السبت - 07 شوّال 1441 هـ - 30 مايو 2020 م

التشغيب على أحكام الإرث بالدعوة إلى المساواة!

A A

 

كثُر الكلام على أحكام الإرث، وارتفعت بعض الأصوات مطالبة بالمساواة بين الذكر والأنثى، متخذين سياسة التباكي على حقوق المرأة، ومُدَّعين -ظلمًا وزورًا- أن الإسلام قد هضمها حقها حين فرض لها نصف ما فرض للذكر، وهذا الادعاء يكشف عن الجهل التام بأحكام وقواعد الميراث في الإسلام عامة، وميراث المرأة على وجه الخصوص.

ومما لا ريب فيه أن آيات الميراث في القرآن الكريم قد جاء فيها قول الله سبحانه وتعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11]؛ لكن الكثير من الذين يثيرون الشبهات حول أهلية المرأة في الإسلام، متخذين من التمايز في الميراث سبيلًا إلى ذلك= التبست عليهم الأمور، فلا يفقهون أن توريث المرأة على النصف من الرجل ليس موقفًا عامًّا ولا قاعدة مطّردة في توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث، فالقرآن الكريم لم يقل: يوصيكم الله في الوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين.. وإنما قال: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). أي أن هذا التمييز ليس قاعدة مطّردة في كل حالات الميراث، وإنما هو في حالات خاصة، بل ومحدودة من بين حالات الميراث، وما مثل هؤلاء الذين يستدلون بقوله تعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) إلا كمثل من يستدل بقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ)!

وللكشف عن هذه الملابسة تأتي هذه المقالة؛ لتسلط الضوء على القضية من جوانب متعددة وبالأمثلة التطبيقية؛ ليتضح جليًّا أن هناك حالات ترث فيها الأنثى أكثر من الذكر، وحالات ترث فيها الأنثى ولا يرث فيها الذكر، وحالات أخرى ترث فيها الأنثى مثل الذكر، فهل يعرف هذه الحالات من ينعق بالمساواة؟!

ولا بد قبل البدء أن نفرق بين المساواة والعدل، فإن الإسلام دين العدل، ومن العدل الجمع بين المتساوين والتفريق بين المتفرقين، فالإسلام ساوى بين المرأة والرجل في أمور كثيرة بحسب ما يلائم طبيعة كل منهما، ولم يساو بينهما في أمور أخرى، ولو ساوى فيها بينهما لكان ظلما لأحدهما؛ لأن المساواة في غير مكانها ظلم، فكل منهما له طبيعة وبنيان مختلف، وبالتالي له دور أو وظيفة مختلفة، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].

إن التفريق بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام والحقوق والواجبات بحسب ما يلائم طبيعة كل منهما ليس منافيًا للعدل، بل ينافيه أن يُطلب من أي منهما ما هو فوق طاقته أو ما لا يلائم جِبِلَّته.

فالمرأة في الإسلام تماثل الرجل في أمور وتفارقه في أخرى، وأكثر أحكام الشريعة الإسلامية تنطبق على الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وما جاء من التفريق بين الجنسين يَنظر إليه المسلم على أنه من رحمة الله وعلمه بخلقه، وينظر إليه المكابر على أنه ظلم، ويركب رأسه ليزعم المساواة بين الجنسين، فليخبرنا كيف يحمل الرجل جنينًا ويُرضعه؟! ولماذا لم يطالب هؤلاء بالمساواة في إسقاط الصلاة عن الرجل لأيامٍ كما تسقط عن الحائض؟!

وبعيدًا عن صخب هؤلاء، وتوضيحًا لبعض مزايا شريعتنا الغراء نقول:

أولًا: إن الذي تولى قسمة التركات في الإسلام هو رب العزة والجلال، الذي خلق خلقه ويعلم ما يصلح لكلٍّ منهم، مع ما تتميز به هذه القسمة من العدل والرحمة.

