الأربعاء - 12 ربيع الآخر 1440 هـ - 19 ديسمبر 2018 م

المداخلة الهولندية على السلفية والآبائية

A A

ليس من عادتي الإغراق في الردود، وغالباً ما أكتفي منها بما يُوضِح وجهة النظر ثم أنصرف إلى ما هو أنفع لي وللقارئ وهو التأصيل العلمي؛ فالسجال الطويل في القضية الواحدة يُفضي إلى الجدل ومراعاةِ حظِّ النفس ويَقِل نفعه وبركته، على عكس التأصيل العلمي، فهو يبني الكاتب والقارئ وتنتفي فيه شهوة العلو والمغالبة.

لكنني رأيت مقاليَ المنشور قبل أسابيع قلائل في صحيفة الوطن السعودية، قد نشرته مشكورة (صحيفة موند24) الصادرة في هولندا، ورأيت بعده مقالاً في الرد عليه لأحد فضلاء الجالية المغربية هناك، وهو الأستاذ محمد الصالحي رئيس اتحاد مساجد أمستردام؛ فبدا لي أن الرد عليه لازم لحاجة المسلمين في أوربا إلى نَفَسٍ غيرِ النَّفَسِ الذي تحدث به الأخ الصالحي في رَدِّه عليَّ.

فالمسلمون هناك في أمس الحاجة إلى إبعادهم عمَّا يجري في مشرق العالم العربي ومغربه من سجالات مذهبية؛ ويجب جمعهم على الكلمة السواء التي بينهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ وأركان الإسلام ومصدرية الكتاب والسنة المطهرة وحب صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين أثنى عليهم القرآن جملة وتفصيلا، ورضي الله عنهم في كتابه ووعدهم الحسنى، والدعاء لهم، عملاً بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10].

فالنظر إلى هذه المشتركات هو ما يُوحِّد صفَّهم لتعزيز مكانتهم في البلاد التي اختاروها منزلاً، ويَقيهم كيد من يريد بهم شراً.

ويعيش في أوربا الملايين من السلفيين الذين ضَجِروا من كثرة اتهامهم من الدوائر الأمنية والإعلامية الأوربية بالتطرف والإرهاب، بالرغم من كل ما يبذلونه في جمعياتهم ومساجدهم من العمل الجاد على محاربة الفكر المتطرف بجهود لم أر مثلها لغيرهم من مسلمي أوربا؛ كإقامة الندوات والمؤتمرات والدورات التدريبية والبرامج الإعلامية؛ ومع ذلك تظل الآلة الإعلامية الأوربية ترميهم بما هم منه برآء؛ ولاشك أن أَلَمَهُم سيكون مضاعفاً حين يأتي اتهام منهجهم من أحد إخوانهم، وهو يترأَّسُ اتحاد مساجدهم في مدينة من أكبر وأهم مدن أوروبا، وأكثرِها نشاطاً للجماعات اليمينية المتطرفة، والتي لا تُفرِّق بين سلفي وغيره في عداوتها؛ فكيف ساغ لأخ لهم أن يخطَّ بِيَراعه الحُجَج ضِدهم عند خصمه وخصمهم!؟

وصدق القائل:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة****** على المرء من وقع الحسام المهندِ

كنتُ أنتظر من أخي الصالحي -أصلحه الله- أن يرفع مقالتي، ويُريها من ولَجَت في قلوبهم شبهاتُ التكفير والإرهاب من الشباب في أوروبا الذين امتلأت بأمثالهم من الأوربيين والمغاربة معسكرات داعش والقاعدة ممن ولدوا في بيئات صوفية أو علمانية، ولم يقرؤوا يوما من الدهر لابن تيمية وابن عبدالوهاب، بل لا يعرف كثير منهم لغتهما؛ ومنهم من هو حديث عهدٍ بإسلام؛ ويقولَ لهم : هذه هي السلفية، وهذا ما يقوله علماء السلفية في مَنْبَتِها؛ براءةٌ من التكفير والتطرف والحقد والبغضاء؛ ويُحَاجُّهم بها؛ لعل ذلك يكون سبباً لعودتهم وتبصرهم.

