الثلاثاء - 03 شوّال 1441 هـ - 26 مايو 2020 م

القدوةُ وأثرها إسقاطًا وإبرازًا

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

#إصدارات_مركز_سلف

 

هل غابت القدوات في زماننا الحاضر؟ أو غُيِّبت وهُمشت؟ أو أعطيت أماكنهم للتافهين كي يقودوا الأمة إلى ما لا تحمد عاقبته من شبهات وشهوات؟

سؤال لا يحتاج الجواب عليه إلى كثير نظر ولا إلى إعمال فكر!

ثم ما هي الآثار المترتبة على المجتمع عند إسقاط القدوات الحقيقية أو تغييبها؟

لا يخفى أن حاجة النشء للقدوة في الزمن الحاضر ملحة وضرورية، ورغبة الشباب في رؤية الأسوة شديدة، ممن يحث هممهم ويرفع مستوى اعتزازهم بدينهم وانتمائهم لأمتهم، ويُفترض أن للعلماء والدعاة والمبدعين والناجحين الحظَّ الأوفر والنصيب الأكبر في الظفر بهذه المكانة؛ لأنهم صمام أمان للشباب من الغواية والتردي إلى الاقتداء بمن يروج لهم فَسَدَةُ الإعلام، فهم أنصار الشرع وقادة النجاح لعالم الإبداع، يبينون للناس الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ففي كل زمان يظهر في هذه الأمة من علماء ورواد حضارة ونهضة وفكر واستقامة وصلاح، مَن هم شامة في جبينها، وتاج على مفرقها، يحق للأمة إلى اليوم أن تفخر بهم، وتستهدي بهم، وتسعى لترميزهم.

ورغم ما تواجهه الأمة من عقبات كبيرة تحول بينها وبين معرفة قدواتها الـمُصلِحة، ورغم ما تعانيه من محاولات لقطع صلة الأمة بماضيها التليد؛ إلا أن الله يمن على هذه الأمة بمن يجدد لها أمر دينها، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»([1]).

وعند حديثنا عن القدوة والأسوة تشخص بنا الأبصار إلى سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ [الأحزاب: 21]. ثم إلى الاقتداء بصحابته الكرام؛ لما لهم من الفضائل والمكارم التي تميزهم عن بقية الناس؛ فهم عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا نزول الوحي، وأثنى عليهم ربنا تعالى في كتابه العزيز في غير ما آية، وحثنا النبي عليه الصلاة والسلام على اتِّباعهم والاقتداء بسلوكهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»([2])، وقال صلى الله عليه وسلم: «… فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ …»([3]). ثم يأتي من بعدهم علماء التابعين ومن تبعهم بإحسان.

والعلماء في الجملة لم يَغيبوا عن قضايا الواقع ومجريات الأحداث، ولم يغفلوا عن مستجدات العصر وما يحل بالأمة من مدلهمات، بل كان لهم دور في معالجة المستجدات والنوازل والعناية بها، وذلك بمعرفة أسبابها، والعمل على إيجاد حلول لها، وأجوبة على ملابساتها، ونظر في مآلاتها وعواقبها، بما حباهم الله به من علم وفهم وبيان، وحجج مستمدة من نصوص الكتاب والسنة كما كان أسلافهم الأوائل. وكل ذلك متفاوت بتفاوت الزمان والمكان، وما وهبه الله لكل منهم من قدرات وقوى..

فهل يُشَكُّ أن من لا يريدون بالأمة خيرا قد علموا هذه المكانة التي يتبوؤها العلماء عند المسلمين، فعملوا جاهدين في تصويب سهامهم نحو هؤلاء القدوات؟ ثم عملوا جاهدين لإسقاطهم من مكانتهم، وإحلال سَقَطِ المتاع مكانهم؟ فكلما برز عالم أو مصلح أو مبدع، وكثر طلابه ومُحبُّوه، استشاط غضبا من لا يريدون لشبابنا النجاح والفلاح، فيتصيدون له الأخطاء، ويتتبعون له الزلات، فإن وجدوا شيئا طاروا به، وإن لم يجدوا اختلقوا وزوروا، فيتولى الجهلةُ الزمام بعد ذلك لقيادة الأمة إلى حيث عطبها، وإلى حيث يريد أعداؤها، فلا يكاد يجد العامةُ قدوةً راشدة مرشدة، ولا علماء يثقون فيهم وفي علمهم وديانتهم، فيلهث النشء وراء قدوات مصطنعة مزيفة، لمعها إعلام فاسد وروَّج لها، وبذلك يتحول الشباب من مؤسسين لحصون تَقِي الأمةَ الشرورَ إلى هادمين مخربين متبعين للشبهات، ومن نافعين لمجتمعهم منتجين إلى تافهين فارغين يتسارعون وراء الشهوات.

ومن المخاطر الحقيقية التي تواجه المجتمع: إسقاط من يبث العلم الصحيح المنبعث من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والوعي السليم، والطريقة المعتدلة، ويبين للناس الطريق الصحيح المستقيم ويدُلُّـهم عليه.

