الخميس - 08 جمادى الآخر 1442 هـ - 21 يناير 2021 م

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

A A

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات للتصالح مع أنفسهم والظهور بمظهر الشخصيَات الموضوعيَّة، ولكن الحقيقة تخونهم، والعقل لا ينقاد لهم، والسلوك البعديُّ يكون كاشفًا لنوعية التحوُّل لديهم، وأنها إلى الأسوأ لا إلى الأصلح، فبينا ترى الرجلَ وقورًا مهابًا ما إن ينقلب على المنهج حتى ينكره خصومُ المنهج، ويظهر منه انتكاس الفطرة وهبوط التفكير بشكل محرِج حتى للفكرة التي تبنَاها من جديد.

ونحن في هذه المقالةِ نناقش دَعاوى المتراجعين عن المنهج السلفيِّ ومسوِّغاتهم، ولا بأس قبل ذلك أن نذكُر القسمَة التي يتصورها العقل ويقبلها الواقع للمتراجعين.

أقسام المتراجعين:

فالمتراجعون أربعة أنواع:

النوع الأول: المتراجع عن فكرة خاطئة نسبها للسلف، مثل أهل الغلو في الجرح، وهؤلاء لا لومَ عليهم في رجوعهم عن خطئهم؛ بشرط أن يحصروه في حدوده، ويعلموا أنه من عند أنفسهم، ومثلهم في ذلك أهل الغلو في التكفير الذين لم يفرقوا بين بر وفاجر واستباحوا دماء أهلهم القبلة ولم يفو بعهودهم.

النوع الثاني: المتراجعون عن اختيارات فقهية معيَّنة لظهورها عند السلفيين كادت تكون خصوصيَّة لهم، وهؤلاء لا لومَ عليهم في خروجِهم عن رأي جمهور السلفيَّة إلى رأي جمهور العلماء، وجعل هذا النوع من التراجع قضيَّةً منهجية خطأٌ علميّ عند أصحابه وعند منتقديهم.

النوع الثالث: المتراجعون عن قضايا عقديَّة تفصيلية، وتراجعهم هو في موقفهم من المخالفين فيها، والتوقف في تبديعهم، مع تبني المنهج السلفي في التلقِّي، وهؤلاء أحيانا لهم مسوِّغات موضوعية مقبولة، وأحيانا تكون مواقفهم هي انكسارات أمام ضغط الواقع وسطوة الجمهور؛ لكن القضايا التي يطرقون تبقى من الناحية الموضوعية قابلةً للأخذ والرد.

النوع الرابع: المتراجعون عن المنهج المتَّخذون له عدوًّا المتبنُّون لكلِّ ما يخالفه ولو كان من أعداء الدين أو من أهل الأهواء، ويأخذون القضايا الفرعيَّة ويجعلون الخلاف فيها من قبيل الخلاف في أصول الدين، فتجد أحدَهم يتكلَّم عن قضية فرعية خلافيَّة بين المذاهب، وقد اختار بعضُ رموز السلفيَّة فيها وجهًا من أوجه الخلاف، فتجده يشنِّع ويثلب ويصادر الآراء، ويجعل القول المنسوب إلى السلفية قولًا بعيدًا ودليلا على عدم الفِقه، ومن أمثلة ذلك ضابط البدعة والموقف من بعض البدع العملية؛ كالمولد والذكر الجماعي، والتي نصَّ كثير من محقِّقي أهل المذاهب وأهل النظر فيها على بدعية بعض صورِها، فيأتي المنقلب الجديد، ويجعل القول بها سفاهة وعِيًّا وضلالا ودليلا على عدم الفقه، ويتناسى أنَّ هذا القول الذي يسفِّهه هو قول للإمام مالك مثلا -في غير قضية المولد- وقول لكثير من محققي أهل مذهبه كالشاطبي وغيره، وهذه المجموعة يمكن تلمُّس مسوِّغات رجوعها من خلال عدة مظاهر.

مسوِّغات الرجوع عن المنهج السلفي:

أولا: ضعفُ التكوين العلمي، والانتفاخ الفكريّ، فيكون الشخص ضعيفًا في المواد المؤسِّسة للشخصية العلمية كالأصول واللغة وسائر علوم الآلة، ثم يتكلَّم بكلام الكبار، فيخاله السامع عالما، وكل ما في الأمر أنه تكلَّم في نهايات علوم لم يتقن بداياتها، وهذا حال كثير من المخلِّطين في قضايا التمذهُب والاجتهاد والتقليد، والمفاهيم العقدية الكبرى؛ كالطائفة المنصورة ومفهوم أهل السنة والجماعة، وضابط البدعة والسنة، والراجح، ومتى يُعدُّ القول غريبًا على المناخ الفقهي، ومدى يُعدُّ بعيدًا ولو كان قريبَ المدرك واضح التصوُّر.

