الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

A A

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع التشنيع والكذب والبهتان على الخصم. والعجب أن يصطفَّ من ينتسب للسُّنَّة مع خصوم السلفية، حتى ولو كانوا يخالفونه عقديًّا وفكريًّا، كما هو حال غلاةِ الصوفية مع الشيعة والعلمانيين، حيث رضُوا بالتحالف معهم وترديد أكاذيبهم ومدِّ يد الصلح إليهم، مع إظهار الحرب والبُغض والقيلة مع جيرتهم في السكن والثَّقافة.

والأغرب من هذا كلِّه أن يجلس الصوفيُّ الغالي والأشعريُّ والشيعيُّ وغيرهم من المخالفين يردِّدون تهمةَ التكفير ويلمزون السلفيَّة بها، ويَنسون أنفسَهم، فينسى الشيعيُّ أن كثيرا منهم يكفِّر الصحابة الكرام، بل يكفرون عامة المسلمين! وينسى الأشعري أنه يكفر عوامَّ المسلمين، وينسى الصوفيّ الخرافةَ والدجلَ والصراع على النفوذ، لا لشيء يعود للأمة بالنفع، وإنما ليبقى له تكسبه اللامشروع بدعوى الكشف والإلهام والكرامات والبناء على القبور.

وفي الوقت نفسه يجتمع هؤلاء أو كثير منهم على حين فترة من عقل وانقطاع عن واقع حياتهم وتصرفاتهم ليتَّهموا السلفية بالخنوع والإرجاء والانبطاح، فهل يمكن أن تتحمَّل السلفية التهمةَ ونقيضَها؟! وقد قيل قديمًا: علامة فساد الحكم تناقضُه في نفسه، مثل قول الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: ساحر أو مجنون.

ولنختبر دعوى التكفير لدى السلفية: هنا يحسن بنا أن نفرق بين مقامات وهي مقام التكفير بحق شرعي وتحقق الضوابط وإسناد الأمر إلى أهله، ومقام التكفير بمجرد التشهي والباطل والشبهة، وكثيرًا ما دندن خصوم السلفية حول هذه التهمة، فرموها بالتكفير، وقد يقول قائل: هم يرمون بالتكفير من ظهر منه غلوّ وانتسب للسلفية كداعش وأخواتها، فنقول: هذه دعوى مردودة، بل الخصوم المذكورون يصرِّحون باسم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله-، ويجعلون داعش وأخواتها مجردَ تحقُّق عمليٍّ لفكرهما، وكثير من كتابات الشيعة وغلاة الأشاعرة وغلاة المتصوِّفة طافحة بنسبة هذه الدعوى لعلماء السلفية الكبار، وهنا حين نحاكم الجميع إلى منطق علميٍّ نجد أن هذه الدعوى منقوضة من نواح متعدِّدة:

أولا: تصريح السلفيِّين عمومًا -تصريحًا لا يقبل الردّ- بالبعد عن التكفير والرد على التكفيريين، وحسبك بمؤلفاتهم في هذا المجال دليلًا يقطع اللسان ويبكِّت الخصم، وكذلك تقعيدهم لقضية التكفير وتبيينهم لشروطه وموانعه، وهذا مبثوث في كتب الأئمة المتقدمين وكتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وعلماء الدعوة الكبار المعاصرين في جميع أنحاء العالم([1]).

ثانيا: وجود أنواع من التكفير عند خصوم السلفية لا توجد عند السلفيين، ومع ذلك لا يسمُّونها غلوًّا في التكفير، وهذه الأنواع ظاهرةٌ لا تحتاج إلى كبير عناءٍ، منها: تكفير الشيعة لعموم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـــ بل لعامة المسلمين ــ وهم الذين يجزم المسلمون بإيمانهم؛ لأن القرآن نطق به، ومع ذلك يتوارى خصوم السلفية عن هذه الزلَّة الشنعاء عند القوم، ولا يتكلمون عنها، وبالرغم من تبرّؤ السلفيين من الغلاة في جميع أنحاء العالم والردِّ عليهم فإن الشيعة لم يتبرَّؤوا من الحركات الإرهابية المنسوبة إليهم، والتي قتلت المسلمين في العراق وسوريا واليمن، وما زالت محلَّ تقدير واحترام من الحوزات العلمية، ومع ذلك لا يعدُّ هذا الفساد في الأرض وقتل الناس على الهوية غلوًّا ولا إرهابًا، فإذا لم يكن هذا ازدواجًا في المعايير فأين هو التناقض في الدنيا؟!

