الخميس - 24 ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 م

فقه ابن عمر في تتبّع الآثار وأماكن العبادات…نظرات ومناقشات

A A

 

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

لما كان هديُهُ صلى الله عليه وسلم أكملَ الهديِ وأوفاه، وأفعاله محل اقتداء واتِّساء؛ لم يكن ليُقَرَّ صلى الله عليه وسلم على باطلٍ حتى لا يُظَنَّ الباطل حقًّا فيقتدي به الناس، فإن اجتهد في شيءٍ لم يصب فيه بادر الوحيُ بالبيان، فأفعاله كلُّها حسنة، وهي محلّ صالح للاقتداء، ما لم يكنْ من خُصُوصياتِه([1]).

ففعله صلى الله عليه وسلم حجة بذاته، قائم برأسه، لا يحتاج إلى مستند آخر يعضده، فكم من صحابيٍّ يحتج بفعله صلى الله عليه وسلم، ويقول: “لولا أني رأيت رسول الله يفعله ما فعلته”([2])، “لولا أني رأيت رسول الله قبَّلك ما قبَّلتك”([3])، “أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟!”([4])، “وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”([5]).

ولما كان الصحابةُ رضوان الله عليهم هم الذين اصطفاهم الله لمرافقة نبيه صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، وشاهدوه في كثير من أحواله، فقد نالوا شرف الاقتداء به، وهم أعلم الناس بمقاصده وتشريعاته. وكانوا يستحضرون في أنفسهم أنَّ تتبُّعَهم لأفعاله ديانةٌ وعبادةٌ يتقربون بها إلى الله. ولا يمكن أن يوصف تأسِّيهم به بالغلو والتشدّد، فضلا عن أن يوصف بالابتداع والضلال!

وأفعاله صلى الله عليه وسلم لا تخرج عن ثلاث حالات من حيث الحكمُ الشرعي:

– أن يفعل واجبًا.

– أو يفعل مستحبًّا.

– أو يفعل مباحًا.

أما المحرَّم فلا يتأتى منه، وكذا المكروه على الصحيح([6]).

فلما كانت أفعاله محصورة في هذه الثلاث، كان القسمان الأولان في الاقتداء ظاهر البرهان، ساطع البيان؛ إذ هو المبلغ عن ربه، والموضح لشريعته، فالأمر بإقامة الصلاة لم تعلم صفته إلا بفعله صلى الله عليه وسلم.

ويبقي القسم الثالث، وهو ما يعرف بالمباح وهو: الذي أذن الشارع في فعله، ولم يرد فيه أمر أو نهي.

فالرسول صلى الله عليه وسلم بطبيعته البشرية يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وكان يحب بعض المأكولات؛ كالدباء، والحلواء، والعسل. وهذا كله متروك لاختياره وذوقه الشخصي، لا لكونه رسولًا مشرعًا.

والأصل في هذه الأفعال كلها التي فعلها بطبيعته البشرية أنها ليست محلًّا للاقتداء؛ لذا لم يرتب عليها الشرع الثواب والعقاب، إلا إذا قصد المحبة والتعظيم، أي: محبته صلى الله عليه وسلم، فيثاب على هذه النية الحسنة، لا على الفعل ذاته. قال ابن تيمية: “لا أجر ولا ثواب فيما ليس بواجب ولا مستحب”([7]).

وهذا القسم يتفاوت الصحابة في تعاملهم معه، فمن الصحابة من كان حريصًا على تتبعه في كل شيء، ومنهم من تميز في شيء دون آخر، ومنهم من لم يذكر عنه شيء في هذه المباحات.

فمنهم من كان يهتم أن تكون مشيته كمشيته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كان يهتم أن يكون لبس قميصه كقميصه صلى الله عليه وسلم محلول الإزار، ومنهم من كان يهتم أن يكون نعاله كنعاله، ومنهم من كان يهتم بنوع معين من الطعام؛ كحب أنس رضي الله عنه للدباء وأكله لآخر القصعة.

