الاثنين - 22 ذو القعدة 1441 هـ - 13 يوليو 2020 م

الدعوة النجدية وتهمة البداوة (4) التشدد والفقه البدوي

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

من أبرز الاتهامات للدعوة النجدية الحكم عليها بالتشدد والتعصب، تشدّد في فهم الدين والعمل به، وتعصّب في الموقف من المخالف، (فالتشدُّد والتطرف انعكاس طبيعيّ لحياة البادية الصحراوية القاسية، وحياة البدو الجافة والفقيرة والخشنة والخالية من كل مباهج الحياة الحضارية)([1]).

ويبدو أن هذا الاتهام له جاذبية، فهو يجمع كلَّ الذين يختلفون مع الدعوة النجدية من الإسلاميين([2]) والعلمانيين، فضلًا عن أولئك الذين يهاجمون الدعوة الإسلامية باسم الوهابية، وهذه الاتجاهات المتباينة ليست على مستوى واحد من العداء، فمنهم من يعترف بفضل الدعوة في بعض الجوانب، لكنه ينكر عليها التشدّد المزعوم([3])، وبعضهم من أتباع الاتجاه الثوري المسلح([4])! ومنهم أنصار الأزهر([5]).

فقه البداوة والإسلام البدوي:

دأَبَ خصوم الدعوة على وصفها بالإسلام البدوي وبفقهِ البداوة إزراءً بقدرها، واتهامِها بالتوحش والهمجية والتشدد والقسوة، وكلِّ التعابير الدائرة في معنى التعصّب والانغلاق الفكري وضيق الأفق. وقبل البدء بمناقشة هذه القضية ينبغي التنبيه لأمرين لفهم حقيقة هذه التهمة:

الأول: لم تكن الوهابية وحدها متَّهمة بالتشدد البدويّ، فالإسلام نفسُه متَّهم بهذه التهمة من قبل غلاة العلمانية الطاعنين في الشريعة؛ من أمثال فرج فودة الذي وصف الإسلام بأنه (شريعة البداوة)، ومثله خليل عبد الكريم الذي تكرر في كتاباته نقد (الإسلام الصحراوي) و(الإسلام البدوي)، ومحمد سعيد العشماوي الذي لا يكتفي باستخدام مفردة (إسلام البداوة) لمهاجمة دعاة تطبيق الشريعة، بل إنه يصف إسلام القرن الهجري الأول بأنه (إسلام بداوة)، أما إسلام القرنين الثاني والثالث فهو (إسلام حضارة)، وأن الأمة تدرَّجت من البداوة إلى الحضارة([6]). ومنهم حسين أحمد أمين الذي اعتبر الإيمان بالقضاء والقدر (نتاجًا منطقيًّا لطبيعة حياة البدوي)([7]). أما المجاهرون بالإلحاد فلا يتردَّدون بوصف القرآن الكريم بأنه (الجهل البدوي المقدَّس)([8]).

فوضع الوهابية إلى الإسلام في خانةٍ واحدة بتهمة البداوة له عدة دلالات، من بينها: أن هذه التهمة غايتها الذم والانتقاص اعتمادًا على المضامين السيئة لمفردة البداوة من جهل وتخلف وبدائية، فهي موضوعة للذم والقدح دون النقد.

ولما كانت الوهابية الاتجاهَ الأقرب لفهم الإسلام، فلا غرابة في أن ينالها ما ناله من تهمٍ؛ لذلك من يَسعى لنفي تهمة البداوة عن الإسلام فإنه مُلزَم بنفي هذه التهمة عن الوهابية بنفس المنطق.

الثاني: الوهابية وتهمة التعصب: يعدّ اتهام الدعوة الوهابية بالتعصب أمرًا مألوفًا وشائعًا في كتابات المناوئين، لكن الأكثر شيوعًا هو اتهام الإسلام بذات التّهمة، فهي موضعُ إجماع ومحلّ اتفاق عند أعلام الغرب، لم يخالف في ذلك إلا فئة قليلةٌ منهم، ومما يتَّصل بهذه التهمة أيضًا زعمُهم اقتران الدعوة الإسلامية بالسيف والإكراه.

