الجمعة - 18 ربيع الأول 1441 هـ - 15 نوفمبر 2019 م

وظيفةُ الإنسانِ في الكونِ بين الوحي والرؤية الحداثية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

لا يخفى على قارئٍ لأي موضوع من الموضوعات -دينيًّا كان أو غير دينيٍّ- محورية الإنسان ومركزيته بوصفه المنتج للفكرة إن كانت بشرية أو المؤمن بها إن كانت دينية إلهية، ومن هنا كان تحديد الموقف من الإنسان وعلاقته بالكون والحياة يعدُّ السؤال الأكثر إقلاقًا لجميع الأطروحات الفكرية والدينية، وكان من بين المشاريع الكبرى التي تحمل تحدِّيًا حقيقيًّا لأيّ طرح تحديد وظيفة الإنسان في الحياة تحديدًا منطقيًّا، لا يهدر الإنسان، ويبرز مكانته الحقيقية في الحياة؛ بعيدا عن المبالغة التي تؤلِّهه، أو الإجحاف الذي يلغيه من الكون ويجعل وجوده محصورا في التفاعل السلبي مع تقلبات الطبيعة، وهذه النظرة عند تشكلها لا بد أن تبين كيفيَّة مجيء الإنسان للكون، والغرض من وجوده، وعلاقته بما حوله من الكائنات، سواء كانت من عالم الغيب أو الشهادة، وهذه العلاقة لا بد من تبيين مرتكزاتها وأسسها التي تحكمها.

ومن هنا ظهرت كثير من النظريات الوضعية، والتي أخفقت في تحديد وظيفة الإنسان تحديدا منطقيًّا؛ وذلك أنها عادة ما تتكلَّم عن الإنسان الحي، وحين تتلكم عن الإنسان الحي تحصر وظيفته في مدى قدرته على توفير المصالح التي عادة ما تفسَّر باللذة أو ما يقاربها من المعاني ذات الدلالات السطحية والعقيمة نفسيًّا، ولا تراعي جانب الروح، ولا تجيب على سؤال ما بعد الموت؛ لأن وظيفة الإنسان إذا حكمتها حياته فقط وانتهت بانتهائها فإنها تبقى وظيفة آنية بسيطة، لا تعطي بعدًا قِيَميًّا للحياة، وحين يمرض الإنسان من يوم مولده إلى يوم وفاته لا تكون هناك فرصة أخرى، فإن وظيفته قد تعطلت، وصار وجوده الآني مناقضًا للمبدئ الأول الذي خلق من أجله. ومن هنا نشب الصراع بين الحقائق التي يقدِّمها الوحي وبين الظنون التي تقدمها الفلسفات الوضعية، وكان محور هذا الصراع هو الإنسان وطبيعة وظيفته في الحياة.

ومن بين الفلسفات المناهضة للوحي في تحديد وظيفة الإنسان وما يقوم به: الفكر الحداثي، وقد قدمت الفلسفة الحداثية عدة تفسيرات لوظيفة الإنسان في الحياة، تعد في كثير من تجلياتها مناقضة للوحي من جهات متعددة. ونحن في هذه الورقة سوف نوضِّح وظيفة الإنسان كما يقررها الوحي، ونبين الفروق بينها وبين وظيفة الإنسان كما يتصوِّرها الفكر الحداثي.

وظيفة الإنسان كما يصورها الوحي:

ملخص وظيفة الإنسان في الحياة هي العبودية كما يؤكد على ذلك القرآن وترشد إليه السنة، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لهذا المعنى، وسخر له الكون، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وحثُّوا الناس على ذلك، وبينوا دقائق العبودية ومعانيها، كما فصَّلوا في علاقة العبد بربه وتعظيمه سبحانه، وكل ما في الكون من مظاهر حسنة فهو دليل على عبودية الكائنات لله سبحانه وتعالى، وما يقع للإنسان في هذه الحياة من خير فإنه ناتج عن تحقيق هذا المعنى، وما يقع للإنسان من شر فإنه بسبب تقصيره في عبودية الله سبحانه وتعالى، والكون وما فيه من المباحات هي وسائل لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، وينبغي للإنسان أن يستعين بهذه الوسائل لتحقيق الغرض المنشود.