وسوف يجد له من فتاوى هيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية السعودية ما يدعم حُجَّته؛ وكذلك يلقى في نتائج المؤتمرات التي تعقدها رابطة العالم الإسلامي ووزارة الشؤون الإسلامية، ومن عشرات الكتب التي ألَّفها السلفيون في السعودية ومصر والمغرب ما يدحض القول بأن الإرهاب من نِتاج الفكر السلفي.

لكن ما ذا فعل الأخ الصالحي؟

الحقيقة أنني استفدت من مقال الأخ الصالحي فائدة جليلة؛ وهي: صحة نظريتي في أن مئات المقالات التي تكتب عن السلفية تنطلق من تأثر بإعلام مغرض، أو انطباعات محضة، أو قراءة غير منهجية.

فلم يفعل الأخ الصالحي للأسف سوى أن اجْتَرَّ شبهات مكررة، ولم يُكَلِّف نفسه حتى إعادة صياغتها؛ بل نقلها مختصِراً من أحد خصوم السلفية ممن تم الرد عليه تأليفاً ومناظرةً؛ وليس سلفياً ولا يقول عن نفسه ذلك؛ مع أن الصالحي -أصلحه الله- نسَبه إلى السلفية، وأنا أُجِلُّه عن تعمد التدليس على القارئ من أجل المغالبة.

فليس من القراءة المنهجية أن تأخذ علمك عن توجُّهٍ أو مذهبٍ من خصومه، دون أن ترجع إلى تفنيد أقوال ذلك الخصم من قِبَل المختصين في هذا المذهب، وجُلُّ ما يعتمد عليه هؤلاء في نقد السلفية: أقوال من متشابه كلام الأئمة ينزعونها من سياقها التاريخي أو المعرفي ولا يردُّونها إلى محكم كلامهم؛ ومعلوم أن المتشابه من كلام الله سبحانه وتعالى إذا لم يُرَد إلى المحكم أفضى إلى الفتنة والزيغ كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] فكيف بكلام بشر لهم واقعهم المختلف كثيراً عن واقعنا حين ننزع كلامهم من سياقه، ولا نفهمه في ظل ظروف تاريخية ومعهود معرفي يختلف كلياً عن ظروفنا ومعهودنا.

إننا لو اعتمدنا هذا المنهج من نزع كلام العلماء من سياقه المعرفي والتاريخي لاتَّهمنا كل علماء الإسلام بالتكفير والإرهاب؛ صوفيتهم وأشاعرتهم؛ حنفيتهم ومالكيتهم وشافعيتهم؛ فكل هؤلاء لو بحثت في تراثهم ونزعت كلامهم من سياقاته التاريخية والمعرفية، لوجدت لهم من الكلام ما يمكننا التعسف معه ونسبة ما يحدث من تكفير وإرهاب إليه.

لكننا في دفاعنا عن المنهج السلفي نأخذ بسبيل المروءة والشفقة بالمسلمين؛ فلا تأخذنا الحماسة في دفاعنا عن أنفسنا لنُفتش تراث المذاهب ونُخرج منها ما نشتهي وننزعه من سياقاته؛ لنرفع تُهمةَ التأصيل للتطرف والإرهاب والتكفير عنَّا ونُلقيها عليهم؛ ولو فعلنا لحصل لنا من النقولات الجَمُّ الغفير؛ لكننا حين ابتليت السلفية بهذه الدعاية المغرضة من قِبَل أعداء الإسلام نرى أنه ليس من المصلحة أن نجلب التهمة لكل طوائف المسلمين؛ وهذا ولله الحمد من عظيم ما علَّمَناه منهج السلف من الحكمة في جلب المصالح ودرء المفاسد.

