الاثنين - 04 شوّال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 م

الدعوة السلفية والخروج على الدولة العثمانية

A A

لم تأتِ الدعوة السلفية التي قام بها الإمام محمد بن عبدالوهاب في منتصف المائة الثانية بعد الألف للهجرة بجديد عما في مذهب السلف عليهم رضوان الله في العقيدة والعبادات وسائر الأحكام الشرعية ، ومن ذلك حكم الخروج على الحكام ، فهم يَرَوْن حرمته وأنه كبيرة من الكبائر ، ويُسطِّرون ذلك في كتب العقائد ، عملاً بقوله تعالى ( أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرسول وأولي الأمر منكم )

وما جاء من الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تنهى عن الخروج ، وتُرتب على من فعله الوعيد العظيم ، كحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه :(بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت:(إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا) . 

 

هذا هو موقف الإمام محمد بن عبدالوهاب وجميع علماء الدعوة وقادتها السياسيين في الدولة السعودية في أطوارها الثلاث .
وقد تكرر كثيراً ادِّعاءٌ من خصوم الدعوة من أهل البدع وخصومها السياسيين ومن الغلاة الذين يزعمون كذبا انتهاجهم منهج أئمة الدعوى ، مفاده : أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة من بعده أقروا خروج الدولة السعودية على الدولة العثمانية التي كانت مُتَسَيِّدة العالم الإسلامي آن ذاك .
ولا شك أن من تابع المقالات السابقة التي كتبتُها عن هذه الدعوة المباركة قد وجد شيئاً من الجواب عن هذه الدعوى في بعض التفاصيل التي أثرتُها هناك ، لكنني سأخصص هذا المقال لإبراز حقائق تاريخية يتغافل عنها مروجوا هذه الدعوى التي يتلقفها الجهال والمغرضون دون فحص بدافع من الكراهية التي هي أكبر أعداء تقبل النفوس للحق وأهله .
فمنطقة نجد وما جاورها من البلاد كالأحساء وساحل الخليج العربي والربع الخالي وعمان والصحاري والأرياف الفاصلة بين نجد والحجاز ، كلها لم تكن ضمن الدولة العثمانية ، نعم : كانت هناك غزوات لنجد قام بعض الأمراء التابعين للدولة العثمانية من أشهرها : الغزوة التي قام بها في القرن العاشر الهجري حسن بن أبي نمي أمير مكة سنة ٩٨٦هـ وتوغلت داخل نجد في جيش عظيم قوامه خمسون ألف مقاتل ، وكانت هذه الحملة موجهة من قِبَل الدولة العثمانية إلى وسط الجزيرة العربية لا لتوحيدها ونشر الاستقرار والتحضر فيها ، بل على العكس كانت لإسقاط دولة آلِ شبيب في معكال -تقع داخل مدينة الرياض حاليا- وتعقُبِ رئيسِها محمد بن عثمان ، وقد حاصر ابن أبي نمي معكالاً وقتل من أهلها وغنم وأسر ، ثم عاد إلى مكة ، وكرر الغزو مرة أخرى بعد عامين ووصل إلى الخرج والسلمية ، وقتل وغنم وأسر ثم عاد ، وفي عام ١٠١١هـ غزا الأمير أبو طالب بن الحسن أطراف نجد ثم عاد ، وفي ١٠١٥هـ غزا الأمير محسن بن حسين نجداً حتى وصل القصب من بلدات الوشم حالياً وقتل معظم أهلها ولم يبق منهم إلا القليل ونهبها ثم عاد ، وفي سنة ١٠٥٧ غزا الأمير زيد بن محسن نجداً ونزل على روضة سدير ، وقال المؤرخ إبراهيم بن عيسى ( وفعل بأهل الروضة من القبح والفساد مالا يعلمه إلا رب العباد) ، وفي سنة ١١٠٧ غزا أمير مكة سعد بن زيد نجداً حتى نزل بلدة أشيقر في رمضان ، وأفتى عالمُها الشيخ أحمد القصير أهلها بالفطر في نهار رمضان ليحصدوا زروعهم قبل أن يتلقفها الغزاة ، وقام أمير مكة بحبس هذا العالم ومعه الشيخ حسن بن عبدالله أبا حسين .
الشاهد من كل هذه الأخبار أن الدولة العثمانية لم تكن حين نشوء الدولة السعودية دولةِ الدعوة ذات ولاية على نجد ، بل على العكس ، كانت علاقتها بها علاقة عدائية ترمي فقط إلى ضمان عدم وجود كيان سياسي يجمع بادية نجد وحاضرتها ، وربما قام أمراء مكة في غزواتهم تلك إضافة إلى النهب والقتل بتعيين أمراء على القرى بدلاً من أمرائها الأصليين كما حصل من زيد بن محسن حين نصَّب رميزان التميمي على روضة سدير ، أو بتنصيب قضاة على بعض البلدات ، مع فرض إرسال أهل القرى زكاتهم إلى أمير مكة .
