الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

الدعوة النجدية وتهمة البداوة (4) التشدد والفقه البدوي

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

من أبرز الاتهامات للدعوة النجدية الحكم عليها بالتشدد والتعصب، تشدّد في فهم الدين والعمل به، وتعصّب في الموقف من المخالف، (فالتشدُّد والتطرف انعكاس طبيعيّ لحياة البادية الصحراوية القاسية، وحياة البدو الجافة والفقيرة والخشنة والخالية من كل مباهج الحياة الحضارية)([1]).

ويبدو أن هذا الاتهام له جاذبية، فهو يجمع كلَّ الذين يختلفون مع الدعوة النجدية من الإسلاميين([2]) والعلمانيين، فضلًا عن أولئك الذين يهاجمون الدعوة الإسلامية باسم الوهابية، وهذه الاتجاهات المتباينة ليست على مستوى واحد من العداء، فمنهم من يعترف بفضل الدعوة في بعض الجوانب، لكنه ينكر عليها التشدّد المزعوم([3])، وبعضهم من أتباع الاتجاه الثوري المسلح([4])! ومنهم أنصار الأزهر([5]).

فقه البداوة والإسلام البدوي:

دأَبَ خصوم الدعوة على وصفها بالإسلام البدوي وبفقهِ البداوة إزراءً بقدرها، واتهامِها بالتوحش والهمجية والتشدد والقسوة، وكلِّ التعابير الدائرة في معنى التعصّب والانغلاق الفكري وضيق الأفق. وقبل البدء بمناقشة هذه القضية ينبغي التنبيه لأمرين لفهم حقيقة هذه التهمة:

الأول: لم تكن الوهابية وحدها متَّهمة بالتشدد البدويّ، فالإسلام نفسُه متَّهم بهذه التهمة من قبل غلاة العلمانية الطاعنين في الشريعة؛ من أمثال فرج فودة الذي وصف الإسلام بأنه (شريعة البداوة)، ومثله خليل عبد الكريم الذي تكرر في كتاباته نقد (الإسلام الصحراوي) و(الإسلام البدوي)، ومحمد سعيد العشماوي الذي لا يكتفي باستخدام مفردة (إسلام البداوة) لمهاجمة دعاة تطبيق الشريعة، بل إنه يصف إسلام القرن الهجري الأول بأنه (إسلام بداوة)، أما إسلام القرنين الثاني والثالث فهو (إسلام حضارة)، وأن الأمة تدرَّجت من البداوة إلى الحضارة([6]). ومنهم حسين أحمد أمين الذي اعتبر الإيمان بالقضاء والقدر (نتاجًا منطقيًّا لطبيعة حياة البدوي)([7]). أما المجاهرون بالإلحاد فلا يتردَّدون بوصف القرآن الكريم بأنه (الجهل البدوي المقدَّس)([8]).

فوضع الوهابية إلى الإسلام في خانةٍ واحدة بتهمة البداوة له عدة دلالات، من بينها: أن هذه التهمة غايتها الذم والانتقاص اعتمادًا على المضامين السيئة لمفردة البداوة من جهل وتخلف وبدائية، فهي موضوعة للذم والقدح دون النقد.

ولما كانت الوهابية الاتجاهَ الأقرب لفهم الإسلام، فلا غرابة في أن ينالها ما ناله من تهمٍ؛ لذلك من يَسعى لنفي تهمة البداوة عن الإسلام فإنه مُلزَم بنفي هذه التهمة عن الوهابية بنفس المنطق.

الثاني: الوهابية وتهمة التعصب: يعدّ اتهام الدعوة الوهابية بالتعصب أمرًا مألوفًا وشائعًا في كتابات المناوئين، لكن الأكثر شيوعًا هو اتهام الإسلام بذات التّهمة، فهي موضعُ إجماع ومحلّ اتفاق عند أعلام الغرب، لم يخالف في ذلك إلا فئة قليلةٌ منهم، ومما يتَّصل بهذه التهمة أيضًا زعمُهم اقتران الدعوة الإسلامية بالسيف والإكراه.

وحينما نؤكِّد أن هذه التهمة متَّفق عليها بين عقلاء الأمّة الغربية النصرانية فلا يقتصر الأمر على ما كان شائعًا عن الإسلام في القرون الوسطى، بل الأمر يمتدّ حتى عصر التنوير ليشملَ كبار المؤرّخين والساسة وعلماء اللاهوت ومشاهير الفلاسفة لا يشذّون عن قومهم في هذا، ولا يتردّدون في اتهام الإسلام بالتعصّب وتخيير الناس بين الإيمان أو الموت، ومنهم الألماني هيجل والفرنسيّين فولتير ومونتيسكيو([9]).

