الاثنين - 05 ذو الحجة 1443 هـ - 04 يوليو 2022 م

الأقوال الفقهية الشاذة وموقف السلف منها

A A

لم يرِد في كتاب الله لفظُ الشاذّ بأي من اشتقاقاته، ولكنه ورد في السنة كما يأتي بمعنى الانفراد؛ كالانفراد عن جماعة المسلمين، واستعمَل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لفظ الشاذّ واشتقاقاته بمعنى مطابقٍ من استعماله في السنة النبوية، إلا أنه كان بداية لنشأة المصطلح في بعض العلوم الشرعية.

قال نافع (ت: 169هـ): (أدركت عدة من التابعين، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألَّفْتُ هذه القراءة)([1]).

والمعنى أن من انفرد من التابعين عن غيره بقراءة في القرآن ترك قراءتَه، ولم يعتبرها ولم يدخلها في قراءته، وهذا الاستعمال يعدّ بداية لنشأة مصطلح الشاذّ عند علماء القراءات([2]).

وقال إبراهيم بن أبي عبلة (ت: 152هـ): (من حمل شاذَّ العلم حمل شرًّا كثيرًا)([3]).

ويمكن عدّ هذا الاستعمال بداية لنشأة مصطلح الشاذّ عند المحدثين والفقهاء والأصوليين؛ فإن من جمع الأحكام والروايات والأحاديث التي ينفرد بها من رواها أدّاه ذلك إلى شرّ كثير.

وقال عبد الرحمن بن مهدي (ت: 198هـ): (لا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم)([4]).

ويعد علم الفقه من أكثر العلوم استعمالًا لهذا المصطلح، وقد استعمله الفقهاء تارة مقابل القول المشهور، وتارة مقابل القول الصحيح، وأيضًا مقابل القول الأصح.

ما القول الشاذ؟

قيل: هو مفارقة الواحد من العلماء سائرَهم.

وقيل: أن يجمِع العلماء على قول ثم يخالف أحدهم هذا الإجماع.

وقيل: مخالفة الحقّ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ.

وقيل: الخارج عن الموافقة بالمخالفة.

ورجح بعض المعاصرين بأنه: قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر([5]).

وعليه فالشاذ يتشابه مع القول الضعيف؛ إذ كل منهما من جنس القول المرجوح الذي لا يجوز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية، وإن كان الضعيف أعم من الشاذ، فكل قول شاذ ضعيف ولا عكس.

وأشد أنواع الشذوذ ما كان عن اتباع الهوى، وقد أدى ذلك إلى اختلاق بعضهم الأحاديث أو الزيادة فيها لتقرير مسائل ومحاجة المخالف فيها([6]).

وقد حذر الشاطبي من هذا الصنيع فقال: (وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصًا على الغلبة والظهور بإقامته العذر في الخلاف، وإنما أدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى، وذلك مخالفة للشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء، فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع)([7]).

وقال ابن القيم: (لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح)، وقال عن هذا: (حرام باتفاق الأمة)([8]).

إلى أن قال: (وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله تعالى بالتشهي والتخير وموافقة الغرضـ، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه، فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، واللَّه المستعان)([9]).

الأقوال الشاذة نوعان:

الشاذ المطلق: وهو الذي ورد فيه الذم، وعنه يقول القرافي: (كل شيء أفتى فيه المجتهد، فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى)([10]).

ومنه قول ابن قدامة بعد أن ذكر قول من يرى أن دية المرأة كدية الرجل، قال: (وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم)([11]).

الشاذ النسبي: وهو مخالفة المعتمد من المذاهب الفقهية؛ ففي كل مذهب رأي معتمد يقابله رأي آخر، يطلق عليه علماء المذهب وصف الشذوذ في اصطلاحهم، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا الوصف لا يعني بالضرورة رد القول تمامًا، بل أجاز العلماء العمل به والفتوى أيضًا عند الحاجة، وأما الشاذ بالمعنى الأول فهو الذي لا يجوز العمل ولا الفتوى به.

قال النووي وهو يتحدث عن حرمة حمل المحْدِث للمصحف.. إلى أن ذكر قولًا أنه يجوز حمله بعلاقته، وقال: (وهو شاذ في المذهب وضعيف)([12]).

وقال السبكي: (إذا كان للحاكم أهلية الترجيح، ورجح قولا منقولا بدليل جيد جاز، ونفذ حكمه وإن كان مرجوحا عند أكثر الأصحاب ما لم يخرج عن مذهبه، وليس له أن يحكم بالشاذ الغريب في مذهبه، وإن ترجح عنده)([13]).

الأخذ بالقول المرجوح عند الضرورة:

وكان الشيخ محمد بن إبراهيم رخّص في الأخذ بالرأي المرجوح عند الضّرورة، وذلك عند تردد المكلّف بين المخالفة أو الأخذ بالرخصة، يقول: (المسألة الخلافيّة إذا وقعت فيها الضرورة جاز للمفتي أن يأخذ بالقول الآخر من أقوال أهل العلم الذي فيه رخصة)([14]).

