الثلاثاء - 14 صفر 1440 هـ - 23 أكتوبر 2018 م

ضوابط التفسير عند السلف: مناقشة لأهل الإعجاز العلمي في الأسلوب والنتائج

A A

أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ووصف المتلقين له ابتداء بالعلم، فقال سبحانه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فصلت: 3].

وَبَيَّنَ مقاصده وأحكامه، ووصفه بالتفصيل والإحكام، كما وصف أخباره بالصدق وأحكامه بالعدل، فقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنعام: 115].

وتحدى الله الناس به، وجعله معجزا في ألفاظه ومعانيه ومعلوماته التي يقدم للبشرية، والذي يقرأ القرآن ويفقهه يجد أنه كتاب لهداية البشر وإرشادهم إلى الله، وتنظيم حياتهم وفق مراد الله سبحانه وتعالى، وليس كتابًا فيزيائيًّا ولا كيمياويًّا ولا طبيًّا، ولا يحتاج في معلوماته إلى قِطع غيار من أي علم آخر ليشهد له، وكل العلوم غير الدينية إنما يشير إليها بحسب ما تخدم به المقصد الأصلي وهو هداية الناس إلى رب العالمين، كما أن ربانية القرآن التي هي ميزته الحقيقية تجعله بعيدا عن التأثر بالواقع أو الخضوع له أو الاستجابة للضغوطات الحضارية المهيمنة، فكل هذا مستحيل وقوعه في حق القرآن، ومحاولة تطويعه له خروج به عن مقصده، فهو جاء لتغيير حياة الناس وإصلاحهم، وليس للتكيف معها أو أخذ مقاعد الاحتياط.

ومع طغيان العلم التجريبي وعلو صوت المادية المعاصرة كأداة لتفسير الكون والحياة واستبعاد كل ما هو ديني، ووقوع بعض الديانات السماوية -بعد تحريفها- في شجار مع العلم وحقائقه؛ أدى ذلك ببعض الغيورين على الدين إلى محاولة إبراز محاسن الدين الإسلامي، من خلال تبيين عدم معارضته للحقائق العلمية، وأنه سبق العلوم التجريبية لكثير من الحقائق التي يفتخر أهلها باكتشافها.

وقد كانت مشكلة هذه المحاولة أنها لَبِسَت لَبُوسَ الدفاع؛ مما أدى بها إلى المبالغة في التفسير العلمي، وجعله علما مستقلا قد يعارض به ما استقر قبله من التفاسير المأثورة عن السلف ممن لهم قصب السبق في هذا الفن، وهم أهل التنزيل ومن شهدوه، وهذا يعتبر بالنسبة لهذه المحاولة مأزقا علميًّا ونفقا تفسيريًّا لا بد من تهذيب المحاولة معه؛ حتى لا تضيع في متاهات المادية، وتخرج بالقرآن عن معهود اللسان العربي، وتنظر بعين الازدراء للمأثور عن السلف من الصحابة والتابعين.

وسوف نحاول معالجة هذه الظاهرة معالجة علمية ترد الأمور إلى نصابها، وتبين الأصل في هذا الباب.

المأزق العلمي لنظريات الإعجاز:

تفسير القرآن لا بد أن يراعي أسلوب القرآن الذي جاء به، كما أنه لا بد أن يتفق مع مقاصد الشريعة في وضعها، وذلك أن الشريعة أمية جرت على معهود الأميين في الخطاب، فإن فهمها يُطلب من هذه الجهة، ولا مدخل للعلوم الأخرى في فهمها، فالقرآن لم يقصد لتقرير شيء من العلوم مما لا ينبني عليه شيء في معهود المخاطبين بالوحي ابتداء، وكذلك فإن الشريعة نزلت بلسان عربي، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمة عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في معاني الألفاظ والأساليب؛ فإن العرب لا ترى الألفاظ تعبُّدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها، وليس أحد الأمرين عندها بملتزم، ثم إن اللفظ لا يكون مدحا في الأفهام إلا إذا كان عاما لجميع الناس فهمه، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني([1]).

