الخميس - 11 جمادى الأول 1448 هـ - 22 أكتوبر 2026 م

الأقوال الفقهية الشاذة وموقف السلف منها

A A

لم يرِد في كتاب الله لفظُ الشاذّ بأي من اشتقاقاته، ولكنه ورد في السنة كما يأتي بمعنى الانفراد؛ كالانفراد عن جماعة المسلمين، واستعمَل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لفظ الشاذّ واشتقاقاته بمعنى مطابقٍ من استعماله في السنة النبوية، إلا أنه كان بداية لنشأة المصطلح في بعض العلوم الشرعية.

قال نافع (ت: 169هـ): (أدركت عدة من التابعين، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألَّفْتُ هذه القراءة)([1]).

والمعنى أن من انفرد من التابعين عن غيره بقراءة في القرآن ترك قراءتَه، ولم يعتبرها ولم يدخلها في قراءته، وهذا الاستعمال يعدّ بداية لنشأة مصطلح الشاذّ عند علماء القراءات([2]).

وقال إبراهيم بن أبي عبلة (ت: 152هـ): (من حمل شاذَّ العلم حمل شرًّا كثيرًا)([3]).

ويمكن عدّ هذا الاستعمال بداية لنشأة مصطلح الشاذّ عند المحدثين والفقهاء والأصوليين؛ فإن من جمع الأحكام والروايات والأحاديث التي ينفرد بها من رواها أدّاه ذلك إلى شرّ كثير.

وقال عبد الرحمن بن مهدي (ت: 198هـ): (لا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم)([4]).

ويعد علم الفقه من أكثر العلوم استعمالًا لهذا المصطلح، وقد استعمله الفقهاء تارة مقابل القول المشهور، وتارة مقابل القول الصحيح، وأيضًا مقابل القول الأصح.

ما القول الشاذ؟

قيل: هو مفارقة الواحد من العلماء سائرَهم.

وقيل: أن يجمِع العلماء على قول ثم يخالف أحدهم هذا الإجماع.

وقيل: مخالفة الحقّ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ.

وقيل: الخارج عن الموافقة بالمخالفة.

ورجح بعض المعاصرين بأنه: قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر([5]).

وعليه فالشاذ يتشابه مع القول الضعيف؛ إذ كل منهما من جنس القول المرجوح الذي لا يجوز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية، وإن كان الضعيف أعم من الشاذ، فكل قول شاذ ضعيف ولا عكس.

وأشد أنواع الشذوذ ما كان عن اتباع الهوى، وقد أدى ذلك إلى اختلاق بعضهم الأحاديث أو الزيادة فيها لتقرير مسائل ومحاجة المخالف فيها([6]).

وقد حذر الشاطبي من هذا الصنيع فقال: (وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصًا على الغلبة والظهور بإقامته العذر في الخلاف، وإنما أدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى، وذلك مخالفة للشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء، فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع)([7]).

وقال ابن القيم: (لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح)، وقال عن هذا: (حرام باتفاق الأمة)([8]).

إلى أن قال: (وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله تعالى بالتشهي والتخير وموافقة الغرضـ، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه، فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، واللَّه المستعان)([9]).

الأقوال الشاذة نوعان:

الشاذ المطلق: وهو الذي ورد فيه الذم، وعنه يقول القرافي: (كل شيء أفتى فيه المجتهد، فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى)([10]).

ومنه قول ابن قدامة بعد أن ذكر قول من يرى أن دية المرأة كدية الرجل، قال: (وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم)([11]).

الشاذ النسبي: وهو مخالفة المعتمد من المذاهب الفقهية؛ ففي كل مذهب رأي معتمد يقابله رأي آخر، يطلق عليه علماء المذهب وصف الشذوذ في اصطلاحهم، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا الوصف لا يعني بالضرورة رد القول تمامًا، بل أجاز العلماء العمل به والفتوى أيضًا عند الحاجة، وأما الشاذ بالمعنى الأول فهو الذي لا يجوز العمل ولا الفتوى به.

قال النووي وهو يتحدث عن حرمة حمل المحْدِث للمصحف.. إلى أن ذكر قولًا أنه يجوز حمله بعلاقته، وقال: (وهو شاذ في المذهب وضعيف)([12]).

وقال السبكي: (إذا كان للحاكم أهلية الترجيح، ورجح قولا منقولا بدليل جيد جاز، ونفذ حكمه وإن كان مرجوحا عند أكثر الأصحاب ما لم يخرج عن مذهبه، وليس له أن يحكم بالشاذ الغريب في مذهبه، وإن ترجح عنده)([13]).

الأخذ بالقول المرجوح عند الضرورة:

وكان الشيخ محمد بن إبراهيم رخّص في الأخذ بالرأي المرجوح عند الضّرورة، وذلك عند تردد المكلّف بين المخالفة أو الأخذ بالرخصة، يقول: (المسألة الخلافيّة إذا وقعت فيها الضرورة جاز للمفتي أن يأخذ بالقول الآخر من أقوال أهل العلم الذي فيه رخصة)([14]).