وحينما نؤكِّد أن هذه التهمة متَّفق عليها بين عقلاء الأمّة الغربية النصرانية فلا يقتصر الأمر على ما كان شائعًا عن الإسلام في القرون الوسطى، بل الأمر يمتدّ حتى عصر التنوير ليشملَ كبار المؤرّخين والساسة وعلماء اللاهوت ومشاهير الفلاسفة لا يشذّون عن قومهم في هذا، ولا يتردّدون في اتهام الإسلام بالتعصّب وتخيير الناس بين الإيمان أو الموت، ومنهم الألماني هيجل والفرنسيّين فولتير ومونتيسكيو([9]).

وليس من الغريب أن يربط اللورد كرومر “التعصب الإسلامي” بروح البداوة، وبالبيئة الصحراوية التي انطلق منها المسلمون لغزو البلاد المتحضرة.

فما قيل في الدعوة النجدية قيل في الإسلام من قبل، وثبوت هذه التهمة في العقل الغربي عبر قرون طويلة يؤكِّد لنا أن المهمَّ ليس في تغيير قناعات الآخرين بشأن الدعوة النجدية؛ لأنها ستبقى ثابتة كما بقيت تهمة التعصب ملازمة للإسلام في أذهان الغربيين، بل الواجب الاكتفاء بإيضاح الحقائق، ونفي الشبهات، وإزالة الإشكالات، وعدم الاهتمام بما وراء ذلك.

وكما ذكرنا سابقًا فالذي يجتهد لنفيِ تهمةِ التعصب عن الدين الإسلامي فإنه ملزَم بنفس المنهجية أن يدفَع عن الدعوة النجدية ذات التهمة.

وستكون مناقشة تهمَة التشدد وفِقه البداوة المنسوبة للدعوة النجدية من خلال النقاط التالية:

أولًا: ظهرت الدعوة النجدية في زمن إدبار للإسلام، وفي مرحلة عصيبة من تاريخه، لا يقتصر الأمر على تشوّه المفاهيم الأساسية للدين وسطوة الخرافة على العقول وهيمنة التصوف على الحياة الدينية، فإلى جانب ذلك كله كانت المجتمعات الإسلامية بعيدة عن الالتزام بشعائر الإسلام وأركانه، وذلك لتقصير الدولة عن القيام بواجبها الديني، وسيادة الفكر الصوفي الذي صيّر الدين احتفالات بموالد الأولياء وزيارات للأضرحة، ولم يُظهر العناية الكافية بتدين المجتمع واستقامته، فشاعت المنكرات والاستهانة بالواجبات؛ ولذلك حينما ظهرت الدعوة النجدية لم توجِّه عنايتها لتصحيح العقائد فحسب، بل عملت على إلزام الناس بأداء الفرائض الدينية، وهذا ما شهد به خصومها قبل أنصارها.

وتعزَّزت غربة الإسلام بين أهله في القرن العشرين مع هجوم الأفكار المادية والتغريبية والإلحادية، واستحوذ نمط المعيشة والثقافة الغربية على حياة المسلمين ونمط تفكيرهم، فصار الالتزام الديني ظاهرةً نادرة، وتزامن ذلك مع شيوع الجهل بالإسلام وكثرة الشبهات عنه وضعف التوعية الدينية في معاهد التعليم ومحاضن التربية.

في ظل هذا المشهد القاتم برزت فئة من المسلمين تحاول الالتزام بالإسلام النموذجي الذي كان عليها السلف الصالح وتدعو الناس إليه، فهي تقف في الجهة المعاكسة لتيار الأكثرية الذي يمضي مبتعدًا عن دينه وشريعته، فمن الطبيعي أن تتَّجه الاتهامات بالتشدّد والتخلف للفئة الأقلّ، والتي سيبدو سلوكها مستهجَنا لا يمثّل الإسلام الذي تعرفه الأكثرية بعد أن تخفَّفت من أحكامه وآدابه.