ويدل على ذلك أدلة، منها: قوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56]، وقوله سبحانه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان: 77]، قال مجاهد وابن زيد: “أي: ما يصنع وما يفعل بكم؟!”، قال أبو عبيدة: “يقال: ما عبأت به شيئا، أي: لم أَعدَّه، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده لولا دعاؤكم إياه؟! وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر”. وقال قوم: معناه قلَّما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني: إنه خلقكم لعبادته، كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56]. وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي}: ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، كما قال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ} [النساء: 147]، وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد، كما قال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ} [العنكبوت: 65]، وقال: {فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]. وقيل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ}، يقول: ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم([1]).

وبين سبحانه وتعالى أن كثيرا من مطالب البشر الدنيوية لا تتحقق تحقُّقا كاملا إلا بتحصيل معنى العبادة، ووجودها بشكل عام تتسم به مسلكيات الفرد والمجتمع، قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور: 55].

قال ابن كثير: “هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه”([2]).

وهذا الوعد من الله سبحانه وتعالى حقٌّ وصدقٌ، وهو منوط بتحقيق الاستسلام لله سبحانه وتعالى، وهو أمر عامّ لا يتخلف في أي زمان ولا مكان، وهو فيمن قبلنا كما هو عندنا، قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُون} [المائدة: 66]، “فجعل تعالى التُّقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شكر”([3]).

قال ابن القيم رحمه الله: “ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين ما شرعه الله ورسوله، وجاءت به السنة، وفعله الخلفاء الراشدون، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، وكان الذي يحصل لهم من المغلّ أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان، ولكن يأبى جهلهم وظلمهم إلا أن يرتكبوا الظلم والإثم، فيمنعوا البركة وسعة الرزق، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة ونزع البركة في الدنيا”([4]).

وفي مقابل هذا يتحدث القرآن الكريم عن هلاك الأمم، ويبين أن السبب في ذلك هو البعد عن منهج الله سبحانه وتعالى، فكلما خالف الإنسان أوامر الله وارتكب نواهيه جاء القرآن ليبين كارثية التصورات الخاطئة والمفاهيم المغلوطة، وكيف تؤثر على حياة الإنسان وتسبب له مشاكل مادية ومعنوية، يقول سبحانه وتعالى مبينًا تأثير المعاصي والتخلي عن عبادة الله على الإنسان: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [الروم: 41].

وقد تكلم العلماء في معنى الفساد في البر والبحر بعبارات متعددة، لكنها ترجع إلى معان متفقة، فقال قتادة والسدي: “الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد”، وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: “فساد البر: قتل ابن آدم أخاه، قابيل قتل هابيل، وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا”. وقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن عباس قال: “هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا”. قال النحاس: “وهو أحسن ما قيل في الآية”. وعنه أيضا: “الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم”. وقال عطية: “فإذا قل المطر قل الغوص عنده، وأخفق الصيادون، وعميت دواب البحر”. وقال ابن عباس: “إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ”. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم، أي: صار هذا العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات، والمعنى كله متقارب([5]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله: “وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وبالأمر بالتوحيد، ونهى عن فسادها بالشرك به ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله. ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عموما وخصوصا”([6]).

