السبت - 27 جمادى الأول 1448 هـ - 07 نوفمبر 2026 م

زواج المسلمة من غير المسلم -مناقشة مثارات الغلط في المسألة-

A A

يُثار بين الفينة والأخرى جدلٌ حول قضيَّة زواج المسلمة من غير المسلم، وخاصَّة الكتابيّ، رغم إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا بكلّ طوائفهم ومذاهبهم على حرمةِ ذلك، وعدم انعقادِه أصلًا، ولم يخالف في ذلك إلا آحادٌ من شُذَّاذ الآفاق من مُدَّعي التنوير من المعاصرين، وعامَّتهم ممن لا يلتزم بقواعد الاستنباط ولا مناهج الاستدلال التي سار عليها علماء الإسلام، فلا يرفع للسنة رأسًا، ويضرب آيات القرآنِ بعضَها ببعض، ويترك المحكَم ويتَّبع المتشابه، كما هي طريقة الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواءِ.

وغرضُنا في هذه المقالة المختصرة ذكرُ النصوص الواضحة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم في هذه المسألة، مع إتباع ذلك بمناقشة مثارات الغلط في هذا المسألة، والله المستعان وعليه التكلان.

أولا: نصوص القرآن في تحريم زواج المسلمة من غير المسلم الكتابي أو غيره:

الدليل الأول: قوله الله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221].

فنهت الآية الرجال عن الزواج بالمشركات، ونهت أولياء المرأة عن تزويجها من المشركين، وهذا النهي الأخير عام غير مخصوص، يدخل فيه الكتابي وغير الكتابي، بخلاف الأول فإنه مخصوص بإباحة نكاح الكتابية، كما في آية المائدة: {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].

قال ابن جرير رحمه الله: “يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ -أيها المؤمنون- منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم… وعن قتادة والزهري في قوله: {وَلَا تُنْكِحُوا المشْرِكِينَ} قال: لا يحلّ لكَ أن تُنكِح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك… وعن عكرمة والحسن البصري قال: حرَّم المسلمات على رجالهم، يعني رجال المشركين”([1]).

وقال البغوي رحمه الله في تفسير الآية: “هَذَا إِجْمَاعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكِحَ الْمُشْرِكَ”([2]).

وقال الفخر الرازي رحمه الله: “أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} فَلَا خلاف هاهنا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكُلُّ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَةَ لَا يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا مِنَ الْكَافِرِ الْبَتَّةَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْكَفَرَةِ”([3]).

وقال الشافعي رحمه الله: “فَالْمُسْلِمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ بِالْقُرْآنِ، بِكُلِّ حَالٍ وَعَلَى مُشْرِكِي أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِقَطْعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَمَا لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيما عَلِمْتُهُ”([4]).

فكافة العلماء من السلف والخلف لا يختلفون أن تحريم زواج المسلمة من المشرك عام لا يدخله تخصيص، ويشمل الكتابي وغيره، خلافًا للحكم الأول في الآية، فإنهم مختلفون هل يشمل عمومه الكتابيات أم لم تدخل الكتابيات فيه أصلًا؟ وسوف نتعرض لذلك لاحقًا.

ومما يدل على أن الآية نصٌّ في المسألة: أن الفقهاء يستدلّون على حرمة زواج المسلمة من غير المسلم بهذه الآية.

قال ابن حزم رحمه الله: “مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ غَيْرِ مُسْلِمٍ أَصْلًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}”([5]).

وقال السرخسي الحنفي رحمه الله: “وَإِذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمَةً حُرَّةً فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى»، فَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَحِلُّ لِلْكَافِرِ”([6]).

وقال الشافعي: “فَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ [آية البقرة وآية الممتحنة] فِي مُشْرِكَاتِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَقَدْ قِيلَ: فِي الْمُشْرِكَاتِ عَامَّةً، ثُمَّ رَخَّصَ مِنْهُنَّ فِي حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَخْتَلِف النَّاسُ فِيمَا عَلِمْنَا فِي أَنَّ الزَّانِيَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا تَحِلُّ لِمُشْرِكٍ وَثَنِيٍّ وَلَا كِتَابِيٍّ”([7]).

والنقول في ذلك لا تحصى، فعامة الفقهاء يستدلون على هذا الحكم المجمع عليه بالآية؛ مما يدل على أنها عامة للكتابي وغيره من سائر الكفار والمشركين.

