الأحد - 24 جمادى الأول 1441 هـ - 19 يناير 2020 م

عرض ونقد لكتاب “قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة”

A A

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

جاء الإسلامُ بأسمى شريعة وأفضل نظام، ولم يترُك مجالًا من المجالات إلا وتحدَّث عنه أو أشارَ إليه، وبقيَ المسلمون على مرِّ العصور يستلهمون أفكارَهم من الكتاب والسنة ويستندون عليهما في شؤون حياتهم، وقد عرف التاريخُ الإسلامي أنواعًا من المناقشات والجدل والمناظرات والكتابات حول عدد من الموضوعات التي كانت ولا زالت تثيرُ جدلًا واسعًا حول أحكامها وصورها وآلية تطبيقها وأقسامها ومستنداتها الشرعية، ومن أبرز تلك القضايا قضايا خمس جمعها بعضهم في هذا الكتاب الذي هو محل العرض والنقد.

عنوان الكتاب: قضايا محوريَّة في ميزان الكتاب والسنة.

تأليف: أشرف نزار حسن، عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس، بفلسطين.

والمؤلف من فلسطين، وهو أشعريّ المعتقد، له عدد من المؤلفات، منها: المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة، كان مسجونًا في سجون الاحتلال، ولقِّب بفقيه السجون، وقد كتب عددًا من كتبه داخل السجن.

قدم للكتاب: رائد صلاح.

الطبعة: طبعته دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمَّان الأردن، الطبعة الأولى، 2018م.

هدف الكتاب: بيّن المؤلف عددًا من الأهداف يمكننا تلخيصها فيما يلي:

1- استخراج ما يتعلَّق بهذه القضايا الخمس التي تناولها من بطون الكتب وتقديمها بصورة مبسطة.

2- بيان وتوضيح موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسائل، وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ مراده بأهل السنة والجماعة الأشاعرة، ولذلك وضع له مبحثًا خاصًّا أسماه: الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة. وذكر في مقدمته ما يبين أن مراده وهدفه إزالة اعتقاد بعض الناس بأن مذهب الأشاعرة في الاعتقاد مذهب فلسفي لا دخل له في الدين([1]).

موضوعات الكتاب:

بحث المؤلف في هذا الكتاب خمسة موضوعات وهي:

1- تكفير المعين.

2- الحكم بما أنزل الله.

3- الخروج المسلَّح على الحاكم.

4- المشاركة في البرلمانات العلمانية.

5- الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة.

أبرز ملامح الكتاب:

1- يبدأ المؤلف بذكر بيان الموضوع المراد بحثه، ثم يسرد له بعض الآيات والأحاديث، ثم يضع عناوين فرعية تخدم الفكرة الأصلية، وقد التزم في مقدِّمة كتابه بأنه سيعتمد على الكتاب والسنة والفهم الوسطي المنضبط بمواقف مجتهدي الأمة من الأئمة الأربعة.

2- يذكر أقوال أهل العلم قديمًا وحديثًا، وبيَّن أن منهجه في ذلك هو أن يرتِّبها ترتيبًا منطقيًّا بحيث يفسّر بعضه بعضًا، ولم يلتزم بهذا في بعض المواضع، وإنما هناك تضارب في بعض الأحيان بين الأقوال، أو زيادات لا يُنبِّه عليها فيما بعد، وتكونُ تلك الزيادات مخالفة لاختياره.

3- ذِكْرُ الآراء الشخصية والخلاصات والاستنباطات قليلٌ جدًّا، وقد حرص آخر كل موضوع من الموضوعات الخمسة أن يكتب خلاصة للموضوع وأودع فيها رأيه، أما الموضوع نفسه فإنه غالبًا ما يعتمد فيه على النَّقل؛ ولذلك ستجد صفحاتٍ متتابعةً كلّها نقلٌ دون أن تجد أيّ استنباطٍ أو تعليل أو توجيه.