وحاصل الأمر أن ما يصيب الناس من الشر وينزل بهم من البلاء هو بسب معصيتهم، وهذا مبثوث في القرآن، قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون} [الأنعام: 44]، وقال: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون} [المائدة: 14]، وقال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أنه نُصِرَ بتقواه وصبره: {أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنّهُ مَنْ يَتّقِ وَيَصْبِرْ فَإنَ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، وقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيكَفِّرْ عنكم سَيَّئَاتِكُم} [الأنفال: 29]، والفرقان هو العز والنصر، والنجاة والنور الذي يفرق بين الحق والباطل. وقال تعالى: {وَمَنْ يَتّق اللهَ يْجعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْب إنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلَّ شَيءْ قَدْرًا} [الطلاق: 2، 3]، وقال تعالى في قصة أُحُدٍ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، وقال تعالى: {إنَّ الّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155]، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبمِاَ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال: {وَإنَّا إذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنّا رَحْمَةَ فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ} [الشورى: 48]، وقالَ: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهمْ سَيِّئَةٌ بما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إذَا هُمْ يَقْنَطُون} [الروم: 36]، وقال: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 34]، وقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفُسِكَ} [النساء: 79].

ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم، وهو طاعته، وهو المقدمة الأولى، وأمر بانتظار وعده، وهو المقدمة الثانية، وأمر بالاستغفار والصبر؛ لأن العبد لا بد أن يحصل له نوع تقصير وسرف يزيله الاستغفار، ولا بد في انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة، وبالصبر يتم اليقين بالوعد، وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَق وَاستْغَفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِى وَالإبْكَارِ} [غافر: 55]، وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر والطاعة([7]).

فهذه الألفاظ يأخذ بعضها ببعض، وتخدم معنى واحدا وهو أن محورية الإنسان في الكون لا تكون محورية حقيقية ما لم يقم بالوظيفة الحقيقية المنوطة به وهي العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذه الوظيفة هي عبارة عن نظام يكلف الإنسان بعدة مهام تشكِّل نظامًا متكاملا، أعلاه تحقيق التوحيد، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، فالغاية من التكليف هي العبودية، أما العمران والنمو الحضاري والرخاء الاقتصادي فهي في منظور الوحي ثمرة للمعنى الأول وخادمة له، ويتضح ذلك أنه عند التعارض بين الأحكام ذات البعد الديني البحت وذات البعد المصلحي فإن الأولى تكون مقدمة، قال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [الأحقاف: 26].

فالتمكين ليس معتبرًا ما لم ينضف إليه التوحيد والعبودية، كما أنه ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود منه هو إقامة الأوامر الشرعية، قال سبحانه: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج: 41].

ومما يؤكد ذلك أن القرآن أرشد إلى أن الاغتباط والفرح ينبغي أن يكون بالعلوم الإلهية كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين (57) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} [يونس: 57، 58].

كما أن القرآن يُعْلِي من قيمة الوحي على حساب الممتلكات الدنيوية، ويبين أن امتلاك الوحي بحد ذاته قيمة لا ينبغي الالتفات معها إلى أي عرض دنيوي، قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم ولاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين} [الحجر: 88: 87].

وفي مقابل هذه النظرة المعظمة لوظيفة الإنسان والتي تجعلها ربانية قابلتها النظرة الحداثية المعتبرة للإنسان على أن سر وجوده هو فقط عمران الأرض.

النظرة الحداثية لوظيفة الإنسان:

لا يخفى على مدقِّق ومتأمّلٍ في الفكر الحداثي وجود المادية فيه بشكل صارخ واعتبار الغيب أسطورة، ومن ثم كان استبعاد أي بعد ديني في تفسير الظواهر الكونية والحياتية، وحصرت ذلك فيما أسمته بالعلم، واعتبار العلة والغاية ماديتين، والتخلص من الوثوقية بالنصوص واعتبارها مرجعًا أو مستندا، وأعرضت عن النظرة الفقهية إلى الدين والفصل بين عوامل الانسجام الاجتماعي، واعتبار المسؤولية الفردية وعدم التفريط فيها لصالح المجامع الفقهية المنتصبة للحلال والحرام، واحترام حقوق الإنسان بما في ذلك حقه في اختيار معتقده ودينه الذي يكون عليه.

