الثلاثاء - 01 شعبان 1447 هـ - 20 يناير 2026 م

نصوصُ نصرة المظلوم في ضوء القدرة والاستطاعة

A A

نصرةُ المظلوم مما اتَّفقت العقولُ على حُسنه والشرائعُ على وجوبه والحكماء على تقريره، فلا تستقيمُ دنيا بني آدم إلا بالعَدل، ولا تستقرّ حياتهم إلا بالأمن، ومتى ما خاف الضعيف فإن الظلمَ قد عمَّ والبلاءَ قد طمَّ، والناس صاروا في أمر مريجٍ؛ ولهذا لم يأل بنو آدم جهدًا في محاولة إيجاد قواعد في الحياة تضمَن العدل وتزيل الظلم؛ لكن الأهواء غالبة، والشهوات طاغية، والإنسان بطبعه ظلوم جهول، فلا يرفع الظلم عن ضعيف إلا أوقعه على آخر، وآحيانا لا يرفعه إلا بظلم، فلم يكن بدّ من شرائع الرسُل؛ لأن العقول لا تستقلّ بمعنى العدل في كلّ جزئية، لاختلاف المعتقدات وكثرة الواردات، فكان لزامًا على الناس أن يلتزموا بالشرع لتستقيمَ حياتهم، وتكون لهم فيه غُنية عن غيره، فجاء الشرع الإسلاميُّ بكلِّيَّة عامّة ألا وهي نصرة المظلوم، وجعلها ميثاقًا سماويًّا على العباد، لا يتخلَّف في شريعة من الشرائع المنزَّلة، وقد قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الأنفال: 72]، وقال سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].

ولو وقفنا مع الآيتين وفقههما لكان ذلك كافيًا في استيفاء موضوع النّصرة، زيادة لما يعرض للآيتين من سوء الفهم من حصر معنى النصرة في القتال، وجعل كل ما دونه خذلانا وتخليا عن أهل القبلة، وإذا أردنا فقه المسألة حسن بنا تصوّر أوجه وقوع الظلم على المستضعف وأنواع المستضعفين.

فالمستضعف نوعان: المستضعف الكافر، والمستضعف المسلم. والظالم ثلاثة أنواع: الظالم الكافر، والظالم القاضي الحاكم، والظالم المسلم العادي.

أما النوع الأول: المستضعف الكافر:

فإن نصرته تكون بإدخاله في شريعة الإسلام ودعوته إليها وإخراجه من ديار الكفر، أو نصرته باللسان والجنان إن استطاع المسلمون ذلك، ومن سنن الله الكونية أن ينصر المستضعفين من أهل الملل الباطلة باعتناق ملة الحق، كما قال عن بني إسرائيل: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} [القصص: 5].

فإن وقع هذا فحسن، وإن لم يقع فلا بأس من التحالف معهم من أجل نصرتهم، ولو بقوا على دينهم ما داموا لا يحاربون الإسلام، ويشهد لهذا المعنى دخول خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قول الله: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين} [التوبة: 4]. عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة: 7] قال: هو يوم الحديبية، قال: فلم يستقيموا، فنقضوا عهدهم؛ أعانوا بني بكر حلفاء قريش على ‌خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم([1]).

وإن تحاكموا إلى حاكم مسلم في حق لهم أو عليهم لزم الانتصاف لهم؛ “لأنَّ إنْصافَ المُسْلِمِ والإنْصاف منه واجِبٌ”([2]).

النوع الثاني: المستضعف المسلم:

وتكون نصرته بكل ما يستطيع المسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»([3]).

وفي هذه الحالة فإنه يُنصر حتى يأخذ حقَّه دينيّا كان أو دنيويّا، وهذه النصرة كالتي قبلها واجبة وجوبا كفائيّا، يقوم بها أئمة المسلمين وعامتهم، فإن قامت بهم الكفاية فبها ونعمت، وإن لم تقم انتقل الوجوب إلى غيرهم حتى يعم الأمة.

