الجمعة - 11 رمضان 1442 هـ - 23 ابريل 2021 م

“السلفيةُ المعاصِرة” وإخفاءُ الخلاف..بين الحقيقة والتزييف

A A

يتلبَّس خصوم أهل السنة أو السلفية في كل حين بألوان من التزييف والمغالطة وغمط الحق والتشغيب بأمور هم واقعون فيها أكثر من خصومهم، مع اتقائية غريبة فيختارون ما يريدون ولا يذكرون غيرَه مما يخالف ما ذهَبوا إليه وانتَقَوه، وليس ذلك إلا لإيهام الناس بأن هذا الموقف الذي ذكروه هو الموقف الأوحد.

وقد أُثيرت هذه المسألة مراتٍ، وأثارها حَديثًا بعض منتقدي السلفيةِ، وهي زعمهم أنَّ العلماء السلفيين في فتاويهم ودروسهم يخفون الأقوالَ الأخرى في المسألة، ويبرزُون قولًا واحدًا، وفي هذا حملٌ للناس على القولِ الواحد في المسائل المختَلَف فيها، بلِ ادَّعى بعض هؤلاء أن السلفيةَ تحكي الإجماعَ في مسائلَ لا إجماعَ فيها، فقط من أجلِ إخفاء القول الآخر الذي لا يتماشَى مع المنهج السلفيِّ.

ومِن أبرز أمثلة ذلك عندَهم: الموسيقى، وتغطية الوجه للمرأة، وإعفاء اللحية، فإن السلفية -حسب زعمهم- يبيِّنون للناس الإجماعَ في هذه المسائل، أو على الأقل يخفون عن الناس أيَّ قولٍ آخر غير القول الذي تختاره السلفية المعاصرة.

وفي هذا المقالِ سنناقش هذا الأمر، وهل هو حقيقة أم زَيف، وهل اعتمدوا في ادِّعائهم هذا على أدلَّة واقعية أم انطَلَقوا من منطلَق قاعدة التشنيع لديهم حتى وإن خالف ذلك المنهج العلميَّ وخالف التسامحَ وإظهار الحقّ الذي عند المخالف، والذي ينادون به في كل محفل إلا أمام السلفية!

ويمكن الحديث عن هذه الدعوى عبر النقاط الآتية:

أولا: الفتوى وذكر الخلاف:

أولُ وَهم يتدثَّر به هؤلاء هو أن يوهِموك بأن المدرسةَ السلفية في كلِّ منابرها ومواقعها ومناسباتها تذكر قولًا ورأيًا واحدًا دون سواه، وتفرض هذا فرضًا على المجتمع بحيث ينكرون القولَ الآخر، وهذا كذِبٌ على السلفية المعاصرة كما سيأتي بيانُه، لكن بغضِّ النظر عن موقِف السلفية نفسِها من هذه المسائِل أقول: هل يجب على المفتي أن يبيِّنَ كلَّ الأقوال في المسألة أم يبيّن القول الذي يراه راجحًا ويترك ما سواه في مقام الفَتوى؟

ذكر العلماء أنَّ المفتي إنما يلزمُه ذكرُ القول الذي يرجِّحه دون ذكر الخلاف وتفاصيل ذلك؛ لأن الغرضَ من الفَتوى العملُ بها لا التعلُّم، وفي مثل هذا المقامِ ينبغي الاقتصار على ما يستفيدُ منه المستفتي ويعمَل به، يقول ابن الصلاح رحمه الله: “بلَغَنا عن القاضي أبي الحسن الماوردي -صاحب كتاب الحاوي- قال: إنَّ المفتي عليه أن يختَصِر جوابه، فيكتفِي فيه بأن يجوز أو لا يجوز، أو حقّ أو باطل، ولا يعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرّق بين الفتوى والتَّصنيف، قال: ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرِّسًا، ولكل مقامٍ مقال. وذكر شيخُه أبو القاسم الصيمريُّ عن شيخه القاضي أبي حامد المروزي أنَّه كان يختصر في فتواه غايةَ ما يمكنه. واستفتي في مسألة، قيل في آخرها: أيجوز ذلك أم لا؟ فكانت فتواه: لا، وبالله التوفيق”([1]).

