الاثنين - 05 جمادى الآخر 1442 هـ - 18 يناير 2021 م

عرض ونقد لكتاب “قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة”

A A

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

جاء الإسلامُ بأسمى شريعة وأفضل نظام، ولم يترُك مجالًا من المجالات إلا وتحدَّث عنه أو أشارَ إليه، وبقيَ المسلمون على مرِّ العصور يستلهمون أفكارَهم من الكتاب والسنة ويستندون عليهما في شؤون حياتهم، وقد عرف التاريخُ الإسلامي أنواعًا من المناقشات والجدل والمناظرات والكتابات حول عدد من الموضوعات التي كانت ولا زالت تثيرُ جدلًا واسعًا حول أحكامها وصورها وآلية تطبيقها وأقسامها ومستنداتها الشرعية، ومن أبرز تلك القضايا قضايا خمس جمعها بعضهم في هذا الكتاب الذي هو محل العرض والنقد.

عنوان الكتاب: قضايا محوريَّة في ميزان الكتاب والسنة.

تأليف: أشرف نزار حسن، عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس، بفلسطين.

والمؤلف من فلسطين، وهو أشعريّ المعتقد، له عدد من المؤلفات، منها: المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة، كان مسجونًا في سجون الاحتلال، ولقِّب بفقيه السجون، وقد كتب عددًا من كتبه داخل السجن.

قدم للكتاب: رائد صلاح.

الطبعة: طبعته دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمَّان الأردن، الطبعة الأولى، 2018م.

هدف الكتاب: بيّن المؤلف عددًا من الأهداف يمكننا تلخيصها فيما يلي:

1- استخراج ما يتعلَّق بهذه القضايا الخمس التي تناولها من بطون الكتب وتقديمها بصورة مبسطة.

2- بيان وتوضيح موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسائل، وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ مراده بأهل السنة والجماعة الأشاعرة، ولذلك وضع له مبحثًا خاصًّا أسماه: الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة. وذكر في مقدمته ما يبين أن مراده وهدفه إزالة اعتقاد بعض الناس بأن مذهب الأشاعرة في الاعتقاد مذهب فلسفي لا دخل له في الدين([1]).

موضوعات الكتاب:

بحث المؤلف في هذا الكتاب خمسة موضوعات وهي:

1- تكفير المعين.

2- الحكم بما أنزل الله.

3- الخروج المسلَّح على الحاكم.

4- المشاركة في البرلمانات العلمانية.

5- الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة.

أبرز ملامح الكتاب:

1- يبدأ المؤلف بذكر بيان الموضوع المراد بحثه، ثم يسرد له بعض الآيات والأحاديث، ثم يضع عناوين فرعية تخدم الفكرة الأصلية، وقد التزم في مقدِّمة كتابه بأنه سيعتمد على الكتاب والسنة والفهم الوسطي المنضبط بمواقف مجتهدي الأمة من الأئمة الأربعة.

2- يذكر أقوال أهل العلم قديمًا وحديثًا، وبيَّن أن منهجه في ذلك هو أن يرتِّبها ترتيبًا منطقيًّا بحيث يفسّر بعضه بعضًا، ولم يلتزم بهذا في بعض المواضع، وإنما هناك تضارب في بعض الأحيان بين الأقوال، أو زيادات لا يُنبِّه عليها فيما بعد، وتكونُ تلك الزيادات مخالفة لاختياره.

3- ذِكْرُ الآراء الشخصية والخلاصات والاستنباطات قليلٌ جدًّا، وقد حرص آخر كل موضوع من الموضوعات الخمسة أن يكتب خلاصة للموضوع وأودع فيها رأيه، أما الموضوع نفسه فإنه غالبًا ما يعتمد فيه على النَّقل؛ ولذلك ستجد صفحاتٍ متتابعةً كلّها نقلٌ دون أن تجد أيّ استنباطٍ أو تعليل أو توجيه.

4- يذكرُ أقوالًا لأهل العلم تُخالف رأيه الذي خلص إليه، وكان ينبغي إمَّا أن يردَّ عليها أو يبيِّن وجه مخالفته لها، أو لا يذكرها وإنما يكتفي بالتقرير دون الرد، ولكنه لم يفعل أيًّا من هذين، بل ساقَ النصوص مؤيّدًا لها ومقرّرًا بأنَّها تدعم قولهُ ورأيَه، وبعضها ليس كذلك.

