الثلاثاء - 15 محرّم 1440 هـ - 25 سبتمبر 2018 م

المداخلة الهولندية على السلفية والآبائية

A A

ليس من عادتي الإغراق في الردود، وغالباً ما أكتفي منها بما يُوضِح وجهة النظر ثم أنصرف إلى ما هو أنفع لي وللقارئ وهو التأصيل العلمي؛ فالسجال الطويل في القضية الواحدة يُفضي إلى الجدل ومراعاةِ حظِّ النفس ويَقِل نفعه وبركته، على عكس التأصيل العلمي، فهو يبني الكاتب والقارئ وتنتفي فيه شهوة العلو والمغالبة.

لكنني رأيت مقاليَ المنشور قبل أسابيع قلائل في صحيفة الوطن السعودية، قد نشرته مشكورة (صحيفة موند24) الصادرة في هولندا، ورأيت بعده مقالاً في الرد عليه لأحد فضلاء الجالية المغربية هناك، وهو الأستاذ محمد الصالحي رئيس اتحاد مساجد أمستردام؛ فبدا لي أن الرد عليه لازم لحاجة المسلمين في أوربا إلى نَفَسٍ غيرِ النَّفَسِ الذي تحدث به الأخ الصالحي في رَدِّه عليَّ.

فالمسلمون هناك في أمس الحاجة إلى إبعادهم عمَّا يجري في مشرق العالم العربي ومغربه من سجالات مذهبية؛ ويجب جمعهم على الكلمة السواء التي بينهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ وأركان الإسلام ومصدرية الكتاب والسنة المطهرة وحب صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين أثنى عليهم القرآن جملة وتفصيلا، ورضي الله عنهم في كتابه ووعدهم الحسنى، والدعاء لهم، عملاً بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10].

فالنظر إلى هذه المشتركات هو ما يُوحِّد صفَّهم لتعزيز مكانتهم في البلاد التي اختاروها منزلاً، ويَقيهم كيد من يريد بهم شراً.

ويعيش في أوربا الملايين من السلفيين الذين ضَجِروا من كثرة اتهامهم من الدوائر الأمنية والإعلامية الأوربية بالتطرف والإرهاب، بالرغم من كل ما يبذلونه في جمعياتهم ومساجدهم من العمل الجاد على محاربة الفكر المتطرف بجهود لم أر مثلها لغيرهم من مسلمي أوربا؛ كإقامة الندوات والمؤتمرات والدورات التدريبية والبرامج الإعلامية؛ ومع ذلك تظل الآلة الإعلامية الأوربية ترميهم بما هم منه برآء؛ ولاشك أن أَلَمَهُم سيكون مضاعفاً حين يأتي اتهام منهجهم من أحد إخوانهم، وهو يترأَّسُ اتحاد مساجدهم في مدينة من أكبر وأهم مدن أوروبا، وأكثرِها نشاطاً للجماعات اليمينية المتطرفة، والتي لا تُفرِّق بين سلفي وغيره في عداوتها؛ فكيف ساغ لأخ لهم أن يخطَّ بِيَراعه الحُجَج ضِدهم عند خصمه وخصمهم!؟

وصدق القائل:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة****** على المرء من وقع الحسام المهندِ

كنتُ أنتظر من أخي الصالحي -أصلحه الله- أن يرفع مقالتي، ويُريها من ولَجَت في قلوبهم شبهاتُ التكفير والإرهاب من الشباب في أوروبا الذين امتلأت بأمثالهم من الأوربيين والمغاربة معسكرات داعش والقاعدة ممن ولدوا في بيئات صوفية أو علمانية، ولم يقرؤوا يوما من الدهر لابن تيمية وابن عبدالوهاب، بل لا يعرف كثير منهم لغتهما؛ ومنهم من هو حديث عهدٍ بإسلام؛ ويقولَ لهم : هذه هي السلفية، وهذا ما يقوله علماء السلفية في مَنْبَتِها؛ براءةٌ من التكفير والتطرف والحقد والبغضاء؛ ويُحَاجُّهم بها؛ لعل ذلك يكون سبباً لعودتهم وتبصرهم.