فهذا هو الذي يلزم المفتيَ، مع القول بأنّه لا يُمنع من ذكر الخلاف، بل ربما يكون هو الأليق حسبَ المقام والسائل والمسألة، فالأمر موكولٌ إلى المفتي، يذكر بحسب ما يَرى من هذه الأمور، فإن أتى الإنسانُ باللازم فلا لَومَ عليه، بل هو الأصل في مقام الفتوى، يقول البهوتي مبينًا أن الجواب يكون بحسب السائل والمسألة والمقام والزمان، وأنَّ المتعيِّن هو الإفتاء بالراجح عند المفتي، وما عدا ذلك فزائدٌ يصار إليه إذا رأى المفتي ذلك، يقول: “(ولا) يلزم جواب (ما لا يحتمله سائل) قال البخاري: قال علي: (حدِّثوا النَّاس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟!)([2])، وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: (ما أنتَ بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنةً لبعضهم)([3])([4])، ثم ذكر جواز تخيير المستفتي بين قوله وقول غيره، وأن للمفتي ذلك، وليس هو المتعين عليه.

وقد اختلفَ العلماء فيما إذا لم يترجَّح عند المفتي قول، يقول ابن القيم رحمه الله: “إذا اعتدَل عند المفتي قولان، ولم يترجَّح له أحدهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى: لَه أن يفتي بأيِّهما شاء، كما يجوز له أَن يعمل بأيِّهما شاء، وقيل: بل يخيِّر المستفتي فيقول له: أنت مخيَّر بينهما؛ لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخيير، وقيل: بل يُفتيه بالأحوط من القولين. قلت: الأظهر أنه يتوقَّف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبيَّن له الراجح منهما؛ لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب”([5]).

بل قد اختلف العلماء حتى في ذكر الدَّليل، فاختار بعضهم عدمَ ذكره وأنَّه لا حاجة لذلك، واختار بعضُهم ذكرَه، واختار آخرون التفصيل؛ فيُذكر إذا كان واضحًا قطعيًّا، أما ما دون ذلك فلا يُذكر، هذا في الدليل، فكيف بما دونه من ذِكر أقوالٍ أخرى والترجيح بين القول الأول والثاني وما إلى ذلك، يقول ابن الصلاح: “ليس بمنكرٍ أن يذكرَ المفتي في فتواه الحجَّة إذا كانت نصًّا واضحًا مختصرًا، مثل أن يُسأَل عن عدة الآيسَة، فحسنٌ أن يكتب في فتواه: قال الله تبارك وتعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]، أو يُسأل: هل يطهُر جلد الميتة بالدباغ؟ فيكتُب: نعم يطهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر»([6])، وأما الأقيسة وشبهها فلا ينبغي له ذكر شيءٍ منها. وفيما وجدناه عن الصيمري قال: لم تجرِ العادةُ أن يذكر في فتواه طريقَ الاجتهاد، ولا وجهَ القياس والاستدلال، اللهم إلا أن تكونَ الفتوى تتعلَّق بنظر قاضٍ، فيومِئ فيها إلى طريق الاجتهاد، ويَلوح بالنكتة التي عليها بنى الجواب، أو يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غَلِط فيها عنده، فيلوح بالنكتة التي أوجبت خلافه ليقيم عذره في مخالفته”([7]).

وقال الخطيب البغدادي مثلَ نصِّ الصيمري، وزاد في آخره نصًّا مهما فقال: “فأما من أفتى عاميًّا فلا يتعرَّض لشيء من ذلك”([8]).

فهذا المتعيِّنُ على المفتي، فلا يجب عليه أن يذكر الأقوال الأخرى وأدلَّتها والترجيح بين الأقوال، وقد قلنا بأن هذا هو القدر الذي يجب مع عدم منع الزيادة حسب ما يراه المفتي وحسب الزمان والمكان والمناسبة.