5- ينقل كثيرًا عن رموز الإخوان كالقرضاوي ومصطفى مشهور وحسن الهضيبي، وكان التنبيهُ على هذه النقطة لمعرفة الخلفية الثقافية التي انطلقَ منها في تصوُّراتِه.

عرض ونقد لموضوعات الكتاب:

الموضوع الأول: تكفير المعين:

بدأ هذا الموضوع ببيَانِ فتنةِ التكفير وخطرها ونشأتِها، ثم عرج على الخوارج والنصوص التي قيلت فيهم، مع عدم تكفيرهم وإن كفَّروا المسلمين، ثم عقد عنوانًا خاصًّا بمدرسة الخوارج المعاصرة، وهنا نقف مع هذا العنوان وقفة وهي: أنَّ المؤلّف لم يصرح باسم فرقة من مدرسة الخوارج المعاصرة إلا بجماعة التكفير والهجرة، لكنَّه بعد ذلك ذكر أن هناك مدارسَ أو مذاهبَ متأثرة بهذا الفكر الخارجي، ونقل فيها عدَّة نقول، منها ما كُتب عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته بأنَّ دعوته دعوة خارجية تكفيرية! وقد نقل في هذا كلام محمد زكي إبراهيم، قال فيه: “خوارج العصر الحاضر يحكمون بإخراج الملايين من المسلمين من دينِ الله، ويعودون بالأمة إلى أيام الفتنة الكبرى، وما أصابَ المسلمين من جرَّائها، فأهلُ القبلة عندهم مسلمون أمَّا هم فإسلاميون، وأهل القبلة عندهم صابئة وثنيون أما هم فمُوحِّدون، ورتبوا على ذلك الفساد أحكامًا فاسدةً يبرأ منها العقلُ والشَّرعُ والتَّوحيد السليم، وبذلك استحلُّوا دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم”([2]). وهذا الكتاب في الدفاع عن الصوفية التي يراها الكاتب صوفية معتدلة إسلامية سلفية!

ويهاجمُ فيه دعوةَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعها، ويتَّهمُها بأنها قد كفَّرت المسلمين كما في هذا النصّ، ونَقْلُ مؤلف كتابنا لهذا النَّص بعد قوله: “وهناك جماعات أخرى على نفس نمط التفكير -أي: تفكير الخوارج-“([3]) ينبئك أنه على قوله في إلحاق دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخوارج، وهو منهجٌ غير علمي، ورميٌ للتّهم جزافا، فإمَّا أن يدرس دعوة الشيخ وآراءه وينقدها ويبين أنها فعلًا تقول بقول الخوارج، ويرد على أقوال الشيخ الصريحة بأنَّهُ ليس من الخوارج، وأنه لا يكفر عموم المسلمين، ولا يكفر بالكبائر، أو كان الأولى أن لا يذكر هذا النَّص الذي ذكره كما هو واضحٌ من أجل هذه التهمة، وهي تهمةٌ قديمة ناقشها العلماء في الكتب التي تناولت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب([4]).

وليس هذا مجال التفصيل في رد هذه التهمة التي أكل عليها الدهر وشرب، وصارت من القضايا التي لا تخفى على الناس بعد نشر كتبِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن نكتفي بنقلِ نصٍّ واحدٍ من نصوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب تُجلِّي هذه المسألة، يقول رحمه الله: “وأما المسألة الثالثة -وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام-: أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحنُ فيه؛ وذلك أن الخوارج يكفّرون من زنى، أو سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر، وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفُر إلا بالشِّرك”([5]).

بعد هذا العنوان عرض المؤلف أسبابَ نشوءِ التَّطرف والتكفير، وذكر منها سوء الفهم للنصوص الشرعية، وقد عرض فيما بعد إلى تعريف التكفير وبيانِ خطره، وأن الأصل في المسلم حرمة دمه وماله وعرضه، ثم ختمه بخلاصة المسألة.