4- يذكرُ أقوالًا لأهل العلم تُخالف رأيه الذي خلص إليه، وكان ينبغي إمَّا أن يردَّ عليها أو يبيِّن وجه مخالفته لها، أو لا يذكرها وإنما يكتفي بالتقرير دون الرد، ولكنه لم يفعل أيًّا من هذين، بل ساقَ النصوص مؤيّدًا لها ومقرّرًا بأنَّها تدعم قولهُ ورأيَه، وبعضها ليس كذلك.

5- ينقل كثيرًا عن رموز الإخوان كالقرضاوي ومصطفى مشهور وحسن الهضيبي، وكان التنبيهُ على هذه النقطة لمعرفة الخلفية الثقافية التي انطلقَ منها في تصوُّراتِه.

عرض ونقد لموضوعات الكتاب:

الموضوع الأول: تكفير المعين:

بدأ هذا الموضوع ببيَانِ فتنةِ التكفير وخطرها ونشأتِها، ثم عرج على الخوارج والنصوص التي قيلت فيهم، مع عدم تكفيرهم وإن كفَّروا المسلمين، ثم عقد عنوانًا خاصًّا بمدرسة الخوارج المعاصرة، وهنا نقف مع هذا العنوان وقفة وهي: أنَّ المؤلّف لم يصرح باسم فرقة من مدرسة الخوارج المعاصرة إلا بجماعة التكفير والهجرة، لكنَّه بعد ذلك ذكر أن هناك مدارسَ أو مذاهبَ متأثرة بهذا الفكر الخارجي، ونقل فيها عدَّة نقول، منها ما كُتب عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته بأنَّ دعوته دعوة خارجية تكفيرية! وقد نقل في هذا كلام محمد زكي إبراهيم، قال فيه: “خوارج العصر الحاضر يحكمون بإخراج الملايين من المسلمين من دينِ الله، ويعودون بالأمة إلى أيام الفتنة الكبرى، وما أصابَ المسلمين من جرَّائها، فأهلُ القبلة عندهم مسلمون أمَّا هم فإسلاميون، وأهل القبلة عندهم صابئة وثنيون أما هم فمُوحِّدون، ورتبوا على ذلك الفساد أحكامًا فاسدةً يبرأ منها العقلُ والشَّرعُ والتَّوحيد السليم، وبذلك استحلُّوا دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم”([2]). وهذا الكتاب في الدفاع عن الصوفية التي يراها الكاتب صوفية معتدلة إسلامية سلفية!

ويهاجمُ فيه دعوةَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعها، ويتَّهمُها بأنها قد كفَّرت المسلمين كما في هذا النصّ، ونَقْلُ مؤلف كتابنا لهذا النَّص بعد قوله: “وهناك جماعات أخرى على نفس نمط التفكير -أي: تفكير الخوارج-“([3]) ينبئك أنه على قوله في إلحاق دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخوارج، وهو منهجٌ غير علمي، ورميٌ للتّهم جزافا، فإمَّا أن يدرس دعوة الشيخ وآراءه وينقدها ويبين أنها فعلًا تقول بقول الخوارج، ويرد على أقوال الشيخ الصريحة بأنَّهُ ليس من الخوارج، وأنه لا يكفر عموم المسلمين، ولا يكفر بالكبائر، أو كان الأولى أن لا يذكر هذا النَّص الذي ذكره كما هو واضحٌ من أجل هذه التهمة، وهي تهمةٌ قديمة ناقشها العلماء في الكتب التي تناولت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب([4]).

وليس هذا مجال التفصيل في رد هذه التهمة التي أكل عليها الدهر وشرب، وصارت من القضايا التي لا تخفى على الناس بعد نشر كتبِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن نكتفي بنقلِ نصٍّ واحدٍ من نصوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب تُجلِّي هذه المسألة، يقول رحمه الله: “وأما المسألة الثالثة -وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام-: أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحنُ فيه؛ وذلك أن الخوارج يكفّرون من زنى، أو سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر، وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفُر إلا بالشِّرك”([5]).