ثانيا: عدم وجود الحظوة العلمية التي كان يتمنَّى في داخل الأوساط السلفية، فينقلب عليهم، ويصفهم بقلَّة الأدب وعدم احترام العلماء.

ثالثا: التعرُّض للشُّبهات، فبعض المتراجعين عن المنهج السلفي كانت مُعضلته هي اختيار معارك لا يعرف ساحاتها، والدخول في بحور لا يحسن السباحة فيها، فتكلَّم في مسائل العقائد، وتعرَّض لأئمة الضلال وهو ليس من أئمَة الهدى، فرأى خفيَّ أفكارهم وعميق استلالهم، وخفيت عليه الأجوبة المنهجيَّة، فاختار أسلوبا خطابيًّا يليق بعقله ومستواه، وبعد برهة من الزمن اكتشف تهافُت ردودِه، فنسبها للمنهج، وادَّعى التحرُّر والرجوع إلى الحقِّ، وبدأ يبني نفسه على أنقاض نفسِه، لكنه يُسمِّي نفسه الأولى منهجا سلفيا.

رابعا: مجاملة الشيوخ، فبعض المتراجعين عن المنهج كان ضحيةَ مجاملة من بعض الشيوخ حين قُدِّم للعلم وللإفتاء والكلام في الأمور العظام، وهو لم يحصِّل ذكاء ولا زكاءً، فكان في حسن الظن به إهلاكٌ له، فرأى نفسَه أكبر من حجمها، فتمنَّع وغالى بها، ولو تُرِك كما خلقه الله لما افتتن.

خامسا: فتنة أبناء المنهج، لا شكَّ أن المنهج وإن كان معصومًا فإن هذا لا يعني عصمة متَّبعيه، فبعضهم فَتن الناس عن الحقِّ بجهله، وآخرون فتنوهم بسوءِ أخلاقهم ونسبتهم الفظاظة وغلظ القلب للمنهج؛ مما كان مدعاةً لضعاف النفوس ومن لا صبر لهم ولا طاقة أن ينفروا من المنهج؛ قِلًى لهؤلاء، وفرارا من هذه الأخلاق.

سادسا: التوسُّع في العلاقات المشبوهة، فبعض المتراجعين بحجَّة الانفتاح والتواصل العلمي بنى علاقاتٍ بمراكز مشبوهة وشخصيات معادية للمنهج، ولم يكن لدى هؤلاء برامِج عمليَّة ولا خطط لاستيعاب الآخرين، بل كل ما في العلاقة هي ممارسة هواية الصداقة وبناء العلاقة، فجرَّهم أصحاب إلى المشاريع إلى مشاريعهم، وأغروهم بما يغرون به مما تقبله نفوسهم، كلٌّ بحسب حالة؛ إن كان من أهل الرياسة فالرياسة، وإن كان من مُبتغي الشهرة فالإعلام، وهكذا حتى فتنوهم عن دينهم وقلوبهم على منهجهم.

الحالة البعدية للمتراجعين:

كثيرٌ منَ المتراجعين لهم ميزةٌ وهي: الانقلاب إلى الأسوأ خُلقِيًّا ودينيًّا، فلا يمكن لمتتبِّع تتبُّعًا موضوعيًّا لحالهم الشهادةُ لهم بأنَّ ما صاروا إليه خيرٌ مما كانوا عليه، وتلك أمارة الانتكاس والارتكاس، فشاعَ بينهم عدم الأمانة، وازدراء السلف، والجنوح إلى سيئ الأخلاق من تباهٍ بالنِّعم، وإفشاء للأسرار، وخيانةٍ للأمانة، والتكلُّم في شرع الله بالهوى لا بالهدى، فتجد أحدَهم يفتِّش في كلام العلماء، لا ليعرفَ مراد الله، بل ليجدَ ما يُدين به خصومَه ولو كان شاذًّا أو بعيدًا فقهيًّا، فالمهمُّ أن يخالفَ ولا يوالف.

ومن سيماهم كذلك غيابُ المنهج الإصلاحيّ والطرح الشمولي، والاستغراقُ في القضايا الخلافية ولو كانت تاريخية، لا ينبني عليها شيء، ولا كلام لهم في اجتماع الأمة، ولا في اتحاد العاملين لشرع الله، ولا في إعذار المخالف، وإنما يدورون حول قضايا يحسبونها علمًا وما هي بعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ملاحظة: لم نحتج في هذا المقال إلى توثيق أي فكرة، ولا الاستشهاد عليها من كلام أصحابها؛ لأن جميع ما ذكر معلوم بالحس والمشاهدة، لا يحتاج إلى تدليل، ويكفي ذكره ليتميز في ذهن القارئ والمتابع، والله الموفق.

 

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

حكم الصلاة خلف الوهابي ؟!