الموضوع الثاني: الحكم بما أنزل الله:

بدأ هذه المسألة بما بدأ به الأولى من نصوصٍ شرعية في وجوبِ تحكيم شرع الله، وركز على الآيات الثلاث في سورة المائدة وبيانِ أقوال العُلماء فيها، وهي قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]. ومنَ العجيب أنهُ عند نقلِ كلام العلماء في هذه الآية نَقَلَ كلامهم في كفر من حكم بغير ما أنزل الله مُفضِّلًا للقوانين الوضعية أو مجوزًا لها، فصوَر الكفر الأكبر في الحكم بغير ما أنزل الله ليست واحدة، كما أنَّ صور الكفر الأصغر في ذات المسألة ليست واحدة، ولكنه حين عرض الخلاصة خلص إلى أن الكفر في هذه المسألة يكون كفرًا أكبر بالجحودِ فقط، وهذا الحصر مناقضٌ لكلام العلماء الذين هو نقل عنهم قبل عدَّة صفحات.

الموضوع الثالث: الخروجُ المسلَّح على الإمام:

بدأَ هذا المبحث بتعريفِ الخلافة والإمامة والإمام، ثم ساقَ نصوصًا شرعية عديدة في طاعة ولي الأمر ووجوبها، والنهي عن الخروج، وبين بعض آثاره، وينبغي التنبه لنقطة مهمة وهي: أنه يمارس ما قلناه سابقًا من الإتيان بأقوالٍ مختلفة متباينة دون أن يوجّهها، وإنما يسوقها على أنَّها موافقة لفكرته وليست كذلك، ومن ذلك مثلًا أنَّه نقل عدَّة نصوص تفيد تحريمَ الخروج على الظَّالم بالسلاح، منها قول النووي: “وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين”([6])، وقول القزويني: “اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوزون الخروج على السلطانِ الظالم بكل حال، بل يجب على الرعية طاعته”([7])، ثم نقل كلام القرضاوي في ذلك ونصُّه: “وجهاد الحاكم الظالم باليد -أي: بالقوة العسكرية- إنما هو لمن يستطيعه”([8])، فهنا يُجوِّز الخروج على الظالم لمن يستطيع، وهو خلافُ النقول الأولى.

الموضوع الرابع: المشاركة في البرلمانات العلمانية:

وخلاصةُ رأيه في هذه المسألة هي تجويزُ المشاركة بشروط وضوابط إن اقتضتِ المصلحة ذلك، وقد نقل في تعضيد هذا القول بعض الأدلة وأقوال أهل العلم، ومن الشروط التي وضعها لتجويزِ الدخول:

1- أن تكون ثمة مشاركة فعلًا لا مجرد دعوى.

2- أن لا يكون الحكم موسومًا بالظلم والطغيان.

3- أن يكون لهُ حقُّ معارضة كل من يخالف الإسلام.

4- أن تُقوَّم تجربة المشتركين لمعرفة مدى الفائدة المحقَّقة من الدُّخول فيها، والموازنة بينها وبين المفاسد.

وهذه شروطٌ اجتهادية قد يكتب فيها كل إنسان بما تمليه عليه اجتهاداته وقراءاته للواقع، ولكن الفكرة الأساسية من الموضوع هي جواز الدخول في هذه البرلمانات.

الموضوع الخامس: الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة:

في هذا المبحث أراد أن يؤثِّل لقضية أنَّ الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، وقد عرَّف بهم ثم استدل على ذلك بعدة أدلة، ولم يورد الأدلة وحدها منفصلة، وإنما جَمَعَها مع كلام من نقل لهم، وسنُحاول أن نجمع المتفرقات ونجمل ذكر أدلته ثم نناقشها:

الدليل الأول: مدحُ أبي الحسن الأشعري حامل لواءِ الأشاعرة:

ذكر المؤلف أن عددًا من العلماء قد مدح أبا الحسن وخاصة ابن تيمية رحمه الله، وبناء على هذا المدح فإن أبا الحسن يكون من أهل السنة والجماعة، وقبل أن نبين تفاصيل بعض هذه الأقوال نودُّ أن نشير إلى أن أبا الحسن الأشعري أقرب إلى السنة من متأخري الأشاعرة، بل يقالُ: هو منهم في طورهِ الأخير قبل وفاته، وقد مدحه العلماء وأثنوا عليه مقابلَ المعتزلة، ولمحاججته لهم، فبالنسبة للمعتزلة لا شكَّ أنه أقرب إلى الحق وإلى أهل السنة والجماعة من المعتزلة، وغالب ما يُذكر في مدح أبي الحسن إنما هو لهذين الجانبين.