ويقال الكلام نفسه في غلاة الأشاعرة ومتعصبيهم، إذ يرون أن من لم يكن على مذهبهم الكلاميّ فهو إما كافر أو مجسِّم ضالّ، وقد صرح بذلك كبراؤهم وأشياخهم([2]). والمخالف لهم من أهل العلم يرون كفره وزندقتَه ووجوب التضييق عليه، كما صرَّح بذلك جماعة من علمائهم في حقِّ شيخ الإسلام ابن تيمية، ورأوا أنه يجب التضييق عليه بل وقتلُه([3])!! وهم على مرِّ التاريخ لم يتعامَلوا في كثير من الأحيان مع المخالف لهم في أمور العقيدة إلا بالسجن والقتل، والتاريخ الدموي لابن تومَرت يكفي في التدليل على هذا المعنى، فكيف لأصحاب هذا الفكر أن يتكلَّموا عن التسامح وعن الغلوّ في حين إن السلفية لم تكن لها دولَة عانى فيها الأشاعرة من الظلم.

بل الأغرب أنَّ التراث الإسلاميَّ في اللغة والحديث والتفسير لم يُقصِ فيه السلفيون الأشاعرةَ، بل حققوا كثيرًا من الكتب التي تخدم الأمَّة، ولم يفرقوا في ذلك بين أشعريٍّ وسلفيٍّ أثريٍّ، والواقع شاهد على ذلك، بينما كان يرى الأشاعرة ولا زالوا أن انتشار كتب السلفيَّة يشكِّل خطرًا على الأمَّة، ولا يرون حلًّا إلا طريقة الحرق والإتلاف والتضييق، وحسبك بطيب أنفُسهم بأن يسجن شيخ الإسلام وتلاميذه كابن القيم وابن كثير والمزي وابن شاكر الكتبي وغيرهم بسبب رأيٍ فقهيٍّ أو عقديّ، ثم يتحدثون بكل عفويّة عن الإقصاء، فهذا لعمر الله هو التناقض بعينه!

هذا مع التكفير بالمحتملات ودقيقات المسائل التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا كلّف بها أحدًا من خلقه، بل هي مجرَّد تكلّف محض ابتلي به المتكلمون، وحملوا الناس عليه، وهم الذين كفَّروا من خالفهم في مسألة تسلسل الحوادث، وهي قضية كلاميّة دقيقة، لا يكفَّر بها مسلم ثبت إسلامه.

ومن التناقض أيضا الذي يقع فيه خصوم السلفية: أنهم في مقابل رميها بالتكفير والغلوِّ لا يفتؤون يجعلون منها درعًا للحكام، وسببًا في تدجين المجتمعات على حدِّ زعمهم، ويتغافل هؤلاء الخصوم عن الدولة الدينية الإيرانية، والتي تحكم بولاية الفقيه وخرافة المهديّ المنتظر، ويغفلون ويتغافلون أن جلَّ الأنظمة ترفع شعار الصوفية والأشعرية والمذهبية في مقابل السلفية، وإذا أرادوا مخالفة شرع أو إقرار باطل فإنما يتدثَّرون بهذه المذاهب لا غيرها، والواقع حكم، فمن المتهم وأين الإنصاف!؟

فهذه تناقضات تخبر الحاذِق على بطلان دعاوى المناوئين للسلفية، والتناقض دليل الهوى وعلامة البطلان في القول، ونحن إذ نقرر هذا المعنى فإننا ندافع عن منهج لا عن تجمّع بعينه ولا أفراد، فإن الناس بشر، ومنهم السلفيون، لا نبرّئهم من الخطأ ولا من النسيان، لكن فرق ما بين السلفية وغيرها هو أن المخطئ يعرف خطأه بمخالفته للمنهج، وينكره عليه قومه، ولا يقرّونه، أما غيرهم فإن خطأه نابع من منهجه، وهو فيه مصيب من وجهة نظر أهله، وهو أحظى بالحق من مخالفيه من أهل منهجه لموافقته لأصله والمقرر عنده في كتبه.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: مجموع الفتاوى (12/ 487)، جامع العلوم والحكم (ص: 83). وانظر: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: 145).

([2]) ينظر: شرح اللمع، للشيرازي (1/ 111).

([3]) ينظر: كنز الدرر وجامع الغرر (9/ 138) والجامع لسيرة ابن تيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017