فكم هي المعاناة التي ستعيشها الأمة جرَّاء التمرد على من يسعى جاهدا لجمع شمل الأمة، وتوحيد كلمتها ضد أعدائها، والالتفاف حول قياداتها، والاهتداء بهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، واتباع سبيل المؤمنين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟!

وكيف يُتصور المجتمعُ إذا غُيِّبَ عنه من يكشف مخططات الأعداء ومؤامراتهم، ويحذر من الأفكار الهدامة والشهوات المهلكة، ويقود الشباب إلى بر الأمان ليكونوا صالحين في أنفسهم مصلحين لأمتهم؟

فمهما تعددت الفتن من كل جانب وكثرت، واشتدت الظلمات، فإن تسليط الضوء على القدوات الصالحة في جميع مناحي الحياة واتخاذهم قدوة في الخير وإبراز مكانتهم، والرجوع إليهم واستشارتهم والالتفاف حولهم هو السبيل الأمثل والطريق الأسهل للخروج من الفتن، بتقديم الآراء السديدة، والنصائح المفيدة؛ لأن الفتن والشرور يراها العلماء وهي مقبلة، ولا يدركها العامة إلا وهي مدبرة، فنظرهم أسدّ، ورأيهم أحكم.

وسنعرض بعض ما يواجه المجتمع من مخاطر إذا ما أسقطت القدوات الحقيقية:

  • اتخاذ الرؤوس الجهال ممن يتجرأ على الفتاوى الخاصة والعامة، فيفتي في الدماء والأعراض والأموال، فيَهلَك ويُهلِك.
  • تعريض الأجيال إلى الانسياق وراء من يحسبونهم قدوة في البطولة والشجاعة والمواجهة من ممثلين ومغنيين وراقصين وماجنين.
  • الشعور بالتبعية للأعداء، وأننا لا قدوة لنا إلا ما كان في بطون الكتب مسطورًا نظريًّا لا تطبيق له في أرض الواقع، حتى نسمع من يقول: أنتم تأتوننا دائما بقدوات من الماضي، نريد قدوات من الحاضر.
  • التخبط بين الطرق والمناهج بحثًا عن سلوك السبيل القويم، والتأثر بالفرق الضالة غلوًّا وجفاءً، عقديًا ومنهجيًا وسلوكيًا.

ولكل داء دواء، ولكل مسألة حل، فلا بد للخروج من أزمة تغييب القدوات من حلول ناجعة ناجحة في عودتهم إلى الصدارة:

  • إبراز العلماء والمصلحين والمخترعين والمفكرين من هذه الأمة قديمًا وحديثًا وما أكثرهم، وتسليط الضوء عليهم في المجالس الخاصة والعامة، وعلى قدراتهم وكفاءاتهم العلمية ودورها في صناعة الحضارة الإنسانية حتى يكونوا نبراسًا للشباب الصاعد.
  • العمل على نشر الوعي في المجتمع، بأن القدوة تكون في الخير وفيما ينفع البلاد والعباد ويسعى لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية.
  • مساندة الإعلام الهادف الذي يُبقي الصورة الحقيقية للقدوات دون تشويه ولا خداع، والسعي الجاد لإنشاء قنوات إعلامية تفوق إعلام أعدائنا أو توازيه؛ فمن يواجهنا بالشاشة ويدخل بيوتنا ليُظهِر لنا القدوات المصطنعة المزيفة، لا بد أن نقتحم عليه أسوارَه وشاشاتِه لنُظهر له ما عندنا.
  • عقد مؤتمرات وندوات تهدف إلى إعادة الثقة في العلماء والمصلحين، والحث على احترام مكانتهم وتوقيرهم تعبدًا لله تعالى، مع التحذير الشديد من التفلت والتطاول على من وهبهم الله شرف حمل إرث النبوة.
  • ترغيب المسلمين في الجهود الفردية المثمرة ليصبحوا قدوة لغيرهم في نشر الخير، فيكون الآباء قدوة للأولاد، والمعلمون قدوة للطلاب، والمدراء قدوة للموظفين…

وخلاصة القول: إننا نحتاج في زماننا إلى معرفة القدوات، والسير على خطاهم، فبالاقتداء بهم ستستعيد الأمة -بإذن الله تعالى- مجدها ومكانتها وعزها، مُشكِّلةً بوحدتِـها واجتماعها قوةً داخلية وخارجية، ومحافظةً على قيمها ومبادئها.

 

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

([1])  رواه أبو داود في سننه (4293)، والحاكم في مستدركه (8592)، والبيهقي في معرفة السنن (100)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا.

([2])  رواه الترمذي في سننه (3662)، وأحمد في المسند (23293)، والحاكم (4451)، وغيرهم، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مرفوعا.