إلا أنه ينبغي التنبه لعدم التوسع في الأخذ بالرخص بما يوافق الهوى؛ لأن تسويغ ذلك يؤول بالتقادم إلى الأخذ بالضعيف والشاذ والمرجوح مع عدم الضرورة([15]).

وينبه أيضًا إلى أن العلماء قد وجهوا من يتعلّم الفقه إلى أهمية معرفة مواضع الإجماع حتى لا يقع في الأقوال الشاذة، قال ابن عبد البر في جملة العلوم التي ينبغي معرفتها في الفقه: (ومعرفة الفريضة من النافلة، ومخارج الحقوق والتداعي، ومعرفة الإجماع من الشذوذ. قالوا: ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك، وبالله التوفيق)([16]).

كثرة الشاذ في هذا العصر:

وقد كثرت الأقوال الشاذة في الإفتاء في هذا العصر، وليس مرجع ذلك إلى الاضطراب في الشريعة نفسها، فإنها مصونة عن الخلل والاضطراب، وإنما يعود ذلك الاضطراب إلى ادّعاء بعض من يتصدّر للإفتاء، مع فقدانه أدواته من معرفة الكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها، وأساليب الكلام العربي، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وعلوم القرآن والحديث، ومعرفة مراتب الأدلة وقوتها وأحوال التعارض وطرق الترجيح، والمعرفة بواقع الناس وعاداتهم وأعرافهم، والورع عن الخوض في الفتوى بغير علم؛ هذا كله أدى إلى كثرة هذه الأقوال، مع سرعة انتشارها عبر وسائل التواصل التي تنقل هذه الفتاوى أمام الملأ.

استعمال الأقوال الشاذة في الأمور العامة:

هذه من البلايا التي يراد جر الأمة إليها جرًّا، فإذا كان تتبع الشواذ بالشأن الذي رأيت لمن استهواها في خاصة نفسه، فكيف بمن يسعى إلى توسيع دائرتها وحمل الناس عليها؟!

وقد جرى شيء من ذلك عبر التأريخ؛ كحمل بعض خلفاء بني العباس الناس على القول بخلق القرآن، هذا في الأصول، وفي الفروع كان من ذلك ما كان، ومن يسعى في ذلك فإنما يسعى في عماية، والله المستعان([17]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: سير أعلام النبلاء (7/ 337).

([2]) انظر: الآراء الشاذة في أصول الفقه (1/ 35).

([3]) ينظر: سير أعلام النبلاء (6/ 324).

([4]) ينظر: التمهيد، لابن عبد البر (1/ 64).

([5]) انظر: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ (ص: 95)، الآراء الشاذة في أصول الفقه (1/ 89).

([6]) انظر نماذج من ذلك في: السنة ومكانتها في التشريع (ص: 87)، أصول الحديث (ص: 424).

([7]) الموافقات (٥/ ٢٢١).

([8]) إعلام الموقعين (6/ 124).

([9]) إعلام الموقعين (6/ 125).

([10]) الفروق (2/ 109).

([11]) المغني (8/ 314).

([12]) المجموع (2/ 84).

([13]) انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي (1/ 104).

([14]) الأقوال الشاذة وخطرها على الفتوى، محاضرة المباركي.

([15]) انظر: الموافقات (5/ 99).

([16]) جامع بيان العلم وفضله (ص: 299).

([17]) انظر: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ (ص: 124).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

ترجمة الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحمه الله (١٣٤٥ هـ – 1443هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة هذه ترجمة موجزة لعميد الرحالة، الذي فاق ابن بطوطة في رحلاته، بل وفي نتاجه العلمي، فهو الأديب والعالم الموسوعي المعجمي، كان لمؤلفاته انتشار واسع، يتنقل في موضوعاتها بين البلدان والأسر والأنساب واللغة والأدب؛ حدائق ذات بهجة، وثمار غرس قرابة قرن من الزمان، جاب البلدان، ورأى حضارات الأمم من ثقافات […]

السلف وعشر ذي الحجة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أجلّ نعم الله تعالى على المسلم.. أن شرع له دينًا متنوع العبادات؛ فهو يتنقل بين العبادات البدنية كالصلاة، والعبادات المالية كالصدقة والزكاة، والعبادات الروحية كالخشوع والتوكل والخشية والإنابة، ثم شرع له مواسم للطاعات، وخصص له أوقاتًا للقربات، يزداد فيها المؤمن إيمانًا، ويتزود فيها من العبادات، ويجتنب فيها […]

هل الحج موروث وثنيّ؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لقد زجَّ تجزِيءُ القضايا بعضَ الناس إلى دعاوى عريضة وشبهات باطلة؛ تأباها عقول الصغار قبل الكبار، فثمة من ينظر إلى شعائر جزئية من فريضة الحج العظيمة فيحكم عليها بأنها فريضة وثنية. وعلى الرغم من أن تلك الشعائر لا تمتّ للوثنية بصلة بل هي على النقيض من ذلك […]

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017