الخميس - 19 ذو الحجة 1442 هـ - 29 يوليو 2021 م

{ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الليل}..دعوى تأخير الإفطار ومناقشتها

A A

كتَب الله الصِّيامَ على المسلمين، وبيَّن ذلك بجلاء في كتابه، وجعله من أركان الإسلام، وهو عبادة عُظمى واضحة الحدِّ والمعالم والأحكام، بيَّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات متتاليات، فكان الصيام بتلك الآيات واضحًا جليًّا عند المسلمين، عرفوا ماهيَّته، وحدودَه، ومفطراتِه، ومتى يصومون ومتى يفطرون، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعملُه شارحًا مؤكدًا لِمَا ورد في القرآن الكريم.

وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في كتابه بداية الصَّوم ونهايته فقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فصام النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصام أصحابه والأمة من بعدهم بدءًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حيث يحلّ وقت الإفطار، فوقتُ الصيام يبدأ من طلوع الفجر الثاني، وينتهي بدخول الليل الذي أوَّله مع غروب الشمس، وهذا المعنى هو الذي توارد عليه العلماء، يقول الطبري رحمه الله: “وأما قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإنَّه -تعالى ذكره- حدَّ الصوم بأنَّ آخرَ وقته إقبالُ الليل، كما حدَّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع، وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل”([1])، ويقول البغوي رحمه الله: “فالصَّائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصَّادق، ويمتدُّ إلى غروب الشمس، فإذا غربت حصل الفطر”([2])، ويقول ابن كثير رحمه الله: “قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطارَ عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا”([3]).      

بل قد نُقل الإجماع على هذا الوقت للصيام، يقول ابن عبد البر رحمه الله: “والنَّهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس على هذا إجماع علماء المسلمين”([4])، ويقول النووي رحمه الله: “ينقضي الصَّوم ويتمّ بغروب الشمس بإجماع المسلمين”([5])، ويقول ابن رجب رحمه الله: “وهذا الحديث والذي قبله يدلَّان على أنَّ مجرد غيبوبة القرص يدخُل به وقتُ صلاة المغرب، كما يفطر الصائم بذلك، وهذا إجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وغيره. قال أصحابنا والشافعية وغيرهم: ولا عبرة ببقاءِ الحُمرة الشَّديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار”([6]).

وعلى هذا مضت سنة المسلمين بالمجمَل، إلا ما كان من الشِّيعة فإنَّهم رأوا أنَّ الفطر يكون بعد غروب الشفق الأحمر تمامًا، وقد انضمَّ إليهم في الوقت الحديث فُتاتٌ من منكري السُّنة ممن يرونَ أنَّه يجب علينا أن نأخذ الدينَ من جديدٍ من القرآن وحدَه -وليتهم أخذوا بكلّ القرآن- ففهموا من قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] أنَّه لا يجوز الإفطار بعد غروب الشمس مباشرةً، فخالفوا سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل الفطور كما سيأتي بيانه.

وبغضِّ النَّظر عن صحّة الإجماع من عدمه، وبغضِّ النَّظر عن أقوال علماء السنة فإن الشيعة والمنكرين لا يعترفون بهم؛ فإننا سنبحث في هذا القول وأدلته، وفي قول أهل السنة وأدلته لنرى من الأحقُّ بالدليل والأحظى به، فإننا مطالبون باتباع الدليل أينما كان.

وقد استدلَّ هؤلاء بعدة أدلَّة كلها تدور حول كلمة “الليل”، وأنَّ المراد بها ظلمة الليل التي لا يبقى معها أي نور أو ضوء، ويصدق ذلك عند الشيعة بالخصوص بغياب الشفق الأحمر، يقول بعض المنكرين: “الله يتكلَّم عن الليل، ويقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، {وَآيَةٌ لَكُمُ اللَّيْلُ نَسْلُخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37]، هل عند صلاة الغروب يكون هناك ظلام؟ أبدًا. وعملية السلخ تأخذ وقتًا وعند هبوط الظلام يجيء الليل… فإذا أردتم الحديث اسمعوا قول الله عز وجل وهو القائل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا} [الزمر: 23] ماذا يقول: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]… إذن يجب أن ترى كوكبًا في السماء، فهل أنت ترى كوكبًا في السماء عندما يؤذّن في الغروب، أم أنك متعلق بحبال (هذا ما ألفينا عليه آباءنا)؟”([7]).