فهل من نموذج لهذه الأقوال التكفيرية؟

نعم : سأذكر شيئاً من ذلك لا على قصد التشهير وإنما بغرض الإثبات؛ مع قولي بعذر هؤلاء العلماء فيما قالوا وعدم التشنيع عليهم.

يقول إمام الأشعرية وشيخ الشافعية في وقته الشيخ أبو إسحق الشيرازي، يُكَفِّرُ كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما عدا الأشاعرة: “فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتسبين إلى الإمام أبي الحسن الاشعري رضي الله عنه فهو كافر، ومن نسب إليهم غير ذلك فقد كفَّرهم فيكون كافرا بتكفيره لهم؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما كفر رجل رجلا إلا باء به أحدهما)([1])([2])، فانظر إليه لا يكتفي بتكفير غير الأشاعرة، بل يُكفِّر مَن لم يكفِّر مَن كَفَّرَهم.

وهذا ابن نجيم الحنفي يقول: “ويَكفُر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن أراد حكاية ما جاء في الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر”([3]).

وما أَعجبَ هذا القول!!

أَمَن يقول إن الأخبار التي تثبت أن الله في السماء خالية من المعنى مؤمن، ومن يُثبت المعنى لكلام الله ورسوله فهو كافر؟!

{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17].

قال عبد الله الغماري المغربي في هامش كتابه الرد على الألباني: “وقد ذكر أبو عبد الله علاء الدين البخاري العجمي الحنفي المتوفى سنة (٨٤١): أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام، فهو بهذا الإطلاق كافر”([4]).

وحكم بعض فقهاء المالكية على الخطيب الذي أتاه من يُسْلم، فقال له: حتى أفرغ من خطبتي؛ فحكموا عليه بالكفر؛ لاستلزام هذا رضاه بالكفر هذه المدة([5])، وهذا في الحقيقة يؤدي إلى تكفير كثير من العاملين في أكثر المراكز الإسلامية التي تعطي للراغبين في الإسلام مواعيد محددة!

وقال النووي: “ولو قيل له: قلم أظفارك، فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أفعل وإن كان سنة، كَفَر”([6]).

والنقولات عن العلماء في سائر المذاهب كثيرة، ولو سرنا على النهج غير العلمي الذي سار عليه الأخ الصالحي لوصلنا إلى نتيجة أن علماء الإسلام قاطبة من أشاعرة وماتريدية، حنفية كانوا أم شافعية أم مالكية هم سبب ما تُبتلى به الأمة من إرهاب؛ بل النقول عن الأئمة من مختلف المذاهب أكثر وأشهر مما هي عند السلفيين.

ولدي نقول عن علماء من أئمة المالكية في المغرب العربي يكفرون بها قبائل بعينها؛ ويرون بطلان أنكحتهم وأنها من السفّاح؛ وقد أضربت عن نقلها كما أضربت عن تتبع الأقوال التكفيرية في سائر المذاهب؛ لأنني لا أحاكم أهل العلم على أقوال وفتاوى لها سياقها التاريخي والاجتماعي والمعرفي الذي يختلف كثيراً عما نحن فيه اليوم؛ وإنما أحاكم المذاهب والتوجهات على رؤيتها الحاضرة؛ لأنها في الحقيقة هي التطبيق العملي لرؤيتها النظرية.

والواقع الحاضر للمدرسة السلفية: أنها أكثر المدارس الإسلامية سعياً في جمع كلمة المسلمين، والشواهد على ذلك علمياً وسياسياً أظهر من عين الشمس.

أخطاء في القياس

ومن الشواهد على القراءة غير المنهجية لدى الأخ الصالحي -أصلحه الله- نَقْله أخطاء ذلك الخصم الناقد للسلفية دون تمحيص.

