشوائي عند كثير من المتكلمين، وكان من ذلك أن أصلوا أصولا يلزم عليها تكفير عامة المسلمين وانفراط عقد الدين لتعقيدها ومخالفتها للشرع.   وفي مقابل التكفير العشوائي ظهرت جماعة من المعاصرين دعت إلى وحدة الأديان ورأت وصف المؤمن يشمل كل مصدق بالله ولو كفر بالرسل والكتب وأشرك بالله عز وجل، فجعلوا الإيمان […]

عرض وتعريف بكتاب: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السلف في فهم الكتاب والسنة

أولا: بطاقة الكتاب: العنوان: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السَّلف في فهم الكتاب والسنة. اسم المؤلف: وليد بن راشد السعيدان. الطبعة: الدار العالمية للنشر والتوزيع. عدد الصفحات: 124 صفحة. ثانيا: موضوع الكتاب: يريد المؤلف في هذا الكتاب أن يشرح قاعدةً مهمَّةً من قواعد أهل السنة والجماعة في العقائد، وهي: (كلُّ فهمٍ يخالف فهم السَّلف في […]

معنى الفتنة في حقِّ الأنبياء.. ضبط المصطلح وحرج الفهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  فمِن المعلوم عند كلِّ من يعتَنق دينًا من الأديان السماوية أهميةُ الأنبياء فيه وقداستهم، وأن الدينَ قائم على أخبارهم وتصديقِهم، فلا يمكن معرفةُ حكمٍ من أحكام الله إلا عن طريقهم، وأيّ تنقُّص منهم هو تنقّص من الدين، كما أن نبوَّتهم دليلٌ على علوِّ مقامهم عند الله سبحانه وتعالى وتعظيمه […]

ترجمة الشيخ يحيى بن عبد الله التشادي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ومولده: هو: الشيخ يحيى بن عبد الله بن أحمد التشادي. مولده: ولد -رحمه الله- في قرية شكين التابعة لمدينة أبشة بدولة تشاد عام 1958م. طلبه للعلم ومشايخه: بدأ -رحمهُ الله- منذ الصِّغر يهتمُّ بالقرآن الكريم، فحفظه على يد والده رحمه الله، وتلقَّى تعليمه إلى الثانوية بالمعاهد الشرعية بمدينة […]

الانغلاق المعرفي لدى التيار الحداثي

يغلِب على الخطابِ الحداثيِّ الخفةُ والكِبر العلميّ، وتغيبُ عنه التُّؤدة والأناة والتثبُّت والموضوعيَّة؛ وذلك أنه غلب على كثير من منتسبي الفكر الحداثي النَّفَسُ الشبابيّ الثائر؛ مما أدى بهم إلى ممارسة نوعٍ من المرح في البحث والتلقائية في النقاش والبساطة في النقد ومخرجاته، وكلُّ هذا يرجِع إلى تحكُّم عقلية المصادرة للآراء في مكوِّن الفكر الحداثي؛ لأن […]

الاجتماع الأوَّل بين علماء نجد وعلماء مكة

ذكرنا في الورقة العلميَّة المنشورة في “مركز سلف” بعنوان “اتّفاق عقيدة علماء نجد وعلماء مكة”([1]) أنه في عام ١١٨٤هـ أرسل الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب والإمامُ عبد العزيز بن محمد بن سعود الشيخَ عبد العزيز الحصين إلى والي مكة الشريفِ أحمد بن سعيد -بطلب منه-، ولم نبيِّن هل كان هذا أول اجتماع بين علماء نجد […]

(السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها)

المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها. اسم المؤلف: د. عماد السيد محمد إسماعيل الشربيني، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف. دار الطباعة: دار اليقين، مصر. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1422هـ-2002م. حجم الكتاب: يقع الكتاب في جزأين، ويبلغ عدد صفحاته (506) صفحة. أصل الكتاب: […]

حينَ ينتقِدُ الحداثيّون صحيحَ البخاري (حسن حنفي أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لا شكَّ أنَّ السنة تحتل مرتبةً عالية في التشريع الإسلامي، فهي تُعدُّ المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وهي حجَّة كما هو حال القرآن الكريم؛ لذلك لم يفرِّق الصحابة الكرام بين الأمر الوارد في القرآن الكريم وبين ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانَ القرآن الكريم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017