الجمعة - 02 شوّال 1442 هـ - 14 مايو 2021 م

{ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الليل}..دعوى تأخير الإفطار ومناقشتها

A A

كتَب الله الصِّيامَ على المسلمين، وبيَّن ذلك بجلاء في كتابه، وجعله من أركان الإسلام، وهو عبادة عُظمى واضحة الحدِّ والمعالم والأحكام، بيَّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات متتاليات، فكان الصيام بتلك الآيات واضحًا جليًّا عند المسلمين، عرفوا ماهيَّته، وحدودَه، ومفطراتِه، ومتى يصومون ومتى يفطرون، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعملُه شارحًا مؤكدًا لِمَا ورد في القرآن الكريم.

وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في كتابه بداية الصَّوم ونهايته فقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فصام النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصام أصحابه والأمة من بعدهم بدءًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حيث يحلّ وقت الإفطار، فوقتُ الصيام يبدأ من طلوع الفجر الثاني، وينتهي بدخول الليل الذي أوَّله مع غروب الشمس، وهذا المعنى هو الذي توارد عليه العلماء، يقول الطبري رحمه الله: “وأما قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإنَّه -تعالى ذكره- حدَّ الصوم بأنَّ آخرَ وقته إقبالُ الليل، كما حدَّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع، وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل”([1])، ويقول البغوي رحمه الله: “فالصَّائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصَّادق، ويمتدُّ إلى غروب الشمس، فإذا غربت حصل الفطر”([2])، ويقول ابن كثير رحمه الله: “قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطارَ عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا”([3]).      

بل قد نُقل الإجماع على هذا الوقت للصيام، يقول ابن عبد البر رحمه الله: “والنَّهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس على هذا إجماع علماء المسلمين”([4])، ويقول النووي رحمه الله: “ينقضي الصَّوم ويتمّ بغروب الشمس بإجماع المسلمين”([5])، ويقول ابن رجب رحمه الله: “وهذا الحديث والذي قبله يدلَّان على أنَّ مجرد غيبوبة القرص يدخُل به وقتُ صلاة المغرب، كما يفطر الصائم بذلك، وهذا إجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وغيره. قال أصحابنا والشافعية وغيرهم: ولا عبرة ببقاءِ الحُمرة الشَّديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار”([6]).

وعلى هذا مضت سنة المسلمين بالمجمَل، إلا ما كان من الشِّيعة فإنَّهم رأوا أنَّ الفطر يكون بعد غروب الشفق الأحمر تمامًا، وقد انضمَّ إليهم في الوقت الحديث فُتاتٌ من منكري السُّنة ممن يرونَ أنَّه يجب علينا أن نأخذ الدينَ من جديدٍ من القرآن وحدَه -وليتهم أخذوا بكلّ القرآن- ففهموا من قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] أنَّه لا يجوز الإفطار بعد غروب الشمس مباشرةً، فخالفوا سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل الفطور كما سيأتي بيانه.

وبغضِّ النَّظر عن صحّة الإجماع من عدمه، وبغضِّ النَّظر عن أقوال علماء السنة فإن الشيعة والمنكرين لا يعترفون بهم؛ فإننا سنبحث في هذا القول وأدلته، وفي قول أهل السنة وأدلته لنرى من الأحقُّ بالدليل والأحظى به، فإننا مطالبون باتباع الدليل أينما كان.

وقد استدلَّ هؤلاء بعدة أدلَّة كلها تدور حول كلمة “الليل”، وأنَّ المراد بها ظلمة الليل التي لا يبقى معها أي نور أو ضوء، ويصدق ذلك عند الشيعة بالخصوص بغياب الشفق الأحمر، يقول بعض المنكرين: “الله يتكلَّم عن الليل، ويقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، {وَآيَةٌ لَكُمُ اللَّيْلُ نَسْلُخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37]، هل عند صلاة الغروب يكون هناك ظلام؟ أبدًا. وعملية السلخ تأخذ وقتًا وعند هبوط الظلام يجيء الليل… فإذا أردتم الحديث اسمعوا قول الله عز وجل وهو القائل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا} [الزمر: 23] ماذا يقول: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]… إذن يجب أن ترى كوكبًا في السماء، فهل أنت ترى كوكبًا في السماء عندما يؤذّن في الغروب، أم أنك متعلق بحبال (هذا ما ألفينا عليه آباءنا)؟”([7]).