أمَّا تفصيل ذلك فيقال: إن النصوص التي نقلَها عن ابن تيمية -رحمه الله- ليست في معرض بيانِ أنه من أهل السنة والجماعة دائمًا، وإنما في مدحه بما فيه من حق، أو في بيانِ أنَّه من أهل السنة في طوره الأخير، ويُعرف ذلك بتتبع النقول التي نقلها، وسنوردها تباعًا:

1- قال ابن تيمية: “هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم”([9]). والأمر هنا واضح أنه يمدحه حال رجوعه إلى الحق ولرده على المعتزلة.

2- قال ابن تيمية: “الأشعري كان من أجلِّ المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد رحمه الله”([10]). وليت أن المؤلف قد نقل النصَّ كاملًا؛ إذ إنَّ أكثر الفهم الخاطئ إنما ينشأ عن بترِ النُّصوص، وابن تيمية -رحمه الله- هنا يتحدث عن نفرةٍ وقعت بين الحنابلة والأشعرية -يعني أنهم ليسوا سواء أصلًا فقد جعلهم فرقتين-، ثم جاء ابن تيمية ليبين لهم أن الأشعري أقرب إلى أهل السنة فقال: “وأزلتُ عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينتُ لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه… وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم… ولما أظهرتُ كلام الأشعري ورآه الحنبلية قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق”([11]).

ويتضح من هذا أشياء:

أولا: أنه قال: “من أجلِّ المتكلمين المنتسبين”، ومعلوم أن بين المنهجين فرقًا، أعني منهج أهل السنة ومنهج المتكلمين.

ثانيا: أنه ذكر مراحل حياته وأنه في آخر حياته أخذ عن بعض الحنابلة، فهو يمدحه لما كان عليه آخرًا.

ثالثا: يفهم من كلامه أن الأشعري أقرب إلى أحمد بن حنبل ولم يذكر أنه قد حقَّق مذهبه، وقد صرح بهذا في موضع آخر فقال: “إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل”([12]).

3- يقول ابن تيمية: “فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنده أحمد بن حنبل“([13]).

ويكفي في بيان هذا نقلُ النَّصِّ كاملًا ليتبين مراد ابن تيمية، مع التنبيه إلى أن المنهج العلمي كان يستدعي أن يذكر المؤلف النصوص كاملة لا أن يبترها، يقول ابن تيمية رحمه الله: “وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء؛ بحيث يكون الأشعري أحسن قولًا منه وأقرب إلى السنة، فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في مناظراته ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث، لم يجعله مباينًا لهم، وكانوا قديمًا متقاربين إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيءٍ من الكلام؛ لما في ذلك من البدعة، مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة، بل هو مقصر عنها تقصيرًا معروفا”.

وفي هذا الكلام ما يلي:

أولا: أن الكلام في معرض المقابلة بينه وبين ابن عقيل المائل إلى المعتزلة، فبيَّن أنه أقرب إلى السنة.

ثانيا: قوله: “وأقرب إلى السنة”، وهذا واضح في أنه ليس منهم بالكلية، وإنما هو أقرب.

ثالثا: قوله الصريح: “مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرا معروفا”.

4- يقول ابن تيمية: “لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السُّنة والجماعة”([14]).

وواضحٌ أن ابن تيمية يتحدث عن أنهم منتسبون لا عن تحقيق ذلك في الواقع؛ ولذلك فطن لهذا المؤلف نفسه فقال: “ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإمام أبو الحسن وأصحابه ما كانوا ينتسبون إلا لأهل السنة”([15]).

5- قول ابن تيمية رحمه الله: “ثم قيَّض الله من ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح الدين وإخوته وأتباعهم، ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا الكفار والمنافقين”([16]).

ولا أدري كيف يستدل المؤلف بذلك على أن الأشاعرة من أهل السنة! فإنه وإن كان صلاح الدين أشعريا، إلا أن ابن تيمية يمدحه هنا في جهاده للكفار والمنافقين، ولم يقل أحد من العالمين: إنه لا يجاهدهم إلا أهل السنة، كما لا يقول عاقل: إن الإنسان إن كان متكلِّما لا يُقبل منه صرف ولا عدل، ولا يمدح بحال! وإنما يُعطى كل أحد قدره، ويُمدح بما فيه، ويُذم بما فيه، وكل ذلك اتباعًا للعدل الذي أمر الله به.

أما النصوص الأخرى فغالبها منقولة عن أشاعرة، ولا يحتج بأقوال أهل الدعوى على صحة دعواهم.