بعد هذا العنوان عرض المؤلف أسبابَ نشوءِ التَّطرف والتكفير، وذكر منها سوء الفهم للنصوص الشرعية، وقد عرض فيما بعد إلى تعريف التكفير وبيانِ خطره، وأن الأصل في المسلم حرمة دمه وماله وعرضه، ثم ختمه بخلاصة المسألة.

الموضوع الثاني: الحكم بما أنزل الله:

بدأ هذه المسألة بما بدأ به الأولى من نصوصٍ شرعية في وجوبِ تحكيم شرع الله، وركز على الآيات الثلاث في سورة المائدة وبيانِ أقوال العُلماء فيها، وهي قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]. ومنَ العجيب أنهُ عند نقلِ كلام العلماء في هذه الآية نَقَلَ كلامهم في كفر من حكم بغير ما أنزل الله مُفضِّلًا للقوانين الوضعية أو مجوزًا لها، فصوَر الكفر الأكبر في الحكم بغير ما أنزل الله ليست واحدة، كما أنَّ صور الكفر الأصغر في ذات المسألة ليست واحدة، ولكنه حين عرض الخلاصة خلص إلى أن الكفر في هذه المسألة يكون كفرًا أكبر بالجحودِ فقط، وهذا الحصر مناقضٌ لكلام العلماء الذين هو نقل عنهم قبل عدَّة صفحات.

الموضوع الثالث: الخروجُ المسلَّح على الإمام:

بدأَ هذا المبحث بتعريفِ الخلافة والإمامة والإمام، ثم ساقَ نصوصًا شرعية عديدة في طاعة ولي الأمر ووجوبها، والنهي عن الخروج، وبين بعض آثاره، وينبغي التنبه لنقطة مهمة وهي: أنه يمارس ما قلناه سابقًا من الإتيان بأقوالٍ مختلفة متباينة دون أن يوجّهها، وإنما يسوقها على أنَّها موافقة لفكرته وليست كذلك، ومن ذلك مثلًا أنَّه نقل عدَّة نصوص تفيد تحريمَ الخروج على الظَّالم بالسلاح، منها قول النووي: “وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين”([6])، وقول القزويني: “اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوزون الخروج على السلطانِ الظالم بكل حال، بل يجب على الرعية طاعته”([7])، ثم نقل كلام القرضاوي في ذلك ونصُّه: “وجهاد الحاكم الظالم باليد -أي: بالقوة العسكرية- إنما هو لمن يستطيعه”([8])، فهنا يُجوِّز الخروج على الظالم لمن يستطيع، وهو خلافُ النقول الأولى.

الموضوع الرابع: المشاركة في البرلمانات العلمانية:

وخلاصةُ رأيه في هذه المسألة هي تجويزُ المشاركة بشروط وضوابط إن اقتضتِ المصلحة ذلك، وقد نقل في تعضيد هذا القول بعض الأدلة وأقوال أهل العلم، ومن الشروط التي وضعها لتجويزِ الدخول:

1- أن تكون ثمة مشاركة فعلًا لا مجرد دعوى.

2- أن لا يكون الحكم موسومًا بالظلم والطغيان.

3- أن يكون لهُ حقُّ معارضة كل من يخالف الإسلام.

4- أن تُقوَّم تجربة المشتركين لمعرفة مدى الفائدة المحقَّقة من الدُّخول فيها، والموازنة بينها وبين المفاسد.

وهذه شروطٌ اجتهادية قد يكتب فيها كل إنسان بما تمليه عليه اجتهاداته وقراءاته للواقع، ولكن الفكرة الأساسية من الموضوع هي جواز الدخول في هذه البرلمانات.