أما الظالم للمستضعف ففيه تفصيل:

إن كان كافرا وجب كسر شوكته وقتاله، حتى ينتصف منه ويردّ عن باطله ويدخل في حكم المسلمين بذمة وعهد.

وإن كان مسلما فإما أن يكون حاكمًا أو غير حاكم؛ فإن كان حاكما فيجب نصحه ورده عما هو عليه، ويقوم بذلك أهل الحل والعقد من المسلمين، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة» ثلاث مرار، قالوا: يا رسول الله لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»([4]). ومحل هذا إذا كان لا ينفرط بها عقد البيعة، ولا توقع في منكر أشدّ من الظلم، قال ابن بطال: “والنصيحة فرض يجزئ فيه من قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، وأما إن خشي الأذى فهو في سعة منها”([5]).

ورفع الظلم عند الحاكم القاضي يكون بالقيام بأمر الله عز وجل؛ من توفير البينات والقيام بالشهادة بالحق، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «‌ما ‌من ‌امرئ ‌مسلم ‌يخذل ‌امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه حرمته، إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته»([6]).

قال القرطبي في حكم الشهادة: “والصحيح أن أداءها فرض وإن لم يُسأَلها إذا خاف على الحقّ ضياعه أو فوتَه، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك، فيجب على من تحمل شيئا من ذلك أداء تلك الشهادة، ولا يقف أداؤها على أن تُسأَل منه فيضيع الحق، وقد قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2]، وقال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «‌انصر ‌أخاك ‌ظالما أو مظلوما». فقد تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده؛ إحياء لحقّه الذي أماته الإنكار”([7]).

أما إذا كان الظالم مسلمًا عاديا فإن نصرة المستضعف تكون بمطالبة الظالم بحقّه والصلح بينهما، فإن رضي فبها ونعمت، وإن لم يرض فعلى الباغي تدور الدوائر، قال الله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وقال عليه الصلاة والسلام: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»([8]).

ومحلّ هذه النصرة في غير الدماء، فإن كان في الدماء فلا نصرة إلا بحكم القضاء، قال مالك وأكثر أصحابه: “وليس قوله صلى الله عليه وسلم: «‌انصر ‌أخاك ‌ظالما أو مظلوما» بمبيح له قتل المتعدي على أخيه الظالم له؛ لأن كلا الرجلين المتقاتلين أخ للذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالنصرة، ونصرة كل واحد منهما لازم له، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم نصرة الظالم كيف، فقال: «تكفّه عن الظلم»، ولم يأمره بقتل الظالم ولا استباحة دمه، وإنما أراد نصره دون إراقة دمه، هذا المفهوم من الحديث”([9]).

بين الإيمان بالواجب والقدرة عليه:

وحيث تكلمنا عن النصرة وعن وجوبها فإن هذا كله لا يلغي شرطي التكليف الشرعي وهما العلم والقدرة والاستطاعة، فمن لم يقدر على ما ذكر فإنه لا يجب عليه؛ لقوله سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7]، وقوله عليه الصلاة والسلام عن عيسى: «فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور»([10]) أي: لا قدرة ولا طاقة.

فالنصرة تكون بحسب القدرة والاستطاعة، فمن لم يستطع رفع الظلم خفَّفه، ومن لم يستطع تخفيفه أنكره بقلبه وكرهه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم»([11]).

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير عبد الرزاق (1055).

([2]) الشرح الكبير المطبوع مع المقنع (10/ 492).

([3]) رواه البخاري (2310).

([4]) رواه مسلم (55).

([5]) شرح صحيح البخاري (1/ 129).

([6]) رواه أبو داود (4884).

([7]) تفسير القرطبي (3/ 399).

([8]) رواه البخاري (2311).

([9]) ينظر: شرح البخاري (8/ 307).

([10]) رواه مسلم (2937).

([11]) رواه مسلم (1854).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا […]

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مقدمة: هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم. ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، […]

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة […]

تَعرِيف بكِتَاب (مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح. اسم المؤلف: أ. د. عبد الله بن عمر الدميجي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالرياض، عام 1436هـ/ 2015م. […]

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم […]

تغاريد سلف