وهكذا نجد كل واحد منهم يقتدي به حسب ما تيسر له، يعبر عن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم بطريقته، والمرء مع من أحب.

إلا أن الوصف الجامع لهذا القسم (المباح) أنهم فعلوه محبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

ومن المعلوم أنه ما من فعل من أفعاله صلى الله عليه وسلم إلا ويقع مقترنًا بزمان ومكان.

وسنخص بحثنا هذا من الأفعال بما له علاقة بأماكن العبادات؛ وهذه الأفعال إما أن تقع في أثناء العبادة أو قبلها أو بعدها، إلا أن فعله صلى الله عليه وسلم في هذه الأماكن ووقوع العبادة فيها يتجاذبها وجهات النظر في استحباب التعبد فيها أو إباحتها.

ولا شكّ أن هناك أماكن يظهر أنها مقصودة في العبادات؛ كالطواف حول الكعبة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة… إلخ.

وهناك أماكن مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وتعبد لله فيها؛ كما في طريقه وهو متجه إلى أداء مناسك الحج، لكن مشروعية التعبد فيها محل خلاف.

فقد ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تتبع الكثير من المواطن التي وطئها النبي صلى الله عليه وسلم أثناء عبادته([8])، والتأسي به في كثير من السنن التي لا يتضح فيها وجه القصد: هل فعلها النبي صلى الله عليه وسلم أثناء عبادته قصدًا أم حصلت اتفاقًا؟ وبكلٍّ قيل، وبكلٍّ فُعل.

فالخلاف في المسألة قديم وسائغ، وليست محل إجماع، من اجتهد وغلَّب جانب العادة حكم بعدم استحباب الفعل واكتفى بالإباحة، ومن غلَّب جانب التعبد حكم باستحباب الفعل.

قال ابن دقيق العيد: “وقد ترجح في علم الأصول: أن ما لم يكن من الأفعال مخصوصًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا جاريًا مجرى أفعال الجبلة، ولا ظهر أنه بيان لمجمل، ولا علم صفته من وجوب أو ندب أو غيره، فإما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا، فإن ظهر: فمندوب، وإلا فمباح”([9]).

أوجه الترجيح في هذا القسم:

* القول الأول: هناك من قعَّد لهذه المسألة ورجح جانب التعبد، وجعله الأصل؛ لأنه الغالب من أحواله صلى الله عليه وسلم. ويقوى هذا التقعيد فيما إذا كان الفعل جاء بيانًا لمجمل؛ كصفة الحج، فدخوله صلى الله عليه وسلم مكة من طريق وخروجه من طريق أخرى جاء بيانًا لصفة الحج.

قال الإسنوي: “إذا أمكن حمل فعله صلى الله عليه وسلم على العبادة أو العادة، فإننا نحمله على العبادة إلا لدليل؛ لأن الغالب على أفعاله قصد التعبد بها. ومن ذلك: استحباب الذهاب إلى العيد في طريق والرجوع منه في أخرى”([10]).

وكذا النزول في المحصَّب بعد النفر من منى. إلا أن الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة دائرٌ بين الإباحة والاستحباب، فمفاده على أقل تقدير إباحة ذلك الفعل للأمة، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، والإباحة تشريع([11]).

ولأن الأصل -كما سبق- الاقتداء والاتِّساء به صلى الله عليه وسلم ما لم يكن الفعل من خصوصياته، وهذا حاصل ولو كانت الموافقة في صورة الفعل فقط، فإنه يثبت الاستحباب من هذا الوجه، ولهذا قال السبكي في مسألة التحصيب: “قال أصحابنا: يستحب النزول به، ولو تركه لم يؤثر في نسكه؛ لأنه ليس من مناسك الحج”([12]).

وابن عمر رضي الله عنهما حينما كان يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسائل كان يحتج بفعله مباشرة؛ لذا لمَّا كان يدخل مكة يبيت بذي طوى حتى يصبح، ثم يصلي به الفجر، ثم يغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك([13]).