وسوف يجد له من فتاوى هيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية السعودية ما يدعم حُجَّته؛ وكذلك يلقى في نتائج المؤتمرات التي تعقدها رابطة العالم الإسلامي ووزارة الشؤون الإسلامية، ومن عشرات الكتب التي ألَّفها السلفيون في السعودية ومصر والمغرب ما يدحض القول بأن الإرهاب من نِتاج الفكر السلفي.

لكن ما ذا فعل الأخ الصالحي؟

الحقيقة أنني استفدت من مقال الأخ الصالحي فائدة جليلة؛ وهي: صحة نظريتي في أن مئات المقالات التي تكتب عن السلفية تنطلق من تأثر بإعلام مغرض، أو انطباعات محضة، أو قراءة غير منهجية.

فلم يفعل الأخ الصالحي للأسف سوى أن اجْتَرَّ شبهات مكررة، ولم يُكَلِّف نفسه حتى إعادة صياغتها؛ بل نقلها مختصِراً من أحد خصوم السلفية ممن تم الرد عليه تأليفاً ومناظرةً؛ وليس سلفياً ولا يقول عن نفسه ذلك؛ مع أن الصالحي -أصلحه الله- نسَبه إلى السلفية، وأنا أُجِلُّه عن تعمد التدليس على القارئ من أجل المغالبة.

فليس من القراءة المنهجية أن تأخذ علمك عن توجُّهٍ أو مذهبٍ من خصومه، دون أن ترجع إلى تفنيد أقوال ذلك الخصم من قِبَل المختصين في هذا المذهب، وجُلُّ ما يعتمد عليه هؤلاء في نقد السلفية: أقوال من متشابه كلام الأئمة ينزعونها من سياقها التاريخي أو المعرفي ولا يردُّونها إلى محكم كلامهم؛ ومعلوم أن المتشابه من كلام الله سبحانه وتعالى إذا لم يُرَد إلى المحكم أفضى إلى الفتنة والزيغ كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] فكيف بكلام بشر لهم واقعهم المختلف كثيراً عن واقعنا حين ننزع كلامهم من سياقه، ولا نفهمه في ظل ظروف تاريخية ومعهود معرفي يختلف كلياً عن ظروفنا ومعهودنا.

إننا لو اعتمدنا هذا المنهج من نزع كلام العلماء من سياقه المعرفي والتاريخي لاتَّهمنا كل علماء الإسلام بالتكفير والإرهاب؛ صوفيتهم وأشاعرتهم؛ حنفيتهم ومالكيتهم وشافعيتهم؛ فكل هؤلاء لو بحثت في تراثهم ونزعت كلامهم من سياقاته التاريخية والمعرفية، لوجدت لهم من الكلام ما يمكننا التعسف معه ونسبة ما يحدث من تكفير وإرهاب إليه.

لكننا في دفاعنا عن المنهج السلفي نأخذ بسبيل المروءة والشفقة بالمسلمين؛ فلا تأخذنا الحماسة في دفاعنا عن أنفسنا لنُفتش تراث المذاهب ونُخرج منها ما نشتهي وننزعه من سياقاته؛ لنرفع تُهمةَ التأصيل للتطرف والإرهاب والتكفير عنَّا ونُلقيها عليهم؛ ولو فعلنا لحصل لنا من النقولات الجَمُّ الغفير؛ لكننا حين ابتليت السلفية بهذه الدعاية المغرضة من قِبَل أعداء الإسلام نرى أنه ليس من المصلحة أن نجلب التهمة لكل طوائف المسلمين؛ وهذا ولله الحمد من عظيم ما علَّمَناه منهج السلف من الحكمة في جلب المصالح ودرء المفاسد.