ويقول في موضع آخر مستدلًا على أنَّ الإفطار يجب أن يكون بعد الظَّلام التام: “ودليلٌ آخر على ضرورة دخول الليل، وهو قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، فهو دليل آخر غير الظلام الذي ذكرناه كدليلٍ على حلول أول الليل، فدليلنا الثاني يكمن في ضرورة رؤية نجمٍ في كبد السماء”([8]).

أمَّا الإفطار عند أذان المغرب بعد غروب الشَّمس فإنَّه عندهم إفطارٌ بدعي، يقول بعض الشيعة: “بالنِّسبة إلى وقت الإفطار فيتحقَّق مع زوال الحمرة المشرقيَّة، وهي الحمرة التي تكون من جهة المشرق وتتلو الصفرة عند مغيب قرص الشمس، فإذا زالت هذه الحمرة المشرقية -أي: تجاوزت منتصف السماء إلى الغرب- فقد حلَّ وقت صلاة المغرب وحلَّ الإفطار بدخول الليل، وعادة ما يكون ذلك بعد نحو ربع ساعة من الأذان البدعي للمخالفين”([9]).

ويتلخص من هذا أنَّ أدلتهم تتمحور حول كلمة الليل، وأنَّها تعني غياب الشفق الأحمر ورؤية الكواكب، ويستدلون لهذا بعدة أدلة، منها قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، وقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37].

وهذا القول غير صحيح، وهو مخالفٌ للهدي النَّبوي ولعمل المسلمين الذين نقلوا هذا العمل من النبي صلى الله عليه وسلم المبيِّن للقرآن، وحتى إن نحَّيْنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فإن الأدلة التي أوردوها لا تساعدهم على هذا الفهم، وبيان ذلك بالآتي:

أولًا: الليل في اللغة العربية:

كثيرٌ من المعاجم العربية تتحدَّث عن أوصاف الليل وأسماء أجزائه، لا عن ابتدائه؛ لوضوح ذلك المعنى، إلا أنَّ هناك من تحدّث وصرَّح بأن ابتداء الليل من غروب الشمس، يقول ابن منظور: “الليل: عقيب النهار، ومبدؤه من غروب الشمس”([10])، ويقول الفيروز آبادي: “الليل والليلة: من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصَّادق أو الشمس”([11])، وذِكْرُ المعاجم لأجزاء الليل وأسمائه يعني بالضَّرورة أن الليل أجزاء، وأن بدايته تختلف عن منتصفه وشدته، وتختلف عن آخره، أمَّا المنكرون فإنَّهم يتمسّكون بعمومات في بيان ظلمة الليل وليس هو موضع النزاع، فإنَّنا حين نتحدّث عن الليل في وقت الإفطار فإنَّنا نتحدّث عن أول وقته بم يكون، وهو الذي بيَّن العلماء أنه يبدأ من غروب الشمس.

ثانيًا: بيانُ النبي صلى الله عليه وسلم لليل:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بداية الليل بعمله وأقواله، وذلك في عدة أحاديث، كلها تفيدُ ما جاء في القرآن الكريم من أنَّ الإنسان يفطر عند أول الليل، وهو الذي يتحقّق عند غروب الشمس، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»([12])، وهذا الحديث جمَع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين ثلاثة أشياء تحدُث متزامِنة وهي: إقبال الليل، مع إدبار النهار، مع غروب الشمس، فأوَّل الليل إذن وانقضاء النهار إنَّما يكون بغروب الشمس، يقول النووي رحمه الله: “وقوله صلى الله عليه وسلم: «أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس» قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمّن الآخرين ويلازمهما”([13]).

ويقول ابن حجر رحمه الله وهو يبيّن تلازمَ الثلاث، وأن علامة بدء الليل وانتهاء النهار هي غروب الشمس: “قوله: «إذا أقبل الليل من ها هنا» أي: من جِهة المشرق كما في الحديث الذي يليه، والمراد به وجود الظلمة حِسًّا، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور لأنَّها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنَّها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يُظنّ إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطِّي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثم قيّد بقوله: «وغربت الشمسُ» إشارة إلى اشتراط تحقّق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر”([14]).

ويقول بدر الدين العيني مبيّنًا فائدة ذكر الثلاث: “والإقبال والإدبار والغروب متلازمة؛ لأنَّه لا يقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، ولا يدبر النهار إلا إذا غربت الشمس. قلت: أجاب القاضي عياض بأنَّه قد لا يتفق مشاهدة عين الغروب، ويشاهد هجوم الظلمة حتى يتيقَّن الغروب بذلك فيحلّ الإفطار. وقال شيخنا: الظاهر إن أريد أحد هذه الأمور الثلاثة فإنه يعرف انقضاء النهار برؤية بعضها، ويؤيِّده اقتصاره في حديث ابن أبي أوفى على إقبال الليل فقط، وقد يكون الغيم في المشرق دون المغرب أو عكسه، وقد يشاهد مغيب الشمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر”([15]).

وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أنَّ المراد أولُ الليل المتحقِّق بغروب الشمس، وذلك بقوله: «أقبلَ»، فتعبيره بهذه الكلمة يعني أنه لا زال في أوله فهو إقبال.

ثالثًا: أن الليل لا يدخل مرة واحدة، كما أن النهار لا يدخل مرة واحدة، والله سبحانه وتعالى علَّق بدء الصوم بأول النهار وهو الفجر، وعلق الإفطار بالليل فيتحقق عند أول جزء منه.

وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذا المعنى في كتابه، فعبَّر عنه بقوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37]، ومعلومٌ أنَّ الانسِلاخ يكون شيئًا فشيئًا، ومع ذلك فإنَّ أول ما يظهر بعد الانسلاخ يكون متمايزًا باسمه؛ كأن يُسلخ جلد الشاة، فإن أول ظهور للّحم تحت الجلد يسمّى ذلك لحمًا ولو لم تسلخ الشاة كاملة، فحين يُسلخ النهار فيسمّى أوله ليلًا، وفي هذا يقول الطبري رحمه الله: “{اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} يقول: ننزع عنه النهار، ومعنى {مِنْهُ} في هذا الموضع: عنه، كأنه قيل: نسلخ عنه النهار، فنأتي بالظلمة ونذهب بالنهار”([16])، ويقول الرازي موضّحًا ذلك المعنى: “ما معنى سلخ النهار من الليل؟ نقول: معناه تمييزه منه، يقال: انسلخ النهار من الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل”([17]).

فضياء النهار وظلمةُ الليل لا يظهران فجأة، وإنما بصورة تدريجيَّة ومتداخلة، فإذا كان الداخل هو الصباح سمّي أول جزء منه عند تداخله مع الليل صباحًا، وكذلك العكس، وبناءً عليه فإن الإفطارَ عند أول انسلاخ للنهار مع غروب الشمس يصدُق عليه قوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلَ} شرعًا وواقعًا، مثله مثل النهار حين يأتي ويتداخل مع الليل، فإن أولَ جزء منه عند الفجر لا يسمَّى ليلًا رغم وجود الظلمة، ذلك أنه بداية دخول النهار، فكذلك الأمر عند بداية دخول الليل.

رابعا: أنّ أدلتهم التي استدلّوا بها لا تدل على مرادهم:

ذكرت سابقًا أنَّ أدلتهم تتمحور حول معنى الليل، وأوردوا أدلةً على أنَّ المراد هو الليل الخالي من أيّ نور، إلا أنَّ الأدلة التي استدلّوا بها لا تقوى على معارضة أنَّ غروب الشمس هو أول الليل، والمطلوب منَّا الصيام إلى أوله لا إلى شدَّة ظلمته، وهذا واضح في النصوص ولله الحمد.

أمَّا استدلالاتهم فيمكن أن نناقشها بالآتي:

1- أنَّ غياب الشفق الأحمر عند مَن اعتمده مبنيٌّ على غير دليل، فأين الدليل الصريح الذي فيه نصٌّ على وجوب غياب هذه الحمرة؟ وإنما كان اعتمادُهم على مجرد كلمة “الليل”، وهي لا تساعدهم كما مرَّ بنا، فإنَّ الليل يصدُق على أوله وآخره، وعلى الأقلّ فإن أوله محلّ نزاع؛ وعند المثبتين أدلة من السنة القوليّة والفعلية ومن اللّغة على أن ما بعد غروب الشمس من الليل، أما من اشترط غيابَ الشفق الأحمر فإنه بنى ذلك بغير دليل سالم من المعارضة، وفي هذا يقول المرجع الديني الشيعي محمد حسين فضل الله: “المقصود من الليل في الآية التي أمرت بإتمام الصيام إليه هو الغروب، ويتحقّق الغروب بسقوط قرص الشمس خلف الأفق، وإذا تحقق ذلك دخل وقت الصلاة وجاز الإفطار، ولا ضرورة إلى انتظار غياب الحمرة المشرقية؛ لأن ذلك مبني على الاحتياط حين الاشتباه وعدم التأكد من تحقّق الغروب، وهذه هي فتوى السيد الخوئي الذي يرى عدمَ وجود دليل على اشتراط ذهاب الحمرة المشرقيَّة في جواز الصلاة والإفطار، وكذلك رأي فقهاء آخرين، سواء من المعاصرين أو من السَّابقين، وهذا واضحٌ لمن تتبع كلمات الفقهاء، والله الموفّق”([18]). وهذا كما أنه ليس عليه دليلٌ فهو أيضًا ليس بضابط دقيقٍ في نفسه، كما سيأتي بيانه.