ومما يؤكد ذلك أيضًا: أن الله تعالى جعل غاية التحريم بزوال الكفر بالإيمان، فقال: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}، فدل ذلك على أنه ما لم يؤمنوا فإن نكاحهم محرم، ولا يختلف العلماء أن أهل الكتاب المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم غير مؤمنين؛ لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 29].

الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].

قال القرطبي رحمه الله: “أَيْ: لَمْ يحِلَّ اللَّهُ مُؤْمِنَةً لِكَافِرٍ، وَلَا نِكَاحَ مُؤْمِنٍ لِمُشْرِكَةٍ”([8]).

وقال ابن كثير رحمه الله: “هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَتِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُشْرِكُ الْمُؤْمِنَةَ”([9]).

وقال الفخر الرازي رحمه الله: “مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ نقول: هَذَا بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ مِنْ جَانِبِهِنَّ وَمِنْ جَانِبِهِمْ؛ إِذِ الْإِيمَانُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ، وَلِأَنَّ الذِّكْرَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُؤَكَّدٌ لِارْتِفَاعِ الْحِلِّ، وفيه من الإفادة ما لا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ”([10]).

والآية وإن نزلت في الكفار الوثنيين؛ إلا أن لفظها عام يدخل فيه جميع أصناف الكفار، فلفظ الكفر هنا عام، يدخل فيه الكتابي وغيره باتفاق أهل العلم، وقد أطلق القرآن وصف الكفار على أهل الكتاب، كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 1]، وقوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم} [البقرة: 105].

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]:

فقطعت الآية ولاية الكافر على المسلم بحال، ولا شك أن للزوج ولاية على المرأة، فيمنع من ذلك.

قال الكاساني الحنفي رحمه الله: “فَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْمُسْلِمَةِ الْكِتَابِيَّ كَمَا لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهَا الْوَثَنِيَّ وَالْمَجُوسِيَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ وَلَايَةَ الْكَافِرِينَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141]، فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ لَثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ”([11]).

الدليل الرابع: تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المرأة إذا أسلمت وزوجها لم يسلم:

وردت أخبار كثيرة في التفريق بين صحابيات أسلمن قبل أزواجهن، ومن أصحِّ ما ورد في ذلك: ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وقد كانت متزوِّجة من أبي العاص بن الربيع في الجاهلية، فلما أسلمت فُسِخ النكاحُ بينهما، ولحقت بأبيها صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم زوجها ردَّها النبي صلى الله عليه وسلم إليه([12]).

الدليل الخامس: الإجماع على حرمة زواج المسلمة من غير المسلم:

والإجماع من أقوى الحجج الشرعية؛ فهو رافع للخلاف، ومانع من إحداث قول مخالف. وهو هنا إجماع قطعي لا خلاف في ثبوته، تناقله العلماء سلفا وخلفا.

قال ابن قدامة رحمه الله في شرح قول الخرقي: “وَلَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ”: “أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ”([13]).

وقال ابن جزي رحمه الله: “وَإِن نِكَاح كَافِر مسلمة يحرم على الإطلاق بِإِجْمَاع”([14]).

وقال ابن مفلح رحمه الله: “لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ; وَلِأَنَّ دِينَهما اخْتَلَفَ، فَلَمْ يَجُزِ اسْتِمْرَارُهُ كَابْتِدَائِهِ”([15]).

وقال القرطبي رحمه الله: “وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَطَأُ الْمُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ”([16]).

فثبت بما قدمنا أن حرمة زواج المسلمة من غير المسلم حرمةٌ قطعيةٌ لا خلاف فيها بوجه من الوجوه، ودل على تحريمها الكتاب والسنة والإجماع.

وإذا كان الأمر كذلك؛ فما مثار الشبهة عند من يقول ذلك؟ ذلك ما سنتناوله في المطلب الآتي.

ثانيا: مثارات الشبه في هذه المسألة:

الشبهة الأولى: أن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب، وهذا قد ذكره كثير من العلماء، بدليل أن الله تعالى غاير بينهما، كما في أول سورة البينة وغيرها، والعطف يقتضي التغاير، فلا يبقى في المسألة نص.

والجواب من وجوه:

الأول: أن العلماء الذين ذكروا ذلك لم يختلف قولهم في حرمة زواج المسلمة من الكتابي، فكيف يحتج بقولهم في الخلاف ويترك نقلهم للإجماع؟! حتى إن بعض العلماء المعاصرين الذين قالوا: إن الآية لا تدل على تحريم نكاح الكتابية -كابن عاشور في تفسيره- قالوا بأن هذا التحريم مستفاد بالسنة والإجماع.