فها هنا عدة أمور فعلها النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى به ابن عمر في طريق الحج إلى مكة، وعند دخولها والخروج منها، والتي قد لا يعدُّها بعض العلماء من مناسك الحج، وهي:

* الصلاة في المساجد التي في الطرقات.

* المبيت بذي طوى دخولًا وخروجًا.

* الاغتسال بذي طوى.

* دخول مكة نهارًا.

* من الثنية العليا.

* دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة.

وهناك أعمال أخرى وردت عن ابن عمر رضي الله عنهما في الحج تلحق بهذا الباب: كالصلاة داخل الكعبة في الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، والنزول في المحصب بعد النفر من منى، إلا أن مرتبة الخلاف في بعض الأمثلة المذكورة متفاوتة عند بعض أهل العلم؛ فالخلاف في النزول في المحصب ليس كالخلاف في الصلاة في المساجد التي في الطرقات؛ إذ الصلاة في تلك المساجد لا يظهر أنها من الأمور المتعلقة بصفة الحج؛ بخلاف النزول في المحصب، الذي استحبه كبار الصحابة، ونازعهم آخرون. وعندي: أن الخلاف في هذه المسائل كلها مع ابن عمر من بابة واحدة، فمنطلق ابن عمر في كل هذه المسائل هو محبة الاتساء والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وأن يفعل مثل الذي فعل؛ زمانًا ومكانًا. وليس محل الخلاف والنقاش حول هذه الأماكن: هل يجوز التبرك بها أم لا؟ إذْ لمْ يَرِدْ -في هذه المسائل التي سنوردها- تبرك الصحابة بتلك الأماكن التي تعبد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، غاية ما ورد عن ابن عمر وغيره فعلُهم مثل ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الأماكن؛ من الصلاة والاغتسال والمبيت وهكذا؛ لذا لن نتطرق في هذه الورقة إلى مناقشة مسألة التبرك وبيان الراجح فيها.

ومن المهم كذلك: التنويه بأن هذه الأمكنة والأزمنة التي وقع عليها الخلاف في الاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم فيها لم ترد نصوص بتفضيلها، وإلا لم يحصل الخلاف في مشروعيتها واستحبابها.

وهنا يأتي السؤال:

هل صلاته صلى الله عليه وسلم في تلك الطرقات من أعمال النسك، أم أنها حصلت اتفاقًا؟ وهل مبيته صلى الله عليه وسلم في ذي طوى عبادة أم أنه لأخذ الراحة؟ وهل الاغتسال عبادة في ذلك المكان أم للتنظف لأجل الطواف وحضور مجامع الناس؟ في أمثلة كثيرة..

ما موقف العلماء من فعل ابن عمر رضي الله عنهما؟ وهل اقتدى أحد بفعله أم لا؟

نجد إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري يبوب في كتاب الصلاة: “باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم”([14]).

ويحتج بفعل ابن عمر في مواطن عدة، منها: أنه كان يصلي الصبح بذي طوى ويحدِّد بدقَّة المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. يقول ابن عمر رضي الله عنهما: “ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة”([15]).

ويقول: “إن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فُرْضَتَي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل، نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد، بطرف الأكمة، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفُرْضَتَين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة”([16]).

وهذا التحديد الدقيق يدل على التقصد من ابن عمر رضي الله عنهما، إلا أن الملحظ الذي ينبغي أن يتنبه له في هذه المسألة أن التحديد الدقيق للمكان لم يكن هو مقصود ابن عمر إلا أنه الأفضل، لهذا نجده يقول في الوصف: “أو نحوها”، يعني: قريبًا منها.

وأيضًا: يتعذر الوقوف على المواضع التي وطئها النبي صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة، وهذا لم يغفل عنه من ذهب إلى هذا القول.

وقد عمل بهذا القول ابنه سالم ومولاه نافع، ففي البخاري([17]): يقول موسى بن عقبة: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة.

وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة. وسألت سالمًا فلا أعلمه إلا وافق نافعًا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء.