2- أمَّا استدلالهم بقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] فخاطئ، ذلك أننا قلنا: إنَّ الليل درجات، والله سبحانه وتعالى نصَّ على أن الحال في قصة إبراهيم أنه جن عليه الليل، وليس أقبل عليه الليل أو دخل في الليل، فلا علاقةَ لهذا بتحديد أوَّل الليل، وإنَّما يخبر الله أنَّ هذه الحادثة إنَّما وقعت بعدما اشتدَّت ظلمة الليل ورأى الكوكبَ، وليس فيه دلالة على أنَّ هذا أول الليل.

3- ما قيل في الثاني يقال في استدلالهم هذا، وهو قولهم: إن الليل هو ما يرى فيه الكوكب، واستدلالهم عليه بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] استدلالٌ غير صحيح، فإنَّ الآيات الكريمات إنما تثبت أنَّ إبراهيم عليه السلام إنما رأى كوكبا حين اشتدَّ ظلام الليل، لكن لا علاقة للآية ببيان أوَّل الليل أو آخره، وحتى إن قيل: إن إبراهيم عليه السلام ترقَّب حلول الليل فلمَّا أظلم رأى الكوكب فقال مقولته مباشرة، يقال: مع القول بصحَّة هذا فإن هذا خارجٌ عن محل النزاع، إذ إن النزاع هو: هل ما بعد غروب الشمس يعدّ من الليل أو لا؟ وهذا المعنى لا تثبته الآية ولا تنفيه.

4- أن بعضهم لم يفرّقوا بين الانسلاخ والظلام التامّ، فاستدل بآية الانسلاخ على أن الليل هو الظلام التامّ، وقد بيّنتُ سابقًا أن الانسلاخ لا يكون مرةً واحدة وإنما بالتدرج، فأول وقت انسلاخ النهار يسمّى ليلًا لأن النهار هنا قد انسلخ وزال من هذه الجزئية.

خامسًا: أن غروب الشمس هو الذي يضبط الوقت:

ولذلك نجد أنَّ من قال بغير ذلك اضطرب واختلف، فمنهم من اعتمد غياب الشفق الأحمر، ومنهم من اشترط ظهورَ النَّجم، ومنهم من اشترط اشتداد ظلمة الليل، وكلها أمور غير ضابطة وغير دقيقة؛ لأنها ممتدَّة، ويختلف الناس في حسابها، ولذلك حين سئل علي الحسيني السيستاني فقيل له: هل من الممكن إعلامنا عن وقت الإفطار بالضبط وبالدقائق فإنه يصعب علينا تحديده؟ كان جوابه: “المناط زوال الحمرة المشرقية التي تحدُث بعد غروب الشمس، حتى إذا علم باستتار القرص على الأحوط، ولا يمكننا تحديده بالدقائق لاختلاف الأزمنة والأمكنة”([19]).

وقد رأى بعض الشيعة أنَّ وقت الإفطار هو الوقت الذي يفطر فيه عامّة المسلمين، وهو بعد غروب الشمس، وجعل غيابَ الشفق الأحمر من بابا الاحتياط -وهو مدفوع باستحباب تعجيل الفطور- يقول الطبرسي: “{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي: من وقت طلوع الفجر الثاني وهو المستطيل المعترض الذي يأخذ الأفق وهو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة، إلى وقت دخول الليل وهو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق وإقبال السواد منه، وإلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة وعدم الجبال والروابي فقد دخل الليل”([20]).

وقد سئل المرجع الديني الشيعي محمد فضل الله فقيل له: هل يجب الانتظار إلى حين غياب الحمرة المشرقية أي: بعد حوالي ربع ساعة من سقوط القرص؟ فأجاب: “ليس ذلك ضرورياً، بل يجوز الإفطار عند تحقّق الغروب بسقوط قرص الشمس تماما خلف الأفق”([21]).