الثاني: أنه لم يختلف العلماء في دخول الكتابيين في عموم المشركين المنهي عن تزويجهم المسلمات، فالنهي عن تزويج المشركين محكم عامّ لا قائل بتخصيصه، بإجماع أهل العلم، وعامة أهل العلم يستدلون بالآية على تحريم نكاح الكافر للمسلمة بلا نكير.

وإنما اختلف العلماء في لفظة (المشركات) هل هي من قبيل العام المخصوص فيدخل فيها الكتابيات بداية، ثم يخصص حل نكاح الكتابية بآية المائدة، أم أن لفظها عام أريد به الخصوص؟ فهذا الذي اختلفوا فيه فقط.

الثالث: أن هذا لا يرد في آية الممتحنة: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}، فإن القرآن أطلق وصف الكفار على أهل الكتاب في آيات عديدة كما سبق بيانه، فكيف يقال: لا يوجد نص في التحريم؟!

الرابع: أن الصحيح إطلاق وصف الشرك واسم الشرك على أهل الكتاب، ويدل على ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 30]، ثم قال في آخر الآية: {سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التَّوْبَةِ: 31]. وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك.

وأما المغايرة بينهما بالعطف؛ فجوابه: أنه قد يكون من باب عطف الخاص على العام، وهو كثير في اللغة والقرآن، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الْحَجّ: 17]، فهل يقال: إن المجوس ليسوا مشركين؟! لا قائل بذلك، وغاية ما يقال: إنهم نوع خاص له اسم خاص يندرج تحت الاسم العام.

الخامس: أنَّ مقصد من قال من العلماء: إن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب، أي: في الإطلاق الخاص للاسم لا في الحكم.

قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: “ففرق بين الفريقين [المشركين وأهل الكتاب] في اللفظ، فدل على أن كل واحد من اللفظين يختصّ عند الإطلاق بضرب دون غيره، وإن كان الجميع مشركين في الحقيقة وكفارا، كما اختصّ المنافقون باسم النفاق وإن كانوا مشركين، ولا يتناولهم مع ذلك إطلاق لفظ المشركين”([17]).

السادس: أن إجماع العلماء على دخول الكتابي في عموم المشركين المنهي عن تزويجهم المسلمات يجعل دلالة الآية قطعيةً لا ظنية كما يقول المعارض، ولو لم نعتمد هذا لبطلت جميع أحكام الإسلام وشرائعه، فلقائل أن يقول: إن الأمر بالصلاة ليس نصًّا في وجوبها؛ لأن الأمر ليس نصًّا في الوجوب، كما يقرر علماء الأصول. ويقال هذا في سائر أصول الإسلام، وهذا من أبطل الباطل؛ ولذلك يقول العلماء: إن دلالة الإجماع قطعية، ومحله الإجماع القطعي كما في مسألتنا بفضل الله تعالى.

الشبهة الثانية: أن باب الاجتهاد لم يغلق:

والجواب من وجوه:

الأول: نعم، باب الاجتهاد لم يغلق، لكن الاجتهاد لا يعني جواز مخالفة الإجماع، وهذا مثار غلط عند كثيرين، يظنون أن مرتبة الاجتهاد تسوِّغ لصاحبها مخالفة الإجماع القديم الثابت، وهذا باطل، فالإجماع حجَّة شرعية رافعة للخلاف، ولا يجوز للمجتهد أن يخالف الإجماع الثابت، والمجتهد عندما يتعرض للمسألة ينظر أولا: هل هي إجماعية أم خلافية؟ فإن كانت الأولى أمسك، وصار اجتهاده في تحقيق المناط ونحو ذلك، وإن كانت الثانية أو مسألة جديدة أعمل فيها جهده.

وليس هذا خاصًّا بأهل زماننا فقط كما يتوهّمون، بل هذا القيد لازم لكلِّ المجتهدين بمن فيهم الأئمة الأربعة، فلم يكن الواحد منهم يجوِّز مخالفة إجماع الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من العلماء.

الثاني: أن دعوى الاجتهاد لا تقبل ممن لا تتحقَّق فيه شروطُه، وعامَّةُ المخالفين في هذه المسألة ممن لا يُعرفون بالعلم الشرعيّ، بل عامتهم من أهل المناهج المنحرفة والأقوال الشاذة، فهم ممَّن لا يُعتدُّ ولا يُفرَح بوفاقهم أصلا، فكيف بخلافهم؟!