وأختم الكلام في هذه النقطة بقول ابن القيم رحمه الله وهو يبين حالات المفتي: “هل للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره؟ لا يخلو الحال من أمرين: إما أن يُسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط، فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلًا في كذا وكذا؟ أو يُسأل عن حكم الله الذي أدَّاه إليه اجتهاده؛ فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلَّا على وجهِ الإضافة إليه، وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصدَ السائل قولَ فقيهٍ معين؛ فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجحٌ عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسَعُه غير ذلك، فإن لم يتمكَّن منه وخاف أن يؤدِّي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنه صوابٌ؛ فكيف بما يغلب على ظنه أنَّ الصواب في خلافه؟! ولا يَسَع الحاكمَ والمفتي غيرُ هذا البتة؛ فإن الله سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعين وما قاله”([9]).

ويتلخص من هذا أنه إن تنزَّلنا وقلنا: أَخفت السلفية الآراء في حال الفتوى، وأَفتت بقولٍ واحد، ولم يُشيروا لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ إلى القول الآخر، بل بيَّنوا القول بدليله، فهل يلحقهم في ذلك لوم؟

الجواب: لا يلحقهم في ذلك أيّ لوم، وهؤلاء العلماءُ قد نَصّوا على أن ذكر الراجح هو ما يلزم المفتي لا غيره، ومع ذلك فإنَّ هذا من باب التنزّل، وإلا فالقول بأن السلفيةَ المعاصرة قد أخفت الأقوالَ محضُ افتراءٍ، وبيان ذلك في النقطة التالية:

ثانيًا: هل أخفت السلفية الآراء حتى في الفتوى؟

حين شنع البعضُ على السلفيةِ المعاصرة بأنها تخفِي الأقوالَ أَوهمَ الناسَ بقوله هذا بعدمِ تفريقه بين الفتوَى والدّرس، فراح يأخُذ صورةً واحدة وهي صورة الفتوى ثم يعمِّمها على السلفية في كلّ منابرهم ومحاضراتهم وفتاويهم ودروسهم، وليتَه صدق في هذه الصورة التي أخذ بها، بل حتى تلك الصورة منقوضَة بل خاطئة، وذلك من وجهين:

الأول: ذكر الخلاف في الدرس الفقهي العلمي حاضرٌ لا ينكره إلا من أراد تغطية الشمس بغربال، وهذه جميع الشروح المسجلة والمطبوعة يذكر فيها الخلاف والأدلة والترجيح.

الثاني: إذا ذهبنا إلى الفتوى التي قلنا: إن اللازم فيها ذكرُ القول الراجح فقط، نجد أنَّ القول الآخر حاضر، ولم يحاول علماء السلفية أن يخفُوا الآراء أو يشطبوها ويوهموا الناس بالإجماع كما يحلو لهؤلاء أن يدَّعوا! ومن يتتبَّع فتاوى السلفية المعاصرة ممن يقصدهم كابن عثيمين وابن باز وغيرهما فهذا الذي سنجد في فتاويهم:

سئلت اللجنة الدائمة برئاسة للإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن تغطية المرأة وجهَها فأجابت: “الصحيحُ أنَّ وجه المرأة وكفَّيها عورة، ولا فرقَ في ذلك بين نساءِ أهل الجزيرة وسائر نساء المسلمين؛ لأن الأحكام الشرعية عامَّة، ولا نعلم شيئًا يدلُّ على التخصيص، والأصل العموم في الأحكام. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم”([10]).

فتأمل قولهم: (الصحيح)، والذي يعني أن هناك قولًا آخر لا يصحِّحونه.

وقد سئل ابن باز رحمه الله عن الوجه والكفين فقال: “هذه المسألة تنازع فيها أهل العلم”([11])، وبيَّن وجودَ الخلاف في الوجه والكفين في الفتوى التي بعنوان: “تفصيل أقوال أهل العلم في الحجاب” على موقعه الرسمي.