ثانيًا: التشدُّد أمر نسبيّ، فما يراه البعض تشدّدًا يراه آخرون دينًا صحيحًا، وما يراه البعض تساهلًا وتفريطًا يراه آخرون إسلامًا عصريًّا معتدلًا، والمرجع لفصل الخلاف في ذلك هو النظر الشرعيّ المدعوم بالأدلة والأصول التي قرَّرها الأئمة لاستنباط الأحكام الشرعية، وطرح أي اعتبارات أخرى للتقييم وإصدار الأحكام كالنظر في البيئة الاجتماعية للفقيه، والتفريق بين فقه البداوة وفقه الحضارة، فكل ذلك ليس معيارًا موضوعيًّا لإطلاق تهمة التشدّد على أيّ فقيه أو مذهب ديني.

ثالثًا: الإفراط والتفريط انحرافٌ ملازم لاستجابة البشَر للأوامر الإلهية، والتي قد تجنح ذات اليمين أو ذات الشمال بحسب العوامل المؤثّرة فيها، أشار لذلك ابن القيم بقوله: (فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارَضا بترخّص جافٍ، ولا يُعرَّضا لتشديد غالٍ.. وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغَتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو.. فيحمل البعضَ على الغلو والمجاوزة، ويحمل الآخر على التقصير.. وقد فُتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط)([10]).

رابعًا: الربط بين البدو والتشدّد الديني لا يستقيم مع معرفتنا بأن طبيعة البدو لا تتَّفق مع الانضباط والالتزام والتقيّد بالأحكام الدينية، فضلا عن التشدّد فيها، فنمط المعيشةِ الصعب يدفعُه إلى الاكتفاء بأداء الواجبات الأساسيّة في أحسن الأحوال، أو التخفُّف منها، كما هو شأن كثير منهم، وقد شهد بذلك الرحالة والباحثون المهتمّون بدراسة أحوال البادية؛ إذ إن ظروف المعيشة القاسية تصرفُه عن أي اهتمام آخر، كما أن الانضباط الديني يقيِّده عن الغزو والنهب والعدوان على أموال الناس وقطع الطريق والعصبية الجاهلية والثأر ومطاوعة العشيرة على الظلم أو الالتزام بأحكامها وقوانينها وأعرافها، والكثير من تقاليد البدو التي جاء الإسلام بإبطالها.

فكيف يطيق البدوي ترك مألوفه من الدين وطريقته في العيش ليتحول إلى الأخذ بنموذج صارم في العقيدة متشدد في العبادة؟!

خامسًا: لاحقَت تهمة التشدُّد الحنابلة قبل أن تلاحِقَ الوهابية، وانطبَع في أذهان العوام وغيرهم أن الحنبليَّة تعني التشدّد والتزمت، ومعلوم أن هذا المذهب نشأ في بغداد حاضرة العالم الإسلامي ومركز مدنيَّته، وبالرغم من ذلك فلَم يسلم من هذه التهمة حتى ورثها عنهم حنابلة البلاد النجدية([11])، فالأمر في حقيقته اختلاف في مناهج النظر وقواعد الاستدلال، ومن لم يتسع صدره للخلاف سارع إلى اتهام غيره ببداوة الفقه والفهم.