إلا أنه ينبغي التنبه لعدم التوسع في الأخذ بالرخص بما يوافق الهوى؛ لأن تسويغ ذلك يؤول بالتقادم إلى الأخذ بالضعيف والشاذ والمرجوح مع عدم الضرورة([15]).

وينبه أيضًا إلى أن العلماء قد وجهوا من يتعلّم الفقه إلى أهمية معرفة مواضع الإجماع حتى لا يقع في الأقوال الشاذة، قال ابن عبد البر في جملة العلوم التي ينبغي معرفتها في الفقه: (ومعرفة الفريضة من النافلة، ومخارج الحقوق والتداعي، ومعرفة الإجماع من الشذوذ. قالوا: ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك، وبالله التوفيق)([16]).

كثرة الشاذ في هذا العصر:

وقد كثرت الأقوال الشاذة في الإفتاء في هذا العصر، وليس مرجع ذلك إلى الاضطراب في الشريعة نفسها، فإنها مصونة عن الخلل والاضطراب، وإنما يعود ذلك الاضطراب إلى ادّعاء بعض من يتصدّر للإفتاء، مع فقدانه أدواته من معرفة الكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها، وأساليب الكلام العربي، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وعلوم القرآن والحديث، ومعرفة مراتب الأدلة وقوتها وأحوال التعارض وطرق الترجيح، والمعرفة بواقع الناس وعاداتهم وأعرافهم، والورع عن الخوض في الفتوى بغير علم؛ هذا كله أدى إلى كثرة هذه الأقوال، مع سرعة انتشارها عبر وسائل التواصل التي تنقل هذه الفتاوى أمام الملأ.

استعمال الأقوال الشاذة في الأمور العامة:

هذه من البلايا التي يراد جر الأمة إليها جرًّا، فإذا كان تتبع الشواذ بالشأن الذي رأيت لمن استهواها في خاصة نفسه، فكيف بمن يسعى إلى توسيع دائرتها وحمل الناس عليها؟!

وقد جرى شيء من ذلك عبر التأريخ؛ كحمل بعض خلفاء بني العباس الناس على القول بخلق القرآن، هذا في الأصول، وفي الفروع كان من ذلك ما كان، ومن يسعى في ذلك فإنما يسعى في عماية، والله المستعان([17]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: سير أعلام النبلاء (7/ 337).

([2]) انظر: الآراء الشاذة في أصول الفقه (1/ 35).

([3]) ينظر: سير أعلام النبلاء (6/ 324).

([4]) ينظر: التمهيد، لابن عبد البر (1/ 64).

([5]) انظر: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ (ص: 95)، الآراء الشاذة في أصول الفقه (1/ 89).

([6]) انظر نماذج من ذلك في: السنة ومكانتها في التشريع (ص: 87)، أصول الحديث (ص: 424).

([7]) الموافقات (٥/ ٢٢١).

([8]) إعلام الموقعين (6/ 124).

([9]) إعلام الموقعين (6/ 125).

([10]) الفروق (2/ 109).

([11]) المغني (8/ 314).

([12]) المجموع (2/ 84).

([13]) انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي (1/ 104).

([14]) الأقوال الشاذة وخطرها على الفتوى، محاضرة المباركي.

([15]) انظر: الموافقات (5/ 99).

([16]) جامع بيان العلم وفضله (ص: 299).

([17]) انظر: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ (ص: 124).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  أولا – ملخص : في هذا المقال تطرقت إلى الكتابة حول معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة ، وهما من مصادر الاستدلال والتلقي والحكم عندهم ، مبينا أنهم مع استدلالهم بالقرآن الكريم والحديث النبوي استدلوا بالرؤى والمنامات والإلهامات في أقوالهم وأذكارهم وأورادهم وأحوالهم . وتتمثل إشكالية البحث في الأسئلة الآتية […]

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

تعريف النوحية: النوحية أو “النصرانية الإسرائيلية“: نسبة إلى نوح عليه الصلاة والسلام، ومعناها عند من يدعو إليها: “التزام الوصايا السبع” التي أوصى بها نوح البشريةَ، بعد أن تعاهد هو وأبناؤهم مع الله للقيام بها، ويُرمز لها بألوان قوس قزح[1]، وأصلها ما وضعه حاخامات اليهود في “التلمود“، وهي تحريم الوثنية وعبادة الأصنام، ووجوب تنزيه اسم الله […]

ما قولك في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم

لا نقر للميتين أياً كانوا بأي نصيب من الدعاء ، إذ ليسو شفعاء وليسو وسطاء ؛وحتى لو علمنا وجاهتهم عند ربهم ،فليس لوجاهتهم في حياتنا ما يجعلنا نُسَيِّرُ شيئا من دعائنا إليهم ، إذ هم اليوم في حاجة ماسة إلى أن ندعوَ لهم ونرجوا لهم الخير من باريهم ؛ فالله وحده هو الذي ندعوه ونسأله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017