ومثال ذلك قوله: “إن الحنابلة ومنهم أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- قبل ابن تيمية كانوا يرون أمورا في العقيدة بأنها لا بأس بها، بينما ابن تيمية وبالخصوص الوهابية يعتبرونها شركا محضا”.

ثم يضرب لدعواه مثالين هو أبعد ما يكون فيهما عن الصواب؛ وسبب الخلط عنده: أنه نقل عن أحد خصوم السلفية دون أن يكلف نفسه دراسة الشبهة قبل نقلها.

فالمثال الأول: “التبرك بالقبور والتمسح بها يجعله الشيخ شركًا أكبر، لكنه عند أحمد بن حنبل إمام المذهب (لا بأس به)! ففي كتاب العلل و معرفة الرجال (٢/٤٩٢) لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألته – يقصد أباه – عن الرجل يمس منبر النبي (ص)[هكذا يرمز الأخ الصالحي للصلاة على النبي بحرف ص والذي يظهر لي أن هذا لا يليق بهﷺ]و يتبرك بمسه و يقبله و يفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله عز و جل؟ فقال (أحمد بن حنبل ): لا بأس بذلك!”

والجواب: إن التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ليس من الشرك لا الأكبر ولا الأصغر؛ فقوله: “إنه عند الشيخ شرك أكبر” كذِبٌ على الإمام محمد بن عبدالوهاب، كان الأجدر بالأخ الصالحي أن لا ينقله؛ وكما جاء في الحديث “كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع”([7])، ومجرد التبرك بآثار النبي ﷺ لعلماء المدرسة السلفية فيه تفصيل ليس هنا محله لكنهم لا يقولون إنه شرك.

والتبرك بقبره ﷺ لم يأخذ السلفيون فيه بالقول المنسوب للإمام أحمد؛ لأنه مخالف لأصول أحمد -رحمه الله- في الاتباع؛ ونصَّ عدد منهم على ذلك؛ ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين نصَّ على أن الإمام أخطأ في ذلك إن صح نسبة القول إليه، وكلٌّ يُؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.

وأخذوا في التبرك بالقبر بمذهب مالك -رحمه الله- فإنه كان يُحرِّم مسَّه والالتصاق به، بل ينهى عن زيارته إلا لقادم من سفر أو عازم على سفر، أما المقيمون وأهل المدينة فينهاهم عن ذلك.

هذا شاهد عظيم على انتفاء الآبائية عن السلفيين، فهاهم يتركون قول إمامهم ولا يرون بأساً في تخطئته وينتقلون عنه إلى قول مالك لكونه موافقاً للأدلة.

قال القاضي عياض رحمه الله: “وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعو ساعة، فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك: ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا، قال: وذلك رأيٌ قاله الباجي، ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([8])، وقال: (لا تجعلوا قبري عيدا)([9]).

ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا وفى العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحب مواضع التنفل”([10]).

المثال الثاني الذي ضربه الأخ الصالحي تخالطه فيه الخطل والخلل بسبب تعمده النقل دون فحص وتمحيص قوله: “إبراهيم الحربي الحنبلي -و هو من كبار تلاميذ أحمد بن حنبل– قال: قبر معروف الكرخي الترياق المجرب. ( انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ٩/٣٤٣ )، أقره الذهبي، بل زاد الذهبي شارحا هذا بقوله: “يريد إجابة دعوة المضطر عنده –أي عند القبر– لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء كما أن الدعاء في السَحر مرجوٌ، ودبر المكتوبات، وفي المساجد…)”.