وعليه فأي تفسير للقرآن يجنح للغموض أو الرموز أو الكنايات التي لا تفهم، فإنه خروج بالقرآن عن مقصده أولا، ووصفه ثانيا وهو البيان للناس كافة، فما لا يستوي الناس في فهمه فليس بشرع، وحين يحاكم الإعجاز العلمي لهذا المعنى فإنه يقع في مأزقين لا محيد عنهما:

أولهما: عدم جريانه على معهود العرب في الخطاب، وخروجه بالألفاظ عن معانيها الأصلية التركيبية إلى معاني مولدة حادثة بعد القرآن، مع التعقيد الذي يصعب فهمه على عامة الناس، وهو جزء كبير من المخاطبين بالوحي.

ثانيا: رفع الإعجاز كشعار في التفسير قد يؤدي على إخراج الأوامر الشرعية عن بعض مقاصدها، وهي أنها مترددة بين الامتثال والابتلاء، وعليه فلا بد من العمل بها قبل معرفة علتها وحكمتها([2])، وحين نجنح بالتفسير نحو التعليل المادي ونجعله جزءًا منه، فإن هذا قد يؤدي إلى التوقف في كثير من الأحكام الشرعية حتى يصدقها العلم، أو نوجد لها تفسيرا يثبت عدم معارضتها له، وهذا خروج عن معنى التسليم والاستسلام لله عز وجل؛ فإذا تبين أن هذه مآزق شرعية فلا بد من تبيين ضوابط للتفسير وللتعامل مع ألفاظ القرآن والسنة؛ حتى لا نقع في الغلط الفاحش أثناء محاولة التفسير، ومن هذه الضوابط:

أولا: مراعاة أسلوب العرب وأسلوب القرآن خاصة:

فإن العرب تعتني بالمعاني المبثوثة، وقد أقامت الألفاظ من أجلها، وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى الإفرادي لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهومًا دونه([3])، يشهد لهذا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ قول الله: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، قال: ما الأب؟ ثم قال: ما كلِّفنا هذا([4]). وهو هنا ترك التكلف؛ لأن المعنى مفهوم من جهة التركيب، ولا ينبني شيء على فهمه من جهة الإفراد.

ويشهد لهذا أصل آخر وهو قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177]. فليس معرفة الجهات هي المقصودة من الأمر بالقبلة، بل المقصود هو ما يترتب على ذلك من امتثال أوامر الله والتصديق بشرعه.

وعليه فإن اللازم هو الاعتناء بفهم معنى الخطاب؛ لأنه المقصود والمراد، أما تلمس الغرائب والمعاني على غير الوجه الذي ينبغي، فتكون المسائل مبهمة وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب.

ثانيا: مراعاة اهتمام القرآن:

فالقرآن جاء ووجد عند العرب علوما كثيرة، منها: الطب والنجوم والحساب وعلم الفلك والعيافة والكهانة والطيرة، فأبطل ما كان من هذه العلوم مخالفا للشرع، وأبقى على ما فيه منفعة، واستخدمه وبين منفعته، فقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [يونس: 5]، وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا} [الإسراء: 12]. وأبطل الكهانة والعرافة فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم} [الشعراء: 222]. فعن قتادة في قوله: {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} قال: هم الكهنة تسترق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس([5]).

فهذه العلوم التجريبية موقف القرآن منها هو إقرار النافع وتبيين المصلحة منه، وإبطال الباطل ورده، وهي لا تهدي إلى الله كهداية الوحي، ولا قريبة منه؛ بدليل أنها وجدت عند الناس ولم يهتدوا بها حتى نبهوا على وجه الهداية فيها والنعمة، فينبغي مراعاة ذلك في الكلام عنها، وأنه لا يمكن الاستغناء بها عن الوحي ومعرفة مراد الله عز وجل.

ثالثا: مراعاة السياق:

فالكلمة وإن احتملت عدة معان إلا أن السياق يحصرها في أحد هذه المعاني أو بعضها، فيبقى الكلام في بقية المعاني خارجا عن نطاق النص ومدلوله، وأحيانا عن مراده.

مثال ذلك: آيات العدة، سواء في الطلاق أو الوفاة، فإن المقصود من ذلك تشريع مكث المرأة دون زواج لهذه الفترة امتثالا لأمر الله عز وجل وتحقيقا للحكم الشرعي، فإذا ثبت علميًّا أن لذلك حكمة معينة في حق المطلقة فإن الحكم لم يترتب عليها؛ بدليل أن الشارع لم يشر إلى ذلك ولم يبينه، وقد تتخلف هذه الحكمة في عدة الوفاة، فلا يمكن نقصان العدة ولا زيادتها، فإن تلمس المعنى الطبي لا إشكال فيه، لكن أن يجعل حكمة مع عدم التنصيص عليها، فإنه خروج بالنص عن سياقه.