أما قناعة البعض بأن المذهب الحنبليَّ ينطوي على شيء من التشدّد في أحكامه فهو -على فرض ثبوته- يؤكِّد ما ذكرنا من عدم وجود صِلة منطقية بين البيئة الاجتماعية للمذهب ومدى التشدّد في أحكامه، يتأكّد هذا بمعرفتنا أن المذهب الظاهريَّ نشأ في بغداد وازدَهر في الأندلس، أي: في أكثر بقاع الإسلام تمدنًا وتحضرًا، والظاهرية عند خصومها قرينة للتشدّد والتزمّت وعدم الأخذ بروح النصّ ومقاصد الشرع، والسلفية المعاصرة في نظر خصومِها متَّهمة بالظاهرية والتشدّد والبعد عن سماحة الشريعة.

فنشوء الحنبلية والظاهرية في معاقل المدنية والحضارة يبطِل فرضيّة تأثير البيئة الاجتماعية بدرجةِ التشدّد الفقهي للمذهب.

لا يختلف الحال مع المذاهب العقدية، فهي أيضًا غير خاضعة لتأثير البيئة الاجتماعية، فالشأن كله في اختلاف منهجية النظر ومسلك الاستدلال، ونضرب مثالين على ذلك:

المثال الأول: أن دولة الموحدين في المغرب اعتمدت في قيامها ونشوئها على القبائل البربرية، لكنها في الوقت نفسه حاربت الاتجاه السلفيَّ، ونكَّلت بأهله، وتبنَّت المعتقد الأشعريَّ الكلاميَّ، وكان ذلك من أهم عوامل انتشار الأشعرية في بلاد المغرب.

فكيف تقبّلت العقلية البدويّة مفاهيم العقيدة الأشعرية القائمة على الخوض في مباحث معقَّدة يدرسها طلبة العلم في الحواضر، ورفض الإيمان بظواهر النصوص، وإلزام سائر المكلفين بالنظر والبحث لإثبات أركان العقيدة، وعدم قبول التقليد في هذه المسائل؟!

لم تكن عقيدة الموحدين تؤمِن بظواهر النصوص وتسلّم بها حتى يقال: إنها ناسبت البيئة القبلية البسيطة والتركيبة الساذجة لعقلية أهلها، بل كانت على الضِّدِّ من ذلك، فكيف نفسر هذا في ضوء الفرضية المزعومة؟!

المثال الثاني: نشأ مذهب المعتزلة وازدهر في البصرة وبغداد، وخصوم السلفية يعظِّمون فيهم اعتمادهم على العقل في تقرير مسائل الاعتقاد، لكن هل يتَّسم مذهب الاعتزال بالتسامح مع مخالفيه ويتجنَّب التعصّب في آرائه وتقريراته؟!

لا تشهد أدبيات المذهب وتاريخه السياسيّ والفكري بذلك؛ فتشدّد المعتزلة واضح في عدد من المسائل الاعتقادية، من أشهرها مذهبهم في مرتكب الكبيرة وقولهم بخلوده في النار، أما في الدنيا فهو متأرجِح بين الكفر والإيمان، وكذلك مذهبُهم في جواز الخروج على الحاكم الظالم وإزاحته بالقوَّة، فضلا عن موقفهم من حوادث الفتنة في صدر الإسلام ومذهبهم السيّئ في بعض الصحابة، أما موقفهم من المخالف لهم فهم أول من مارس الإرهاب الفكري في تاريخ الإسلام، واستعان بالسّلطة لقمع مخالفيهم من أهل الحديث، وهو ما عُرف بمحنة خلق القرآن، وتكفير بعض أئمتهم لمن أنكر أصولهم الاعتقادية مسألة معلومة، ومذهب المعتزلة معروف بكثرة الانشقاقات الداخلية وكل فرقة تكفِّر من خالفها، فالاعتزال أبعد المذاهب عن قبول المخالف والاعتراف به ومجانبة التعصب في التصورات والأحكام والمواقف، وهم أول من أدخل السياسة في الخلافات الفكرية، واستعان بالسلطة للبطش بخصومهم بدلًا من الاحتكام لمنطق الحجة والبرهان.