وأما الإمام مالك فقد روَى أشهبُ عنه أنَّه سُئِل عن الصلاةِ في المواضِع التي صلَّى فيها الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: “ما يُعجبني ذلك، إلَّا مسجِدُ قُباءٍ”([18]).

ونجد في المبيت بذي طوى من تبويبات الأئمة:

قال الإمام البخاري في صحيحه: “باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة، والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة إذا رجع من مكة”([19]).

قال النووي: “باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة والاغتسال لدخولها ودخولها نهارًا”([20]).

وفي الخروج من مكة:

بوب الإمام البخاري: “باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة”، واحتج بفعل ابن عمر، وكان يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك([21]).

وفي الاغتسال بذي طوى:

قال ابن عمر: إن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة([22]).

وقال مالك: “باب دخول مكة وما يستحب من الغسل قبل الدخول”([23]).

وقال ابن خزيمة: “باب استحباب الاغتسال لدخول مكة؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند إرادته دخول مكة”([24])، واحتج بحديثين يرويهما ابن عمر.

وقال ابن المنذر: “الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء”([25]).

ويلحظ من خلال هذه التبويبات أنهم لم يحددوها بذي طوى، إلا أنهم احتجوا في إثبات السنية بما ورد عن ابن عمر.

وفي دخول مكة نهارًا:

قال الإمام الترمذي: “باب ما جاء في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة نهارًا”([26]).

قال ابن خزيمة: “باب استحباب دخول مكة نهارًا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والبيتوتة قرب مكة إذا انتهى المرء بالليل إلى ذي طوى ليكون دخوله مكة نهارًا لا ليلًا”([27]).

قال الإمام النووي: “باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارًا”([28]).

وأما الإمام البخاري فقد بوب: “باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا”([29]).

وفي دخول مكة من الثنية العليا:

قال ابن خزيمة: “باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا استنانًا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ في الاقتداء به الخير الذي لا يعتاض منه أحد ترك الاقتداء به”([30]).

وفي دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة:

قال ابن خزيمة: “باب استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة”([31]).

ولم يحتج ابن خزيمة بفعل ابن عمر تحت هذا الباب.

نخلص مما سبق: أن المواضع التي تقَصَّدَها ابن عمر بالعبادة وافقه غيره من الأئمة، ولا تثريب على من عمل بها، وتقصدها إن أمكنه.

القول الثاني: عدم مشروعية هذه الصور من الأفعال إلا بضوابط:

الضابط الأول: مراعاة السبب والقصد:

وقد ذكر ابن تيمية نماذج وصورًا كثيرة يقوي ويعزز هذا القول، ومفاده في الصور كلها -فيما أعلم- أنه لا يرى الاستحباب فيها، وحجته ظاهرة، أنه يعلل بوقوع فعله صلى الله عليه وسلم اتفاقًا لا قصدًا.

قال ابن تيمية: “والمقصود هنا ذكر متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده، فإذا قصد مكانًا للعبادة فيه كان قصده لتلك العبادة سنة، وأما إذا صلى فيه اتفاقًا من غير قصد لم يكن مشابهته في ذلك، وابن عمر رضي الله عنهما مع أنه كان يحب مشابهته في ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع الذي صلى فيه لا في كل موضع نزل به”([32]).

وفي الحقيقة المتأمل لهذا القول مع قوته ووجاهته يشكل عليه ما يأتي:

1- الدخول في القصد والنيات وإن اتضح في بعض المسائل إلا أنها قد يخفى في أخرى، ويزداد الأمر تعقيدا إذا فعل بعض الصحابة مثل ذلك الفعل، وفعل بعضهم الآخر غير ذلك، أو نص بعض الفقهاء على الاستحباب ونص الآخرون على عدمه، فأنى لنا أن نعرف قصده من اتفاقه صلى الله عليه وسلم حينئذ؟! خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة!

2- ينبه كذلك إلى أن ابن تيمية يحصر فعل ابن عمر في ذات البقعة التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، لا في كل ناحية من نواحي المكان الذي نزل به صلى الله عليه وسلم.