وكل هذا يصبُّ في النظرة المادية للكون والحياة، ومن ثم فإن وظيفة الإنسان انطلاقا من الفكرة الحداثية وظيفة حياتية بحتة، لا تحمل أي بعد ديني، بل البعد الديني يعدّ معوقًا لها لا محفِّزًا ولا مرشدًا، وتتلخص الوظيفة في القيام بمهمة المصلح المعمر الذي يوفِّر اللذة والسعادة لنفسه وفق شهوته وما يمليه عليه هواه، دون أن يستخدم الدين مطية لتحقيق هذه الرغبات الدنيوية، وإن هو فعل ذلك فإنه يخرج بالحياة من المنطقية إلى الكهنوت، فالنص الديني مجرد مواكب للوعي البشري يشيد به، وهي نقلة نوعية وضعت مضامين الخطاب القرآني ومقاصده في متناول التجربة الإنسانية وأفقها الفكري؛ جاعلة من العلاقة مع النص الموحى شاهدًا على تحوّل في طبيعة العلاقة مع المقدس ومع العالم حسب فهمي جدعان -أحد المفكرين المجددين- حين اعتبر أن الوحي القرآني خطا خطوة حداثية كبرى؛ إذ تدخل في التاريخ ليحرر العقلية العربية والفعل العربي من الميثولوجيا القديمة ومن سلطة الخرافة والتقليد وأساطير الأولين، وليسلمها لسلطان السمع والبصر والفؤاد، أي: إلى سلطات الإدراك الإنسانية الطبيعية؛ لتكتمل بحكمتها وبالكتاب للإنسان أسباب العلم والفعل السديد([8]).

وهذا التنظير يجعل الدين قائمًا بوظيفة المفسِّر للنشاط الإنساني على مر العصور، وليس له الحق في التوجيه والترشيد؛ لأن حقيقة الدين أن يكتشف الإنسان رتبته في الكون وبين الموجودات، ويوظف ذلك لصالحه وخدمته. ومحورية الإنسان في الاعتبار الحداثي هي قضية عقدية، تجعل جميع المتداول في الكون يدور حوله، بما في ذلك الوحي، ويكون الإنسان هو الحاكم على الجميع، لا العكس.

وهذه النظرة لا شك سوف تصطدم بالوحي في جانب معين، منه السياق الدلالي للوحي لما تحيل إليه كلمة الإنسان، ثم جانب الاهتمام، بحيث إن محور الكون في الوحي هو المعبود، ومن ثم نال الإنسان قيمته حيث اتَّصف بالعبودية له، أما من حيث هو إنسان متَّصف بالإنسانية فإن هذا اللفظ ليس محلَّ إشادة بمفرده، فقد ذُكر لفظ الإنسان في النص القرآني مرات عدة، ولم يكن من أهمِّ الألفاظ القرآنية مقارنة بالألفاظ الدينيَّة، سواء أسماء الله أو أسماء الرسل ومصطلحات العبادة. ومن جهة أخرى فإن السياق الدلالي الذي ترد فيه كلمة الإنسان لا يخلو من بعض الإدانة، فهو: ضعيف، يؤوس، خصيم مبين، عجول، كفور، في خسر، أكثرُ شيء جدلا. ومن ناحية أخرى يتحدَّث القرآن عن الإنسان وما أودعه الله فيه من استعدادات متباينة، فهو: من حمأ مسنون، من علق، من صلصال. هذا إلى جانب أنّ الله علمه البيان، وعلمه ما لم يعلم، وأن الشيطان له عدوّ، وأحيانا يكون الإنسان عدوًّا لنفسه باتِّباعه لهواه.