ولو وضعنا آراء السلفية النجدية في العقيدة إلى جانب آراء المعتزلة لوقفنا على فارق كبير بين تشدّد المعتزلة وسماحة السلفية النجدية ووسطيتها، فهم لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويرجون له الشفاعة التي ينكرها المعتزلة، ولا يرون الخروج على الأئمة الظلمة منعًا للفتنة ودرءًا للمفسدة، ولا يكفّرون إلا من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، بل ذهب إمام الدعوة إلى عدم تكفير من ترك ركنًا من أركان الإسلام الأربعة (الصلاة والزكاة والصوم والحج)، وقال: (فنحن -وإن قاتلناه على فعلها- فلا نكفره بتركها)([12]).

وإن كانت المعتزلة قد استعانت بالسلطان العبّاسي لقمع أهل الحديث، فأعداء السلفية النجديّة استعانوا بالسلطة العثمانية للتخلّص منهم، وذلك بعد أن أصدروا فتوى بتكفير محمد بن عبد الوهاب ومنع أتباعه من الحج سنوات طويلة.

فالسلفية النجدية البدوية أكثر تسامحًا من الاعتزال العقلانيّ المتمدِّن، وهي نتيجة لا تتَّفق مع الفرضية البائسة التي يتشبَّثُ بها الخصم.

سادسًا: مواطن الخلاف بين السلفية النجدية وخصومها، والتي ينشأ عنها تهمة الفقه البدوي على نوعين:

النوع الأول: مسائل ناشئة عن تساهل وتميّع الخصم والرغبة بالإتيان بمذهب جديد يلائم الأهواء الشخصية أو يتوافَق مع ضغوط الثقافة الغربية واستفزازاتها؛ مما يدفع البعض للاستجابة السلبية عبر تطويع المفاهيم والثوابت الدينية لتلائِمَ مقدَّسات الفكر الغربي كالحرية والتسامح مع المخالف وقبول الرأي الآخر وحرية المرأة والحريات بشكل عام، فمثل هذه المسائل تقف الحجة الشرعية وأقوال المذاهب إلى جانب الرأي السلفي، لكن غوغائية الخصم تزيِّف الأمر، فتجعله خلافًا بين تشدّد السلفية وسماحة الإسلام المتحضّر، مع أن الخلاف في حقيقته بين موقف الإسلام وأهواء حزب التبعيّة والخضوع للغرب.

النوع الثاني: مسائل خلافية يسوغ فيها الاجتهاد، وللسلفية اختياراتها المبنية على الأدلة، والتي قد تكون راجحة أو مرجوحة، وهنا لا يحقّ للمخالف أن ينكر على السلفية اجتهاداتها، وإن شذّت بعض فتاوى علماء السلفية وخالفت الجمهور، فينبغي أن يُكتفى ببيان موضع الخطأ ووجه المخالفة والرأي الراجح، دون التشهير بالاتجاه السلفي، والذي لا صلة بأخطاء العلماء المنتسبين له، والآراء الشاذة أو المخالفة لما عليه الجمهور كثيرة، والقائلون بها فقهاء كبار، ولم يزل العلماء يذكرون هذه الآراء مع التنبيه على وجه الخطأ فيها وبيان مخالفتها للجمهور، دون تجاوز ذلك إلى القدح في عدالة الفقيه وإمامته وعلمه، أو التحذير من الأخذ بأقواله وترجيحاته، والمنصفون منهم يعتذرون لهم ما استطاعوا، ويوضحون أسباب اختيارهم للرأي المرجوح.

سابعًا: رأى البعض أن تشدُّد الوهابية القائم على الاستعلاء الديني (نوع من التعويض عن الإحساس بالتخلف الإنساني والدونية الحضارية)([13])، وهذا الكلام أقرب إلى الذم والشتم منه إلى النقد، فلا يمكن الجواب عليه بشيء.