فِرَق أهل البدع الذين أنشأوا أفكاراً من تلقاء عقولهم وجعلوها من كتاب الله وماهي من الكتاب في شيء ،وزادوا في دين الإسلام مالم يأذن به الله تعالى ، طالما قال الراسخون في العلم من أتباع منهج السلف إن أولئك أشد انغماساً في تكفير المسلمين مما يفترونه على  الملتزمين منهج السلف ، وعلى ذلك أدلة كثيرة […]

هل انتشرت الأفكار السلفية بأموال النفط؟ “مناقشة ونقد”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  غالبًا ما يلجأ الطرفُ المنهزم في أيِّ مواجهة أو الفاشلُ في أيِّ مشروع إلى إيجاد مبررات لهزيمته وفشَله، كما أنه يسعَى للنيل من خصمِه بالحرب الإعلاميَّة بعد عجزه عن مواجهته في الميدان.  هذه حكايةُ الدعوى التي نناقِشها في هذه الورقة، وهي الزَّعم بأن الأفكار السلفية انتشرت في العالم الإسلامي […]

ترجمة الشيخ محمد السعيدي بن محمد الجردي (1)

  اسمه ونسبه وكنيته ونسبته: هو الشيخ الفقيه الأصولي محمد السعيدي بن محمد بن عبد السلام أبو عبد الرحمن الجردي، مفتي طنجة. مولده: ولد في إقليم تطوان، وتحديدًا في قرية الجردة إحدى قرى منطقة أنجرة، وكانت ولادته عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة النبوية (1358هـ-1940م). نشأته العلمية: حفظ الشيخ القرآن في صباه، وأتم حفظه وهو […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

تحقيق قول القرافي في حُكم المجسمات

  المعلوم أن علماء الإسلام أجمعوا على حُرمة عمل المجسمات ذوات الظل التي على هيئة ذوات أرواح تامات الخِلقة ، ولم يكن ذلك خاصاً بمذهب من مذاهب أهل السنة دون مذهب ، وليس خاصاً بالسلفيين أو مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، كما يُثيره البعض ، قال النووي الشافعي :”وأجمعوا على منع ما كان […]

المفاضلة بين الصحابة.. رؤية شرعية

لا يختَلِف اثنانِ على وجود التفاضُل بين المخلوقات؛ سواء كانت أمكنةً أو أزمنةً أو أعيانًا، حيوانًا أو بشرًا أو ملائكةً، لكن الاختلاف يقع وبشدَّة في معيار هذا التفاضل وطريقة إدراكه، هل هو بمجرَّد الحسِّ والمشاهدة، أم بمجرَّد مسائل معنوية، أم بقضايا مركبة، وهل هذا التركيب عقلي أو شرعي أو حسي، والنظر الشرعي يقول بوجود التفاضل، […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، […]

عرض وتعريف بكتاب “نظرات في مناهج الفرق الكلامية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على المتابع للحركة الفكرية البعثُ الأشعريّ الجديد في مواجهة التيار السلفي الممتدّ، ولم تعد النقاشات مقتصرةً على المحاضِن العلمية ومجالس الدراسة، بلِ امتدَّت إلى الساحة الإعلامية ليشارك فيها عامّة الناس ومثقَّفوهم؛ ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى كتاب يتناول منهج الأشاعرة بالبيان والنقد بالأسلوب الهادئ المناسب لغير […]

دلالة الترك عند الأصوليين والموقف السلفي

  مما يُرمى به السلفيون في الآونة الأخيرةِ أنهم يخترعون قواعدَ لا أصلَ لها عند الأصوليين، ويدلِّل أصحابُ هذا الاتهام على ذلك بمسألة التَّرك، فإذا ما استدلَّ السلفيون على بدعيَّة بعض الأمور بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تركها وأعرض عنها، وأن تَرْكه حجة؛ فيزعمون أنَّ هذه قاعدةٌ منِ اختراع السلفيين، وأنَّ الترك لا يدلُّ […]

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات […]

العلامة محمد البشير الإبراهيمي فخرُ علماءِ الجزائر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه الترجمة مُستقاة من الترجمتين اللَّتين كتبهما الشيخ الإبراهيمي لنفسه، إحداهما بعنوان: (خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية)، وكان كتبها بطلبٍ من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتُخِب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961م، وهي منشورة في آثاره (5/ 272-291)، والأخرى بعنوان: (من […]

هل كل ما خلقه الله يحبه؟

  مقدمة: “ليس -الله تعالى- منذ خلق الخلق ‌استفاد ‌اسم ‌الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحقَّ هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم؛ ذلك بأنه على كل شيء قدير”([1]). والخلق خلقُه، والأمر أمرهُ، سبحانه لا يعزب عن […]

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ومُحدَثَة البيت الإبراهيمي

ردُّ الابتداع والإحداث في الدّين أصلٌ عظيم من أصول دين الإسلام، يدلُّ على ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»([1])؛ ولهذا يقول الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017