الدليل الثاني: القول بأن أكثر علماء الأمة أشاعرة:

وقد نقل هذا عن القرضاوي حين عدَّ من الأشاعرة مجموعة من العلماء، وهذا في الحقيقة ليس بدليل، فإنه يمكن أن يُنازع فيه، أو يُعارض بمثله، أو يُنقض من أصله.

فأمَّا المنازعة فيه فببيان أنَّه ليس كل العلماء الذين ذكرهم أشاعرة متمحّضين في الأشعرية، وإنما كان من بعضهم بعضُ موافقةٍ للأشعرية مع أصولهم السنية، فهذا لا يطلق عليه أنه أشعري.

وأمَّا المعارضة بمثله فبأن تُذكر أسماء علماء أهل السنة، ولا شكَّ أنهم أضعاف ما ذكره القرضاوي قديما وحديثًا، وينبئك عن ذلك مطالعة كتاب “العلو” للذهبي مثلًا، فإنه نقل عن علماء كثيرين في مسألةٍ واحدة مخالفة لمذهب الأشاعرة، فكيف بمن لم ينقل عنهم؟! وكيف في المسائلِ الأخرى؟! كما أنَّ مما يجلِّي هذه الحقيقة أنَّ البخاري -رحمه الله- قالَ فيما نقل عنهُ اللالكائي: “لقيت أكثر من ألف رجلٍ من أهل العلم -أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر- لقيتهم كرَّاتٍ قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن، أدركتُهم وهم متوافرون منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات”، ثم عدَّ مجموعةً كبيرة من العلماء في سائر الأمصارِ، ثم قال: “واكتفَينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرًا، وأن لا يطول ذلك، فما رأيتُ واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء”، ثم ذَكر جملةً من عقائد أهل السنة والجماعة([17]).

وأما نقضُه فبأن يقال: إنَّ الكثرة لا تدل على الحق بالضرورة، وقد يأتي عصرٌ من العصور يكون من ليس من أهل الحق أكثر من أهله، وقد أتى زمانٌ كان فيه علماء المعتزلة في الظَّاهر أكثر من الأشاعرة، فهل كانوا على حق؟!

وهل كلَّما جاء عصرٌ برز فيه علماء مذهبٍ ما يكون ذلك المذهب هو الحق؟! فإن قلنا بهذا انتقض اتباع الكتاب والسنة، فإننا مأمورون باتباعهما لا باتباع الرجال في كل عصر وإن خالفوهما.

وبهذا تنتقض أيضا هذه الدعوى ويتبين الحق.

وخلاصة الأمر: أن الكتاب جمع نصوص بعض العلماء في هذه الموضوعات الخمسة، وأبدى فيها المؤلف رأيه على ما ناقشناه في هذا العرض، وكان عمله في الأساس هو جمع النصوص لا تحرير الأقوال ومناقشتها.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر مقدمة الكتاب (21).

([2]) السلفية المعاصرة إلى أين (8).

([3]) (38).

([4]) مثل: إسلامية لا وهابية للدكتور ناصر العقل، ودعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعبد العزيز آل عبداللطيف، وغيرهما.

([5]) ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 39).

([6]) انظر الكتاب (112).

([7]) انظر الكتاب (113).

([8]) انظر الكتاب (114).

([9]) مجموع الفتاوى (4/ 72).

([10]) مجموع الفتاوى (3/ 227).

([11]) مجموع الفتاوى (3/227-229).

([12]) تعارض العقل والنقل (1/ 270).

([13]) مجموع الفتاوى (6/ 53).

([14]) مجموع الفتاوى (4/ 167).

([15]) الكتاب (145).

([16]) مجموع الفتاوى (17/ 501).