هذا وإن كان ملحظا دقيقا، إلا أن ابن عمر لا شك -كما بيَّنَّا- أنه كان يجتهد ويغلب على ظنه ذلك المكان، والمؤكد أنه قد يتزحزح عنه قليلًا ولا بد.

ولا يفهم من هذا أن ابن تيمية لا يرى الاقتداء والاتساء بأفعاله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الأمكنة مطلقًا -حاشاه ذلك-؛ فقد بيَّن مذهبه تجاه هذه الأمكنة بوضوح، وهو مراعاة القصد والتحري، قال: “فأما الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعًا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب”([33]).

الضابط الثاني: إذا لم يتحقق القصد؛ فالجواز إذا كان يسيرًا.

قال ابن تيمية: “ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان شيئًا يسيرًا كما فعله ابن عمر، ونهى عنه رضي الله عنه إذا كثر؛ لأنه يفضي إلى المفسدة وهي اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهي التي تسمى المشاهد”([34]).

ويشكل على هذا التخريج: كيف يعرف اليسير من الكثير؟!

وإذا قلنا: الضابط العرف، فأي عرف هنا؟!

إلا أن ابن تيمية حدَّدَ القدر الكثير الذي يصير به هذا التردد والتتبع للآثار النبوية غير مشروع، وهو: أن تتخذ تلك الأماكن والآثار عيدًا يجتمعون عليه عندها ويحتفلون بها في أوقات مخصوصة، قال: “وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك، إلا إذا اتخذت عيدًا، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم”([35]).

إلا أن ابن تيمية لا يخالف غيره أن من فعلها بنية الاقتداء والاتساء ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أنه مأجور، وهذه قاعدته في باب الأجور.

كما قال عن المولد النبوي -وهو ممن لا يرى مشروعيته-: “فتعظيمُ المولد واتخاذُه موسمًا قد يفعله بعضُ الناس ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم”([36]). وفي عبارة أصرح قال: “من كان له نيةٌ صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع، إذا لم يتعمد مخالفة الشرع”([37]).

خلاصة رأي ابن تيمية فيما كان يفعله ابن عمر من تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم:

1- استحباب المتابعة إذا كان صلى الله عليه وسلم فعله في ذلك المكان عن قصد.

2- وإذا لم يقصده صلى الله عليه وسلم، بل حصل له اتفاقا، فيجوز مشابهته في صورة الفعل في ذلك المكان إذا كان يسيرًا.

3- الصورة التي ينهى عنها ابن تيمية ويذكر الاتفاق على إنكارها: أن يعظم المكان الذي لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، ويظهر ذلك بأن ينشئ المسلم له سفرًا طويلًا أو قصيرًا.

وهنا مسألتان:

تعظيم المكان، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مكان ونتتبع ذلك المكان للصلاة فيه؛ محبة وتأسيًا به صلى الله عليه وسلم.

ومسألة أخرى: وهي صورة التعظيم أو كيفيته، ومن أمثلتها: أن أنشئ سفرًا لتقصد ذلك المكان. وهذا لا شك أنه غير مشروع.

وابن تيمية له منطلق في مسألة تعظيم الأماكن، مفادها:

1- أنه لا يعظَّم من الأمكنة إلا ما عظَّمه الشارع([38]).

2- أن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه الشرع؛ وذلك لأن تعظيم الأجسام بالعبادة أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان([39]).

ومما يقوي هذا القول: ما ورد عن عمر رضي الله عنه؛ فعن المَعرور بن سُويٍد الأَسديِّ قال: وافيتُ الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلمَّا انصرَف إلى المدينة، وانصرفتُ معه، صلَّى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} و{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ}، ثم رأى أُناسًا يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهبون هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدًا هاهنا صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما أُهلك مَن كان قبلكم بأشباهِ هذه؛ يَتَّبعون آثار أنبيائهم، فاتَّخذوها كنائسَ وبِيَعًا، ومَن أدركتْه الصلاةُ في شيءٍ من هذه المساجدِ التي صلَّى فيها رسولُ الله، فلْيُصلِّ فيها، ولا يَتعمَّدْنَها([40]).