ويظهر هذا بوضوح أكبر في فتاوى الشيخ العثيمين رحمه الله، فقد سئل سؤالا يتعلِّق بزينة المرأة فأجاب: “ولكن القول الراجح أنَّ أولى وأول ما يجب حجبُه عن الأنظار هو الوجه؛ لأن الوجه محلُّ الزينة والرغبة ومحطّ أنظار الرجال”([12]). فليس الأمر كما يدَّعي هؤلاء أن السلفيةَ تربِّي الناس على ردِّ كلِّ الأقوال الأخرى بعدم الإشارة إليها وإيهام الإجماع.

وقد سئل أيضا رحمه الله عن هذا الموضوع، فقال: “الواجب على المرأة إذا خرجَت إلى السوق أن تستُر وجهَها عن الرجال؛ وذلك لأنَّ ستر المرأة وجهَها عن الرجال غير المحارم واجب قد دلَّ عليه القرآن والسنة، وهو الراجح من أقوال أهل العلم”([13])، وسئل مرة أخرى عن كشف المرأة وجهها فقال: “القول الراجح في هذه المسألة وجوب ستر الوجه”([14]).

فهو يكرِّر ويبيِّن أن هذا القول هو الراجح، وهذا في حال الفتوى.

وأختم مسألة تغطية الوجه بمختارات من فتوى سئِل فيها أيضًا عن تغطية المرأةِ وجهَها، فأجاب بنصٍّ واضح ذاكرًا للخلاف: “ولا شكَّ أنَّ العلماء اختلفوا فيها، وأن كلَّ واحدٍ منهم أدلى بحجَجِه، ولكن لدينا ميزانٌ أَمَرنا الله تعالى به، أي: بالرجوع إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حينما قال الله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وبتأمل الإنسان للأدلة التي استدلَّ بها كل واحدٍ من الطرفين يتبيَّن له أنَّ الأدلة تؤيِّد من قال بوجوب ستر الوجه عن الرجال غير المحارم والزوج… فعلى فرض أن النصوص في جواز كشف المرأة وجهَها لغير المحارم والزوج أو عدمه متكافِئة، فإنه في هذا الزمان يجب أن يُسار في الطريق الأحوط والأمثل؛ لمنع الفِتنة والشر والفساد، وهو إلزام المرأة بالحجاب، أي: بستر وجهِها، ولا يخفى علينا جميعًا ما حصل للبلاد التي استباح أهلها كشفَ الوجه والكفين من التهتّك في ذلك، حتى كشفت المرأة ذراعيها وعنقَها وشيئًا من رأسها أو رأسها كلّه كما هو مشاهدٌ في البلاد الأخر… لو قدرنا أن الرجل ترجَّح عنده أن المرأة يجوز لها أن تكشفَ وجهها لغير المحارم والزوج، لكن فئة أخرى لا ترى ذلك، ونساؤها ملتزمات محتجبات، ففي هذه الحال لا يُسمح لامرأتِه بأن تخرجَ كاشفة الوجه في مجتمعٍ أَخَذوا بالقول الثاني وهو وجوب ستر الوجه؛ لما في ذلك من المفسدَة على غيره”([15]).

فانظر كيف بيَّن أن في المسألة خلافًا، ثم رجَّح فيها القول بالأدلَّة، ثم بيَّن أنه حتى إن كان أحدهم يرى جواز كشف الوجه فالأولى عدمُ فعل ذلك وسطَ المتحجِّبات، فأين الإيهام والتلبيس وإخفاء الأقوال الذي يدعونه؟!

وقد تحدَّث الشيخُ صالح الفوزان عن الحجاب تحت عنوان: “مسألة الحجاب يسأل عنها أهل العلم المتَّبعين للدليل”، فبين أن الراجح هو وجوب التغطية([16])، وذكر الراجح يعني وجود الخلاف، وكذلك في حلق اللحية فقد بين أن الصواب هو التحريم([17])، وسئل عن الغناء فبيَّن أن فيه اختلافًا بعض العلماء([18]).