فهذه النظرة غير المفخِّمة لفكر الإنسان وغير المعظِّمة لطاقته في مقابل القدرة الإلهية لا تروق للفكر الحداثي، ويعتبرها محجمةً للعقل البشري، وحادَّةً منه، وملغية لوظيفة الإنسان المدنية، فالمدنية بحسب الاتجاه الحداثي تعني الدفع بالإنسان لتحقيق الرفاه البشري وسعادة الجنس الإنساني في كافة ميادين الحياة، وإذا تركنا للحداثي فرصة الحديث عن نفسه بعيدًا عن سلطة القضاء والمجتمع، فإنه سوف يكشف عن وجهه العلماني، ويقول باللفظ دون تحريف عليه: “الإنسان لم يخلق خلقًا، إنما تكوَّن تكوينًا بفعل ذرات مادية، وتشكلت حركته ووعيه بفعل الذكاء المادي، ودبت به الحياة بفعل الطاقة الكونية والمتحولة من المادة، وقد أخذ هذا الإنتاج الكوني زمنًا استغرق ملايين السنين، الكون كله على الإطلاق من مادة، ولا شيء غير المادة، والإنسان كائن من عناصر مادية، تكون في محيط مادّي، لا شيء خارج حدود المادة (مساحة الغيب) له علاقة في كائن حيٍّ في هذا الكون، المادة تمتلك من الذكاء الكافي الذي بموجبه هي قادرة على أن تخلق نفسها بنفسها، وتطوِّر ذاتها، وتحدث تكوينها إلى درجات لا نهائية من التعقيد والتشابك، وما الإنسان إلا صورة ماثلة واقعية من هذا التكوين والتطور والتعقيد والتشابك بالهيئة القادرة على التفاعل مع عناصر المحيط الكوني، بتناغم وبرمجة طبيعية أنتجتها المادة ذاتها عبر مليارات من السنين، وما يختص بالإنسان من هذه البرمجة هو موضوع الانتخاب الطبيعي والتطور الذاتي إلى الدرجة المثلى في الوضعية الكونية المتحركة المتفاعلة السائرة المتصاعدة في طريق الحداثة والتغير في فضاء الكون اللامحدود إلى ما لا نهاية، ومن هنا فإن الإنسان ككائن حي مثل باقي الكائنات في الطبيعة، يختلف عنها فقط برُقيِّه الفسيولجي والحيوي وذكائه؛ إذ يكون بكينونته خاضعًا لقانون الطبيعة في الحداثة والتغير والتطور الدائم، وبناء عليه فإنه لا يمكن أن يحكم حياته قانون ثابت أو منهج أصولي لا يستقي أفكاره من بحر المادة بفعل التجربة والممارسة والتفاعل الحياتي مع عناصر الكون المحيط، إذًا الدين فاشل في اتخاذه منهج حياة للإنسان كونَه مستقى من الغيب وثابتًا لا يتغير أو يتطور تماشيًا مع معادلة الحياة الواقعية، ولا يتفق مع قوانين المادة ودستور الكون، ومن يتَّخذ الدين منهج حياة فهو فاشل بالتأكيد؛ لأنه يسير باتجاه معاكس لمسار الحياة الطبيعية، إلى اتجاه السلبية والعدم، ولا يتفق بتاتًا مع حركة التغير والتطور والحداثة للكون المحيط، ولا يمتلك مقومات إشغال حيزه بالوجود كما يجب وكما هو مطلوب منه ككائن حي بمواصفاته الراقية وبذكائه المادي المتميز، وتقريبًا للفكرة الموضوعية نقول بأن العلمانية كمنهج حياة تفي بالغرض المطلوب، فالعلمانية هي منهج الطبيعة وفكر المادة ودستور الكون وقانون الطبيعة وفلسفة حياة الإنسان الراقي المتحضر”([9]).

فالإنسان الكامل بالنسبة لهذه النظرة هو الثائر على الدين، المعتبر لوظيفته مجرَّد استغلال وسعيٍ للسلطة من جهات متأزّمة نفسيًّا، تسعى لدمار الحياة، والبديل عن الوظائف الدينية هو التعلية من شأن الحياة، وإبعاد مفهوم الغيب والإله والوحي، واعتبار أن الحقائق التي يجب على الإنسان الإيمان بها هي تلك الحقائق التي يثبتها العلم والتجارب، وليست تلك الخرافات التي تمليها التصورات الدينية.