فلم يكن عداء الدولة العثمانية لنجد خاصاً بالدعوة السلفية ،بل كان سابقاً لها ، فهو عبارة عن استراتيجية أمنية ، ولما كانت ضم نجد إلى الولايات العثمانية مكلفاً مالياً ولن تجد الدولة منه مردوداً مادياً كانت تكتفي بتسليط أمراء مكة عليها كي يقضوا على أي قوة ناشئة هناك ، وهو ما حاول فعله السلطان محمود سنة ١١٦٣هـ حينما قدم خمسة وعشرين كيساً من الذهب لأمير مكة مسعود بن سعيد كي يقضي على دولة الدعوة في مهدها ، وهي لم تتجاوز بعض قرى العارض بل لم تدخل الرياضُ عاصمتها فيما بعد في حوزتها ، وهو ما تحدثنا عنه في مقال سابق ، كما تحدثنا عن حملات الدولة العثمانية لإسقاط الدولة السعودية دولة الدعوة بقيادة ثويني أمير المنتفق وعلي الكيخيا ، كل ذلك قبل أن تتعرض الدولة السعودية لأي من الولايات العثمانية .
وقد وَجَدَت الدعوة السلفية أن من مهامها توحيد نجد وما حولها فإن وحدة المسلمين من المطالَب الشرعية التي يتحقق بها نشر الدين الصحيح وإقامة الأمن وتحقيق سائر مقاصد الشرع الحنيف ، وكان ذلك يقتضي قتالاً ونشاطاً عسكرياً وهو بالفعل ما قامت به هذه الدولة ، والذي يُنكر على الدولة السعودية الأولى قتالها للبوادي والقرى في سبيل الوحدة وجمع الكلمة لا يعرف أن الفُرْقَةَ التي كانت تعيشها نجد وما حولها كان يحصل جراءها من القتل وضياع الأنفس والأموال والأعراض أكثر مما يحصل بالقتال الذي تقوم به الدولة السعودية في سبيل الوحدة .
وقد استطاعت الدولة العثمانية القضاء على دولة الدعوة، الدولة السعودية، وذلك بعد الجرائم الشنيعة التي ارتكبها محمد علي باشا وابناه طوسون وإبراهيم والتي انتهت بتدمير الدرعية سنة ١٢٣٣هـ ، ولكن هل قامت الدولة العثمانية بواجبها الشرعي تجاه أهل نجد بعد أن أسقطت دولتهم ؟ وهل ضمنت لهم حقوق الرعية وعمارة الأرض وتأمين السبل والمسالك والبلاد ، أو بشكل أشمل هل اعتبرت الدولة العثمانية نجداً جزءً منها بعد إسقاطها للدولة السعودية ؟
الجواب : لا ، فقد أقام إبراهيم باشا في نجد تسعة أشهر ارتكب خلالها جرائم بشعة في حق الأمراء والعلماء والكبراء وعامة الناس ، ثم عاد إلى مصر مدمراً ما في طريقه كل ما قابله من قلاع وحصون ، وترك في الدرعية أحد قادته واسمه حسين بك ، واستمع لما فعل هذا القائد المجرم بعد رحيل سيده ، فقد أخرج أهل الدرعية إلى مدينة ثرمدا وحصرهم جميعا في غرفة واسعة مدة من الزمن ، ثم طلب من جميع أهل الدرعية الحضور ليكتب لهم خطابات للعيش في أي جهة يرغبون فحضروا إليه من كان منهم في تلك الحجرة ومن كان هاربا ، فلما اجتمعوا لديه قتلهم جميعاً وأوطأهم الخيل وأشعل فيهم النيران .
واستمع إلى كلمة موجزة لفاسيلييف في كتابه تاريخ الدولة السعودية ، وهو يتحدث عن إدارة المصريين لنجد بعد سقوط الدرعية :(وبُعِثَت الخلافاتُ القبلية والمحلية بتغاضٍ سافر أو مستتر من جانب الأسياد الجدد ، وبدأت النزاعات وأخذ البعض يغزو البعض الآخر . وتعرضت طرق القوافل للخطر . وحتى في المدن لم يكن السكان يتجرأون على الخروج إلى الشارع بدون سلاح . ونشأ انطباع وكأن سياسة المصريين تتلخص في إغراق وسط الجزيرة في حالة الفوضى والركود والخراب ، وإلغاء احتمال انبعاثه . وكانت الحاميات المصرية الصغيرة لا تلعب دور العامل الإيجابي للمركزية وإحلال النظام ، بل غدت مجرد أداة للنهب والدمار . كانت الدولة السعودية تحت الأنقاض وقد قُهِرت عساكرها ودُمِّرَت إدارتُها . وبدا وكأن قوى التشتت والتجزئة التي انطلقت من عقالها بعد دحر الوهابيين قد مزقت التوحيد السابق شذر مذر .
ولكنه بقيت داخل مجتمع أواساط الجزيرة القوى التي تمكنت قبل نصف قرن ونيف من رص صفوفه وتأسيس إمارة الدرعية ) وما ذكره فاسيلييف تجمع عليه جميع المصادر غير المصرية إلا أنني اخترته لوجازته واحتوائه كثيراً من المعاني .
وبعد هذه الحقائق كيف يمكن لمنصف اتهام الدعوة السلفية بالخروج على الدولة التي لم تكن تعتبرها ضمن حدودها ؟!.

د.محمد بن إبراهيم السعيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017