ثانيًا: راعى الإسلام في مسائل الميراث الحاجةَ، فأعطى الأكثر احتياجًا نصيبًا أكبر من الأقل احتياجًا، ظهرت لنا الحكمة أو خفِيَت علينا معاشر البشر، فكان حظ الأبناء أكبر من حظ الآباء؛ لأن الأبناء مُقبِلون على الحياة والآباء مُدبِرون عنها؛ وكان للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الابن سيصير زوجًا مُلتزمًا بتكاليف يتحملها، وأعباء مالية يبذلها، فهو أكثر احتياجًا من أخته التي لا تُلزم بمثل ذلك.

ثالثًا: ضَمِن الإسلام حق مشاركة البنات للأبناء في الإرث من والدهن، ولم يحجبهن بالأبناء كما كان الأمر في الجاهلية.

رابعًا: الإسلام كرَّم رابطة الزوجية، ولم يجعل الزوجة متاعًا يورث مع المال كما كان في الجاهلية، بل جعل ما بين الزوجين من مودة ورحمة حال الحياة سببًا للتوارث عند الوفاة.

خامسًا: نصَّ القرآن الكريم والسنة النبوية على حق المرأة في الميراث -كبيرةً كانت أو صغيرة- وهذا التنصيص الواضح يشكل رادعًا للمسلم يمنعه من التهاون في إعطائها ما لها من حق في مال المتوفى.

وللوقوف على حقيقة الأحكام الشرعية المتعلقة بالميراث في ديننا الحنيف سنبين الحالات المتنوعة لنصيب الأنثى، وهي أربع حالات:

الحالة الأولى: تأخذ الأنثى نصف ما للذكر: وقد حصرها القرآن الكريم في أربع حالات فقط وهي:

1- وجود البنت مع الابن.

2- وجود الأخ والأخت الشقيقة.

3- وجود الأخت للأب مع الأخ للأب.

4- وجود الأم والأب عند عدم وجود أولاد وعدم وجود زوجة أو زوج.

الحالة الثانية: تأخذ الأنثى مثل ما للذكر: كالأم مع الأب في حال وجود الابن أو البنتين فأكثر، فللأم السدس، وللأب السدس، والباقي للابن، أو الثلثان للبنتين فأكثر؛ وكالأخ والأخت لأم، فإنهما يرثان بالتساوي.

الحالة الرابعة: تأخذ الأنثى أكثر من الذكر: كالزوج مع ابنتيه، فله الربع، ولهما الثلثان؛ وكالزوج مع ابنته، فله الربع، ولها النصف؛ وكالأخت الشقيقة مع الأخوين للأب، فلها النصف لوحدها، ولهما النصف.

الحالة الرابعة: ترث الأنثى ولا يرث الذكر: كما لو ماتت امرأة وتركت زوجًا وأبًا وأمًّا وبنتًا وبنت ابن، فللزوج الربع وللأب السدس وللأم السدس وللبنت النصف ولبنت الابن السدس، ولو جعلنا ابن الابن مكان بنت الابن فإنه لا يرث شيئًا، وكذا حالة ميراث الجدة أم الأم فكثيرًا ما ترث ولا حظ في الميراث لنظيرها أبِ الأم من الأجداد، وقد ترث الجدة أم الأب ولا يرث معها زوجها الجد أب الأب. أضف إلى ذلك حالة وجود البنت أو بنت الابن ومعها أخت شقيقة أو أكثر ووجود إخوة لأب؛ فللبنت النصف والباقي للأخت أو الأخوات ولا شيء للإخوة للأب حيث حجبتهم الأخت الشقيقة لوجودها مع البنت.

وعمومًا فإن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال في مقابل أربع حالات واردة على سبيل الحصر ترث فيها المرأة نصف الرجل، والأكثر من ذلك أن القرآن الكريم لم يجعل مسألة الأنصبة وتقسيم الإرث مجرد عملية تقنية حسابية خاضعة لقواعد قانونية جافة، بل إن أمر الإرث وقضاياه ترتبط بالنظام المالي للأسرة في الإسلام.