فهل من نموذج لهذه الأقوال التكفيرية؟

نعم : سأذكر شيئاً من ذلك لا على قصد التشهير وإنما بغرض الإثبات؛ مع قولي بعذر هؤلاء العلماء فيما قالوا وعدم التشنيع عليهم.

يقول إمام الأشعرية وشيخ الشافعية في وقته الشيخ أبو إسحق الشيرازي، يُكَفِّرُ كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما عدا الأشاعرة: “فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتسبين إلى الإمام أبي الحسن الاشعري رضي الله عنه فهو كافر، ومن نسب إليهم غير ذلك فقد كفَّرهم فيكون كافرا بتكفيره لهم؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما كفر رجل رجلا إلا باء به أحدهما)([1])([2])، فانظر إليه لا يكتفي بتكفير غير الأشاعرة، بل يُكفِّر مَن لم يكفِّر مَن كَفَّرَهم.

وهذا ابن نجيم الحنفي يقول: “ويَكفُر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن أراد حكاية ما جاء في الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر”([3]).

وما أَعجبَ هذا القول!!

أَمَن يقول إن الأخبار التي تثبت أن الله في السماء خالية من المعنى مؤمن، ومن يُثبت المعنى لكلام الله ورسوله فهو كافر؟!

{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17].

قال عبد الله الغماري المغربي في هامش كتابه الرد على الألباني: “وقد ذكر أبو عبد الله علاء الدين البخاري العجمي الحنفي المتوفى سنة (٨٤١): أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام، فهو بهذا الإطلاق كافر”([4]).

وحكم بعض فقهاء المالكية على الخطيب الذي أتاه من يُسْلم، فقال له: حتى أفرغ من خطبتي؛ فحكموا عليه بالكفر؛ لاستلزام هذا رضاه بالكفر هذه المدة([5])، وهذا في الحقيقة يؤدي إلى تكفير كثير من العاملين في أكثر المراكز الإسلامية التي تعطي للراغبين في الإسلام مواعيد محددة!

وقال النووي: “ولو قيل له: قلم أظفارك، فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أفعل وإن كان سنة، كَفَر”([6]).

والنقولات عن العلماء في سائر المذاهب كثيرة، ولو سرنا على النهج غير العلمي الذي سار عليه الأخ الصالحي لوصلنا إلى نتيجة أن علماء الإسلام قاطبة من أشاعرة وماتريدية، حنفية كانوا أم شافعية أم مالكية هم سبب ما تُبتلى به الأمة من إرهاب؛ بل النقول عن الأئمة من مختلف المذاهب أكثر وأشهر مما هي عند السلفيين.

ولدي نقول عن علماء من أئمة المالكية في المغرب العربي يكفرون بها قبائل بعينها؛ ويرون بطلان أنكحتهم وأنها من السفّاح؛ وقد أضربت عن نقلها كما أضربت عن تتبع الأقوال التكفيرية في سائر المذاهب؛ لأنني لا أحاكم أهل العلم على أقوال وفتاوى لها سياقها التاريخي والاجتماعي والمعرفي الذي يختلف كثيراً عما نحن فيه اليوم؛ وإنما أحاكم المذاهب والتوجهات على رؤيتها الحاضرة؛ لأنها في الحقيقة هي التطبيق العملي لرؤيتها النظرية.

والواقع الحاضر للمدرسة السلفية: أنها أكثر المدارس الإسلامية سعياً في جمع كلمة المسلمين، والشواهد على ذلك علمياً وسياسياً أظهر من عين الشمس.

أخطاء في القياس

ومن الشواهد على القراءة غير المنهجية لدى الأخ الصالحي -أصلحه الله- نَقْله أخطاء ذلك الخصم الناقد للسلفية دون تمحيص.

ومثال ذلك قوله: “إن الحنابلة ومنهم أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- قبل ابن تيمية كانوا يرون أمورا في العقيدة بأنها لا بأس بها، بينما ابن تيمية وبالخصوص الوهابية يعتبرونها شركا محضا”.