ونظرة أعداء الإسلام ليست بعيدة عن نظرة خصوم الوهابية، فهم يرون أن المزاج العدائي ضدَّ الغرب في العالم الإسلامي ناشئ من (قناعة المسلمين بتفوق ثقافتهم والفخر بماضيهم، لكنهم يشعرون بالقلق من ضآلة قوَّتهم، ويشعرون بالمهانة بعد أن تجاوزهم الزمن، وطغى عليهم أولئك الذين كانوا ينظرون إليهم كأخفَض منهم). هذا ما يقوله صامويل هنتنغتون (Samuel Huntington) وبرنارد لويس (Bernard Lewis)([14]).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) السعودية والإخوان المسلمون (ص: 21).

([2]) منهم: محمد عمارة في كتاب (تيارات الفكر الإسلامي) (ص: 258)، ومحمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) (ص: 15)، والباحث الأصولي أحمد عبد السلام الريسوني الذي هاجم فقه البداوة والإسلام السعودي، وأصدر في ذلك كتابًا بعنوان: (الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب).

([3]) يرى المؤرخ عبد الرحمن الرافعي (أن الفكرة التي دعا إليها محمد بن عبد الوهاب في أصلها وجوهرها فكرة صالحة، لكنه غلا فيها وتشدَّد) عصر محمد علي (ص: 122)، وانظر: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (ص: 39-43).

([4]) منهم مصطفى حامد المصري في كتابه: صليب في سماء قندهار.

([5]) ومنهم هشام حتاتة مؤلف كتاب: الإسلام بين التسامح الزراعي والتشدد البدوي.

([6]) الإسلام السياسي (ص: 83).

([7]) أعلام وأقزام في ميزان الإسلام (2/ 140-141).

([8]) الملحدون الجدد (ص: 119).

([9]) يرى فولتير أن الهدف الوحيد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من بناء أمته (رؤيتها تصلي وتتكاثر وتقاتل)، وذلك في كتابه: (مقالات في الأخلاق – الفصل السابع)، نقلا من كتاب الأب يواكيم مبارك: (أبحاث في الفكر المسيحي والإسلام في الأزمنة الحديثة والتاريخ المعاصر)، الصادر بالفرنسية عام 1977م (ص: 64)، وهذا النقل من الأطروحة الجامعية: (هيجل والإسلام).

والموقف الأشهر لفولتير في وصف الإسلام بالتعصب مسرحيتُه التي كتبها عام 1736م بعنوان: (التعصب أو محمد النبي).

أما مونتيسكيو فيرى أن (الإسلام لا يتكلّم بغير السيف، ويؤثّر في الناس بروح الهدم التي أقامته) روح القوانين (2/ 180-181).

أما هيجل فيصف بلاد الإسلام بأنها (أرض العرب، أرض الصحراء، إمبراطورية التعصب)، العقل في التاريخ.. محاضرات في فلسفة التاريخ (1/ 184).

([10]) الوابل الصيب (ص: 47-48).

([11]) ابن حنبل.. حياته وعصره، آراؤه وفقهه (ص: 401).

([12]) ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 102).

([13]) السعودية والإخوان المسلمون (ص: 21-22)، الإسلام السياسي (ص: 83-84).

([14]) صدام الحضارات (ص: 352)، ومقال: (جذور الغضب الإسلامي – The Roots of Muslim Rage) لبرنارد لويس، والمنشور في مجلة (The Atlantic) في أيلول عام 1990م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض وتعريف بكتاب حماية علماء المالكية لجناب التوحيد

معلومات الكتاب: العنوان: حماية علماء المالكية لجناب التوحيد. المؤلف: الدكتور أحمد ولد محمد ذي النورين. نشر: مركز البحوث والدراسات/ البيان، الطبعة الأولى، 1434ه. موضوعات الكتاب: ليس الكتاب مبوَّبًا وفق خطَّة بحثيَّة على طريقة الكتب الأكاديمية، وإنما هو معنوَن وفقَ عناوين مترابطة يخدم بعضها بعضًا، وهي كالتالي: أولا: المقدمة: تحدث المؤلف فيها بإجمال عن اعتقاد السلف […]