([3])  رواه أبو داود في سننه (4609)، والترمذي في سننه (2676)، وابن ماجه (42)، مرفوعا من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

إرادة الله عز وجل (عقيدةُ المسلم فيها، وأهميتها في زمن الأوبئة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ القدَرَ سِرُّ الله في خَلقه، ولا ينتَهي إلى عِلمه ذو نفس، والناس تحت القدر سائرون، لا يخرجون عن المكتوب، ولا يفعلون غير المراد لله سبحانه؛ لأنهم في ملكه وتحت قدرته، واعتقاد المسلم في القدر اعتقادًا صحيحًا يجعله ذا نفس مطمئنَّة؛ لأنه يرضى بقضاء الله وقدره، وهو على […]

بعض الأحكام المتعلقة بالتراويح في زمن الأوبئة

الحكمة في تشريعات الإسلام: للضرورات أحكامُها، وتصرفاتُ المكلف فيها تختلف عن تصرفاته في غيرها، والحكم فيها ينبغي أن يجريَ على المعهود الوسَط الذي يراعي كلَّ مكلَّف بحسب حاله، فالناس فيهم المرضى، وفيهم من يضربون في الأرض يبتَغون من فضل، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، واهتماماتُ الناس ليسَت واحدةً، ومن ثَمَّ جاءتِ التشريعات مراعيةً لتنوُّع مساعي […]

معالمُ المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلَّاد الإلحاد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلاءُ الحداثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب تعريف التَّصّوف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تصفيد الشياطين وواقع الأمة تحرير معنى حديث: «وصفدت الشياطين»

ظهرت المدرسة العقليَّة محاولةً التشكيكَ في كثيرٍ من الثَّوابت الدينية المتعلِّقة بالاستسلام للوحي والتمسُّك به، فغدت هذه المدرسة تلقِي الشبهات مرةً بعد المرة، وكلُّها تهوِّن من شأن التمسُّك بنصوص الكتاب والسنة، وتدعو إلى إخضاعها للعقل، وجعلها تحت وصايته، وبهذه الطَّريقة ردُّوا كثيرًا من الأحاديث النبوية الصحيحة بحجة معارضتها للعقل، أو تأوَّلوها تأويلات بعيدة باطلة، ولا […]

كيفَ تُظْهِر النوازلُ مَتانةَ وسماحةَ الإسلامِ وشَرائعِه؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: فشا الطاعونُ في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتحديدًا في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، فقد دهم الطاعون مدينة عمواس، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قدم إلى الشام وبها الطاعون، ولم يدخُلها، وإنما التقى به الصحابة أمراء الأجناد([1]) في […]

هل من العدل إيجابُ الصِّيام على كلِّ النَّاس مع تفاوت ساعات صيامهم؟

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذَكَر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيءٍ حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود وغير ذلك، وبالجملة فقد جاءهم بخير الدُّنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةٌ أكمل […]

العقيدة الصحيحة في زمن الأوبئة

عقلُ الإنسان وفطرتُه يفرضان عليه المواقفَ منَ الأشياء، وهذه المواقفُ تسبقُها تصوُّراتٌ تشكِّل فيما بعد معتقداتٍ تدفع الإنسانَ نحو الحقيقة، أو يتعثَّر بسببها دونَ السعادة، وهذا التعثُّر عادةً ما يكون نتيجةَ المعتقد الخاطِئ في الأشياء. ومن أخطر الأشياء التي تزلُّ فيها قدم صاحِب العقيدة الأوبئةُ والكوارِث؛ لأنَّ الإنسان يتنازعه فيها عاملان من عوامل الخطأ هما: […]

رَمَضانُنا… وَ وباء كورونا؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقَدّمَـة: بينما الصحابة يصلون الفجر فوجئوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستار حجرته، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك([1]). وما هي إلا لحظات حتى ذُهلت المدينة بأكملها وكأن صاعقة نزلت بهم حين سمعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فصار منهم […]

الصيام ونهضة الأمة

جاءَ الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم الذي احتوى على كل مقوِّمات النهضة لأمَّة الصحراء ومن جاء بعدها، وفي غضون سنوات قليلة أُقيمت حضارة عظيمة على مبادئ راسخة، تسندها التشريعات الإسلامية المتعلقة بالدين والدنيا، وبتجاوز كل تلك الدعوات التي تدعو إلى حبس الإسلام في محرابه! يمكن القول بأن المسلم الفعَّال هو الذي […]

مقاصدُ الصِّيام الشرعية -حتى يكون صومنا وفق مراد الله-

المقدمة: يقول ابن تيمية رحمه الله: “خاصة الفقه في الدين… معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها”([1])، وعبادة الصَّوم عند المسلمين ليست قاصرة على مجرد الامتناع عن المفطِّرات الحسية، بل هي عبادة عظيمة في مضامينها، فهي استنهاض بالأمَّة كلها على الصعيد الروحي والعقلي والصحي والاجتماعي، ومن هنا كانَ أمر الصيام في الدين الإسلامي عظيمًا، فهو أحد أركان […]

كتاب إعلاء البخاري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

هل ثمّة أدعية للوقاية من الأسقام والأوبئة؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَدّمَة: وباء كورونا كوفيد 19 العالمية، اجتاح كثيرًا من العواصم والدول، وغدا هاجسًا مشغلًا لكثير من الناس، وهلع البشر يبحثون عن حلٍّ لهذه المعضلة، كل في مجاله. ففي الصفوف الأولى يقف رجال الصحة مستنفرين باذلين كل جهد في الوقاية والعلاج من هذا المرض. ومن بعدهم يأتي دور الأمن والعلم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017