الموضوع الخامس: الأشاعرة لبُّ أهل السنة والجماعة:

في هذا المبحث أراد أن يؤثِّل لقضية أنَّ الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، وقد عرَّف بهم ثم استدل على ذلك بعدة أدلة، ولم يورد الأدلة وحدها منفصلة، وإنما جَمَعَها مع كلام من نقل لهم، وسنُحاول أن نجمع المتفرقات ونجمل ذكر أدلته ثم نناقشها:

الدليل الأول: مدحُ أبي الحسن الأشعري حامل لواءِ الأشاعرة:

ذكر المؤلف أن عددًا من العلماء قد مدح أبا الحسن وخاصة ابن تيمية رحمه الله، وبناء على هذا المدح فإن أبا الحسن يكون من أهل السنة والجماعة، وقبل أن نبين تفاصيل بعض هذه الأقوال نودُّ أن نشير إلى أن أبا الحسن الأشعري أقرب إلى السنة من متأخري الأشاعرة، بل يقالُ: هو منهم في طورهِ الأخير قبل وفاته، وقد مدحه العلماء وأثنوا عليه مقابلَ المعتزلة، ولمحاججته لهم، فبالنسبة للمعتزلة لا شكَّ أنه أقرب إلى الحق وإلى أهل السنة والجماعة من المعتزلة، وغالب ما يُذكر في مدح أبي الحسن إنما هو لهذين الجانبين.

أمَّا تفصيل ذلك فيقال: إن النصوص التي نقلَها عن ابن تيمية -رحمه الله- ليست في معرض بيانِ أنه من أهل السنة والجماعة دائمًا، وإنما في مدحه بما فيه من حق، أو في بيانِ أنَّه من أهل السنة في طوره الأخير، ويُعرف ذلك بتتبع النقول التي نقلها، وسنوردها تباعًا:

1- قال ابن تيمية: “هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم”([9]). والأمر هنا واضح أنه يمدحه حال رجوعه إلى الحق ولرده على المعتزلة.

2- قال ابن تيمية: “الأشعري كان من أجلِّ المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد رحمه الله”([10]). وليت أن المؤلف قد نقل النصَّ كاملًا؛ إذ إنَّ أكثر الفهم الخاطئ إنما ينشأ عن بترِ النُّصوص، وابن تيمية -رحمه الله- هنا يتحدث عن نفرةٍ وقعت بين الحنابلة والأشعرية -يعني أنهم ليسوا سواء أصلًا فقد جعلهم فرقتين-، ثم جاء ابن تيمية ليبين لهم أن الأشعري أقرب إلى أهل السنة فقال: “وأزلتُ عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينتُ لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه… وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم… ولما أظهرتُ كلام الأشعري ورآه الحنبلية قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق”([11]).

ويتضح من هذا أشياء:

أولا: أنه قال: “من أجلِّ المتكلمين المنتسبين”، ومعلوم أن بين المنهجين فرقًا، أعني منهج أهل السنة ومنهج المتكلمين.

ثانيا: أنه ذكر مراحل حياته وأنه في آخر حياته أخذ عن بعض الحنابلة، فهو يمدحه لما كان عليه آخرًا.

ثالثا: يفهم من كلامه أن الأشعري أقرب إلى أحمد بن حنبل ولم يذكر أنه قد حقَّق مذهبه، وقد صرح بهذا في موضع آخر فقال: “إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل”([12]).

3- يقول ابن تيمية: “فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنده أحمد بن حنبل“([13]).

ويكفي في بيان هذا نقلُ النَّصِّ كاملًا ليتبين مراد ابن تيمية، مع التنبيه إلى أن المنهج العلمي كان يستدعي أن يذكر المؤلف النصوص كاملة لا أن يبترها، يقول ابن تيمية رحمه الله: “وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء؛ بحيث يكون الأشعري أحسن قولًا منه وأقرب إلى السنة، فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في مناظراته ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث، لم يجعله مباينًا لهم، وكانوا قديمًا متقاربين إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيءٍ من الكلام؛ لما في ذلك من البدعة، مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة، بل هو مقصر عنها تقصيرًا معروفا”.