ويقول في موضع آخر مستدلًا على أنَّ الإفطار يجب أن يكون بعد الظَّلام التام: “ودليلٌ آخر على ضرورة دخول الليل، وهو قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، فهو دليل آخر غير الظلام الذي ذكرناه كدليلٍ على حلول أول الليل، فدليلنا الثاني يكمن في ضرورة رؤية نجمٍ في كبد السماء”([8]).

أمَّا الإفطار عند أذان المغرب بعد غروب الشَّمس فإنَّه عندهم إفطارٌ بدعي، يقول بعض الشيعة: “بالنِّسبة إلى وقت الإفطار فيتحقَّق مع زوال الحمرة المشرقيَّة، وهي الحمرة التي تكون من جهة المشرق وتتلو الصفرة عند مغيب قرص الشمس، فإذا زالت هذه الحمرة المشرقية -أي: تجاوزت منتصف السماء إلى الغرب- فقد حلَّ وقت صلاة المغرب وحلَّ الإفطار بدخول الليل، وعادة ما يكون ذلك بعد نحو ربع ساعة من الأذان البدعي للمخالفين”([9]).

ويتلخص من هذا أنَّ أدلتهم تتمحور حول كلمة الليل، وأنَّها تعني غياب الشفق الأحمر ورؤية الكواكب، ويستدلون لهذا بعدة أدلة، منها قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، وقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37].

وهذا القول غير صحيح، وهو مخالفٌ للهدي النَّبوي ولعمل المسلمين الذين نقلوا هذا العمل من النبي صلى الله عليه وسلم المبيِّن للقرآن، وحتى إن نحَّيْنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فإن الأدلة التي أوردوها لا تساعدهم على هذا الفهم، وبيان ذلك بالآتي:

أولًا: الليل في اللغة العربية:

كثيرٌ من المعاجم العربية تتحدَّث عن أوصاف الليل وأسماء أجزائه، لا عن ابتدائه؛ لوضوح ذلك المعنى، إلا أنَّ هناك من تحدّث وصرَّح بأن ابتداء الليل من غروب الشمس، يقول ابن منظور: “الليل: عقيب النهار، ومبدؤه من غروب الشمس”([10])، ويقول الفيروز آبادي: “الليل والليلة: من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصَّادق أو الشمس”([11])، وذِكْرُ المعاجم لأجزاء الليل وأسمائه يعني بالضَّرورة أن الليل أجزاء، وأن بدايته تختلف عن منتصفه وشدته، وتختلف عن آخره، أمَّا المنكرون فإنَّهم يتمسّكون بعمومات في بيان ظلمة الليل وليس هو موضع النزاع، فإنَّنا حين نتحدّث عن الليل في وقت الإفطار فإنَّنا نتحدّث عن أول وقته بم يكون، وهو الذي بيَّن العلماء أنه يبدأ من غروب الشمس.

ثانيًا: بيانُ النبي صلى الله عليه وسلم لليل:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بداية الليل بعمله وأقواله، وذلك في عدة أحاديث، كلها تفيدُ ما جاء في القرآن الكريم من أنَّ الإنسان يفطر عند أول الليل، وهو الذي يتحقّق عند غروب الشمس، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»([12])، وهذا الحديث جمَع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين ثلاثة أشياء تحدُث متزامِنة وهي: إقبال الليل، مع إدبار النهار، مع غروب الشمس، فأوَّل الليل إذن وانقضاء النهار إنَّما يكون بغروب الشمس، يقول النووي رحمه الله: “وقوله صلى الله عليه وسلم: «أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس» قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمّن الآخرين ويلازمهما”([13]).

