الأربعاء - 27 جمادى الأول 1441 هـ - 22 يناير 2020 م

ترجمة العلَّامة محمّد الأمين بن الحسن رحمه الله

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

الوجودُ السلفيُّ في موريتانيا منحصِر في النخبة العلمية الشرعية وخصوصًا في طورِه الأوَّل، وقد كانت المحظرة السَّلفية التي أسَّسها المفتي الأسبق لموريتانيا العلامة بداه بن البصيري الشنقيطي رحمه الله أكبرَ مُغذٍّ لهذا الوجود وداعمٍ له، فمِن رحمها خرج علماءُ تقلَّدوا مناصب ساميةً في الإفتاء والإمامة والخطابة، وكان لهم إسهامُهم العلميُّ والإصلاحيّ فيما بات يعرف بالدّولة الحدِيثة، وقد ردَّ الله بهم عن المجتمع عادِياتِ العلمَنة والغزو الفكريّ، ومن بين عشرات مِن العلماء تخرجوا من هذه المدرسة بزغ نجمٌ صادع بالحقِّ، عُرف بالعبادة والتُّقى والورع، وكان من القلائل الذين اجتمَعت عليهم كلمةُ الناس بعدَ وفاة العلَّامة بدَّاه، وهو الشيخ العلامة محمَّد الأمين بن الحسن.

التعريف بالشيخ:

هو العلامة محمد الأمين بن الحسن بن سيدي عبد القادر الشنقيطي، شيخ محاضر العون ببلاد شنقيط، صاحب التآليف النافعة والطُّرر السائرة بين أهل العلم وطلابه في القرآن والسيرة والنحو والصَّرف وأشعار العرب.

أخذ العلمَ في بدء أمره كعادةِ أهل بلده عن والده الحسن بن سيدي عبد القادر رحمه الله، ثم انتقَل بين المحاضر في موريتانيا من الشرق في كيفة، إلى اترارزة، إلى أطار، ودرس الفنون المختلفة، فدرس علوم العربية والقراءات والتوحيد والفقه والأصول ومصطلح الحديث، ولما انتهى من الطلب افتتح محاضر العون القرآنية في كيفة مسقَط رأسِه، ثم انتقل بها إلى العاصمة، واستقر به المقام هناك، ولقي العلَّامةَ بدَّاه مؤسِّس المدرسة السلفية، وتأثر به([1])، وأخذ عنه المنهجَ السلفيَّ، وزكاه الإمام وشهِد له بذلك، فقد كتب له تزكية موقَّعة باسمه، ونصها كما في الصورة الآتية:

 

مؤلفات الشيخ:

قد قيد الشيخ رحمه الله جميعَ ما درس في فترة الدراسة على الشيوخ، وجمعه، فأصدر عدَّة طُرَر في فنون مختَلفة، هي بمثابة الشَّرح لبعض المتون، منها: طرَّة على المعلَّقات السبع، ومقصورة ابن دريد، والمقصور والممدود لابن مالك، وقد نشرت على النت مؤخَّرا، وله نظمٌ في الفرق بين حفص وقالون، شرحه، وهو مطبوع مع الشرح([2]).

وقد اختطَّ الشيخ لنفسه منهجًا خاصًّا في محظرة العون التي أسَّس، فهي محظرة كما يقول هو عنها: تعتنى بإتقان القرآن وحفظه وضبط القراءات السبع، كما تعتني باللغة العربية وعلومها، وبالتاريخ والأنساب، وتُولِي أهميةً خاصَّة لعقيدة السلف وتدريسها، ويقرِّرون في العقيدة مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله، يقول الشيخ رحمه الله متحدِّثا عن معتقده: “نحن نرى السلامةَ في الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة، فنثبت لله أسماءه الحسنى وصفاته عليا التي وردت في القرآن الكريم وصحيح السنة على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، ونقف حيث وقف السلف الصالح”، ويقول أيضا عن محضرته: “سوف تظلُّ مصمِّمةَ العزمِ -إن شاء الله- على الالتزام باتباع الكتاب والسنة، والابتعاد عن البدع وأهلها، سواء في ذلك المتكلّمون والمتصوفة”([3]).