وفي هذا الكلام ما يلي:

أولا: أن الكلام في معرض المقابلة بينه وبين ابن عقيل المائل إلى المعتزلة، فبيَّن أنه أقرب إلى السنة.

ثانيا: قوله: “وأقرب إلى السنة”، وهذا واضح في أنه ليس منهم بالكلية، وإنما هو أقرب.

ثالثا: قوله الصريح: “مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرا معروفا”.

4- يقول ابن تيمية: “لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السُّنة والجماعة”([14]).

وواضحٌ أن ابن تيمية يتحدث عن أنهم منتسبون لا عن تحقيق ذلك في الواقع؛ ولذلك فطن لهذا المؤلف نفسه فقال: “ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإمام أبو الحسن وأصحابه ما كانوا ينتسبون إلا لأهل السنة”([15]).

5- قول ابن تيمية رحمه الله: “ثم قيَّض الله من ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح الدين وإخوته وأتباعهم، ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا الكفار والمنافقين”([16]).

ولا أدري كيف يستدل المؤلف بذلك على أن الأشاعرة من أهل السنة! فإنه وإن كان صلاح الدين أشعريا، إلا أن ابن تيمية يمدحه هنا في جهاده للكفار والمنافقين، ولم يقل أحد من العالمين: إنه لا يجاهدهم إلا أهل السنة، كما لا يقول عاقل: إن الإنسان إن كان متكلِّما لا يُقبل منه صرف ولا عدل، ولا يمدح بحال! وإنما يُعطى كل أحد قدره، ويُمدح بما فيه، ويُذم بما فيه، وكل ذلك اتباعًا للعدل الذي أمر الله به.

أما النصوص الأخرى فغالبها منقولة عن أشاعرة، ولا يحتج بأقوال أهل الدعوى على صحة دعواهم.

الدليل الثاني: القول بأن أكثر علماء الأمة أشاعرة:

وقد نقل هذا عن القرضاوي حين عدَّ من الأشاعرة مجموعة من العلماء، وهذا في الحقيقة ليس بدليل، فإنه يمكن أن يُنازع فيه، أو يُعارض بمثله، أو يُنقض من أصله.

فأمَّا المنازعة فيه فببيان أنَّه ليس كل العلماء الذين ذكرهم أشاعرة متمحّضين في الأشعرية، وإنما كان من بعضهم بعضُ موافقةٍ للأشعرية مع أصولهم السنية، فهذا لا يطلق عليه أنه أشعري.

وأمَّا المعارضة بمثله فبأن تُذكر أسماء علماء أهل السنة، ولا شكَّ أنهم أضعاف ما ذكره القرضاوي قديما وحديثًا، وينبئك عن ذلك مطالعة كتاب “العلو” للذهبي مثلًا، فإنه نقل عن علماء كثيرين في مسألةٍ واحدة مخالفة لمذهب الأشاعرة، فكيف بمن لم ينقل عنهم؟! وكيف في المسائلِ الأخرى؟! كما أنَّ مما يجلِّي هذه الحقيقة أنَّ البخاري -رحمه الله- قالَ فيما نقل عنهُ اللالكائي: “لقيت أكثر من ألف رجلٍ من أهل العلم -أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر- لقيتهم كرَّاتٍ قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن، أدركتُهم وهم متوافرون منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات”، ثم عدَّ مجموعةً كبيرة من العلماء في سائر الأمصارِ، ثم قال: “واكتفَينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرًا، وأن لا يطول ذلك، فما رأيتُ واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء”، ثم ذَكر جملةً من عقائد أهل السنة والجماعة([17]).

وأما نقضُه فبأن يقال: إنَّ الكثرة لا تدل على الحق بالضرورة، وقد يأتي عصرٌ من العصور يكون من ليس من أهل الحق أكثر من أهله، وقد أتى زمانٌ كان فيه علماء المعتزلة في الظَّاهر أكثر من الأشاعرة، فهل كانوا على حق؟!