والأخ الصالحي بهذا النقل يَسقط سقطةً عظيمة لا تليق بمثله؛ وكان حريًّا به أن يبتعد عن تقليد الأصاغر، ويرجع إلى علمه ومَلَكته بدلاً من إقرار مقولات ليس لها خطام ولا زمام؛ وهنا أرد عليه وعلى من نقل عنه قائلاً:

هبْ أنَّ النقل عن إبراهيم الحربي -رحمه الله- كان صحيحا وأن السلفية خالفوه؛ فهذا دليل على أن السلفية يؤثرون الحق على الخلق، وما خالف الدليل من الأقوال فهم يخالفونه كائنا من كان صاحبه؛ وتقدمت مخالفتهم لأحمد -رحمه الله- على جلالة قدره وتقديم مالك -رحمه الله- عليه حين كان الدليل معه؛ فكيف بتلميذه إبراهيم الحربي رحمهم الله أجمعين؛ وبهذا يساهم الأخ الصالحي بإسقاط دعوى الآبائية عن السلفيين من حيث أراد وصْمَهم بها.

ثم هذا النقل لا يصح عن إبراهيم الحربي -رحمه الله- لأنه ليس في أحد من كتبه وإنما نقله عنه أبو عبدالرحمن السلمي -رحمه الله- وقد قال فيه محمد بن يوسف القطان “كان السلمي غير ثقة وكان يضع للصوفية الأحاديث”([11]).

بل إن الذهبي نفسه وهو الذي احتج به الصالحي يضعِّفه، قال في المغني في الضعفاء(٢/٥٧١): “صاحب المصنفات تكلم فيه وما هو بالحجة …. وله في حقائق التفسير تحريف كثير”.

ثم يستمر الصالحي في النقل دون رويَّةٍ وعلم عن أحدهم قولَه ساخرا “وعلى هذا لو كان أحمد بن حنبل و إبراهيم الحربي و الذهبي معاصرين للشيخ محمد لكانوا بأقوالهم السابقة كفارا كفرا أكبر ينقل عن الملة”.

فهذا كلام بعيد عن الفهم العلمي لأقوال السلف وأتباعهم؛ لأن دعاء الله تعالى في البقاع التي يظنها الناس مباركة ليس شركاً؛ ولم يقل ذلك محمد بن عبد الوهاب ولا من قبله؛ وإنما يرون أن بركة البقاع لا تثبت إلا بنص؛ فلا تكون البقعة مباركة بدفن فلان من الناس فيها؛ وإنما بنص شرعي، ومن ادعى بركة بقعة من البقاع وزعم أن لدعاء الله فيها ميزة ليست لغيرها دون دليل من كتاب أو سنة ففعله بدعة محرمة وإن أقرها الذهبي رحمه الله؛ فالحجة في النصوص وليست برأي أحد من الناس.

هل عقيدة الصحابة واحدة؟!

إذا أُطلِقت كلمة السلف فأول من يدخل فيها هم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحتى يرد الأخ الصالحي على كلامي نقل عن بعض المعاصرين أن السلف ليس لهم قول واحد في مسائل العقيدة؛ وهنا لا يسعني إلا أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

الصحابة -عليهم رضوان الله تعالى- هم نقلة الدين إلينا، فالقول بأنهم ليس لهم قول واحد في العقيدة يعني أحد أمرين: إما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغهم وهذا ممتنع؛ لأنه خلاف كلام الله سبحانه وتعالى؛ وإما أنهم لم ينقلوا عنه صلى الله عليه وسلم وهذا ممتنع أيضا؛ لأنه مخالف لمقتضى عدالتهم وأمانتهم المنصوص عليها في القرآن.

والصحيح أن مسائل التوحيد والإيمان وأسماء الله وصفاته والقضاء والقدر لم يختلف فيها الصحابة -رضي الله عنهم- ولا علماء تابعيهم؛ وإنما جاء الخلاف فيها في آخر أيامهم من غير علماء تابعيهم؛ والذين يدَّعون أن الصحابة اختلفوا في مسائل العقائد لم يقولوا ذلك إلا بسبب عجزهم عن الاستدلال لما أحدثوه من شركيات بأقوال الصحابة وأفعالهم؛ فلجأوا إلى التشكيك في عقائدهم.