بعض الحكم من كون نصيب الذكر أكثر من نصيب الأنثى:

– أن الرجل هو المكلف شرعًا بدفع المهر للمرأة، فإذا ورث أخوان ذكر وأنثى أباهما فإن الذكر يأخذ ضعف نصيب الأنثى، فإذا تزوجا دفع الابن ما ورث لزوجته مهرًا، وأخذت البنت من زوجها مهرًا مع الاحتفاظ بنصيبها من تركة أبيها.

– أن الرجل هو المكلف بسكن المرأة وبالنفقة عليها وعلى عيالها ولو كانت من أغنى الناس، ولو وُجِدت امرأة تنفق على أسرتها أو على زوجها فهو من باب الإحسان منها لا من باب الإلزام لها.

– أن الرجل مكلف كذلك بالأقرباء ممن تجب عليه نفقته، كالوالدين وغيرهم، حيث يقوم بالأعباء العائلية والالتزامات الاجتماعية.

– أن على الرجل من التكاليف المالية تجاه المجتمع والمصالح العامة ما ليس على المرأة، كالتعليم والتطبيب…

والخلاصة أن المرأة غُمِرَت برحمة الإسلام وفضله فوق ما كانت تتصور، وحُفظ حقُّها على أساسٍ من العدل والإنصاف والموازنة، وعلى الرغم من أن الإسلام أعطى الذكر ضعف الأنثى فهي مُرفَّهة ومُنعَّمة أكثر من الرجال؛ لأنها تشاركه في الإرث دون أن تتحمل أية تبعات، فهي تأخذ ولا تعطي، وتغنم ولا تغرم، وتدخر المال دون أن تدفع شيئًا من النفقات، أو تشارك الرجل في تكاليف العيش ومتطلبات الحياة، ولربما تقوم بتنمية مالها في حين أن ما ينفقه أخوها وفاء بالالتزامات الشرعية والاجتماعية قد يستغرق الجزء الأكبر من نصيبه في الميراث.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

مقدمة في الدفاع عن الدولة السعودية الأولى ودعوتها الإصلاحية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. التحالف الأول بين إمام الدعوة ولوائها فإن المملكة العربية السعودية المعاصرة هي الامتداد التاريخي والفكري والعقدي التي أسسها الإمام محمد بن سعود حاملًا لواء الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله. وقد […]

محاضرة بعنوان “بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين، ونجدِّد الشكر ثالثًا ورابعًا وخامسًا للإخوة الداعين وللإخوة الحاضرين، ونسأل الله -عز وجل- القبول منَّا ومنكم أجمعين. موضوعنا اليوم هو مقومات بناء الشخصية السلفية […]

إرادة الله عز وجل (عقيدةُ المسلم فيها، وأهميتها في زمن الأوبئة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ القدَرَ سِرُّ الله في خَلقه، ولا ينتَهي إلى عِلمه ذو نفس، والناس تحت القدر سائرون، لا يخرجون عن المكتوب، ولا يفعلون غير المراد لله سبحانه؛ لأنهم في ملكه وتحت قدرته، واعتقاد المسلم في القدر اعتقادًا صحيحًا يجعله ذا نفس مطمئنَّة؛ لأنه يرضى بقضاء الله وقدره، وهو على […]

بعض الأحكام المتعلقة بالتراويح في زمن الأوبئة

الحكمة في تشريعات الإسلام: للضرورات أحكامُها، وتصرفاتُ المكلف فيها تختلف عن تصرفاته في غيرها، والحكم فيها ينبغي أن يجريَ على المعهود الوسَط الذي يراعي كلَّ مكلَّف بحسب حاله، فالناس فيهم المرضى، وفيهم من يضربون في الأرض يبتَغون من فضل، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، واهتماماتُ الناس ليسَت واحدةً، ومن ثَمَّ جاءتِ التشريعات مراعيةً لتنوُّع مساعي […]