ثم يضرب لدعواه مثالين هو أبعد ما يكون فيهما عن الصواب؛ وسبب الخلط عنده: أنه نقل عن أحد خصوم السلفية دون أن يكلف نفسه دراسة الشبهة قبل نقلها.

فالمثال الأول: “التبرك بالقبور والتمسح بها يجعله الشيخ شركًا أكبر، لكنه عند أحمد بن حنبل إمام المذهب (لا بأس به)! ففي كتاب العلل و معرفة الرجال (٢/٤٩٢) لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألته – يقصد أباه – عن الرجل يمس منبر النبي (ص)[هكذا يرمز الأخ الصالحي للصلاة على النبي بحرف ص والذي يظهر لي أن هذا لا يليق بهﷺ]و يتبرك بمسه و يقبله و يفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله عز و جل؟ فقال (أحمد بن حنبل ): لا بأس بذلك!”

والجواب: إن التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ليس من الشرك لا الأكبر ولا الأصغر؛ فقوله: “إنه عند الشيخ شرك أكبر” كذِبٌ على الإمام محمد بن عبدالوهاب، كان الأجدر بالأخ الصالحي أن لا ينقله؛ وكما جاء في الحديث “كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع”([7])، ومجرد التبرك بآثار النبي ﷺ لعلماء المدرسة السلفية فيه تفصيل ليس هنا محله لكنهم لا يقولون إنه شرك.

والتبرك بقبره ﷺ لم يأخذ السلفيون فيه بالقول المنسوب للإمام أحمد؛ لأنه مخالف لأصول أحمد -رحمه الله- في الاتباع؛ ونصَّ عدد منهم على ذلك؛ ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين نصَّ على أن الإمام أخطأ في ذلك إن صح نسبة القول إليه، وكلٌّ يُؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.

وأخذوا في التبرك بالقبر بمذهب مالك -رحمه الله- فإنه كان يُحرِّم مسَّه والالتصاق به، بل ينهى عن زيارته إلا لقادم من سفر أو عازم على سفر، أما المقيمون وأهل المدينة فينهاهم عن ذلك.

هذا شاهد عظيم على انتفاء الآبائية عن السلفيين، فهاهم يتركون قول إمامهم ولا يرون بأساً في تخطئته وينتقلون عنه إلى قول مالك لكونه موافقاً للأدلة.

قال القاضي عياض رحمه الله: “وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعو ساعة، فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك: ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا، قال: وذلك رأيٌ قاله الباجي، ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([8])، وقال: (لا تجعلوا قبري عيدا)([9]).

ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا وفى العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحب مواضع التنفل”([10]).

المثال الثاني الذي ضربه الأخ الصالحي تخالطه فيه الخطل والخلل بسبب تعمده النقل دون فحص وتمحيص قوله: “إبراهيم الحربي الحنبلي -و هو من كبار تلاميذ أحمد بن حنبل– قال: قبر معروف الكرخي الترياق المجرب. ( انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ٩/٣٤٣ )، أقره الذهبي، بل زاد الذهبي شارحا هذا بقوله: “يريد إجابة دعوة المضطر عنده –أي عند القبر– لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء كما أن الدعاء في السَحر مرجوٌ، ودبر المكتوبات، وفي المساجد…)”.

والأخ الصالحي بهذا النقل يَسقط سقطةً عظيمة لا تليق بمثله؛ وكان حريًّا به أن يبتعد عن تقليد الأصاغر، ويرجع إلى علمه ومَلَكته بدلاً من إقرار مقولات ليس لها خطام ولا زمام؛ وهنا أرد عليه وعلى من نقل عنه قائلاً:

هبْ أنَّ النقل عن إبراهيم الحربي -رحمه الله- كان صحيحا وأن السلفية خالفوه؛ فهذا دليل على أن السلفية يؤثرون الحق على الخلق، وما خالف الدليل من الأقوال فهم يخالفونه كائنا من كان صاحبه؛ وتقدمت مخالفتهم لأحمد -رحمه الله- على جلالة قدره وتقديم مالك -رحمه الله- عليه حين كان الدليل معه؛ فكيف بتلميذه إبراهيم الحربي رحمهم الله أجمعين؛ وبهذا يساهم الأخ الصالحي بإسقاط دعوى الآبائية عن السلفيين من حيث أراد وصْمَهم بها.

