السبت - 09 ذو الحجة 1445 هـ - 15 يونيو 2024 م

التأثُّر والتأثير بالقراءة رؤية سلفية

A A

جلُّ الخلاف بين الطوائفِ والفرق راجعٌ إلى الحظوة العلميَّة ومدى شهادة العلم لأصحابه بالحقِّ، وأيُّ طائفة تراهِن على العلم ولا يزعجها الوعيُ الثقافيُّ ولا كثرة الاطلاع دائمًا ما تكون هي الأقوى في الحجَّة والأقرب للصواب، ومن هنا كانت القراءة أداةً للتحصيل العلميِّ ووسيلةً للاطلاع الواسعِ على شتى الفنون، فكان لزامًا على أيِّ حراك أن يتبنَّاها، ويبيِّن مدى خدمتها له.

فالقراءة المستمرةُ والصحيحةُ ترشد إلى الاستكشاف والبحثِ الذاتي عن المعرفة التي تمثل الطريق السليم نحو ثقافة عالية وتطوُّر معرفي يصاحب الفرد عبرَ فترات حياته، ومع تغيير أهداف القراءة يكتسب الإنسان مجموعةً من المعلومات والحقائق المفيدة في مختلف العلوم والآداب شاملة أيضًا ما يحمله الفرد من إرث وتراث متمثِّل في العقائد والأحكام الشرعية.

وقد أدرك أتباع المنهج السلفيّ هذه القضية وأهميتها، فراهنوا على القراءة وسعة الاطلاع، وجعلوها حكَمًا بينهم وبين خصومهم، وأحالوا عليها عند النزاع، وكان من بين ما يُلام مخالفو المنهج السلفي عليه -بما في ذلك من لم يتعمد الخصومة مع المنهج- أن من أسباب خلافهم مع المنهج قلَّةَ اطلاعهم والقصورَ المعرفي في بعض الأبواب كما وقع للغزالي في الحديث؛ فإن ضعفه فيه وقلَّة بضاعته كانا سببين في ضعف تأثُّره بمنهج أهل الحديث، وما اطَّلع فيه على أقوالهم وتراثهم أصاب فيه الحق.

وقد عوَّل كلُّ مصلحٍ في دعوته الإصلاحية الصادقة للتأثير على الناس على دعوتهم للاطلاع على تراث السلف ومصنفاتهم، يقول ابن الجوزي رحمه الله: “وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم؛ فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم… ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع”([1])، ويقول: “رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصودَ النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها”([2]).

فانظر كيف يرى ابن الجوزي أنَّ المطالعة والقراءة الموجّهة وفق رؤية سلفيّة لها تأثير أكثر من أي تأثير لعلم نظريٍّ آخر.

كما أن القراءة للسلف والاطلاع على أقوالهم من أهمّ وسائل البناء العلمي السليم للأفراد والطوائف، وكان التعويل عليها منهجًا علميًّا متَّبعًا عند الراسخين في العلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فمن بنى الكلام في العلم -الأصول والفروع- على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريق أئمة الهدى”([3]).

فإن الحكم الحقيقي في التأثير في الناس هو إشاعة القراءة بينهم وتوجيههم نحو الكتاب والسنة وآثار السلف، فهذا كاف في حسم المعارك العلمية مع العلماء والعامة لصالح السلفية؛ لأنها الأحظى بموافقة منهجهم، ولم تشهد الأمَّة إقبالا على القراءة والتراث إلا شهدت معه سطوعًا قويًّا لشمس السلفية، وانكشافًا لخصومها؛ لأنه بالاطلاع على التراث وقراءته قراءة صحيحة يتبين الأقرب لمنهج السلف من غيره، ويتبين المدَّعي من الصادق؛ ولذا اعتنى السفليون قديمًا وحديثًا عناية فائقةً بكتب السلف ومطالعتها، وخصوا المسندة منها وحَقَّقُوهَا وقَرَّبُوهَا للناس؛ لأن في تقريبها وإشاعتها ونشرها تبيينًا للحق ودحضًا للباطل، كما اهتمَّوا بتراجم السلف والأعلام؛ لأن في تراجمهم ما يقرِّب حياتهم للقارئ، ويجعله يفهم طبيعة تناولهم للنصوص، وكيف كانوا يرونها ويتعاملون معها، كما أن الترجمة المختصة تكشف المستوى العلميَّ للرجال ومنزلتهم في الفنون، ومن هنا كانت تراجم أعلام السلفية كذلك حَكَمًا بينهم وبين خصومهم، ولعل شعار السلف “سمّوا لنا رجالكم” يعكس الْمُكْنَةَ العلمية لعلماء السلف، وما كانوا يتَّسمون به من هيبة علمية ومقام اجتماعي، يكفي في دحض أقوال من يخالفهم والتشكيك في منهجه وصدقه، وحال السلف يعكس علوَّهم الأخلاقيَّ والعلمي، وفضلهم على سائر الناس، فقد قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليتَ لم لا تجلس معنا؟ قال: “أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟! أنتم تغتابون الناس”، وعن ابن المبارك قال: “ليكن عمدتكم الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسِّر لكم الحديث”([4]).