وهذا الأثر الصحيح فيه عدة أمور:

1- صلاة الناس في المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلهم هذا يشبه فعل ابن عمر رضي الله عنهما، فيكون هؤلاء كلهم ممن يرون هذا القول، وهم من أهل القرون المفضلة.

2- إنكار عمر رضي الله عنه هذا الفعل؛ سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك، من تعظيم المكان الذي لم يُعَظَّم في الشرع.

3- لم ينكر عمر رضي الله عنه على ابنه عبد الله في الأماكن التي كان يتتبعها للتعبد؛ سواء في هذا الفعل أو في غيره، ولم يؤثر عنه أثر صحيح في ذلك.

* ومن ناحية أخرى يمكن أن ينظر إلى هذه المسألة من عدة زوايا، منها:

1- حرص ابن عمر رضي الله عنهما أن ينقل للأمة المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هدي المقتدى بهم.

2- محبته لهذا الرسول العظيم والاقتداء به صلى الله عليه وسلم وحرصه على موافقته له في كل أموره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه ابن عمر([41]).

وعن مالك أن رجلًا حدثه عن عبد الله بن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره وحاله ويهتم به([42]).

3- أن ما اختار الله لنبيه من الأمكنة والأزمنة للعبادات هو الأفضل.

ومسألة اختيار الله لنبيه الأفضل يمكن أن يكون منطلق كثير من الناس في حب تتبع أفعاله والاتساء به؛ كما في الوقوف بعرفة عند الصخرات، قال النووي: “وما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقفه صلى الله عليه وسلم عند الصخرات، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان”([43]).

وقال في المجموع بعد ذكره لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نحرت ههنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجمع كلها موقف))، قال: “وجمع هي المزدلفة، والمراد: وقفت على قُزَح وجميع المزدلفة موقف، لكن أفضلها قُزَح؛ كما أن عرفات كلها موقف وأفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات”([44]).

وكذا مكان رميه صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة وزمانه فهو أفضل من غيره؛ فالمكان في بطن الوادي، ويجعل البيت عن يسار الرامي ومنى عن يمينه، والوقت ضحى اليوم العاشر([45]).

وكذا مكان صلاته صلى الله عليه وسلم داخل البيت؛ فكل مكان خص بعبادة فهو أفضل، والمكان الذي اختاره صلى الله عليه وسلم أفضل من غيره([46])، حيث جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه([47]).

وكان ابن عمر يتحرى ذلك المكان، فعن نافع عن ابن عمر أنه سأل بلالًا: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني في الكعبة، فأراه بلال حيث صلى ولم يسأله، قال: وكان ابن عمر إذا دخل البيت ثم صلى يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله صلى عليه وسلم صلى فيه([48]).

4- إن كان هذا الاقتداء قد حصل من ابن عمر في الأمكنة أو البقعة التي لم يرد فيها نص في الأفضلية بخصوصها؛ فلأن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمكنة التي ورد فيها الفضل من باب أولى.

لذا علينا أن ننظر إلى أفعال ابن عمر بصورتها الكاملة حتى يكون الحكم أدق، فهو رضي الله عنه مشهور بشدة اتباعه وحرصه على تطبيق السنن.

وخلاصة القول فيما فعله ابن عمر فيما يتعلق بتتبع الأماكن التي تعبَّد فيها النبي صلى الله عليه وسلم خاصة المساجد التي في الطرقات -، وموقف المجيزين والمانعين:

المانعون يستندون إلى:

1- موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

2- عزوف الصحابة عن صنيع ابن عمر.

3- سدًّا للذريعة .

المجيزون يستندون إلى:

1- فعل ابن عمر رضي الله عنهما، وسالم ونافع، وغيرهم.