معالمُ المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلَّاد الإلحاد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلاءُ الحداثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب تعريف التَّصّوف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تصفيد الشياطين وواقع الأمة تحرير معنى حديث: «وصفدت الشياطين»

ظهرت المدرسة العقليَّة محاولةً التشكيكَ في كثيرٍ من الثَّوابت الدينية المتعلِّقة بالاستسلام للوحي والتمسُّك به، فغدت هذه المدرسة تلقِي الشبهات مرةً بعد المرة، وكلُّها تهوِّن من شأن التمسُّك بنصوص الكتاب والسنة، وتدعو إلى إخضاعها للعقل، وجعلها تحت وصايته، وبهذه الطَّريقة ردُّوا كثيرًا من الأحاديث النبوية الصحيحة بحجة معارضتها للعقل، أو تأوَّلوها تأويلات بعيدة باطلة، ولا […]

كيفَ تُظْهِر النوازلُ مَتانةَ وسماحةَ الإسلامِ وشَرائعِه؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: فشا الطاعونُ في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتحديدًا في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، فقد دهم الطاعون مدينة عمواس، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قدم إلى الشام وبها الطاعون، ولم يدخُلها، وإنما التقى به الصحابة أمراء الأجناد([1]) في […]

هل من العدل إيجابُ الصِّيام على كلِّ النَّاس مع تفاوت ساعات صيامهم؟

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذَكَر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيءٍ حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود وغير ذلك، وبالجملة فقد جاءهم بخير الدُّنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةٌ أكمل […]

العقيدة الصحيحة في زمن الأوبئة

عقلُ الإنسان وفطرتُه يفرضان عليه المواقفَ منَ الأشياء، وهذه المواقفُ تسبقُها تصوُّراتٌ تشكِّل فيما بعد معتقداتٍ تدفع الإنسانَ نحو الحقيقة، أو يتعثَّر بسببها دونَ السعادة، وهذا التعثُّر عادةً ما يكون نتيجةَ المعتقد الخاطِئ في الأشياء. ومن أخطر الأشياء التي تزلُّ فيها قدم صاحِب العقيدة الأوبئةُ والكوارِث؛ لأنَّ الإنسان يتنازعه فيها عاملان من عوامل الخطأ هما: […]

رَمَضانُنا… وَ وباء كورونا؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقَدّمَـة: بينما الصحابة يصلون الفجر فوجئوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستار حجرته، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك([1]). وما هي إلا لحظات حتى ذُهلت المدينة بأكملها وكأن صاعقة نزلت بهم حين سمعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فصار منهم […]

الصيام ونهضة الأمة

جاءَ الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم الذي احتوى على كل مقوِّمات النهضة لأمَّة الصحراء ومن جاء بعدها، وفي غضون سنوات قليلة أُقيمت حضارة عظيمة على مبادئ راسخة، تسندها التشريعات الإسلامية المتعلقة بالدين والدنيا، وبتجاوز كل تلك الدعوات التي تدعو إلى حبس الإسلام في محرابه! يمكن القول بأن المسلم الفعَّال هو الذي […]

مقاصدُ الصِّيام الشرعية -حتى يكون صومنا وفق مراد الله-

المقدمة: يقول ابن تيمية رحمه الله: “خاصة الفقه في الدين… معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها”([1])، وعبادة الصَّوم عند المسلمين ليست قاصرة على مجرد الامتناع عن المفطِّرات الحسية، بل هي عبادة عظيمة في مضامينها، فهي استنهاض بالأمَّة كلها على الصعيد الروحي والعقلي والصحي والاجتماعي، ومن هنا كانَ أمر الصيام في الدين الإسلامي عظيمًا، فهو أحد أركان […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017