ثم هذا النقل لا يصح عن إبراهيم الحربي -رحمه الله- لأنه ليس في أحد من كتبه وإنما نقله عنه أبو عبدالرحمن السلمي -رحمه الله- وقد قال فيه محمد بن يوسف القطان “كان السلمي غير ثقة وكان يضع للصوفية الأحاديث”([11]).

بل إن الذهبي نفسه وهو الذي احتج به الصالحي يضعِّفه، قال في المغني في الضعفاء(٢/٥٧١): “صاحب المصنفات تكلم فيه وما هو بالحجة …. وله في حقائق التفسير تحريف كثير”.

ثم يستمر الصالحي في النقل دون رويَّةٍ وعلم عن أحدهم قولَه ساخرا “وعلى هذا لو كان أحمد بن حنبل و إبراهيم الحربي و الذهبي معاصرين للشيخ محمد لكانوا بأقوالهم السابقة كفارا كفرا أكبر ينقل عن الملة”.

فهذا كلام بعيد عن الفهم العلمي لأقوال السلف وأتباعهم؛ لأن دعاء الله تعالى في البقاع التي يظنها الناس مباركة ليس شركاً؛ ولم يقل ذلك محمد بن عبد الوهاب ولا من قبله؛ وإنما يرون أن بركة البقاع لا تثبت إلا بنص؛ فلا تكون البقعة مباركة بدفن فلان من الناس فيها؛ وإنما بنص شرعي، ومن ادعى بركة بقعة من البقاع وزعم أن لدعاء الله فيها ميزة ليست لغيرها دون دليل من كتاب أو سنة ففعله بدعة محرمة وإن أقرها الذهبي رحمه الله؛ فالحجة في النصوص وليست برأي أحد من الناس.

هل عقيدة الصحابة واحدة؟!

إذا أُطلِقت كلمة السلف فأول من يدخل فيها هم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحتى يرد الأخ الصالحي على كلامي نقل عن بعض المعاصرين أن السلف ليس لهم قول واحد في مسائل العقيدة؛ وهنا لا يسعني إلا أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

الصحابة -عليهم رضوان الله تعالى- هم نقلة الدين إلينا، فالقول بأنهم ليس لهم قول واحد في العقيدة يعني أحد أمرين: إما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغهم وهذا ممتنع؛ لأنه خلاف كلام الله سبحانه وتعالى؛ وإما أنهم لم ينقلوا عنه صلى الله عليه وسلم وهذا ممتنع أيضا؛ لأنه مخالف لمقتضى عدالتهم وأمانتهم المنصوص عليها في القرآن.

والصحيح أن مسائل التوحيد والإيمان وأسماء الله وصفاته والقضاء والقدر لم يختلف فيها الصحابة -رضي الله عنهم- ولا علماء تابعيهم؛ وإنما جاء الخلاف فيها في آخر أيامهم من غير علماء تابعيهم؛ والذين يدَّعون أن الصحابة اختلفوا في مسائل العقائد لم يقولوا ذلك إلا بسبب عجزهم عن الاستدلال لما أحدثوه من شركيات بأقوال الصحابة وأفعالهم؛ فلجأوا إلى التشكيك في عقائدهم.

فلَم يأتِ أحد بشاهد صحيح أنهم كانوا يستغيثون بالقبور، أو يستغيثون بالأموات، أو يشدون الرحال إلى قبور الصالحين، أو يذبحون عند القبور، أو أنهم يعبدون الله بغير ما شرع فيرقصون ويطرقون ويقولون هذه عبادة.

فإذا قلنا للناس كونوا مثل الصحابة قالوا لنا: أنتم وهابيون تكفيريون تفجيريون.

