الاثنين - 04 شوّال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 م

السلفية والآبائية

A A

 

د. محمد بن إبراهيم السعيدي

 

أَعْلمُ جيدًا أنني في هذا العنوان استخدمت النسبة إلى الجمع؛ وهي طريقة غير مستحسنة عند أهل النحو، حيث لا يُصوِّبُون النسبة إلى الجمع إلا سماعًا؛ ولكنني أخذت هذه الصيغة من مقال كتبه أحد الأساتذة المغاربة واسمه الدكتور محمد آزرقان بعنوان: مشكلة الفكر السلفي؛ والتقييم العام للمقال أنه من جنس مئات المقالات التي تصدر عن السلفية بمختلِف لغات العالم تحتوي على العديد من الانطباعات التي استقرت في ذهن الكاتب نتيجة قراءات مختزلة غير منهجية؛ أو استسلام عقلي للطرح الإعلامي المعادي للسلفية، والذي يُعْتَبر اليوم سِمة غالبة على الإعلام العالمي والعربي، بل والإسلامي أيضًا.

فمعاداة السلفية غَدَت وَصِيَّة مراكز البحوث العالمية: راند، وكارنيجي، ومركز مراقبة الجهاد، ومعهد الشرق الأوسط للدراسات، وغيرها؛ ومن الطبيعي أن تتأثر وسائل الإعلام جميعًا بمثل هذه التقارير والتوصيات، فَتُنْتِج سيلًا من الكتابات والمرئيات لا لِتُبرِز الحقائق بل لتُكوِّن رأيًا عامًّا عالميًّا معاديًّا للسلفية؛ ومعلوم عند من له اشتغال بتوجيه الرأي العام أن التحقيق العلمي ليس شرطًا في كسب الجماهير، بل تَكرار الفكرة من مصادرَ متعددةٍ يكفل ليس فقط تغيير القناعات، بل يتكفل أيضًا بإحداث شعور عام موافق للطرح الإعلامي، حتى لدى المحايدين الذين لا يملكون عناية بالموضوع أصلًا؛ وبذلك يتشكل سدٌّ يحول دون انتشار الرأي الذي تتعمد وسائل الإعلام محاربته لدى من يُصَنَّفون بالفئة المحايدة أو الأغلبية الصامتة.

والمقالُ موضوعُ حديثنا هو من هذه النوعية من المقالات الانطباعية، والتي لا تعتني بالغوص للبحث عن الحقيقة العلمية، بل تكتفي بالنقد السطحي ولو فيما يناقض الواقع؛ من أجل أن تكون ضمن المواد الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية التي يتم الحشد لها عمدًا لتشويه السلفية.

فالمقال يبدأ باتهام الفكر السلفي بالآبائية؛ ويعني بها اتباع الآباء دون اعتبار للحق، ثم يؤكد زعمه هذا بأن شخصية مثل محمد بن عبدالوهاب وابن تيمية أصبحتا مقدستين، ثم لا يأتي بأي دليل على دعاواه، وينتقل مباشرة لدعوى أخرى؛ وفلسفتُه هي عين فلسفة غالب المتصدرين لنقد السلفية ”اِرْمِ التُّهْمَةَ وامْضِ”.

والحقيقة: أن الآبائية هي المشكلة التي نشأ التوجه السلفي من أجل القضاء عليها؛ وابن تيمية وتلاميذه -رحمهم الله- أُوذُوا وسُجنوا من أجل مناداتهم بالتجديد ونَفْرتهم من التقليد للقادر على الاجتهاد؛ وأصغر متابع للفقه التيمي يجده -رحمه الله تعالى- اعتنى بالدليل ولو خالف المذهب الحنبلي، بل لو خالف المذاهب الأربعة كلها، وفتواه الشهيرة في الطلاق خير مثال على ذلك.

أما اتخاذه مقدسًا فالواقع السلفي يشهد بخلاف ذلك؛ فكليات الشريعة مثلًا في المملكة العربية السعودية لا أعرف واحدة منها تتخذ من كتب ابن تيمية في الفقه منهجًا دراسيًّا؛ وأشهر الكتب المنهجية في كليات الشريعة في السعودية هما كتابا ”شرح منتهى الإرادات” و”الروض المربع“ كلاهما لمنصور بن يونس البُهُوتِي المصري المتوفى سنة ١٠٥١هـ، ويُصَنَّف الكتابان على أنهما يحكيان مذهب المتأخرين من الحنابلة؛ وَيُحدد بعض الباحثين التاريخ الزمني لمذهب المتأخرين بأنه يبدأ من القرن التاسع الهجري، ويخالف متأخروا الحنابلة ابنَ تيمية في مسائلَ كثيرةٍ وغزيرة، ابتداءً من خلافهم معه في تقسيم المياه في أول باب من أبواب الفقه، وانتهاءً بخلافهم معه في عتق الـمُدَبَّر في باب العتق، وهو آخر أبواب الفقه في ترتيب الحنابلة؛ ويكفي أن نعلم أن المسائل التي خالف فيها ابنُ تيمية المشهورَ من مذهب الحنابلة طُبِعَت سنة ١٤٣٠هـ في عشر مجلدات، وأصلها ست رسائل جامعية نُوقِشَت في جامعة الإمام محمد بن سعود.