وليس من الغريب أن يربط اللورد كرومر “التعصب الإسلامي” بروح البداوة، وبالبيئة الصحراوية التي انطلق منها المسلمون لغزو البلاد المتحضرة.

فما قيل في الدعوة النجدية قيل في الإسلام من قبل، وثبوت هذه التهمة في العقل الغربي عبر قرون طويلة يؤكِّد لنا أن المهمَّ ليس في تغيير قناعات الآخرين بشأن الدعوة النجدية؛ لأنها ستبقى ثابتة كما بقيت تهمة التعصب ملازمة للإسلام في أذهان الغربيين، بل الواجب الاكتفاء بإيضاح الحقائق، ونفي الشبهات، وإزالة الإشكالات، وعدم الاهتمام بما وراء ذلك.

وكما ذكرنا سابقًا فالذي يجتهد لنفيِ تهمةِ التعصب عن الدين الإسلامي فإنه ملزَم بنفس المنهجية أن يدفَع عن الدعوة النجدية ذات التهمة.

وستكون مناقشة تهمَة التشدد وفِقه البداوة المنسوبة للدعوة النجدية من خلال النقاط التالية:

أولًا: ظهرت الدعوة النجدية في زمن إدبار للإسلام، وفي مرحلة عصيبة من تاريخه، لا يقتصر الأمر على تشوّه المفاهيم الأساسية للدين وسطوة الخرافة على العقول وهيمنة التصوف على الحياة الدينية، فإلى جانب ذلك كله كانت المجتمعات الإسلامية بعيدة عن الالتزام بشعائر الإسلام وأركانه، وذلك لتقصير الدولة عن القيام بواجبها الديني، وسيادة الفكر الصوفي الذي صيّر الدين احتفالات بموالد الأولياء وزيارات للأضرحة، ولم يُظهر العناية الكافية بتدين المجتمع واستقامته، فشاعت المنكرات والاستهانة بالواجبات؛ ولذلك حينما ظهرت الدعوة النجدية لم توجِّه عنايتها لتصحيح العقائد فحسب، بل عملت على إلزام الناس بأداء الفرائض الدينية، وهذا ما شهد به خصومها قبل أنصارها.

وتعزَّزت غربة الإسلام بين أهله في القرن العشرين مع هجوم الأفكار المادية والتغريبية والإلحادية، واستحوذ نمط المعيشة والثقافة الغربية على حياة المسلمين ونمط تفكيرهم، فصار الالتزام الديني ظاهرةً نادرة، وتزامن ذلك مع شيوع الجهل بالإسلام وكثرة الشبهات عنه وضعف التوعية الدينية في معاهد التعليم ومحاضن التربية.

في ظل هذا المشهد القاتم برزت فئة من المسلمين تحاول الالتزام بالإسلام النموذجي الذي كان عليها السلف الصالح وتدعو الناس إليه، فهي تقف في الجهة المعاكسة لتيار الأكثرية الذي يمضي مبتعدًا عن دينه وشريعته، فمن الطبيعي أن تتَّجه الاتهامات بالتشدّد والتخلف للفئة الأقلّ، والتي سيبدو سلوكها مستهجَنا لا يمثّل الإسلام الذي تعرفه الأكثرية بعد أن تخفَّفت من أحكامه وآدابه.

ثانيًا: التشدُّد أمر نسبيّ، فما يراه البعض تشدّدًا يراه آخرون دينًا صحيحًا، وما يراه البعض تساهلًا وتفريطًا يراه آخرون إسلامًا عصريًّا معتدلًا، والمرجع لفصل الخلاف في ذلك هو النظر الشرعيّ المدعوم بالأدلة والأصول التي قرَّرها الأئمة لاستنباط الأحكام الشرعية، وطرح أي اعتبارات أخرى للتقييم وإصدار الأحكام كالنظر في البيئة الاجتماعية للفقيه، والتفريق بين فقه البداوة وفقه الحضارة، فكل ذلك ليس معيارًا موضوعيًّا لإطلاق تهمة التشدّد على أيّ فقيه أو مذهب ديني.

ثالثًا: الإفراط والتفريط انحرافٌ ملازم لاستجابة البشَر للأوامر الإلهية، والتي قد تجنح ذات اليمين أو ذات الشمال بحسب العوامل المؤثّرة فيها، أشار لذلك ابن القيم بقوله: (فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارَضا بترخّص جافٍ، ولا يُعرَّضا لتشديد غالٍ.. وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغَتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو.. فيحمل البعضَ على الغلو والمجاوزة، ويحمل الآخر على التقصير.. وقد فُتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط)([10]).