وأخيراً أشكر الأخ الصالحي على مداخلته، وأسأل الله لي وله أن يُرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

وقد تركت العديد من المغالطات التي أوردها الأخ الصالحي لدلالة ما مضى عليها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

د. محمد السعيدي


([1]) صحيح البخاري (5752)، وصحيح مسلم (60).

([2]) شرح اللمع (١/ ١١١).

([3]) البحر الرائق (٥/ ١٢٩).

([4]) انظر: الضوء اللامع (٩/ ٢٩٢).

([5]) انظر: الدرر في شرح المختصر (٥/٢٣٤٢).

([6]) روضة الطالبين (٩/ ٦٤).

([7]) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1 / 107)، وصححه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 1011)، وابن حجر في الفتح (3 / 268).

([8]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (7358) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا، قال الأرناؤوط: “وإسناده قوي” وصححه الشيخ الألباني في كتاب ” تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ” (ص24)، ولكن الحافظ ابن رجب قال عنه في ” فتح الباري ” (2/441): “بإسناد فيه نظر” ولكن تقويه بعض الشواهد كما في مسلم (780)، والترمذي (3093)، والنسائي في “الكبرى” (7961) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر” وإسناده صحيح والله أعلم.

([9]) سنن أبي داود (3/ 385) حديث رقم (2042).

([10]) الشفا (٢/ ٨٨).

([11]) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٥٢).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

شيوع الفعل لا يدل على جوازه

لأهل العلم مقالات سارت مسار الأمثال، واتخذها أهل الحق مِن بعدهم قواعدَ يسترشدون بها في ضبط ما يحلّ وما يحرم من أفعال العباد، وفي هذه المقالة عرض لأصلٍ وبيان لقاعدة قررها الإمام الطرطوشي (ت 520هـ) في كتابه “الحوادث والبدع”، ووافقه عليها علماء أهل السنة والجماعة؛ حتى جعلوها فارقة بين أهل الحق وأهل الباطل. نص القاعدة: […]

مناقشة دعوى تأويل صفة الضحك لدى الأئمة (البخاري والخطابي وابن عبد البر)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة كم من دعاوى مفتريات وُجِّهت إلى أئمة الإسلام وعلمائه!! وكلها -بحمد الله تعالى- مدفوعة ومردودة غير مقبولة، وليس ذلك الرد والدفع بالصدر، وإنما على بساط العلم والبحث. ومن تلك الدعاوى: دعوى وقوع بعض السلف في تأويل صفة الضحك لله تعالى!! وصفة الضحك ثابته لله تعالى على الوجه اللائق به […]

القرآنُ وكشفُ خفايا النفوس وسيلةً لرد الباطل  

لا يمكن إغفال حظ النفس في المعتقدات التي يعتقدها الإنسان؛ وذلك أن المقاصد والغايات تعدُّ المفسِّر الحقيقي لتصرفات المكلف ومعتقداته، والنفس البشرية نفس معقَّدة يتجاذبها كثير من المغذِّيات الخفيَّة، فالإنسان بطبعه يسعى إلى ما يحقِّق رغباته ويصل من خلاله إلى مراده، ومن هنا كان حديث المكاشفة مقصدًا قرآنيًّا يراد من خلاله كشف التصور وحقيقته لدى […]

تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان: تحليل ودراسة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، واختصهم بأن قرن شهادتهم بشهادة ملائكته على وحدانيته؛ فقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل […]

السلفية ليست رديفا للظاهرية

السّلفية تعني اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهي بهذا المعنى تمثّل الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتَمَثَّلَهُ الصحابة -رضون الله عليهم- في تصرفاتهم وواقع حياتهم. ومن نافلة القول أن يؤكَّد على أسبقيتها للمذاهب الفقهية أيًّا كانت، فقد كان الأئمة -رضوان الله عليهم- على منهج الصحابة في الفقه والتفقُّه، لم يخرجوا […]

ضوابط التفسير عند السلف: مناقشة لأهل الإعجاز العلمي في الأسلوب والنتائج

أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ووصف المتلقين له ابتداء بالعلم، فقال سبحانه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فصلت: 3]. وَبَيَّنَ مقاصده وأحكامه، ووصفه بالتفصيل والإحكام، كما وصف أخباره بالصدق وأحكامه بالعدل، فقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنعام: 115]. وتحدى الله الناس به، وجعله معجزا في […]

لماذا توقَّفت النبوَّةُ لو كانت طريقَ الجنَّة؟!