ثالثًا: من راعى الواقع؟ ومن الواقع في الوهم؟

ذكرُ العالمِ الإجماعَ وليس ثمة إجماع محاولًا الإيهام أو إخفاء القول الآخر أمرٌ مذموم لا نخالف فيه، أمَّا تناولُ المسائل الخلافية ببيانِ الراجح فإنَّ هذا يرجِع إلى المفتي وتقييمه لحال المستفتي والزمان والمكان، فما لا يكون مقبولًا في الفتوى والدرس العلمي من الأمور الإجرائية في زماننا يكون مقبولًا في زمانهم، فالأساليب والطرق تختلف من زمان لآخر ومكان لآخر، فإذا رأى المفتي عدم ذكر القول الآخر للعامة لأنه يراهم على قول واحد ومنهج واحد، وذكرُ الخلاف لا يقوَون على فهمه، بل ربما أدَّى إلى ضرر أكبر وتشتّت أكثر، فإن هذه غاية محمودة لا ضير معها في الاقتصار على القول الواحد ما دام أنه لم يتعدَّ حدود الله، ولم ينكر وجودَ قول آخر، ولم يدَّع الإجماع على قوله. ويتأكَّد ذلك في المسائل التي يكون الخلاف فيها ضَعيفًا.

والشاهد من هذا كله: أنَّ القول بأن السلفية تخفي الخلافَ محضُ افتراء وإيهام للناس وتشنيع على السلفية بادِّعاء ما ليس فيها، ومع هذا وإن تنزَّلنا وقلنا: إنهم فعلوا ذلك، فإن هذا من الأمور الإجرائية التي يختلف النظر فيها من زمان لآخر ومكان لآخر، فلا يصحّ اليوم أن نشنِّع على الشيخ العثيمين وابن باز ومَن قبلهما من العلماء بأمور إجرائية كانت صالحة لزمانهم، فحتى مع اختيار القول بأن الذي ينبغي في هذا الزمان هو ذكر الخلاف في كل فتوى، والإشارة إلى أن المسألة ليست من المسائل المجمع عليها، وبيان أدلة المخالف، وبيان وجه اختيار المفتي لهذا القول، مع هذا لا يمكن التشنيع على السابقين، فكيف وأنَّ نفس هذا الأمر ليس مستحسنًا دائمًا، بل لا زال الأمر يرجع إلى المفتي وتقييمه للوضع، فالفتوى السريعة التي يُراد بها العمل ليست مثلَ الفتوى التي تكون في دروس علمية أو حلقات تلفزيونية مطوَّلة، والحال في تلك الفتوى أيضًا ليست مثل الدرس العلمي المبسَّط، بل حتى الدرس العلمي يختلف وضعه من مقتصر على المذهب أو ذاكر للأقوال، ومن مختصر ومطول، فكل هذه الأمور داخلة في ذكر الخلاف من عدمه، وما أردنا إثباته هنا هو أن العلماء السلفيين ليسوا ممن أخفوا الخلاف، بل ذكروه في فتاويهم فضلا عن دروسهم، ومع هذا لا ننكر أنَّ الإشارة إلى الخلاف في هذه المسائل الجدليَّة تحديدًا لم تكن كثيرة، ولا مطعن عليهم في ذلك؛ إذ إنهم بينوا الراجح، وأشاروا إلى الخلاف ولم يخفوه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أدب المفتي والمستفتي (ص: 141).

([2]) الأثر في البخاري (127).

([3]) صحيح مسلم (5).

([4]) شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (3/ 483).

([5]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 183).

([6]) أخرجه الترمذي (1728)، وابن ماجه (3609)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2711).

([7]) أدب المفتي والمستفتي (ص: 151-152).

([8]) الفقيه والمتفقه (2/ 406-407).

([9]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 181-182).

([10]) السؤال الأول من الفتوى رقم (6336)، فتاوى اللجنة الدائمة – 1 (17/ 155).

([11]) https://www.youtube.com/watch?v=O7XuldqAylY&t=67s

([12]) فتاوى نور على الدرب للعثيمين (22/ 2، بترقيم الشاملة آليا).