رابعًا: الربط بين البدو والتشدّد الديني لا يستقيم مع معرفتنا بأن طبيعة البدو لا تتَّفق مع الانضباط والالتزام والتقيّد بالأحكام الدينية، فضلا عن التشدّد فيها، فنمط المعيشةِ الصعب يدفعُه إلى الاكتفاء بأداء الواجبات الأساسيّة في أحسن الأحوال، أو التخفُّف منها، كما هو شأن كثير منهم، وقد شهد بذلك الرحالة والباحثون المهتمّون بدراسة أحوال البادية؛ إذ إن ظروف المعيشة القاسية تصرفُه عن أي اهتمام آخر، كما أن الانضباط الديني يقيِّده عن الغزو والنهب والعدوان على أموال الناس وقطع الطريق والعصبية الجاهلية والثأر ومطاوعة العشيرة على الظلم أو الالتزام بأحكامها وقوانينها وأعرافها، والكثير من تقاليد البدو التي جاء الإسلام بإبطالها.

فكيف يطيق البدوي ترك مألوفه من الدين وطريقته في العيش ليتحول إلى الأخذ بنموذج صارم في العقيدة متشدد في العبادة؟!

خامسًا: لاحقَت تهمة التشدُّد الحنابلة قبل أن تلاحِقَ الوهابية، وانطبَع في أذهان العوام وغيرهم أن الحنبليَّة تعني التشدّد والتزمت، ومعلوم أن هذا المذهب نشأ في بغداد حاضرة العالم الإسلامي ومركز مدنيَّته، وبالرغم من ذلك فلَم يسلم من هذه التهمة حتى ورثها عنهم حنابلة البلاد النجدية([11])، فالأمر في حقيقته اختلاف في مناهج النظر وقواعد الاستدلال، ومن لم يتسع صدره للخلاف سارع إلى اتهام غيره ببداوة الفقه والفهم.

أما قناعة البعض بأن المذهب الحنبليَّ ينطوي على شيء من التشدّد في أحكامه فهو -على فرض ثبوته- يؤكِّد ما ذكرنا من عدم وجود صِلة منطقية بين البيئة الاجتماعية للمذهب ومدى التشدّد في أحكامه، يتأكّد هذا بمعرفتنا أن المذهب الظاهريَّ نشأ في بغداد وازدَهر في الأندلس، أي: في أكثر بقاع الإسلام تمدنًا وتحضرًا، والظاهرية عند خصومها قرينة للتشدّد والتزمّت وعدم الأخذ بروح النصّ ومقاصد الشرع، والسلفية المعاصرة في نظر خصومِها متَّهمة بالظاهرية والتشدّد والبعد عن سماحة الشريعة.

فنشوء الحنبلية والظاهرية في معاقل المدنية والحضارة يبطِل فرضيّة تأثير البيئة الاجتماعية بدرجةِ التشدّد الفقهي للمذهب.

لا يختلف الحال مع المذاهب العقدية، فهي أيضًا غير خاضعة لتأثير البيئة الاجتماعية، فالشأن كله في اختلاف منهجية النظر ومسلك الاستدلال، ونضرب مثالين على ذلك:

المثال الأول: أن دولة الموحدين في المغرب اعتمدت في قيامها ونشوئها على القبائل البربرية، لكنها في الوقت نفسه حاربت الاتجاه السلفيَّ، ونكَّلت بأهله، وتبنَّت المعتقد الأشعريَّ الكلاميَّ، وكان ذلك من أهم عوامل انتشار الأشعرية في بلاد المغرب.

فكيف تقبّلت العقلية البدويّة مفاهيم العقيدة الأشعرية القائمة على الخوض في مباحث معقَّدة يدرسها طلبة العلم في الحواضر، ورفض الإيمان بظواهر النصوص، وإلزام سائر المكلفين بالنظر والبحث لإثبات أركان العقيدة، وعدم قبول التقليد في هذه المسائل؟!

لم تكن عقيدة الموحدين تؤمِن بظواهر النصوص وتسلّم بها حتى يقال: إنها ناسبت البيئة القبلية البسيطة والتركيبة الساذجة لعقلية أهلها، بل كانت على الضِّدِّ من ذلك، فكيف نفسر هذا في ضوء الفرضية المزعومة؟!