لم يترك الله سبحانه وتعالى الخلق سدى؛ لا يدرون من أين جاؤوا، ولا يعلمون إلى أين هم ذاهبون، ولا يعرفون غايتهم في هذه الحياة، بل أرسل سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وهدى الخلق إلى الحق، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ […]

مناقشة دعوى المجاز العقلي في الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من أعظم البدع التي يتعلّق بها القبوريّون: الاستغاثة بالأموات فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كمغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، وهداية القلوب، ونحو ذلك، فهي رأس الانحرافات عند القبوريين، وهي “الهدف الأسمى للقبورية والغاية العظمى، والمقصد الأعلى لهم من سائر عقائدهم الباطلة وغلوّهم في الصالحين وقبورهم هو التوصل بها إلى […]

الإلهام بين الإفراط والتفريط!!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فمن المستحيل أن يستدل أهل الباطل على باطلهم بدليل هو حق في ذاته؛ فلا تجدهم البتة يستدلون على بدعهم بصحيح المنقول أو بما يوافق صريح العقول، بل أدلتهم في جملتها مجرد تخيلات تخالف الكتاب والسنة وتناقضهما، وإن وقع منهم الاستدلال بدليل […]

حقيقة التسليم الشرعي

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. جاء الشرع ليخرج الإنسان من داعية هواه إلى اتباع الوحي، وهذا هو حقيقة الدين وأسه، والنفس البشرية تؤثّر عليها الشهوة والشبهة، وهذه المؤثِّرات قد تأخذ مساحة من عقل الإنسان تبعده عن التفكير السليم والتوجُّه الصحيح، فيختار ما فيه هلاكه على ما […]

حديث «من تصبح بسبع تمرات عجوة»: معناه ورفع الأوهام في فهمه

 الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الطب يتميز عن كلام غيره من الأطباء، وله خصائص وسمات ليست لغيره؛ ذلك أنه وحي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا […]

قصة جمع القرآن الكريم

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة تمهيد مساهمةً في تدبر وتعظيم القرآن الكريم نذكّر بقصة جمع القرآن الكريم في كتاب واحد، كجزء من وعد الله عز وجل بحفظ كتابه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر، 9]، وفي الحديث الذي رواه مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل في […]

إثبات صفة العلو والجواب عن الشبه الواردة عليها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد: فقد قال تعالى في كتابه واصفًا نفسه أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11]، والمسلمون مجمعون على وجوب تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، وعن كل مشابهة للمخلوقين. ورغم أن مذهب […]

تفاضل الصفات: مبحث في دلالة الألفاظ ورد التأويل

  كلُّ موصوف بصفات لا بدّ أن تتفاوت في حقِّه بحسب الغرضِ منها، وما يدل عليه الوضع اللغويّ لها، وما تتحمله الكلمة في سياق معيَّن، ومبحث الصفات الإلهية من المباحث التي خفضت فيها الفرق الإسلامية ورفعت بين منكرٍ لها ومثبتٍ ومتأوِّل، ومن الأمور التي تنازع الناس فيها قديمًا قضية تفاضل الصفات بعضِها على بعض. وقد […]

عرض ونقد لكتاب “أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: «الحمد لله الهادي النصير فنعم النصير ونعم الهاد، الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويبين له سبل الرشاد، كما هدى الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق وجمع لهم الهدى والسداد، والذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017