([13]) فتاوى نور على الدرب للعثيمين (22/ 2، بترقيم الشاملة آليا).

([14]) فتاوى نور على الدرب للعثيمين (22/ 2، بترقيم الشاملة آليا).

([15]) فتاوى نور على الدرب للعثيمين (22/ 2، بترقيم الشاملة آليا).

([16]) https://www.alfawzan.af.org.sa/ar/node/14405

([17]) https://www.alfawzan.af.org.sa/ar/node/5554

([18]) https://www.alfawzan.af.org.sa/ar/node/10638

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

السلفيون وشِرك القصور

لا يخفى على مسلم يتلو القرآن من حين إلى حين أن توحيد الله عز وجل أعظم ما أمر به في كتابه الكريم ، وأن الشرك به سبحانه أعظم ما نهى عنه فيه . واستغرق ذلك من الذكر الحكيم الكثير  الكثير من آياته بالأمر والنهي المباشرين كقوله تعالى : ﴿فَأَرسَلنا فيهِم رَسولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ […]

تعارض الأحاديث في تعيين ليلة القدر

أخبارُ الشرع محمولةٌ على الصدق، وأوامره محمولة على التَّعظيم، ولا يمكن لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقدَ في الشرع غيرَ اللائق به، ومع ذلك فإنَّ التعارض واردٌ لكنه لا يكون في القطعيّات ولا في الأخبار؛ لأنها إما صِدق أو كذِب، والأخير منفيٌّ عن الشرع جملةً وتفصيلًا، لكن إذا وردَ ما ظاهره التعارضُ بين الأخبار […]

تعظيمُ الإسلامِ لجميع الأنبياء عليهم السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: للوهلة الأولى ولمن ليس لديه سابقُ علم بالأديان السماوية يظنّ أن الأنبياء عليهم السلام لا علاقةَ تربط بعضَهم ببعض، فلا غايةَ ولا منهج، بل قد يظنُّ الظانُّ أنهم مرسَلون من أرباب متفرِّقين وليس ربًّا واحدًا لا شريكَ له؛ وذلك لما يراه من تناحر وتباغُض وعِداء بين أتباع هذه […]

رمضان …موسمٌ للتزوُّد بالقوَّة والنشاط

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: نبراسُ المسلم في حياته الدنيا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فهو يخطو الخطوةَ التي أمره الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بها، ويتوقَّف عن أيِّ خطوة نهى الله ورسوله صلى […]

حديث: «كِلْتا يديه يمين» والردّ على منكري صفة اليد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من محاسن اعتقاد السلف بناؤه على نصوص الوحي كتابًا وسنة، بعيدًا عن التكلُّف والتعقيد الكلاميّ، غير معارض للفطر السليمة والعقول المستقيمة؛ لذا كان منهج السلف محكمًا في صفات الباري سبحانه؛ وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها، مع نفي مشابهتها أو مماثلتها لصفات المخلوقين، مع قطع طمع العقول في إدراك كيفيتها؛ […]

حكمة الصيام بين الشرع وشغب الماديين

في عالم المادَّة لا صوتَ يعلُو فوق المحسوس، ولا حِكمة تُقبل إلا بقدر ما توفِّر من اللذَّة الجسمانية، وحاجةُ الروح موضوعَةٌ على مقاعِد الاحتياط، لا يتحدَّث عنها -بزعمهم- إلا الفارغون والكُسالى وأصحابُ الأمراض النفسية، لكن هذه النظرةَ وإن سادت فإنها لم تشيِّد بنيانا معرفيًّا يراعِي البدنَ، ويوفِّر حاجةَ الروح، وإنما أنتجَت فراغًا معرفيًّا وضعفًا في […]