([17]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 173-174).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

ترجمة الشيخ محمد السعيدي بن محمد الجردي (1)

  اسمه ونسبه وكنيته ونسبته: هو الشيخ الفقيه الأصولي محمد السعيدي بن محمد بن عبد السلام أبو عبد الرحمن الجردي، مفتي طنجة. مولده: ولد في إقليم تطوان، وتحديدًا في قرية الجردة إحدى قرى منطقة أنجرة، وكانت ولادته عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة النبوية (1358هـ-1940م). نشأته العلمية: حفظ الشيخ القرآن في صباه، وأتم حفظه وهو […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

تحقيق قول القرافي في حُكم المجسمات

  المعلوم أن علماء الإسلام أجمعوا على حُرمة عمل المجسمات ذوات الظل التي على هيئة ذوات أرواح تامات الخِلقة ، ولم يكن ذلك خاصاً بمذهب من مذاهب أهل السنة دون مذهب ، وليس خاصاً بالسلفيين أو مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، كما يُثيره البعض ، قال النووي الشافعي :”وأجمعوا على منع ما كان […]

المفاضلة بين الصحابة.. رؤية شرعية

لا يختَلِف اثنانِ على وجود التفاضُل بين المخلوقات؛ سواء كانت أمكنةً أو أزمنةً أو أعيانًا، حيوانًا أو بشرًا أو ملائكةً، لكن الاختلاف يقع وبشدَّة في معيار هذا التفاضل وطريقة إدراكه، هل هو بمجرَّد الحسِّ والمشاهدة، أم بمجرَّد مسائل معنوية، أم بقضايا مركبة، وهل هذا التركيب عقلي أو شرعي أو حسي، والنظر الشرعي يقول بوجود التفاضل، […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، […]

عرض وتعريف بكتاب “نظرات في مناهج الفرق الكلامية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على المتابع للحركة الفكرية البعثُ الأشعريّ الجديد في مواجهة التيار السلفي الممتدّ، ولم تعد النقاشات مقتصرةً على المحاضِن العلمية ومجالس الدراسة، بلِ امتدَّت إلى الساحة الإعلامية ليشارك فيها عامّة الناس ومثقَّفوهم؛ ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى كتاب يتناول منهج الأشاعرة بالبيان والنقد بالأسلوب الهادئ المناسب لغير […]

دلالة الترك عند الأصوليين والموقف السلفي

  مما يُرمى به السلفيون في الآونة الأخيرةِ أنهم يخترعون قواعدَ لا أصلَ لها عند الأصوليين، ويدلِّل أصحابُ هذا الاتهام على ذلك بمسألة التَّرك، فإذا ما استدلَّ السلفيون على بدعيَّة بعض الأمور بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تركها وأعرض عنها، وأن تَرْكه حجة؛ فيزعمون أنَّ هذه قاعدةٌ منِ اختراع السلفيين، وأنَّ الترك لا يدلُّ […]

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات […]

العلامة محمد البشير الإبراهيمي فخرُ علماءِ الجزائر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه الترجمة مُستقاة من الترجمتين اللَّتين كتبهما الشيخ الإبراهيمي لنفسه، إحداهما بعنوان: (خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية)، وكان كتبها بطلبٍ من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتُخِب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961م، وهي منشورة في آثاره (5/ 272-291)، والأخرى بعنوان: (من […]

هل كل ما خلقه الله يحبه؟

  مقدمة: “ليس -الله تعالى- منذ خلق الخلق ‌استفاد ‌اسم ‌الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحقَّ هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم؛ ذلك بأنه على كل شيء قدير”([1]). والخلق خلقُه، والأمر أمرهُ، سبحانه لا يعزب عن […]

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ومُحدَثَة البيت الإبراهيمي

ردُّ الابتداع والإحداث في الدّين أصلٌ عظيم من أصول دين الإسلام، يدلُّ على ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»([1])؛ ولهذا يقول الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه […]

ثناء العلماء على الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: انتشرت العقيدةُ السلفية في أرجاء المعمورة -بفضل الله تعالى- في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، وازداد تمسُّك الناس بها والدفاع عنها؛ لأنها الحقُّ المبين والصراط المستقيم، وقد هيأ الله في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي من يقوم بتجديد الدين، ونبذ الخرافات وما استحُدِث منَ البدع، إلا […]

زواج المسلمة من غير المسلم -مناقشة مثارات الغلط في المسألة-

يُثار بين الفينة والأخرى جدلٌ حول قضيَّة زواج المسلمة من غير المسلم، وخاصَّة الكتابيّ، رغم إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا بكلّ طوائفهم ومذاهبهم على حرمةِ ذلك، وعدم انعقادِه أصلًا، ولم يخالف في ذلك إلا آحادٌ من شُذَّاذ الآفاق من مُدَّعي التنوير من المعاصرين، وعامَّتهم ممن لا يلتزم بقواعد الاستنباط ولا مناهج الاستدلال التي سار عليها علماء […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017