كما أن كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء تخالف ابنَ تيمية في كثير من مسائل الفقه في أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات والأنكحة.

ولك أيضًا أن تستعرض الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية والتي جمع فيها الشيخ خالد الجريسي فتاوى علماء المملكة؛ لا لتسبر فقط المسائل التي يخالفون فيها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ بل لتسبر أيضًا المسائل التي يختلفون فيها فيما بينهم؛ بل والمسائل التي يُخالفون فيها المعتمد من المذهب الحنبلي.

وكذلك الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- بالرغم من فضله المباشر بعد الله عز وجل على هذه البلاد وأهل العلم فيها؛ إلا أننا لا نجد فتاواه الفقهية مجموعةً في منهج للجامعات أو ما دونها من مراحل التعليم؛ ولا نجد أنها مصدر الفتوى في الهيئات العلمية السعودية.

وقد كان أقطاب السلفية الثلاثة في حياتهم بينهم خلاف في الكثير من المسائل الفقهية؛ وأعني بهم: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ ناصر الدين الألباني؛ رحمهم الله؛ وجمع كثيرًا منها الشيخ سعد البريك في كتاب من مجلدين اسمه: ”الإيجاز فيما اختلف فيه ابن عثيمين والألباني وابن باز” فقاربت الثلاثمائة مسألة؛ كلها يختلف فيها قول هؤلاء العلماء الثلاثة؛ واليوم نجد كثيرًا من المسائل الفقهية تختلف فيها آراء العلماء وهي مشهورة بين الناس.

فالتقديس أو الآبائية: قول انطباعي لا يستند إلى أي دليل واقعي.

ثم يضرب المؤلف أمثلة للنيل من الفكر السلفي بشنشنة معتادة، لا يختلف الكاتب فيها عن روبرت سبنسر ومن كان على شاكلته من الكتاب المخابراتيين الغربيين، الذين يسعون جهدهم لإدانة الفكر السلفي عبر رميه بالتكفير والتقتيل؛ والجواب في هذه المسألة حاضر؛ فكل قادة الفكر التكفيري المعاصر لا تجد منهم سوى من لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة ممن درسوا في المدارس السلفية؛ وأما بقية قادة الفكر التكفيري فهم إما نتاج جماعات إسلامية حركية سياسية، ليس لها علاقة بالفكر السلفي سواء أكان في السعودية أم خارجها؛ وإما نتاج ظلم سياسي واجتماعي عربي وعالمي أدى بهم إلى هذا التوجه؛ وإما نتاج تدبير مخابراتي سوف تنكشف خيوطه عن قريب؛ لكنهم في كل الأحوال ليسوا نتاج المدرسة السلفية.

والحقيقة: أن هذه التهمة أصبحت ممجوجة جدًّا لدينا؛ لكثرة ما سمعناها وكثرة ما تم الرد عليها باقتدار من قِبَلِ العلماء والسياسيين والدعاة؛ ومع ذلك تظل تتكرر بالصيغة المرسلة نفسها؛ لأن مقصِد المتهِمين ليس السؤال عن الحق وإظهاره بل المقصود غمطه وإخفاؤه؛ لأن معظم المناوئين المعاصرين للسلفية -والكاتب واحد منهم- يعلمون جيدًا: أنه لا يوجد مبتلى بالتكفير والعدوان في المغرب العربي أو في أوروبا درس على كتب علماء السلف؛ بل العكس هو الصحيح، فمعظمهم إن لم نقل كلهم متخرجون من مدارس علمانية؛ ومن هنا فإن البحث الجاد عن الحقيقة كان يقتضي البحث عن السبب الحقيقي وراء انحراف هؤلاء، والذي لا إِخالُه إلا السياسات الدولية المعادية للإسلام في أرضه، والصمت الدولي عن الجرائم التي ترتكب ضد المسلمين؛ لكن لا نجد هناك جدية في بحث هذه الأسباب، والجدية الواضحة هي فقط في تحميل السلفية وِزر ما يحصل في العالم، ولو عن طريق تَكرار التهم المرسلة حتى يصدقها الناس.

ومع القول بسعة صدر السلفية بالخلاف الفقهي المبني على الأدلة وطرائق الاستنباط الصحيحة في داخلها؛ إذا لم يكن المراد منه الإخلال بالنظام العام، أو تفريق الصف أو التعالم وازدراء الآخرين؛ مع سعة صدرها بهذا النوع من الخلاف؛ إلا أنها في داخلها أيضًا لا تقبل الخلاف في أصول الدين من توحيدٍ لله تعالى بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وأركان الإيمان؛ لأن كل ذلك ثابت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة؛ فلا تقبل النقص فيها ولا الزيادة عليها، ولا صرفها عن معانيها بتأويلات لا تطيقها لغة العرب التي نزل بها القرآن؛ وليس اتفاق السلفيين في جانب العقيدة ناشئًا عن آبائية وتقليد كما يقول الكاتب؛ بل ناشئًا عن قطعية الأدلة فيها بحيث لا يمكن تفسير الخلاف فيها إلا على كونه انحرافًا عن النص؛ وهذا ما لا يمكن للسلفية المداهنة فيه ووصفه بغير كونه انحرافًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017