ومثله ما ورد في قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَه} [القيامة: 4]. قال المفسرون: “{بَلى قادِرِينَ} يعني: كنا قادرين {عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ} يعني: أصابعه، يعني: على أن نلحق الأصابع بالراحة ونسويه حتى نجعله مثل خف البعير، فلا ينتفع بها كما لا ينتفع البعير بها ما كان حيا”([6]).

وهذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن، وهو المناسب لمعهود المخاطبين ومعارفهم، ويدل عليه السياق، فالخروج عن هذا المعنى الظاهر الأوَّلي إلى البصمات ودورها في معرفة المجرم([7]) تعقيد للنص، وخروج به عن سياقه وعن مدلوله، كما أنه تجهيل للمخاطبين بالوحي ابتداء بأنهم لم يفهموا مراد النص، وهو أيضا محاكمة للنص إلى معنى حادث بعده لا دخل له في مدلوله.

ونفي هذا الأسلوب كأسلوب في التفسير لا يعني نفي المعلومة نفسها، وإنما ينفى كونها متبادرة من ظاهر النص أو مقصودة له، فقد مر معنا في أول هذا البحث أمية الشريعة في الخطاب، وأن ميزتها الجنوح إلى الوضوح وعدم التعقيد.

رابعا: مراعاة تفسير السلف:

والمقصود بالسلف الصحابة والتابعون، وهؤلاء أعلم الناس بلسان العرب وبالقرآن، وهم المخاطبون به ابتداء، فلا يمكن إطباقهم على قول باطل في فهم آية من القرآن أو في التعبير عن معناها وفق مراد الله عز وجل، فالإتيان بتفسير يخالفهم ويناقض أقوالهم جميعا ويبطلها لا يمكن قبوله أبدا؛ لأن هذا يعني وببساطة أن أمة محمد المخاطبة بالوحي أولا قد أخطأت فهمه، وفي هذا ازدراء للقرآن الذي زكاهم وبين أنهم أهل التقوى، وأحق الناس به، لكن التفاسير التي تأتي بعدهم ينبغي أن تراعي الأمور الآتية في التفسير:

الأمر الأول: الاختيار من أقوال المفسرين السابقين.

الأمر الثاني: الإضافة على ما قاله السلف، لكن يحرص على أن يكون مضيفا لا ناقضا ولا مبطلا لأقوالهم([8]).

مثاله قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب} [الحج: 73].

فالسلف متفقون على معنى لهذه الآية وهو: أن المسلوب هو الصنم، والمسلوب منه هو ما يضعه عليه أهل الجاهلية من طعام أو طيب أو غير ذلك، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والسدي وابن جريج([9]). وهو الذي يدل عليه السياق، وسيقت الآية من أجل بيانه.

لكن في العصر الحديث تم اكتشاف أن الذباب إذا ابتلع شيئًا من الطعام فإنه يتحول في جوفه إلى مواد أخرى؛ ولذلك لا يمكن استرجاعه. لكن مع القول بهذا فالسؤال المطروح: هل يكون معنى الآية أعم من سياقها؟ وهل هو أرجح في السياق مما سبقه؟

فيقال: إن هذا التفسير لو أبقي عليه كاحتمال ثان تحتمله الآية فلا إشكال، لكن إذا أبرز ورجح واعتبر القول المأثور عن السلف لا يؤدي المعنى، فهنا يقع الإشكال، فلهذا لزم مراعاة أقوال السلف وعدم نقضها بالأقوال الحادثة بعدها، فهي مقبولة إذا كانت إضافة وتأكيدا، لكن لا يمكن أن تقبل على أنها تفاسير جديدة تهدم ما قبلها مما استند إلى اللفظ والقرائن والسنن.