ويقول ابن حجر رحمه الله وهو يبيّن تلازمَ الثلاث، وأن علامة بدء الليل وانتهاء النهار هي غروب الشمس: “قوله: «إذا أقبل الليل من ها هنا» أي: من جِهة المشرق كما في الحديث الذي يليه، والمراد به وجود الظلمة حِسًّا، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور لأنَّها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنَّها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يُظنّ إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطِّي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثم قيّد بقوله: «وغربت الشمسُ» إشارة إلى اشتراط تحقّق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر”([14]).

ويقول بدر الدين العيني مبيّنًا فائدة ذكر الثلاث: “والإقبال والإدبار والغروب متلازمة؛ لأنَّه لا يقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، ولا يدبر النهار إلا إذا غربت الشمس. قلت: أجاب القاضي عياض بأنَّه قد لا يتفق مشاهدة عين الغروب، ويشاهد هجوم الظلمة حتى يتيقَّن الغروب بذلك فيحلّ الإفطار. وقال شيخنا: الظاهر إن أريد أحد هذه الأمور الثلاثة فإنه يعرف انقضاء النهار برؤية بعضها، ويؤيِّده اقتصاره في حديث ابن أبي أوفى على إقبال الليل فقط، وقد يكون الغيم في المشرق دون المغرب أو عكسه، وقد يشاهد مغيب الشمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر”([15]).

وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أنَّ المراد أولُ الليل المتحقِّق بغروب الشمس، وذلك بقوله: «أقبلَ»، فتعبيره بهذه الكلمة يعني أنه لا زال في أوله فهو إقبال.

ثالثًا: أن الليل لا يدخل مرة واحدة، كما أن النهار لا يدخل مرة واحدة، والله سبحانه وتعالى علَّق بدء الصوم بأول النهار وهو الفجر، وعلق الإفطار بالليل فيتحقق عند أول جزء منه.

وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذا المعنى في كتابه، فعبَّر عنه بقوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37]، ومعلومٌ أنَّ الانسِلاخ يكون شيئًا فشيئًا، ومع ذلك فإنَّ أول ما يظهر بعد الانسلاخ يكون متمايزًا باسمه؛ كأن يُسلخ جلد الشاة، فإن أول ظهور للّحم تحت الجلد يسمّى ذلك لحمًا ولو لم تسلخ الشاة كاملة، فحين يُسلخ النهار فيسمّى أوله ليلًا، وفي هذا يقول الطبري رحمه الله: “{اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} يقول: ننزع عنه النهار، ومعنى {مِنْهُ} في هذا الموضع: عنه، كأنه قيل: نسلخ عنه النهار، فنأتي بالظلمة ونذهب بالنهار”([16])، ويقول الرازي موضّحًا ذلك المعنى: “ما معنى سلخ النهار من الليل؟ نقول: معناه تمييزه منه، يقال: انسلخ النهار من الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل”([17]).

فضياء النهار وظلمةُ الليل لا يظهران فجأة، وإنما بصورة تدريجيَّة ومتداخلة، فإذا كان الداخل هو الصباح سمّي أول جزء منه عند تداخله مع الليل صباحًا، وكذلك العكس، وبناءً عليه فإن الإفطارَ عند أول انسلاخ للنهار مع غروب الشمس يصدُق عليه قوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلَ} شرعًا وواقعًا، مثله مثل النهار حين يأتي ويتداخل مع الليل، فإن أولَ جزء منه عند الفجر لا يسمَّى ليلًا رغم وجود الظلمة، ذلك أنه بداية دخول النهار، فكذلك الأمر عند بداية دخول الليل.

رابعا: أنّ أدلتهم التي استدلّوا بها لا تدل على مرادهم:

ذكرت سابقًا أنَّ أدلتهم تتمحور حول معنى الليل، وأوردوا أدلةً على أنَّ المراد هو الليل الخالي من أيّ نور، إلا أنَّ الأدلة التي استدلّوا بها لا تقوى على معارضة أنَّ غروب الشمس هو أول الليل، والمطلوب منَّا الصيام إلى أوله لا إلى شدَّة ظلمته، وهذا واضح في النصوص ولله الحمد.