المثال الثاني: نشأ مذهب المعتزلة وازدهر في البصرة وبغداد، وخصوم السلفية يعظِّمون فيهم اعتمادهم على العقل في تقرير مسائل الاعتقاد، لكن هل يتَّسم مذهب الاعتزال بالتسامح مع مخالفيه ويتجنَّب التعصّب في آرائه وتقريراته؟!

لا تشهد أدبيات المذهب وتاريخه السياسيّ والفكري بذلك؛ فتشدّد المعتزلة واضح في عدد من المسائل الاعتقادية، من أشهرها مذهبهم في مرتكب الكبيرة وقولهم بخلوده في النار، أما في الدنيا فهو متأرجِح بين الكفر والإيمان، وكذلك مذهبُهم في جواز الخروج على الحاكم الظالم وإزاحته بالقوَّة، فضلا عن موقفهم من حوادث الفتنة في صدر الإسلام ومذهبهم السيّئ في بعض الصحابة، أما موقفهم من المخالف لهم فهم أول من مارس الإرهاب الفكري في تاريخ الإسلام، واستعان بالسّلطة لقمع مخالفيهم من أهل الحديث، وهو ما عُرف بمحنة خلق القرآن، وتكفير بعض أئمتهم لمن أنكر أصولهم الاعتقادية مسألة معلومة، ومذهب المعتزلة معروف بكثرة الانشقاقات الداخلية وكل فرقة تكفِّر من خالفها، فالاعتزال أبعد المذاهب عن قبول المخالف والاعتراف به ومجانبة التعصب في التصورات والأحكام والمواقف، وهم أول من أدخل السياسة في الخلافات الفكرية، واستعان بالسلطة للبطش بخصومهم بدلًا من الاحتكام لمنطق الحجة والبرهان.

ولو وضعنا آراء السلفية النجدية في العقيدة إلى جانب آراء المعتزلة لوقفنا على فارق كبير بين تشدّد المعتزلة وسماحة السلفية النجدية ووسطيتها، فهم لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويرجون له الشفاعة التي ينكرها المعتزلة، ولا يرون الخروج على الأئمة الظلمة منعًا للفتنة ودرءًا للمفسدة، ولا يكفّرون إلا من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، بل ذهب إمام الدعوة إلى عدم تكفير من ترك ركنًا من أركان الإسلام الأربعة (الصلاة والزكاة والصوم والحج)، وقال: (فنحن -وإن قاتلناه على فعلها- فلا نكفره بتركها)([12]).

وإن كانت المعتزلة قد استعانت بالسلطان العبّاسي لقمع أهل الحديث، فأعداء السلفية النجديّة استعانوا بالسلطة العثمانية للتخلّص منهم، وذلك بعد أن أصدروا فتوى بتكفير محمد بن عبد الوهاب ومنع أتباعه من الحج سنوات طويلة.

فالسلفية النجدية البدوية أكثر تسامحًا من الاعتزال العقلانيّ المتمدِّن، وهي نتيجة لا تتَّفق مع الفرضية البائسة التي يتشبَّثُ بها الخصم.

سادسًا: مواطن الخلاف بين السلفية النجدية وخصومها، والتي ينشأ عنها تهمة الفقه البدوي على نوعين:

النوع الأول: مسائل ناشئة عن تساهل وتميّع الخصم والرغبة بالإتيان بمذهب جديد يلائم الأهواء الشخصية أو يتوافَق مع ضغوط الثقافة الغربية واستفزازاتها؛ مما يدفع البعض للاستجابة السلبية عبر تطويع المفاهيم والثوابت الدينية لتلائِمَ مقدَّسات الفكر الغربي كالحرية والتسامح مع المخالف وقبول الرأي الآخر وحرية المرأة والحريات بشكل عام، فمثل هذه المسائل تقف الحجة الشرعية وأقوال المذاهب إلى جانب الرأي السلفي، لكن غوغائية الخصم تزيِّف الأمر، فتجعله خلافًا بين تشدّد السلفية وسماحة الإسلام المتحضّر، مع أن الخلاف في حقيقته بين موقف الإسلام وأهواء حزب التبعيّة والخضوع للغرب.