وأخيرًا:

ما جاء في القرآن الكريم هو ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم وحثَّ عليه، ومضى عليه المؤمنون في الجملة، ومن فهم غير ذلك من تأخير الإفطار إلى دخول الظلام التَّام فإنه لا يسلَم له دليل، واللغة تخالِفه، وكذلك آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والوقت الذي يفطِر فيه عامة المسلمين هو الأضبطُ لصيام المسلمين، ولا يمكن أن تكون شعيرة بهذه الأهمّية ثم لا تكون الأدلة عليه ظاهرة كما عند أصحاب القول الآخر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) تفسير الطبري (3/ 532).

([2]) تفسير البغوي (1/ 231).

([3]) تفسير ابن كثير (1/ 517).

([4]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (10/ 62).

([5]) المجموع شرح المهذب (6/ 304).

([6]) فتح الباري لابن رجب (4/ 352).

([7]) أحمد ماهر في حوار له في مجلة الشراع 21 نيسان 2020م، تحت عنوان: “أذان المغرب للصلاة أما الإفطار ففي الليل”.

([8]) أحمد ماهر في موقعه الرسمي تحت عنوان: موعد الإفطار للصائمين.

([9]) فتوى الشيعي ياسر الحبيب في موقعه الرسمي، بعنوان: “متى يتحقق وقت الإفطار. وما هو الخيط الأبيض والخيط الأسود؟”.

([10]) لسان العرب (11/ 607).

([11]) القاموس المحيط (ص: 1055).

([12]) أخرجه البخاري (1954)، ومسلم (1100).

([13]) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 209).

([14]) فتح الباري لابن حجر (4/ 196).

([15]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (11/ 43).

([16]) تفسير الطبري (20/ 516).

([17]) تفسير الرازي (26/ 276).

([18]) الموقع الرسمي لمؤسسة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تحت استفتاءات: الصوم/ زمان الصوم.

([19]) الموقع الرسمي للمرجع الديني الشيعي: علي السيستاني. تحت فتاوى: الصوم – وقت الإفطار.

([20]) تفسير مجمع البيان (2 / 18).

([21]) الموقع الرسمي لمؤسسة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تحت استفتاءات: الصوم/ زمان الصوم.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: خلق اللهُ الإنسان فأحسن خَلقَه، وأودع فيه وسائل المعرفة والتَّمييز بين الخير والشر، وميزه بالعقل عن سائر الأنواع الأخرى من مخلوقات الله على الأرض، ثم كان من كرمه سبحانَه وإحسانِه إلى البشرية أن أرسل إليهم رسلًا من أنفسهم؛ إذ إنَّ الإنسان مع عقله وتمييزه للأمور ووسائله المعرفية الفطرية […]

ليلة القدر ..بين تعظيم الشرع واعتقاد العامة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. عظم الشرع بعض الأوقات لمعنى أو لمصلحة أودعها فيها، وهذا المعنى وهذه المصلحة هما قصد الشارع من التعظيم، فينبغي مراعاة قصد الشارع من جهة الشرع لا من جهة اعتقاد المكلف؛ لأن الشرع جاء لمخالفة الإنسان داعية هواه والتزامه بالشرع، وأحيانا يتوارد […]

مُنكرو السنةِ في مواجهةٍ مع القرآن الكريم..(دعوى الاكتفاء بالقرآن.. عرضٌ ومناقشة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة كان المسلمون على منهجٍ واحدٍ في مَصادر التشريع، آخذين بالكتاب والسنة اللّذين يمثِّلان قطبَ النظامِ المعرفي في الإسلام، وبقيت الأمَّة على ذلك حتى ظَهَرت حُفنَة من الأريكيين([1]) ممَّن قال فيهم النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفِيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به أو […]

معنى كون الحلال بيِّنًا والحرامِ بيِّنًا

لسانُ الشارع لِسانٌ مبينٌ، وقد قصد للبيان والإرشادِ، وصَرفَ العبارةَ في ذلك، ومِنَ المقطوع به أنَّ الحلال الذي يتوقَّف صلاحُ أمر الناس قد بُيِّن أحسنَ بيان، كما أنَّ الحرامَ الذي يتوقَّف عليه الفسادُ قد بُيِّن أحسنَ بيانٍ، وقد أحال النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانِ أصول الأشياء في أكثر مِن مناسبة، قال عليه الصلاة […]

{ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الليل}..دعوى تأخير الإفطار ومناقشتها