2- عزوف كثير من الصحابة عن الإنكار عليه([49]).

وقد بينّا أن القول بالجواز له حظ من النظر، حتى عند القائلين بالمنع؛ فإنهم لم يمنعوا ذلك مطلقًا؛ بل أجازوا شريطة أن يفعل في تلك الأمكنة مثل الذي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتجاوزه إلى ما لا يشرع، وأن لا يعظم المكان الذي لم يعظمه الشرع.

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبيا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ومما يُلحق من الأفعال من خصوصياته: ما فعله صلى الله عليه وسلم للبيان والتبليغ، فإنه قد يكون لغيره مفضولًا؛ لأنه يجب عليه ما لا يجب على غيره؛ كوجوب البلاغ والبيان؛ لذا قد يترك المستحب أحيانًا لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لبيان التبليغ. وهذا النوع من الأفعال قد لا يطلب من الناس المتابعة إلا إن كان في مقام البيان للناس؛ كالعالم والإمام المطاع. انظر: فتح الباري (4/ 280).

([2]) أخرجه البخاري (1062)، ومسلم (1185)، عن أنس رضي الله عنه.

([3]) أخرجه البخاري (1544) عن عمر رضي الله عنه.

([4]) أخرجه البخاري (968)، ومسلم (1180)، عن ابن عمر رضي الله عنها.

([5]) أخرجه البخاري (390)، ومسلم (6355)، عن ابن عمر رضي الله عنها.

([6]) انظر: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، د. محمد العروسي (ص: 18).

([7]) مجموع الفتاوى (27/ 108).

([8]) وهناك أمور كثيرة فعلها ابن عمر -وهي من قبيل المباحات- محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، سبق الكلام عن حكمها في القسم السابق، وهي ليست مرادة هنا.

([9]) إحكام الأحكام (1/ 160)، وانظر: شرح مراقي السعود (1/ 318- 319).

([10]) التمهيد (ص: 440).

([11]) انظر: تيسير علم أصول الفقه للجديع (ص: 123).

([12]) القواعد (115).

([13]) أخرجه البخاري (1573، 1575).

([14]) انظر: حديث (491).

([15]) انظر: حديث (491).

([16]) انظر: حديث (492).

([17]) برقم: (483).

([18]) شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 159).

([19]) صحيح البخاري (1767).

([20]) شرح صحيح مسلم للنووي (9/ 5).

([21]) صحيح البخاري (1769).

([22]) أخرجه الحاكم (1/ 615)، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([23]) موطأ مالك (472).

([24]) صحيح ابن خزيمة (2/ 1278).

([25]) ينظر: فتح الباري (3/ 435).

([26]) سنن الترمذي (854).

([27]) صحيح ابن خزيمة (2/ 1277).

([28]) شرح صحيح مسلم للنووي (1259).

([29]) صحيح البخاري (1574).

([30]) صحيح ابن خزيمة (2/ 1277).

([31]) صحيح ابن خزيمة (2/ 1280).

([32]) مجموع الفتاوى (17/ 496).

([33]) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 276).

([34]) مجموع الفتاوى (17/ 496).

([35]) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 275).

([36]) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 126).

([37]) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 251).

([38]) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 409، 410).

([39]) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 650).

([40]) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (12/ 544)، وصححه الألباني في تخريج فضائل الشام (ص: 49)، وقال في الثمر المستطاب (1/ 472): “وهذا إسناد صحيح على شرط الستة”.

([41]) طبقات ابن سعد (4/ 135).

([42]) المعرفة والتاريخ (1/ 491).

([43]) المجموع (8/ 131)، وانظر: البحر الرائق (2/ 365)، مواهب الجليل (3/ 92)، المغني (3/ 208).

([44]) المجموع (8/ 142).

([45]) صحيح مسلم (1299).

([46]) انظر: سبل السلام (2/ 427).

([47]) صحيح البخاري (505)، وصحيح مسلم (1329).

([48]) أخرجه البخاري (506).

([49]) انظر: الحوادث والبدع (ص: 159- 161).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017