جهود الشيخ:

لقد كان الشيخ قدوةً عمليَّة ومرجعًا للدعاة جميعًا؛ وذلك لما حباه الله سبحانه وتعالى به من العلم والتقى والورع، فجمَع الله به الدعاةَ على الخير، وكان مسجدُه قلعةً من قلاع الدعوة إلى الله التي آوَت كلَّ مطرود ونصَرت كلَّ مظلوم، ولم تخصّ بذلك أحدًا دون أحد، وظلَّ أبًا للدعوة وإمامًا مقدَّما، فقد تخرج من محضرته آلافُ الحفاظ لكتاب الله عز وجل، ومن مسجده تخرَّج عشرات الآلاف من الدعاة الذين جابوا مشارق الأرض ومغاربها داعين إلى الله، ولم تكن جهوده محصورةً في مسجدِه، بل تعاون مع شيوخ الدعوة السلفية في تأسيس عدَّة مؤسَّسات وجمعياتٍ، وكان من بين الشيوخ الذين تعاوَن معهم في الدعوة إلى الله العلامة محمَّد سيديا اجدود الملقب النووي، والعلامة الدكتور محمد زاروق الملقب الشاعر، والشيخ الإمام عبد الله بن أمين، كما كان منفتحًا على الجميع.

وقد ترأَّس الشيخُ منتدى العلماء والأئمة في موريتانيا الذي تأسَّس بعد حادثة سبِّ النبي صلى الله عليه وسلم وتمزيق المصحف، وقد نجح الشيخُ بالتعاون مع إخوانه من العلماء من كافة الأطياف في تعديل بعض القوانين لصالح الإسلام، من ذلك:

أن القانون الموريتاني كان مرنًا في موضوع السابِّ للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجر فيه على مشهور مذهبِ مالك، وقد ضغَط الشيخ عبر المنتدَى والتواصل مع الجهات الرسمية حتى تمَّ تعديل كلِّ تلك القوانين المتعلقة بالردَّة، وكانوا في ذلك مدركين لما يُكاد للبلاد وللدين.

كما كان له مشاركةٌ كبيرة في رفع ضارب (الْمُعَامِل) التربية الإسلامية في البَلد، فقد كان ضاربها ضعيفًا في الثانوية؛ ممَّا أدَّى إلى عزوف الناس عنها، وضعف التكوين عند الأساتذة فيها، وبجهود من الشيخ وتشاوُر مع الجهات العليا تمَّ رفع ضاربها في المواد الثانوية.

كما كان الشيخ حجرَ عثرة أمام ما عُرف بقانون النوع، وهو قانون في مضمونه مخالِف لأحكام الأسرة في الإسلام، وقد صادق عليه مجلِس الشيوخ الموريتاني، ولولا الله ثم جهود الشيخ وإخوانه في منتدى العلماء والأئمة لتمَّ تمرير هذا القانون؛ لكن الشيخ تواصَل مع الجهات الرسمية هو وجماعة من العلماء، وبيَّنوا مخالفةَ القانون للشرع، فاعترضته أحزابُ الأغلبية في البرلمان، وصوَّتت ضدَّه؛ مما أدى بالحكومة إلى سحبه ولله الحمد.

وجهود الشيخ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة عقيدةِ السلف ونبذ الخرافة معلومةٌ لجميع من عاشَ في أرض شنقيط، يقرُّ بها المخالف والموالف.

والشيخُ كان قدِ انتُخِب رئيسا لرابطةِ علماء المغرب خلفًا للشيخ زُحل رحمهم الله جميعًا.

وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: “بيننا وبينكم الجنائز”، فما إن أُعلِنت وفاة الشيخ يوم الجمعة في شهر رمضان لعام 1440 هجرية الموافق 24/05/2019م حتى عمَّ الحزن أرجاءَ البلاد، وحزن عليه ساكنةُ البلد حكومةً وشعبًا، وأثنى عليه الأكابر والأصاغر بما علِموا فيه من الخير والفضل، وقد عقَد منتدى العلماء ندوةً خاصَّة عن جهود الشيخ وعطائه الدعوي والعلمي، تقدَّمها خلفُه في المنتدى الشيخ أحمد فال بن صالح، والمفتي العام للبلد العلامة أحمدو لمرابط، وجمع من أكابر أهل العلم والدعوة ممن عرفوا الشيخ عن قرب، وذكروا جهوده وما اجتمعوا عليه من الخير معه([4]).

ومن بين الدموع التي سحَّت عليه بالبكاء والأقلام التي سال مدادُها عليه قلمُ السلفيِّ لسان السنة الشيخ الدكتور محمد زاروق الملقب بالشاعر، فقد رثاه بقصيدة من عيون القصائد، يقول في مطلعها:

قد طوى البهجة ركب واستقلَ *** لو درى ركب المنايا مَن أقلّ

بدر عزّ أفلت أنواره *** بعد تم أي بدر قد أفل

نزل الكوكب من عليائه *** عاش بالحق وبالحق نزل

أيها الموت لقد غيبت من *** كان للدعوة ردءًا أن تذلّ

مقلة من عابد أغمضتها *** ليس يدري الليلَ إغماض المقل

دمعة من قانتٍ أمسكتها *** كان يرخيها إذا الليل سدل

ويد أسكنتها كم سكَّنت *** روعَ مسكين وملهوف أزل

إلى أن يقول:

هو من قوم أبى خطيهم *** غير نهج يتبع القوم الأول

والقصيدة في حدود الأربعين بيتًا، جمع فيها الدكتور الشاعر مآثر الشيخ وخصالَه، وما كان عليه من التقى والورع، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

([1]) ينظر: مقدمة كتابه شرح المقصور والممدود، ففيه جزء يسير من الترجمة التي ذكرنا (ص: 9).

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([2]) انظر جانبًا من ترجمة الشيخ على هذا الرابط:

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=370595

([3]) من مقابلة أجراها معه الطيب عمر، وهي ضمن كتاب: السلفية وأعلامها في موريتانيا (ص: 476).

([4]) تنظر أخبار الندوة على هذا الرابط:

net/node/17203

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال

مقدمة: كثيرةٌ هي دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها إخباره بما سيكون في المستقبل من الغيوب، فتحقَّق بعض ذلك على ما أخبر به في حياته وبعد موته؛ كالإخبار عن انتشار أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمته، والفتن الكائنة بعده، وغير ذلك مما أخبر به، ورآه الناس عيانًا، وبعضها […]

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي

اتَّفق سلف الأمة على أنه لا حجَّة لأحد على الله في تركِ واجب، ولا في فعل محرَّم؛ وتصديق ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، والمعنى: “لا حجَّة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده”، قاله الربيع بن أنس رحمه الله([1]) . فمن احتجَّ […]

السَّلَفيةُ..بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدِّمة: يتعرَّض المنهجُ السلفيّ لاستهدافٍ مستمرّ من الخصوم والمناوئين؛ بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، وذلك طبيعيّ لا غرابةَ فيه إن وضعناه في سياقِ الصراع بين اتِّجاه إصلاحيٍّ والاتجاهات المخالفة له، لكن الأخطر من دعاوي المناوئين وتهم الخصوم هو محاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار […]

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغريدات في التعريف بكتاب من شبهات الحداثيين حول الصحيحين

1- لم يترك الحداثيون شيئا من ثوابت الإسلام إلا وخاضوا فيه تغييرا وتبديلًا، ولم يتركوا مصدرًا من مصادر التشريع في الدين إلا ومارسوا عليه مناهجهم النقدية، وتجديدهم المزعوم، وفي هذه التغريدات سنتعرف على كتاب مهم تناول موقفهم من الصحيحين. 2-اسم الكتاب: من شبهات الحداثيين حول الصحيحين (عرض ونقد). موضوعه: يتناول الكتاب موقف الحداثيين من الصحيحين، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017