وقد استبعد الحداثيون التدخّل المستمرّ من الإله في تسيير الكون وردِّ المصائب عنه، أو إنزالها بمن يستحقّها، واعتقاد رعاية الله للإنسان والعناية به، واعتبروه أمرًا متناقضًا وعجزًا عقليًّا ومعرفيًّا وتطويعًا للعقل([10]).

والإنسان في نظرهم ليس مخلوقًا، بل هو متكوِّن متطوِّر حتى وصل إلى مرحلته الأخيرة التي أطلقوا عليها: الإنسان الأخير، ومن ثم كان لزامًا أن تكون الحضارة هي محور الحياة، ووظيفة الإنسان تطويرها والمحافظة على إنجازاتها والإشادة بها، والقيمة العلمية للأشخاص ينالونها بحسب قدرتهم على الإنتاج الحضاري أو مواكبته، ولا شك أن هذه النظرة سوف تُبعد الدين عن حياة الإنسان، وتستبعد إمكانية تأثير نصوص الوحي، في مقابل ذلك تعظِّم من شأن الذهنيات، وتشيد بها، وتجعل الوظيفة الحقيقية للدولة فرض قانون يسمح للإنسان بالتطور وفق مفهوم الحرية والمسؤولية الفردية؛ بعيدًا عن تدخلات الآراء العقدية والأحكام الدينية، ولا وجود لأي إلزام للإنسان يتناقض مع وظيفته سواء كان قيميًّا أخلاقيًّا أو شعائريًّا تعبديًّا، فهذا الحد الأدنى من التصور لا يمكن أن يكون الإنسان بدونه حداثيا([11]).

فالحداثي حتى ولو كان إسلاميًّا حسب تصوُّره فإن تبنيه للحداثة كمفهوم مسالم من حيث الدلالة لا بد أن يدمن معه قرعًا لباب العلمانية في شؤون الحياة؛ إذ هي ممتزجة بها، والحقائق في النظرة الحداثية تقرأ من خلال الإنسان؛ إذ هو منبعها، ومن ثم تكون نسبيَّة نظرًا لجهة المنبع، ويتعامل معها بحسب الغرض منها، فليس للوحي وللدين أي تأثير في حياة المجتمعات، بل هي صانعته ومنشِئَتُه، وحين نحاكم هذه التصوّرات للنظرة الدينية نجد أن ما ادَّعته من الإعلاء من شأن الإنسان وقيمته كان مجرَّد نفاق فكريٍّ، ولم يكن له أيُّ تأثير في الواقع المعاش، ولم ينهض بالإنسان كإنسان؛ بدليل أن هذا التصور كان مادياًّ بحتًا، لا يملأ الفراغ الروحي للإنسان بقدر ما يوفِّر له لذة جسديَّة تنقضي في وقتها، ويبقى الفراغ الأخلاقي والقيمي شاغرًا، ليس للإنسان أي ميزة يمكن تمييزه بها انطلاقا من غائية وجوده في الكون ومحوريته في الحياة، بل الإنسان والحيوان في توفير الملاذِّ والسعي وراءها دون اعتبار معانٍ سامية سواءٌ على هذه النظرة، فليست ثمة أخلاق سامية يتبناها الإنسان، ولا منظومات قيمية يسعى لتحقيقها تكون ثابتة يتَّفق العقلاء على حسنها، وعلى قدرتها على تحقيق سلمٍ اجتماعي ورخاء مادي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الحضارة بمفهومها المادي المحصور في النمو الاقتصادي وتطوّر الإمكانات العقلية لم تكن محل إشادة من الشريعة في حالة غابت الشريعة والدين؛ ولذلك لم يمتدح الوحي المنتج الحضاري ولا المستوى العلمي الذي لم يؤدِّ أصحابه وظيفتهم الدينية المنوطة بهم، قال سبحانه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون} [الروم: 7]، قال الحسن: “يقول: يعلمون حين زَرعِهم، وحين حصادهم، وحين نتاجهم، {وَهُم عَن الآخرَة هُم غَافلُونَ}: لَا يُقرّونَ بهَا”([12]).