النوع الثاني: مسائل خلافية يسوغ فيها الاجتهاد، وللسلفية اختياراتها المبنية على الأدلة، والتي قد تكون راجحة أو مرجوحة، وهنا لا يحقّ للمخالف أن ينكر على السلفية اجتهاداتها، وإن شذّت بعض فتاوى علماء السلفية وخالفت الجمهور، فينبغي أن يُكتفى ببيان موضع الخطأ ووجه المخالفة والرأي الراجح، دون التشهير بالاتجاه السلفي، والذي لا صلة بأخطاء العلماء المنتسبين له، والآراء الشاذة أو المخالفة لما عليه الجمهور كثيرة، والقائلون بها فقهاء كبار، ولم يزل العلماء يذكرون هذه الآراء مع التنبيه على وجه الخطأ فيها وبيان مخالفتها للجمهور، دون تجاوز ذلك إلى القدح في عدالة الفقيه وإمامته وعلمه، أو التحذير من الأخذ بأقواله وترجيحاته، والمنصفون منهم يعتذرون لهم ما استطاعوا، ويوضحون أسباب اختيارهم للرأي المرجوح.

سابعًا: رأى البعض أن تشدُّد الوهابية القائم على الاستعلاء الديني (نوع من التعويض عن الإحساس بالتخلف الإنساني والدونية الحضارية)([13])، وهذا الكلام أقرب إلى الذم والشتم منه إلى النقد، فلا يمكن الجواب عليه بشيء.

ونظرة أعداء الإسلام ليست بعيدة عن نظرة خصوم الوهابية، فهم يرون أن المزاج العدائي ضدَّ الغرب في العالم الإسلامي ناشئ من (قناعة المسلمين بتفوق ثقافتهم والفخر بماضيهم، لكنهم يشعرون بالقلق من ضآلة قوَّتهم، ويشعرون بالمهانة بعد أن تجاوزهم الزمن، وطغى عليهم أولئك الذين كانوا ينظرون إليهم كأخفَض منهم). هذا ما يقوله صامويل هنتنغتون (Samuel Huntington) وبرنارد لويس (Bernard Lewis)([14]).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) السعودية والإخوان المسلمون (ص: 21).

([2]) منهم: محمد عمارة في كتاب (تيارات الفكر الإسلامي) (ص: 258)، ومحمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) (ص: 15)، والباحث الأصولي أحمد عبد السلام الريسوني الذي هاجم فقه البداوة والإسلام السعودي، وأصدر في ذلك كتابًا بعنوان: (الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب).

([3]) يرى المؤرخ عبد الرحمن الرافعي (أن الفكرة التي دعا إليها محمد بن عبد الوهاب في أصلها وجوهرها فكرة صالحة، لكنه غلا فيها وتشدَّد) عصر محمد علي (ص: 122)، وانظر: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (ص: 39-43).

([4]) منهم مصطفى حامد المصري في كتابه: صليب في سماء قندهار.

([5]) ومنهم هشام حتاتة مؤلف كتاب: الإسلام بين التسامح الزراعي والتشدد البدوي.

([6]) الإسلام السياسي (ص: 83).

([7]) أعلام وأقزام في ميزان الإسلام (2/ 140-141).

([8]) الملحدون الجدد (ص: 119).

([9]) يرى فولتير أن الهدف الوحيد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من بناء أمته (رؤيتها تصلي وتتكاثر وتقاتل)، وذلك في كتابه: (مقالات في الأخلاق – الفصل السابع)، نقلا من كتاب الأب يواكيم مبارك: (أبحاث في الفكر المسيحي والإسلام في الأزمنة الحديثة والتاريخ المعاصر)، الصادر بالفرنسية عام 1977م (ص: 64)، وهذا النقل من الأطروحة الجامعية: (هيجل والإسلام).

والموقف الأشهر لفولتير في وصف الإسلام بالتعصب مسرحيتُه التي كتبها عام 1736م بعنوان: (التعصب أو محمد النبي).

أما مونتيسكيو فيرى أن (الإسلام لا يتكلّم بغير السيف، ويؤثّر في الناس بروح الهدم التي أقامته) روح القوانين (2/ 180-181).

أما هيجل فيصف بلاد الإسلام بأنها (أرض العرب، أرض الصحراء، إمبراطورية التعصب)، العقل في التاريخ.. محاضرات في فلسفة التاريخ (1/ 184).

([10]) الوابل الصيب (ص: 47-48).

([11]) ابن حنبل.. حياته وعصره، آراؤه وفقهه (ص: 401).

([12]) ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 102).

([13]) السعودية والإخوان المسلمون (ص: 21-22)، الإسلام السياسي (ص: 83-84).

([14]) صدام الحضارات (ص: 352)، ومقال: (جذور الغضب الإسلامي – The Roots of Muslim Rage) لبرنارد لويس، والمنشور في مجلة (The Atlantic) في أيلول عام 1990م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017