أمَّا استدلالاتهم فيمكن أن نناقشها بالآتي:

1- أنَّ غياب الشفق الأحمر عند مَن اعتمده مبنيٌّ على غير دليل، فأين الدليل الصريح الذي فيه نصٌّ على وجوب غياب هذه الحمرة؟ وإنما كان اعتمادُهم على مجرد كلمة “الليل”، وهي لا تساعدهم كما مرَّ بنا، فإنَّ الليل يصدُق على أوله وآخره، وعلى الأقلّ فإن أوله محلّ نزاع؛ وعند المثبتين أدلة من السنة القوليّة والفعلية ومن اللّغة على أن ما بعد غروب الشمس من الليل، أما من اشترط غيابَ الشفق الأحمر فإنه بنى ذلك بغير دليل سالم من المعارضة، وفي هذا يقول المرجع الديني الشيعي محمد حسين فضل الله: “المقصود من الليل في الآية التي أمرت بإتمام الصيام إليه هو الغروب، ويتحقّق الغروب بسقوط قرص الشمس خلف الأفق، وإذا تحقق ذلك دخل وقت الصلاة وجاز الإفطار، ولا ضرورة إلى انتظار غياب الحمرة المشرقية؛ لأن ذلك مبني على الاحتياط حين الاشتباه وعدم التأكد من تحقّق الغروب، وهذه هي فتوى السيد الخوئي الذي يرى عدمَ وجود دليل على اشتراط ذهاب الحمرة المشرقيَّة في جواز الصلاة والإفطار، وكذلك رأي فقهاء آخرين، سواء من المعاصرين أو من السَّابقين، وهذا واضحٌ لمن تتبع كلمات الفقهاء، والله الموفّق”([18]). وهذا كما أنه ليس عليه دليلٌ فهو أيضًا ليس بضابط دقيقٍ في نفسه، كما سيأتي بيانه.

2- أمَّا استدلالهم بقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] فخاطئ، ذلك أننا قلنا: إنَّ الليل درجات، والله سبحانه وتعالى نصَّ على أن الحال في قصة إبراهيم أنه جن عليه الليل، وليس أقبل عليه الليل أو دخل في الليل، فلا علاقةَ لهذا بتحديد أوَّل الليل، وإنَّما يخبر الله أنَّ هذه الحادثة إنَّما وقعت بعدما اشتدَّت ظلمة الليل ورأى الكوكبَ، وليس فيه دلالة على أنَّ هذا أول الليل.

3- ما قيل في الثاني يقال في استدلالهم هذا، وهو قولهم: إن الليل هو ما يرى فيه الكوكب، واستدلالهم عليه بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] استدلالٌ غير صحيح، فإنَّ الآيات الكريمات إنما تثبت أنَّ إبراهيم عليه السلام إنما رأى كوكبا حين اشتدَّ ظلام الليل، لكن لا علاقة للآية ببيان أوَّل الليل أو آخره، وحتى إن قيل: إن إبراهيم عليه السلام ترقَّب حلول الليل فلمَّا أظلم رأى الكوكب فقال مقولته مباشرة، يقال: مع القول بصحَّة هذا فإن هذا خارجٌ عن محل النزاع، إذ إن النزاع هو: هل ما بعد غروب الشمس يعدّ من الليل أو لا؟ وهذا المعنى لا تثبته الآية ولا تنفيه.

4- أن بعضهم لم يفرّقوا بين الانسلاخ والظلام التامّ، فاستدل بآية الانسلاخ على أن الليل هو الظلام التامّ، وقد بيّنتُ سابقًا أن الانسلاخ لا يكون مرةً واحدة وإنما بالتدرج، فأول وقت انسلاخ النهار يسمّى ليلًا لأن النهار هنا قد انسلخ وزال من هذه الجزئية.