فلَم يأتِ أحد بشاهد صحيح أنهم كانوا يستغيثون بالقبور، أو يستغيثون بالأموات، أو يشدون الرحال إلى قبور الصالحين، أو يذبحون عند القبور، أو أنهم يعبدون الله بغير ما شرع فيرقصون ويطرقون ويقولون هذه عبادة.

فإذا قلنا للناس كونوا مثل الصحابة قالوا لنا: أنتم وهابيون تكفيريون تفجيريون.

وأخيراً أشكر الأخ الصالحي على مداخلته، وأسأل الله لي وله أن يُرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

وقد تركت العديد من المغالطات التي أوردها الأخ الصالحي لدلالة ما مضى عليها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

د. محمد السعيدي


([1]) صحيح البخاري (5752)، وصحيح مسلم (60).

([2]) شرح اللمع (١/ ١١١).

([3]) البحر الرائق (٥/ ١٢٩).

([4]) انظر: الضوء اللامع (٩/ ٢٩٢).

([5]) انظر: الدرر في شرح المختصر (٥/٢٣٤٢).

([6]) روضة الطالبين (٩/ ٦٤).

([7]) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1 / 107)، وصححه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 1011)، وابن حجر في الفتح (3 / 268).

([8]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (7358) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا، قال الأرناؤوط: “وإسناده قوي” وصححه الشيخ الألباني في كتاب ” تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ” (ص24)، ولكن الحافظ ابن رجب قال عنه في ” فتح الباري ” (2/441): “بإسناد فيه نظر” ولكن تقويه بعض الشواهد كما في مسلم (780)، والترمذي (3093)، والنسائي في “الكبرى” (7961) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر” وإسناده صحيح والله أعلم.

([9]) سنن أبي داود (3/ 385) حديث رقم (2042).

([10]) الشفا (٢/ ٨٨).

([11]) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٥٢).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

السلفية والشُّروخُ التي لا تُسد -هل أشعلتِ السَّلَفية فتيلَ الفتنةِ في الأُمَّة وفرَّقت بينَ المسلمين؟!-

لا يخفى على أحدٍ ما تعيشُه الأمّة الإسلاميةُ من حالةٍ بائسةٍ لا تسرُّ صديقًا ولا تغيظ عدوًّا، فالخلافات بين النُّخب الفكرية في الأمة بلغت أوجَها حتى صارت سفينة الأمَّة تتلاعب بها الرياحُ وسط أمواجٍ عاتيةٍ في بحر متلاطم، وليس هناك من يقود هذه السفينة إلى بَرِّ الأمان، وكلّ من يمرِّرُ بصره على حال الأمة لن […]

نظَّارات الحداثة: من تقنيات الحداثيين في قراءة النصوص الشرعية والتراثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة المتابع للمنتَج الفكري الحداثي يستطيع بسهولةٍ ملاحظةَ المحاولات الدؤوبة التي يبذلها الحداثيون العرب؛ للولوج عبر الكتابات الفكرية بحمولة مصطلحية ومجموعة مفاهيم خاصّة لكل واحد منهم، والعمل على اصطحاب تلك المفاهيم وضخِّها في مصنفاتهم بشكلٍ استعراضي خاصّ، وبشكل ربما يخالف قواعد اللغة والمعاني الأساسية المعروفة من تلك الكلمات؛ لخَلْق […]

الحداثة… جمود وتخلّف ورجعية

نشب خلافٌ بين الملك والبابا في بعض المسائل الإصلاحية، فضاق الملك ذرعًا بتدخّل البابا في بعض تعييناته، واتَّسعت هوة الخلاف بينهما حتى وجَّه البابا رسالة شديدةَ اللهجة إلى الملك في أواخر عام 1075م، هدَّده فيها بالحرمان وخلعِه من منصب الإمبراطورية إذا لم يقم بالتوبة والخضوع، فردَّ الملكُ من جانبه بعقد مجمع لأساقفة إيطاليِّين معارضين للبابا […]

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017