الشبهة الثالثة: الخلط بين خلاف العلماء في مسألة انفساخ نكاح الكافرة إذا أسلمت، ومسألة تحريم زواج المسلمة من غير المسلم، فقد أورد ابن القيم([18]) رحمه الله تسعة أقوال في مسألة انفساخ النكاح عند إسلام الزوجة قبل زوجها، فظنها البعض تنسحب على مسألتنا هذه.

والجواب من وجوه:

الأول: أنه يُغتفر في الدوام ما لا يُغتفَر في الابتداء، ويُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في غيره، كما يُنْهى المحرم عن ابتداء الطّيب، ولا يُنهى عن استدامَتِه، ويُنهى عن ابتداء النكاح، ويجوز له الرجعة وغير ذلك من فروع هذه القاعدة الفقهية([19]).

فلو فرضنا جواز استمرار نكاح الكافرة إذا أسلَمَت ولم يسلم زوجها -مع كون ذلك باطلا كما سيأتي- فلا يدلُّ ذلك بحال على جواز ابتداء نكاح المسلمة من كافر.

الثاني: أن العلماء متَّفقون على أن المرأة إذا أسلمت، فإنها لا تُقَرّ مع زوجها الكافر على ما كانت عليه قبل إسلامها.

قال ابن عبد البر رحمه الله: “لم يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَافِرَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا إِلَيْهَا إِذَا كَانَ لَمْ يُسْلِمْ فِي عِدَّتِهَا، إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَّا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِر”([20]).

فالمسألة في الحقيقة من أدلة حرمة زواج المسلمة من غير المسلم.

الثالث: أن العلماء اختلفوا بعد ذلك: هل تقع الفرقة بين الزوجين بمجرد إسلام المرأة وتأخر إسلام زوجها أم ينتظر مدة؟ والقائلون بالانتظار اختلفوا في هذا المدة: فأكثرهم أن ذلك مقيَّد بالعدَّة، فإذا انتهَت العدة، ولم يسلم الزوج، انفسخ النكاح.

ومنهم من جعل الزواج موقوفًا، ولكن لا يفسخ إلا بحكم القاضي.

ومنهم من جعله باقيا إذا اختارت المرأة ذلك، فيكون الزواج موقوفًا، لا قائما ولا مفسوخا، ولكن لا يطؤها زوجها. وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله: “عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ، فَخَيَّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ -وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ-، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُقِيمُ تَحْتَهُ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، بَلْ تَنْتَظِرُ وَتَتَرَبَّصُ، فَمَتَى أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَوْ مَكَثَتْ سِنِينَ، فَهَذَا قَوْلٌ سَادِسٌ، وَهُوَ أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ”([21]).

فانظر إلى قول ابن القيم: “وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني”؛ مع أنه يقول بأن النكاح يظل موقوفًا بلا أمد إذا اختارت المرأة ذلك مستدلا بأثر عمر رضي الله عنه.

وليس غرضنا هنا الترجيح بين هذه الأقوال، ولا ذكر أدلتها، وإنما غرضنا بيان فساد من استدل بذلك على تقرير إقامة المرأة بعد إسلامها مع زوجها الكافر، ثم القفز للاستدلال على جواز زواج المسلمة من غير المسلم ابتداء، وهو ما بيَّنَّا بطلانه، ولله الحمد والمنة.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) تفسير ابن جرير (4/ 370) باختصار.

([2]) تفسير البغوي (1/ 256).

([3]) تفسير الرازي (6/ 413).

([4]) أحكام القرآن (1/ 189).

([5]) المحلى (9/ 19).

([6]) المبسوط (5/ 45).

([7]) الأم (5/ 159).

([8]) تفسير القرطبي (18/ 63).

([9]) تفسير ابن كثير (8/ 121).

([10]) تفسير الرازي (29/ 522).

([11]) بدائع الصنائع (2/ 272).

([12]) رواه الترمذي (1143)، وأبو داود (2240)، وغيرهما، وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس.

([13]) المغني (7/ 27). وينظر: الشرح الكبير على المقنع (20/ 345).

([14]) القوانين الفقهية (ص: 131).

([15]) المبدع شرح المقنع (6/ 179).

([16]) تفسير القرطبي (3/ 72).

([17]) شرح مختصر الطحاوي (4/ 453).

([18]) انظر: أحكام أهل الذمة (2/ 540-548).

([19]) انظر في هذه القاعدة الفقهية: القواعد الفقهية، للزحيلي (2/ 691).

([20]) التمهيد (12/ 23).

([21]) أحكام أهل الذمة (2/ 246).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017