المخرجات ومحاولة الرد إلى المنبع:

حين نحاكم تفسير الإعجاز العلمي إلى منطق التفسير الذي تواضع عليه علماء التفسير فإننا نخرج بنتيجة غير مرضية، وذلك لما ينبني عليه هذا الفن من تعقيد في الوصول للحقائق القرآنية، وهو ما يبعد كثيرا من الناس عن فهم القرآن وجعله حكرا على العلماء الماديين، فضلا عما يؤدي إليه عند بعض غير الحذاق من المعتنين به من ازدراء تفسير السلف الصالح، والاكتفاء بالتعليل المادي للشريعة، وربط الناس بمعاني مادية قد تخرج بالمكلف عن روح الشريعة، وتبتعد بالقرآن عن مدلول آياته، فقد تكلف بعض أهل الإعجاز المنبهرين بالعلوم المادية محاولة رد بعض آيات القرآن وتفسيرها تفسيرا يتناسب مع مقتضيات العصر حسب زعمه، فأنكر وجود يأجوج ومأجوج، ورد الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب؛ مرجعا موقفه المكذب للنصوص إلى أن الأرض قد اكتشفت من قبل العلماء، ولم يوجد عليها أي سد ولا شيء يدل على وجود هذا الشعب الغريب، وهو في هذا يدَّعي نقصان الشريعة وكمال العلم التجريبي، مع أن العلم لم يصل في هذا العصر إلى نهايته ولن يصل، فلا تزال دنيا الناس مليئة بالعجائب والغرائب المحيرة التي لن يجد العلم لها أي تفسير.

ومن ناحية أخرى فإن نسبة الإعجاز إلى العلم الكسبي يخالف مفهوم المعجزة لغة واصطلاحا، فالأصل أن ما يتحدى به النبي الناس ليس في مقدورهم فعله، ولا اكتشافه؛ ولذلك لم يتحدَّ القرآن صراحة الناس بالاكتشافات العلمية المثيرة ولو كانت غريبة عليهم؛ وذلك أنها في مقدورهم ولو بعد حين، وإنما تحداهم بالتشريع والخوارق التي أظهرها على يد نبيه صلى الله عليه وسلم مما لا علم لهم به ولا لآبائهم.

كما أن العلوم التجريبية تستبعد الأبعاد الأخروية لأي مكتشف تكتشفه، وهو ما يجعل الاعتماد عليها نزوحا بالوحي عن موضوعه، وإدخالا له في متاهات لا تستقر على حال، وقد امتهن أسلوب الإعجاز العلمي أناس ليسوا من المختصين في الشرع، ولا علم لهم بحقائق القرآن ولا بمنهج التفسير المتبع، وإنما اكتفوا بإتقان العلوم الدنيوية ومحاكمة القرآن إليها، ولو أدى ذلك إلى الخروج بالقرآن عن موضوعه وطبيعة تقريره للأشياء، ولا شك أن المختص في التفسير يرد يده إلى فيه حين يسمع أحدهم يتكلم عن أنواع البحار والظلمات الموجودة فيها انطلاقا من قوله سبحانه تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور} [النور: 40].

وكف يخرج بالآيات عن سياقها حين يفسرها هذا التفسير ويجعله مقصودا لها، ونحن لا ننفي أن القرآن قد ضرب المثل بشيء موجود كما هو الحال في ضربه الأمثال بالعبيد والجبال والشجر والدواب والناس؛ لكن المثل سيق لمعنى ينبغي أن يقرر قبل أن يدخل في تفاصيل أخرى، لو علمت فإنها لا تزيد المعنى ولا تحسنه.

وليس المراد مما سبق رفض كل تفسير أو رفض كل محاولة يقوم بها أهل الإعجاز العلمي في القرآن، وإنما المراد رفض أن يكون العلم أسلوبا متبعا في تفسير جميع آيات القرآن، أو أن يكون علما مستقلا له أدواته التي يستقل بها عن أدوات التفسير المعتبرة عند أهل العلم، أو يتحمس له المنتسبون والمشتغلون به كما وقع لبعضهم، فيتجاوزا تفسير السلف ويعتبروه تفسيرا آنيا ليس ملزما، سواء في تبيين المعاني أو تقرير الأحكام؛ إذ ذلك لا يكون إلا بالرجوع بالكتاب إلى القواعد المعتبرة عند أهل العلم في التفسير، وسلوك ما سلكه أئمة الإسلام من جمع بين الآيات ومراعاة لمقاصد الشريعة العامة، من ذلك: مقصدها في التكليف، ومقصدها في الإفهام، ومقصدها في الامتثال، فكل ما لا يخدم هذه المقاصد أو يخل بها فإنه مردود، ونتائجه تعتبر مريبة وإن بدت في ظاهر الأمر صالحة أو مقبولة.
ـــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: الموافقات، للشاطبي (2/ 62) وما بعدها.