المنهج الجدلي وطريق القرآن في تقريره

لقد جاء القرآنُ بيانًا للحقِّ وشفاءً لما في الصدورِ وهدًى ورحمة للمؤمنين، وقدِ استخدم لذلك أفضل أساليبِ البيان وأقوى طرقِ الحجاج الموصِلة للحقِّ، وقد جمع قربَ المأخذ وسهولةَ الإقناع وقلَّة المقدِّمات، كما جمع بين برهان العقل والتأثير على العاطفة. وفي الحديث عن أسلوب القرآن تقريبٌ للحقيقة التي غيَّبتها عن الناس الدِّعاية الشيطانية المطالِبَةُ بالاستغناء عن […]

مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أحبائي الكرام: عنوان لقائنا: “مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمَّة”.   كما يعتاد الأكاديميون بأن يُبدأ بشرح العنوان، نشرح عنواننا فنقول: ما هو المقصود بكلمة (مناهج الإصلاح)؟ مناهج الإصلاح هل تعني طرق الإصلاح؟ […]

رمتني بدائها وانسَـلّـت (1) الإسقاط من تقنيات أسلاف الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: تزوَّجت رُهم بنتُ الخزرج بنِ تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبْرة من سعد بن زيد مَناة ابن تميم، وكانت ذاتَ جمال، وكان لها ضرائر، فكنَّ يشتمنَها ويعيِّرنها ويقُلن لها: يا عَفلاء، فأرهقها ذلك من ضرائرها، فذهبت تشتكي ذلك الحال لأمِّها، ولكن أمها نصحتها بأن تبدأ […]

تأثير المعتزلة في الفكر الأشعري -قضية التنزيه نموذجًا-

لا يخفى على قارئٍ للفكر الإسلاميِّ ولحركتهِ أنَّ بعض الأفكار كانت نتيجةَ عوامل عدَّة أسهَمَت في البناء المعرفي لتلك الأفكار التي ظهرت وتميَّزت على أنها أفكار مجردة عن الواقع المعرفي للحقبة التي ظهرت فيها، ومن بين الأفكار التي مرت بمسارات عدَّة فكر الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله؛ فإن نشأته الاعتزالية لم يتخلَّص منها في […]

الهجومُ على السَّلفية وسبُل الوقاية منه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين وبعد، بادئ ذي بَدءٍ أسأل الله عز وجل أن يوفق هذا المركز المتسمي باسم “حبل القرآن”، وأن يبارك في القائمين عليه، والدَّارسين فيه، ويجعل […]

عرض ونقد لكتاب:(نظرة الإمام أحمد بن حنبل لبعض المسَائل الخلافية بين الفرق الإسلامية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على متابع أن الصراع الفكريَّ الحاليَّ بين المنهج السلفي والمنهج الأشعري على أشدِّه وفي ذروته، وهو صراع قديم متجدِّد، تمثلت قضاياه في ثلاثة أبواب رئيسية: ففي باب التوحيد كان قضية ماهية عقيدة أهل السنة هي محل الخلاف والنزاع. وفي باب الاتباع كانت قضية المذهبية، وما يكتنفها […]

العقل المسلم في زمن الأوبئة (دفع البدع والأوهام، وبيان ما يشرع عند نزولها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: توالتِ الأزمات التي أصيبت بها الأمَّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ووقع للناس فيها صنوفٌ شتى من المحن والابتلاءات؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وقد دوَّن التاريخ الإسلاميُّ وقائعَ تلك المِحَن وأحداثها وآثارها، ولعلَّ أوضحها وأعظمها فتكًا الأوبئةُ والطواعين التي انتشرت مراتٍ عديدةً في بلادٍ كثيرة من […]

عرض وتعريف بكتاب (الاتجاه السلفي عند الشافعية حتى القرن السادس الهجري)