يقول الشنقيطي: “فحذق الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في صناعتها، بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدَّس، يحار فيه حذاق المهندسين، ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء، وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبَت أن تعلمهم، فطَلَت الزجاج بالعسل قبل البناء؛ كيلا يروا كيفية بنائها، كما أخبرتنا الثقة بذلك”([13]).

وقد أُرسِل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض قد تقدموا في كثير من العلوم، وأبدعوا فيها، سواء كانت صناعية أو معمارية أو عقلية، وكانت لديهم إمكانيات هائلة سجلها القرآن وتحدث عنها، لكنه لم يشد بها حين لم تكن من أجل الدين، ولا مطوَّعة لخدمة رب العالمين، ولم يشكر أهلها خالقهم عليها، فقد تحدَّث القرآن عن بنيان ثمود، وكيف كان هذا البنيان على صعوبته سهلا عليهم، وكانوا متمكِّنين من تجويده، فقال سبحانه: {وَتَنحتُونَ منَ الجبَال بُيُوتًا فَارهين} [الشعراء: 149]، قال المراغي رحمه الله: “أي: وتذكَّروا نعم الله عليكم وإحسانه إليكم؛ إذ جعلكم خلفاء لعاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس، وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورا زاهية ودورا عالية، بما ألهمكم من حذق في الصناعة، فجعلكم تضربون اللبن وتحرقونه آجرا (الطوب المحرق)، وتستعملون الجص، وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتا؛ إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد. روي أنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء؛ لما في البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة والعمل”([14]).

فهذه الخصال الحضارية نِعَم من الله تعالى، لكن الغاية منها أن يعبد الإنسان ربه؛ ولهذا كان تذكير الأنبياء بها لهذا المعنى، وليس لمعنى الإشادة بها، وكما أن تدميرها بأمر كوني لم يُعَدَّ دِينِيًّا إلا سببا طبعيًّا لما كسبت أيدي أصحابها من كفر بالله وتخل عن وظيفة الحياة وهي عبادة الله سبحانه وتعالى، ومثل هذا أيضا ما ذكر الله عز وجل عن إرم ذات العماد وغيرها من الأعمال البشرية المبهرة، فالعلم والحضارة ما لم يكونا خادمين لمعنى العبودية فإنه لا خير فيهما، ولا يردَّان عذابًا، ولا يعتبران نجاحًا، قال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتَ فَرِحُوا بمَا عِندَهُم مِّنَ العِلمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزئُونَ} [غافر: 83].

وفي المقابل يتحدث القرآن عن العلم الحقيقي، ويحصره فيما كان من عند الله، أما علم الإنسان فمع أن مصدره رب العالمين، إلا أنه يبقى محدودًا وقليلًا، فقال: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]، وقال: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، وقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، ثم عاب القرآن على كل من تلكم في الأمور الدينية والدنيوية بغير علم، وخاصة ما تعلق منها بمصير الإنسان ومبدئه ومعاده، فكل هذه لا يمكن للبشر أن يقدِّموا فيها أجوبة يقينيّة شافية، وأي جواب لا يستند على علم الله الذي هو الوحي، فإنه يعدُّ خوضًا بالباطل، قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56].

وسبب هذا الاستطراد تبيين أنَّ النظرة الحداثية لوظيفة الإنسان تهمل جوانب مهمة، وهي إمكانية المعرفة اليقينية ومجالاتها، كما تهمل أمرًا آخر في غاية التعقيد، وهو إبعاد اليقين عن الإنسان وتطويل رحلة البحث عليه، بإبعاد الوحي والغيب وحصر العلم في الوجود المادي والمحسوس للأشياء -وهو أمر في غاية التعقيد- يلزم منه تعليق جميع المعتقدات التي لم يثبت العلم التجريبي صدقها، وبعد رحلة شاقَّة يموت كثير من الناس في مرحلة الشكّ، وهو أمر تظهر فيه المجازفة بالحقائق الكونية المبنية على تصورات شرعية، ولا يمكن لعاقل قبوله، كما أن النزول بالإنسان عن مستوى العبودية وحصره في الجانب المادي هو تسوية له بغيره من الكائنات البسيطة، وإبعادٌ للجانب الروحي الذي به تكون سعادة الإنسان وشقاؤه، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير البغوي (3/ 460).