كتَب الله الصِّيامَ على المسلمين، وبيَّن ذلك بجلاء في كتابه، وجعله من أركان الإسلام، وهو عبادة عُظمى واضحة الحدِّ والمعالم والأحكام، بيَّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات متتاليات، فكان الصيام بتلك الآيات واضحًا جليًّا عند المسلمين، عرفوا ماهيَّته، وحدودَه، ومفطراتِه، ومتى يصومون ومتى يفطرون، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعملُه […]

استدعاء التصوُّف.. الأسباب والمخاطر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يطلُّ اليومَ التصوفُ برأسه من جديدٍ، بعد أن فترت سوقُه لعقود طويلةٍ، وصارت مقالاته لا تجدُ لها رواجًا، بل كثير من منتسبيه العقلاء يستحيون مما يُحكى في كتبهم من خرافات وشَعوَذات كانوا يسيطرون بها على عقول العامَّة والخاصة قديمًا، ويُرهبون الناسَ مِن مخالفتهم بهذه الحكايات السَّمجة، حتى صار […]

السلفيون وشِرك القصور

لا يخفى على مسلم يتلو القرآن من حين إلى حين أن توحيد الله عز وجل أعظم ما أمر به في كتابه الكريم ، وأن الشرك به سبحانه أعظم ما نهى عنه فيه . واستغرق ذلك من الذكر الحكيم الكثير  الكثير من آياته بالأمر والنهي المباشرين كقوله تعالى : ﴿فَأَرسَلنا فيهِم رَسولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ […]

تعارض الأحاديث في تعيين ليلة القدر

أخبارُ الشرع محمولةٌ على الصدق، وأوامره محمولة على التَّعظيم، ولا يمكن لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقدَ في الشرع غيرَ اللائق به، ومع ذلك فإنَّ التعارض واردٌ لكنه لا يكون في القطعيّات ولا في الأخبار؛ لأنها إما صِدق أو كذِب، والأخير منفيٌّ عن الشرع جملةً وتفصيلًا، لكن إذا وردَ ما ظاهره التعارضُ بين الأخبار […]

تعظيمُ الإسلامِ لجميع الأنبياء عليهم السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: للوهلة الأولى ولمن ليس لديه سابقُ علم بالأديان السماوية يظنّ أن الأنبياء عليهم السلام لا علاقةَ تربط بعضَهم ببعض، فلا غايةَ ولا منهج، بل قد يظنُّ الظانُّ أنهم مرسَلون من أرباب متفرِّقين وليس ربًّا واحدًا لا شريكَ له؛ وذلك لما يراه من تناحر وتباغُض وعِداء بين أتباع هذه […]

رمضان …موسمٌ للتزوُّد بالقوَّة والنشاط

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: نبراسُ المسلم في حياته الدنيا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فهو يخطو الخطوةَ التي أمره الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بها، ويتوقَّف عن أيِّ خطوة نهى الله ورسوله صلى […]

حديث: «كِلْتا يديه يمين» والردّ على منكري صفة اليد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من محاسن اعتقاد السلف بناؤه على نصوص الوحي كتابًا وسنة، بعيدًا عن التكلُّف والتعقيد الكلاميّ، غير معارض للفطر السليمة والعقول المستقيمة؛ لذا كان منهج السلف محكمًا في صفات الباري سبحانه؛ وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها، مع نفي مشابهتها أو مماثلتها لصفات المخلوقين، مع قطع طمع العقول في إدراك كيفيتها؛ […]

حكمة الصيام بين الشرع وشغب الماديين

في عالم المادَّة لا صوتَ يعلُو فوق المحسوس، ولا حِكمة تُقبل إلا بقدر ما توفِّر من اللذَّة الجسمانية، وحاجةُ الروح موضوعَةٌ على مقاعِد الاحتياط، لا يتحدَّث عنها -بزعمهم- إلا الفارغون والكُسالى وأصحابُ الأمراض النفسية، لكن هذه النظرةَ وإن سادت فإنها لم تشيِّد بنيانا معرفيًّا يراعِي البدنَ، ويوفِّر حاجةَ الروح، وإنما أنتجَت فراغًا معرفيًّا وضعفًا في […]

عرض ونقد لكتاب:(تكفير الوهابيَّة لعموم الأمَّة المحمديَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: كل من قدَّم علمه وأناخ رحله أمام النَّاس يجب أن يتلقَّى نقدًا، ويسمع رأيًا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعملية النَّقدية لا شكَّ أنها تقوِّي جوانب الضعف في الموضوع محلّ النقد، وتبيِّن خلَلَه، فهو ضروريٌّ لتقدّم الفكر في أيّ أمة، كما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017