خامسًا: أن غروب الشمس هو الذي يضبط الوقت:

ولذلك نجد أنَّ من قال بغير ذلك اضطرب واختلف، فمنهم من اعتمد غياب الشفق الأحمر، ومنهم من اشترط ظهورَ النَّجم، ومنهم من اشترط اشتداد ظلمة الليل، وكلها أمور غير ضابطة وغير دقيقة؛ لأنها ممتدَّة، ويختلف الناس في حسابها، ولذلك حين سئل علي الحسيني السيستاني فقيل له: هل من الممكن إعلامنا عن وقت الإفطار بالضبط وبالدقائق فإنه يصعب علينا تحديده؟ كان جوابه: “المناط زوال الحمرة المشرقية التي تحدُث بعد غروب الشمس، حتى إذا علم باستتار القرص على الأحوط، ولا يمكننا تحديده بالدقائق لاختلاف الأزمنة والأمكنة”([19]).

وقد رأى بعض الشيعة أنَّ وقت الإفطار هو الوقت الذي يفطر فيه عامّة المسلمين، وهو بعد غروب الشمس، وجعل غيابَ الشفق الأحمر من بابا الاحتياط -وهو مدفوع باستحباب تعجيل الفطور- يقول الطبرسي: “{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي: من وقت طلوع الفجر الثاني وهو المستطيل المعترض الذي يأخذ الأفق وهو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة، إلى وقت دخول الليل وهو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق وإقبال السواد منه، وإلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة وعدم الجبال والروابي فقد دخل الليل”([20]).

وقد سئل المرجع الديني الشيعي محمد فضل الله فقيل له: هل يجب الانتظار إلى حين غياب الحمرة المشرقية أي: بعد حوالي ربع ساعة من سقوط القرص؟ فأجاب: “ليس ذلك ضرورياً، بل يجوز الإفطار عند تحقّق الغروب بسقوط قرص الشمس تماما خلف الأفق”([21]).

وأخيرًا:

ما جاء في القرآن الكريم هو ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم وحثَّ عليه، ومضى عليه المؤمنون في الجملة، ومن فهم غير ذلك من تأخير الإفطار إلى دخول الظلام التَّام فإنه لا يسلَم له دليل، واللغة تخالِفه، وكذلك آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والوقت الذي يفطِر فيه عامة المسلمين هو الأضبطُ لصيام المسلمين، ولا يمكن أن تكون شعيرة بهذه الأهمّية ثم لا تكون الأدلة عليه ظاهرة كما عند أصحاب القول الآخر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) تفسير الطبري (3/ 532).

([2]) تفسير البغوي (1/ 231).

([3]) تفسير ابن كثير (1/ 517).

([4]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (10/ 62).

([5]) المجموع شرح المهذب (6/ 304).

([6]) فتح الباري لابن رجب (4/ 352).

([7]) أحمد ماهر في حوار له في مجلة الشراع 21 نيسان 2020م، تحت عنوان: “أذان المغرب للصلاة أما الإفطار ففي الليل”.

([8]) أحمد ماهر في موقعه الرسمي تحت عنوان: موعد الإفطار للصائمين.

([9]) فتوى الشيعي ياسر الحبيب في موقعه الرسمي، بعنوان: “متى يتحقق وقت الإفطار. وما هو الخيط الأبيض والخيط الأسود؟”.

([10]) لسان العرب (11/ 607).

([11]) القاموس المحيط (ص: 1055).

([12]) أخرجه البخاري (1954)، ومسلم (1100).

([13]) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 209).

([14]) فتح الباري لابن حجر (4/ 196).

([15]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (11/ 43).

([16]) تفسير الطبري (20/ 516).

([17]) تفسير الرازي (26/ 276).

([18]) الموقع الرسمي لمؤسسة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تحت استفتاءات: الصوم/ زمان الصوم.

([19]) الموقع الرسمي للمرجع الديني الشيعي: علي السيستاني. تحت فتاوى: الصوم – وقت الإفطار.

([20]) تفسير مجمع البيان (2 / 18).