وهل كلَّما جاء عصرٌ برز فيه علماء مذهبٍ ما يكون ذلك المذهب هو الحق؟! فإن قلنا بهذا انتقض اتباع الكتاب والسنة، فإننا مأمورون باتباعهما لا باتباع الرجال في كل عصر وإن خالفوهما.

وبهذا تنتقض أيضا هذه الدعوى ويتبين الحق.

وخلاصة الأمر: أن الكتاب جمع نصوص بعض العلماء في هذه الموضوعات الخمسة، وأبدى فيها المؤلف رأيه على ما ناقشناه في هذا العرض، وكان عمله في الأساس هو جمع النصوص لا تحرير الأقوال ومناقشتها.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر مقدمة الكتاب (21).

([2]) السلفية المعاصرة إلى أين (8).

([3]) (38).

([4]) مثل: إسلامية لا وهابية للدكتور ناصر العقل، ودعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعبد العزيز آل عبداللطيف، وغيرهما.

([5]) ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 39).

([6]) انظر الكتاب (112).

([7]) انظر الكتاب (113).

([8]) انظر الكتاب (114).

([9]) مجموع الفتاوى (4/ 72).

([10]) مجموع الفتاوى (3/ 227).

([11]) مجموع الفتاوى (3/227-229).

([12]) تعارض العقل والنقل (1/ 270).

([13]) مجموع الفتاوى (6/ 53).

([14]) مجموع الفتاوى (4/ 167).

([15]) الكتاب (145).

([16]) مجموع الفتاوى (17/ 501).

([17]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 173-174).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغريدات في التعريف بكتاب من شبهات الحداثيين حول الصحيحين

1- لم يترك الحداثيون شيئا من ثوابت الإسلام إلا وخاضوا فيه تغييرا وتبديلًا، ولم يتركوا مصدرًا من مصادر التشريع في الدين إلا ومارسوا عليه مناهجهم النقدية، وتجديدهم المزعوم، وفي هذه التغريدات سنتعرف على كتاب مهم تناول موقفهم من الصحيحين. 2-اسم الكتاب: من شبهات الحداثيين حول الصحيحين (عرض ونقد). موضوعه: يتناول الكتاب موقف الحداثيين من الصحيحين، […]

حديث طعنِ الشيطان والردُّ على المشكِّكين

المتأمِّل فيما يُثار من الشبهات حَول السنَّةِ النبويّة يرى أنها تدور في حلقةٍ مفرغة من تعظيم العقل وإقحامِه فيما لا يحسنه، وفيما لا دخل له فيه أصلًا، وإنَّك لتجد بعضَهم يردّ الحديث النبويَّ الصحيحَ الثابت ويستنكره بناء على ما توهَّمه من مخالفةِ العقل، ويكون الحديث واردًا في بعض الأمور التي لا تثبت إلا عن طريق […]

القُطب والغَوث والأبدالُ والأوتادُ بين الصّوفيّةِ ودلالات النّصوص الشرعيّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: ما أعظمَ البشارةَ لعبدٍ أخلص التوحيدَ لله تعالى ربّه ومولاه؛ فلم يلتجئ ويتضرَّع إلا لله تعالى خوفًا وطمعًا رغبةً ورهبةً؛ فاستحقَّ بذلك الإجابة وحصولَ الرشد والهداية؛ قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ ويا […]

ملخص في معنى (الظاهر) في نصوص الصفات

تنازع الناسُ في الألفاظ ودلالتها على المراد، ونظرًا لأن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين لزمَ حملُه على المعهود من هذا اللسان، فأحيانا يرد اللفظ في لغة العرب ويراد به ظاهره، وأحيانا يرد ويراد به غير ذلك، ويعرف ذلك بالسياق، أو من القرائن، ومما يدل عليه التركيب. وقد كان من أعظم الأبواب التي دخل منها الباطل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017