([2]) ينظر: نثر الورود (1/ 140).

([3]) ينظر: الموافقات، للشاطبي (2/ 84).

([4]) رواه ابن سعد في الطبقات (3/ 327).

([5]) ينظر: تفسير الطبري (19/ 414).

([6]) ينظر: فسير مقاتل بن سليمان (5/ 510).

([7]) ينظر: الجواهر، للطنطاوي (3/ 97) وما بعدها.

([8]) الإعجاز العلمي إلى أين؟ مساعد بن سليمان الطيار (ص: 116).

([9]) ينظر: الدر المنثور (10/ 540).

رد واحد على “ضوابط التفسير عند السلف: مناقشة لأهل الإعجاز العلمي في الأسلوب والنتائج”

  1. يقول محسن خلف:

    مقال جميل ورائع وعلمي ، وحل كثيرا من الإشكاليات ، ويضاف إلى ما تفضل به كاتب المقال ، أن ما يربطون التفسير به من العلوم إنما هي أمور احتمالية ، وليست قطعية ، فالعلم ليس فيه حقائق ، فهو ليس منطق ، وعمليا قد ثبت أخطاء كثيرة فيما قيل أنه إعجاز علمى وتبين خطؤه ، فأوقع المسلمين في حرج. بالإضافة لجعلهم أمور واقعية واضحة عرفها العرب قبل نزول القرآن – جعلوها إعجازا.

    وجزاكم الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حديث الأوعال رواية ودراية

دأب كثير من أهل الأهواء على إنكار عقيدة أهل السنة والجماعة، واتهامهم بالمنكر من القول والزور، وطرقُهم وحيلُهم في سبيل تحقيق ذلك لا تنتهي، ومن أشهرها: أنهم يعمدون إلى حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم -بغضِّ النظر عن صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو ضعفها- ثم يلصقون العقائد المخالفة والأقوال […]

من قواعد الأسماء والصفات: التفصيل في مقام الإثبات والإجمال في مقام النفي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفة الله تعالى والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلّ علوم الدين كلها؛ فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهة الكريم أجلّ المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم؛ وقد قال تعالى لرسوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلّةَ إبراهيم حَنِيفا وَمَا كَانَ […]

التأثُّر والتأثير بالقراءة رؤية سلفية

جلُّ الخلاف بين الطوائفِ والفرق راجعٌ إلى الحظوة العلميَّة ومدى شهادة العلم لأصحابه بالحقِّ، وأيُّ طائفة تراهِن على العلم ولا يزعجها الوعيُ الثقافيُّ ولا كثرة الاطلاع دائمًا ما تكون هي الأقوى في الحجَّة والأقرب للصواب، ومن هنا كانت القراءة أداةً للتحصيل العلميِّ ووسيلةً للاطلاع الواسعِ على شتى الفنون، فكان لزامًا على أيِّ حراك أن يتبنَّاها، […]

المصلحة بين ضبط أهل الأصول وفوضى المتأخِّرين

 جاءت الشريعة بالمصالح وتكميلها، وجعلتها مقصدًا من مقاصد التشريع التي لا يمكن تجاوزها، وراعتها في جميع التكاليف الشرعية، فما من تكليف إلا والشريعة تراعي فيه المصلحة من جهتين: من جهة تحصيلها، ومن جهة درء ما يعارضُها من مفاسد متحقِّقة ومظنونة. والمصلحة المعتبرة شرعًا قد أخرج الفقهاء منها اتباعَ الهوى وتأثيرَ الشهوات، وذلك بمقتضى النصوص الشرعية […]

هل المسجد النبوي الشريف مسجد مبنيّ على قبر؟

 عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك»([1]). دلَّ هذا الحديث على حرمة بناء المساجد على القبور. قال ابن تيمية: «وقد اتفق أئمة الإسلام على […]

لماذا يصطفي الله بعض البشر للنبوة ويجعلهم أول الفائزين؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة يــا صفوةَ الناسِ، أحباري معكَّرةٌ             وليسَ يروي يراعي اليـــومَ تحبيـــرُ فهل بعُمقِ عُبابِ الحُبِّ لي مددٌ             يفــــــوحُ منهُ على الوجدانِ كافورُ؟ هواكــمُ ليـــسَ إلا القلــبُ يفهمُهُ          وليسَ يُسعِفني فـي الحُبِّ تعبيـــرُ ….. أقلِّبُ الطرفَ في دُنيـــا فضـــائلكُـــم       يعـــود لي خاسئًا والطرْفُ محسورُ […]