([21]) الموقع الرسمي لمؤسسة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تحت استفتاءات: الصوم/ زمان الصوم.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الكشف والإلهام بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدّمة: يصرِّح كثيرٌ من أئمَّة التصوُّف -خاصّة القُدامى- بضرورة التقيد بالكتاب والسنة، ووزن طريقتهم بميزان الوحيين، فما وافقهما قُبِل، وما خالفهما يُردّ، قال الجنيد (ت: 297هـ): “الطرق كلُّها مسدودةٌ عَلَى الخلق إلا عَلَى من اقتفى أثر الرسول عَلَيْهِ الصلاة والسلام… ومذهبنا هَذَا مقيَّد بأصول الكتاب والسنة”([1])، وقال أبو الحسَن […]

حوار علمي حول فتوى دار الإفتاء المصرية عن حكم التمسح بالأضرحة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فقد نشرت جريدة أخبار اليوم المصرية في عددها الصادر في 4/ 7/ 2021م فتوى لدار الإفتاء المصرية تناولت حكم التمسح بالأضرحة وقضايا أخرى، وهو إعادة نشر لفتوى نشرت قبل ذلك لدار الإفتاء في 17/ 12/ 2006م، وهي قضية هامة […]

صفحاتٌ مضيئةٌ من سيرة القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العَمراني (1340-1442هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة:             الحمد للَّه الذي جعلَ العلماء ورثة الأنبياء، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد سيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه السادة الأتقياء، صلاةً وسلامًا دائمين يستوجبان رتبة الأولياء([1]).             وبعد، فهذه ترجمةٌ موجزةٌ لشيخنا العلامة القاضي: محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله، والمتوفى في سحَر ليلة الاثنين الثاني من شهر […]

مناقشة دعوى (أن داعِش والجماعات التكفيرية هي التي تمثّل فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب)؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بدايةً لتناول أيّ قضية فكرية ينبغي تجنيب أيّ دوافع أيدلوجية، بل ينبغي أن يكون الدافع هو الوصول إلى الحقيقة والبحث والتمحيص وتحرِّي الدقة في الجزيئات والكليات، وتجنُّب الحكم المجمل المبني على الانطباع المُسبق، أو التخمين والظنّ من غير دراسة. واعلم أن الربطَ بين الفكر الداعشي وفكر الشيخ محمد بن […]

هل هي حرب على السُّنَن ؟

جعل الله تعالى الأحكام التكليفية المتعلقة بالعباد خمسة ، طرفاها الواجب والمحرم ، فالواجب يستحق الثواب فاعله ويستحق العقاب تاركه ، والمُحرم مقابل له وعلى نقيضه فيما يترتب عليه ، إذ يستحق العقاب فاعله ويستحق الثواب تاركه . ويشترك هذان الحُكمان في أن الإثم والعقاب الإلهي يترتب عليهما وذلك بترك الواجب وفعل المحرم ، فكان […]

الأشاعرة بين التنصُّل من الاعتزال والتأثُّر به (مسألة أول واجب أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: العلاقة بين الأشاعرة والمعتزلة علاقةٌ قديمةٌ بدءًا من أبي الحسن الأشعري رحمه الله، فقد كان على الاعتزال قرابةَ أربعين سنةً حتى تراجع عنه إلى اتِّباع ابن كلاب، وهذا التَّحوّل ذكره عددٌ من المؤرخين منهم ابن عساكر، فقد قال ناقلًا عن ابن عزرة القيرواني: “الأشعري شيخُنا وإمامنا ومن عليه […]

نصوصُ نصرة المظلوم في ضوء القدرة والاستطاعة

نصرةُ المظلوم مما اتَّفقت العقولُ على حُسنه والشرائعُ على وجوبه والحكماء على تقريره، فلا تستقيمُ دنيا بني آدم إلا بالعَدل، ولا تستقرّ حياتهم إلا بالأمن، ومتى ما خاف الضعيف فإن الظلمَ قد عمَّ والبلاءَ قد طمَّ، والناس صاروا في أمر مريجٍ؛ ولهذا لم يأل بنو آدم جهدًا في محاولة إيجاد قواعد في الحياة تضمَن العدل […]

حديثُ “طوافِ النبيّ ﷺ على نسائه بغُسْلٍ واحد”..ورد المطاعن المعاصرة عليه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يزعُم كثيرٌ من خصوم السنّةِ أنّ بعض الأحاديث قد صوّرت النبي صلى الله عليه وسلم بصورة لا تليق بمقام النبوة؛ ولذا فالواجب في زعمهم هو ردّ هذه الأحاديث؛ صيانة لمقام النبوة مما يدنِّسها ويسيء إليها، خاصة أن هذه الأحاديث بزعمهم تعارض العقل أو القرآن أو الأحاديث الأخرى. والمتأمل لعامة […]