تمهيد: في خضم الصراع السلفي الأشعري يستطيل الأشاعرة دائمًا بأنهم عَلم على المذهب الشافعي ومرادف له، في استغلالٍ واضحٍ لارتباط المدرسة الشافعية بالمدرسة الأشعرية عبر التاريخ الفكري للمذهبين. هذا الارتباط بين الشافعية والأشعرية صار من العوائد التي تتكرر كثيرًا، دون الانشغال بحقيقتها، فضلًا عن التدليل عليها، أو ما هو أبعد من ذلك: البحث في مدى […]

ترجمة الشيخ د. عبد الشكور بن محمد أمان العروسي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ الدكتور عبد الشكور بن محمد أمان بن عبد الكريم بن علي الغدمري الأمالمي العروسي. مولده: ولد في أثيوبيا، وتحديدًا في منطقة بالي الإسلامية، عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وستين للهجرة النبوية (1363هـ). نشأته العلمية: امتنَّ الله تعالى عليه بأن نشأ في بيت علم وفضل وتقى؛ حيث […]

تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصريَّة “كلُّكم من آدم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: افتتح إبليس تاريخ العنصريَّة عندما أعلن تفوُّق عنصره على عنصر التُّراب، فأظهر جحوده وتكبُّره على أمر الله حين أمرَه بالسُّجود، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. كانَ هذا البيان العنصري المقيت الذي أدلى به إبليس في غَطرسته وتكبره مؤذنًا بظهور كثيرٍ ممن […]

أبعدت النُجعة يا شيخ رائد صلاح   (الكلمات الموجزة في الرد على كتاب (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  وقع في يدي كتابان من تأليف الشيخ أشرف نزار حسن -عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس- وهو أشعري المعتقد؛ الكتاب الأول: (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)، والثاني: (قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة). والذي دعاني لأكتبَ هذا المقال كونُ الشيخِ رائد صلاح هو من قدَّم لهما، ولم […]

ترجمة العلامة السلفي التقي بن محمد عبد الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة شهد القرن الماضي في شنقيط أعلامًا سلفية ضنَّ الزمان بمثلها، وكانوا أئمةً في كل الفنون، وإليهم المنهى في علوم المنقول والمعقول، هذا مع زهد ظاهر وعبادة دائمة، فنفع الله بهم البلاد والعباد، وصحَّحوا العقائد المنحرفة، ووقفوا في وجه الخرافة. ومن هؤلاء: الشيخ العلامة محدث شنقيط وشيخ الشيوخ التقي ابن […]

تعريف بكتاب عناية الإسلام بالصحة والنظافة للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد

هذا تعريف موجز بكتاب (عناية الإسلام بالصحة والنظافة) للمؤلف د. محمد بن إبراهيم الحمد، من منشورات دار ابن الجوزي بالدمام، في طبعته الأولى عام 1436هـ، ويقع في غلاف (58) صفحة:   – انطلق في مقدمته من شمول الإسلام وإحاطته بعامة منافع الإنسان، ومنها حفظ الصحة والعناية بالطهارة، وعلى هذين الموضوعين قسم الكتاب إلى شقين: العناية […]

هل كلُّ من يؤمن بوجود الله مسلم؟! وهل يصح وصف اليهود والنصارى بالمسلمين؟!

يكفي لكي ترى العجب أن تعيشَ، وهذا عجبٌ أيضا؛ لأن الناس يتوقَّعون العجبَ عند المكابدَة، ولا يتوقَّعونه بهذه السهولة، وإن تعجب من هذا فعجبٌ أن يتكلَّم مسلم منتَمٍ لأهل القبلة بتصحيح إيمانِ مَن كفَر بالنبي صلى الله علي وسلم، وقال: ما أنزل الله من شيء؛ لأن في قوله: ما أنزل الله من شيء إثباتًا لوجود […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017