عرض ونقد لكتاب:(تكفير الوهابيَّة لعموم الأمَّة المحمديَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: كل من قدَّم علمه وأناخ رحله أمام النَّاس يجب أن يتلقَّى نقدًا، ويسمع رأيًا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعملية النَّقدية لا شكَّ أنها تقوِّي جوانب الضعف في الموضوع محلّ النقد، وتبيِّن خلَلَه، فهو ضروريٌّ لتقدّم الفكر في أيّ أمة، كما […]

الصراط في الوحي..ومناقشة منكريه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: الإيمان بالبعث والنشور علامة فارقة بين المؤمن وغيره، والاهتمام بالترغيب والترهيب بما في اليوم الآخر هو سمة المؤمنين حقًّا في كل زمان، فهو جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب؛ ولذلك نجد المولى سبحانه وتعالى يؤكِّد في أوائل القرآن الكريم على هذه السِّمة؛ فبمجرد ذكر المتقين والكشف عن صفاتهم […]

تغريدات منتقاة من ورقة علمية بعنوان:”أسباب انحسار البدع في القرن الرابع عشر “

  1.كان الأتراك يحبُّون التصوُّف، ويميلون إلى تقديس أهله والإيمان بصِدق ولايَتِهم.   2. بالتأمل في التاريخ نجد أن الصوفية أخذت تنتشر في المجتمع العباسيِّ، ولكنها كانت ركنًا منعزلًا عن المجتمع، أمَّا في ظلِّ الدولة العثمانية وفي تركيا بالذاتِ فقد صارت هي المجتمع، وصارت هي الدين.   3. يذكر محمد بن علي السنوسي أن السلطان […]

موقف الأصوليين من قاعدة قيام المقتضى وانتفاء المانع

كثُر اتِّهام السلفيِّين هذه الأيام بأنَّهم قدِ اخترعوا قواعدَ أصولية من أنفُسهم، ولم يقيموا عليها دليلًا ولم يوافقهم في ذلك الفقهاء أو الأصوليين. ومن تلك القواعد التي ينكرونها ما سمَّوه بقاعدة وجود المقتضى وانتفاء المانع، وهي أن ما وُجِد مقتضاه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وانتفَى المانع من فِعلِه ومع ذلك لم يفعَله […]

الولاية ..بين المفهوم الشرعي والفكر الصوفي الغالي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لا يخفى على لبيبٍ هيبةُ المصطلحات الشرعية وقُدسيَّتها، فهي بمجرَّد سماعها ينقَدح في ذهن المتشرِّع معناها الشرعيّ المهيب، ومن ثَمّ يصعُب عليه التخلُّص من سطوة المعنى وفارق التطبيق، وهنا تكمن الفتنةُ في فهم الشّرع وتطبيقه. وقد تنبَّهت الفرق الإسلامية لمصداقيَّة المصطلحات الشرعية وإملائها معنى شرعيًّا تلقائيًّا على المكلَّف، […]

الملك عبد العزيز والسلفيون في الهند..مواقف مشرقة من التاريخ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  لم تكن الدعوة إلى السلفية التي تبناها الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله مقتصرةً على شبه الجزيرة العربيّة، بل تعدَّت حدود الجزيرة العربية، وبلَغت أقصى الشرقِ والغرب، وكان لمعقل السلفية في الهند أوفرُ الحظِّ والنصيب من اهتمامه رحمه الله بعلمائها ودعاتها، وكان هذا الحبُّ والشعور متبادلًا بين الطرفين، […]

آراء الجاحظ في محنة خلق القرآن وأهميتها لدى المستشرقين

خَلَص كثيٌر من الكُتّاب إلى أنَّ محنة الإمام أحمدَ وقودُها من العلماء القاضي أحمد بن أبي دؤاد، ومن الإعلاميين -باصطلاحنا المعاصر- الذين تولَّوا النشرَ الجاحظ. وتأتي أهميةُ رواية الجاحظ لأخبار المحنة أنَّ المستشرقين اعتمدوها من باب تلميعِ المعتزلة، فهي توافِق توجهاتِ المستشرقين، وعلى رأسهم جوزيف فان إس الذي بنى نظريَّتَه على ثلاثة أركان: 1- تبرئة […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017