(ما عليه العمل) بين المتقدمين والمتأخرين

يكثر في استعمالات الأئمة المتقدمين عبارة: (وعليه العمل)، خاصَّة عند الإمام مالك في موطئه والإمام الترمذيّ في جامعه، فهل الأحاديث النبوية لا يُعتدُّ بها إلا بجريان العمل بها؟ أشار القاضي عياض (ت: 544هـ) عند ترجمته للإمام مالك إلى نصوص تدلّ على أهمية اعتبار العمل في تقرير السنن، فقال: (رويَ أن عمر بن الخطاب رضي الله […]

التَّشكيكُ سُنّةٌ باطنية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا داعِي للفزع والخوف المفرط من موجة التشكيك في أصول الإسلام وثوابته ومسلَّماته التي نمرّ بها في هذا العصر – كما يزعمه من بعض المسلمين وأعدائه – وكأنّ أمر الإسلام – في زعمهم – أصبح مسألة وقت، وهو إلى زوال واضمحلال! فقد ظهر بين المسلمين من يشكِّكهم […]

هل أحدث الصحابة أفعالًا من أمور الدين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليها؟

سبقَ للمركز أن تناوَل في مقالٍ مستقلٍّ مسألةَ تعريف البدعةِ، وأنَّ حقيقتَها قصدُ التقرب المحض بما لم يُشرَع([1])، وبين أن القاعدة العظيمة التي ينبني عليها هذا البابُ هي أن الأصل في العبادات المنع حتى يرِد الدليل بمشروعيةِ ذلك في ورقة علمية مستقلة أيضًا([2]). ومِن أعظم الشبهاتِ التي يَستدلُّ بها من يسوِّغ للبدع لينقُض هذا الأصلَ […]

السلف والشبهات..بحث في آليات التعامل مع الشبهات والرد عليها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: تمر الأمة الإسلامية اليوم بعاصفة جارفة وطوفان هائل من الشبهات والتشكيكات حول الدين الإسلامي، فلقد تداعت عليها الأمم -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- من كل جانب من أديان باطلة ومذاهب منحرفة وفرق مبتدِعة، كلها تصوّب السهام نحو الدين الإسلامي، ولا يكاد يسلَم من هذا الطوفان أصل […]

حديثُ: «استفت نفسك وإن أفتاك الناس» هل يؤصِّل لاتِّباع الهوى؟

لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ الخير محصورٌ في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وأن ما صدر عنه لا يمكِن أن يحيل إلى معنى لا يكونُ موافقًا لما جاء به، وإن فُهِم منه ذلك فإنما الخطأ في فهم السامع لا في دلالة لفظِ الشارع. وقد ظنَّ بعضُ عوامّ الناس وصغار المتفقِّهة أنَّ للذَّوق مدخلًا في […]

تعارُض أحاديث الدجال..رؤية موضوعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: المسلم يسلِّم بصدق الوحي في الأخبار وعدله في الأحكام، وهذه إحدى المحكمات الشرعية التي يُتمسَّك بها عند الاشتباه، ومن الوارد شرعًا والجائز عقلًا أن تتعارض بعض الأدلة تعارضًا ظاهريًّا قد يُربِك غيرَ الراسخ في العلم ويجعله أحيانًا في حيرة؛ لكن ميزة الشريعة أنَّ الحيرة التي تَقع في […]

الأقوال الفقهية الشاذة وموقف السلف منها

لم يرِد في كتاب الله لفظُ الشاذّ بأي من اشتقاقاته، ولكنه ورد في السنة كما يأتي بمعنى الانفراد؛ كالانفراد عن جماعة المسلمين، واستعمَل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لفظ الشاذّ واشتقاقاته بمعنى مطابقٍ من استعماله في السنة النبوية، إلا أنه كان بداية لنشأة المصطلح في بعض العلوم الشرعية. قال نافع (ت: 169هـ): (أدركت عدة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017