([2]) تفسير ابن كثير (6/ 77).

([3]) تفسير القرطبي (6/ 241).

([4]) الطرق الحكمية (ص: 266).

([5]) ينظر: تفسير القرطبي (14/ 40).

([6]) مجموع الفتاوى (15/ 24-25).

([7]) ينظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (2/ 172).

([8]) ينظر: أسس التقدّم عند مفكريّ الإسلام في العالم العربي الحديث، لفهمي جدعان.

([9]) مقال بعنوان: العلمانية الدين السياسي نقد الفكر الديني، من موقع الحوار المتمدن:

     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=416537

([10]) ينظر: الدين في حدود العقل والتنوير الناقص لمحمد المزروعي (ص: 183).

([11]) ينظر: الدين والسياسة (ص: 41).

([12]) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (3/ 355).

([13]) أضواء البيان (2/ 262).

([14]) تفسير المراغي (8/ 199).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

(الكتاب والسنة) مقال للمسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وبعد: فإن قضية السنة وحجيتها بقيت منذ ثلاثة عشر قرناً هي القضية الأولى لمن يريدون إسقاط الإسلام من داخله، وسار المسلمون مع هذه القضية مسيرة طويلة رادِّين عليها أحياناً، ومتأثراً بعضهم بها أو ببعض مستلزماتها أحياناً، وفي […]

هل خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من الأمَّة بشيءٍ من الدين؟

النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ البلاغَ المبين: المفهومُ مِن نصوصِ الشرع ومِن محكمات الدِّين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم بلَّغ كلَّ ما أُنزل إليه من ربه، ولا يسعُه غيرُ ذلك، وهذا عامّ في فضائل الأعمال وفي شرائع الأحكام، فلا يكتُم فضلًا في عمل، كما أنَّه لا يكتم تشريعًا، وهذا مصداق قوله صلى الله […]

يعيش لها الجهابذة… شيء من أحوال المحدثين في حفظ السنة والذبّ عنها

قدَّم الإمام المحدث أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي الشهير بابن أبي حاتم (327هـ) كتابه “الجرح والتعديل” بهذا النصِّ الذي يبيِّن فيه دقَّةَ المحدِّثين وجهودَهم في الذبِّ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لم يُعرَف مثلُها في الدنيا -وهو ما نقصد الإشارة إلى طرف منه في هذا المقال-، وأيضًا يبيِّن موقفَ […]

الدلائِل القُرآنيَّة على أنَّ (لا إله إلا الله) تعنِي لا معبُودَ بحقٍّ إلَّا الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: معرفةُ المصطلحات وضبطُها لها أهميَّة بالغةٌ في حياتنا، سواء تعلَّق المصطلح بأمرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، وقد تجِد الشخصَين يتجادلان ويتخاصمَان وهما في الحقيقة متَّفقان على المراد، فالوعيُ بالمفاهيم والمُصطلحات يعدُّ لبنةً أساسيَّةً في الاتفاق ونبذ الاختلاف، ويوضِّح ذلك ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: “فإنَّ كثيرًا من […]

خلاصات وتحقيقات (33)

وضوح أدلة القرآن في تقرير التوحيد: (والله سبحانَه حاجَّ عبادَه على ألسن رسلِه وأنبيائِه فيمَا أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقرب الطُّرق إلى العقل، وأسهلِها تناولًا، وأقلِّها تكلفًا، وأعظمها غناءً ونفعًا، وأجلِّها ثمرةً وفائدةً، فحُجَجُه سبحانه العقلية التي بينها في كتابِهِ جمعت بينَ كونِها عقلية سمعية، ظاهرة واضحة، قليلَة المقدمات، سهلة الفَهم، قريبَة التَّناول، قاطعة […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017