وإذا أردنا في هذه الفترة التي يسعى فيها بعض خصوم السلفية لإطفاء نورها وإبعادها عن حياة الناس أن ننصر المنهج السلفي، فإن ذلك يستدعي منَّا تركيزًا على تراث السلف، وتوجيه الناس إليه، فطالما استكثر خصوم السلفية بعلمائهم، وعدَّدوهم وأشادوا بمؤلفاتهم، في حين لو ذكر علماء السلف وما ألفوه في أي باب مما يختلف فيه خصوم السلفية معها لتبين أن ما يمدح من العلماء لا يساوون شيئًا بجانب الجهابذة من علماء أهل السنة وأنصارها في القديم والحديث، فينبغي التركيز في جانب المعتقد وتقريره على الكتب المسندة في العقيدة مثل: كتاب التوحيد لابن خزيمة، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وكتاب الشريعة للآجري.

وكذلك بعض الكتب التي اختصت بأبواب معينة من المعتقد؛ مثل: كتاب القدر للفريابي، وكتاب النزول للدارقطني.

وكذلك ما ألف في الرد على أهل البدع والانتصار لمنهج أهل السنة؛ كالرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، وخلق أفعال العباد للبخاري، ومثل: الرد على بشر المريسي، والرد على الجهمية للدارمي، وقد كان ابن تيمية يثني على هذين الكتابين كثيرًا، وغيرها من الكتب التي لا نزاع في علم أصحابها وأسبقيتهم على غيرهم.

وفي جوانب السلوك والتعبد والحياة العملية تشاع كتب السنة الصحيحة؛ مثل: الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها من الكتب، بالإضافة إلى أقوال الأئمة المتقدمين من أهل المذاهب الفقهية الأربعة قبل ظهور البدع واستحكامها في حياة الناس؛ فإن هذا كفيل بتغيير مسار الفكر عند المتعلمين من جميع التيارات؛ فإن خصوم السلفية يعوِّلون على تزييف الوعي أكثر من تعويلهم على الحجة والبيان.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) صيد الخاطر (ص: 453).

([2]) المرجع السابق (ص: 228).

([3]) مجموع الفتاوى (10/ 363).

([4]) ينظر: سير أعلام النبلاء (7/ 377).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

مآخذ الفقهاء في استحباب صيام يوم عرفة إذا وافق يوم السبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فقد ثبت فضل صيام يوم عرفة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (‌صِيَامُ ‌يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)([1]). وهذا لغير الحاج. أما إذا وافق يومُ عرفة يومَ السبت: فاستحبابُ صيامه ثابتٌ أيضًا، وتقرير […]

لماذا يُمنَع من دُعاء الأولياء في قُبورهم ولو بغير اعتقاد الربوبية فيهم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة هناك شبهة مشهورة تثار في الدفاع عن اعتقاد القبورية المستغيثين بغير الله تعالى وتبرير ما هم عليه، مضمونها: أنه ليس ثمة مانعٌ من دعاء الأولياء في قبورهم بغير قصد العبادة، وحقيقة ما يريدونه هو: أن الممنوع في مسألة الاستغاثة بالأنبياء والأولياء في قبورهم إنما يكون محصورًا بالإتيان بأقصى غاية […]

الحج بدون تصريح ..رؤية شرعية

لا يشكّ مسلم في مكانة الحج في نفوس المسلمين، وفي قداسة الأرض التي اختارها الله مكانا لمهبط الوحي، وأداء هذا الركن، وإعلان هذه الشعيرة، وما من قوم بقيت عندهم بقية من شريعة إلا وكان فيها تعظيم هذه الشعيرة، وتقديس ذياك المكان، فلم تزل دعوة أبينا إبراهيم تلحق بكل مولود، وتفتح كل باب: {رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ […]

المعاهدة بين المسلمين وخصومهم وبعض آثارها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة باب السياسة الشرعية باب واسع، كثير المغاليق، قليل المفاتيح، لا يدخل منه إلا من فقُهت نفسه وشرفت وتسامت عن الانفعال وضيق الأفق، قوامه لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، والإنسان قد لا يخير فيه بين الخير والشر المحض، بل بين خير فيه دخن وشر فيه خير، والخير […]

إمعانُ النظر في مَزاعم مَن أنكَر انشقاقَ القَمر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن آية انشقاق القمر من الآيات التي أيد الله بها نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت من أعلام نبوّته، ودلائل صدقه، وقد دلّ عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية دلالة قاطعة، وأجمعت عليها […]

هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وهدنا صراطه المستقيم. وبعد، تثار شبهة في المدارس التنصيريّة المعادية للإسلام، ويحاول المعلِّمون فيها إقناعَ أبناء المسلمين من طلابهم بها، وقد تلتبس بسبب إثارتها حقيقةُ الإسلام لدى من دخل فيه حديثًا([1]). يقول أصحاب هذه الشبهة: إن المسلمين باتجاههم للكعبة في الصلاة وطوافهم بها يعبُدُون الحجارة، وكذلك فإنهم يقبِّلون الحجرَ […]

التحقيق في نسبةِ ورقةٍ ملحقةٍ بمسألة الكنائس لابن تيمية متضمِّنة للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ تحقيقَ المخطوطات من أهمّ مقاصد البحث العلميّ في العصر الحاضر، كما أنه من أدقِّ أبوابه وأخطرها؛ لما فيه من مسؤولية تجاه الحقيقة العلمية التي تحملها المخطوطة ذاتها، ومن حيث صحّة نسبتها إلى العالم الذي عُزيت إليه من جهة أخرى، ولذلك كانت مَهمة المحقّق متجهةً في الأساس إلى […]

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017