القيم الروحيَّة وأهمّيتها في التديُّن

خلق الإنسان من جسد وروح، وجعلت سعادته وقيمته في الروح، وكان الجسد مجرَّد وعاء لهذه الروح، يشقى بشقائها ويسعد بسعادتها، فالروح لها قيمة عالية في تكوين حياة الإنسان وتشكيل انطباعه عن الحياة التي هي سر وجوده، ومن هنا كان الحديث عن القيم الروحية في تكوين التديُّن الصحيح للشخص حديثًا عظيمًا في جميع الفلسفات والأديان، وقد […]

 ترجمة الشيخ محمد بن بير علي البركوي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     ترجمة الشيخ محمد بن بير علي البركوي([1]) اسمه: هو محمد بن بير علي بن إسكندر الرومي البِرْكِويّ- بكسر الباء والكاف- أو البِرْكلي، أو البيرْكلي نسبة إلى (برْكَي)([2]) وهي بلده التي قضى آخر سنواته فيها. واشتهر بـ (البركوي) وهذا الذي عليه أكثر من كتب في ترجمته([3]). لقبه:  كان يلقب […]

حديث: «شدة الحر من فيح جهنم» والرد على المبطلين

من أبرز سمات المؤمن تصديقَه بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويقينه بأنه لا تعارض البتة بين المنقول الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعقول الصريح، وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) هذا المعنى بقوله: “ليس العقل الصحيح ولا الفطرة المستقيمة بمعارضة النقل الثابت عن رسول الله صلى […]

الغناء من جديد… إخفاء الخلاف.. ودرجة الخلاف.. ومسائل أخرى

 ليس الغرض من هذه المقالة إعادة البحث في مسألة الغناء من جهة الحكم، وبسط الأدلة والترجيح، والرد على المخالفين، فالموضوع من هذه الزاوية قد أشبع الكلام فيه قديمًا وحديثًا([1]). ولكن الغرض هو تقييم الموقف السلفي من هذه المسألة، والموقف الذي نريد تقييمه هو درجة الخلاف في المسألة؛ إذ يرى عامة العلماء السلفيين المعاصرين أن الخلاف […]

التجديد والثورة على السلف

لم يكن التجديد الإيجابيُّ مرفوضًا في داخل الثقافة الإسلامية، وكان تداوله تداولًا بريئًا لا يحمل أي شحنة ثقافية في رفض النقل عن السلف، ولا يعدّ المجدد خصيمًا للسلف ولا لإنتاجهم العلميّ، بل مستوعبًا وموضّحًا ما اندرس منه، وهنا استطاع المجدّدون من الأئمة البناء على المنجزات التي سبقتهم والإضافة إليها، دون الانحياز إلى فِناء آخر والبناء […]

نماذج من الالتفاف على النصوص الشرعية عند الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قامت النظرةُ الحداثية على اعتبار الدِّين قيمةً اغتصبت مركزَ القيادة في المجتمع، وحقُّها أن تُجعل في قفص الاتِّهام، ومن هنا جعلوا الوحي مرمًى لساهمهم، وحاولوا جعل جسور منيعة دونه للحيلولة بين الناس وبينه، وكان من أهم هذه الجسور التأكيد على انتهاء صلاحية العلوم المتعلّقة بالوحي وفهمه؛ ليتسنى لهم بعد […]

حديث: “الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان” إيضاح ومناقشة لما أثير حوله من الإشكالات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله الذي يدافع عن الذين آمنوا وينصرهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بالإنصاف وحثهم على التحلي به، ونهاهم عن مجاوزة الحدود في الخصام؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا […]

موقف المدرسة السلفية من الخلاف الفقهي

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله»([1])، فهما مصدر التشريع لهذه الأمة، ولذا فقد كان المنهج السلفي قائمًا على العودة بالأمة إليهما، وطرح كل قول يخالفهما. وقد حرص المعاصرون من علماء المنهج السلفي على ذكر الدليل على ما يفتون به رغم أن هذا لا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017