الثلاثاء - 12 ذو الحجة 1445 هـ - 18 يونيو 2024 م

هل تناقضت السلفيَّة في عدم اشتراط اعتقاد الربوبية في مفهوم العبادة؟ (دعاء غير الله أنموذجًا)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

المقدمة:

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، قال قتادة: “أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد”([1])، وما من شك أنَّ أعظم قضية جاءت بها الرسل هي توحيد الله سبحانه وتعالى في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فكل الأنبياء إنما جاؤوا ليقرروا التوحيد.

وكما أنَّ توحيد الله في ربوبيته مهمٌّ فكذلك توحيده في ألوهيته، بل هي القضية الأكبر التي جاءت الشريعة بنصوص واضحة وصريحة وكثيرة في بيانها، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن ذلك حكمة خلق الإنس والجن فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ويؤكد الله سبحانه وتعالى أنَّ إفراد الله بالعبادة هو ما قرره كل الرسل لأقوامهم، يقول تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وهو أمرٌ معلوم من الدين بالضَّرورة، وعليه اتفاق كل المسلمين، فالجميع يتفق على أن المطلوب من الإنسان تجاه ربه هو عبادته وحده لا شريك له، لا خلاف في ذلك مهما اختلفت العبارات.

إلا أنَّ إشكاليَّة كبيرة وقعت بين طوائف من المسلمين في تحديد مفهوم هذه العبادة التي يجب إفراد الله بها، ولا يجوز صرفها لغيره، وفي هذا يقول المعلمي: “فإنِّي تدبَّرت الخلاف المستطير بين الأمَّة في القرون المتأخرة في شأن الاستعانة بالصالحين الموتى وتعظيم قبورهم ومشاهدهم، وتعظيمِ بعض المشايخ الأحياء، وزعم بعض الأمَّة في كثيرٍ من ذلك أنَّه شرك، وبعضها أنَّه بدعة، وبعضها أنَّه من الحق، ورأيت كثيرًا من الناس قد وقعوا في تعظيم الكواكب والروحانيين والجن بما يطول شرحه، وبعضُه موجودٌ في كتب التَّنجيم والتعزيم كشمس المعارف وغيره، وعلمت أنَّ مسلمًا من المسلمين لا يقدم على ما يعلم أنَّه شرك، ولا على تكفير من يعلم أنَّه غير كافر؛ ولكنَّه وقع الاختلاف في حقيقة الشرك، فنظرت في حقيقة الشِّرك فإذا هو بالاتفاق اتخاذ غير الله عز وجل إلهًا من دونه، أو عبادة غير الله عز وجل، فاتجه النَّظر إلى معنى الإله والعبادة، فإذا فيه اشتباهٌ شديد… فعلمت أنَّ ذلك الاشتباه هو سببُ الخلاف، وإذا الخطر أشدُّ مما يُظن، لأنَّ الجهل بمعنى (إله) يلزمه الجهل بمعنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وهي أساس الإسلام وأساس جميع الشرائع الحقة”([2]).

وما دام أن العبادة بهذه الأهمية في الدين الإسلامي فإن تحرير مفهومها يعدُّ أساسًا من أساسات الدرس العلمي الإسلامي، والغلط فيه يجرُّ إلى الخطأ في أمور أخرى كثيرة تتعلق بمفهوم التوحيد والشرك وما يلحقهما من أحكام، ولا شكَّ أنَّ الشريعة قد بينت التوحيد الذي هو أساس دعوة الرسل، كما بينت الشرك الذي يضاد هذا التوحيد.

كما أنَّ التعلق بالله وحده سبحانه هو أحد الركائز المهمة التي أرادت الشرعية غرسها في العقل المسلم، وذلك في سبيل تخليص عقول الناس من وحل التعلق بالأصنام والأشجار والأحجار والمعبودات من دون الله، والتي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تجيب، فكان الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش صراعًا على نفي كل هذه المعبودات التي اتخذوها من دون الله؛ ولذلك أبدوا عَجَبَهم فقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].

والمتأمل في حال العالم الإسلامي اليوم وقبل اليوم يجد أنه قد غرق في ألوان من الخرافات التي حاربتها الشريعة، فبعد أن جاءت الشريعة بتوجيه الناس إلى رب العالمين وجَّهوا قلوبهم إلى مشاهد الأولياء! وبعد أن أراد الله أن يرى تذلل عباده بين يديه مرَّغوا وجوههم في عتبات القبور! فتحرير المسائل المتعلقة بهذا الجانب من الأهمية بمكان، فليس أهم عند الإنسان من دينه الذي سيحدد مصيره الأخروي إلى جنة أو إلى نار.

تمهيد:

من تعلقوا بالقبور ومرغوا على عتباتها وجوههم كانت لهم شبهات وتأويلات عديدة، بحثها أهل العلم وبينوا ما فيها من أخطاء، وبينوا الوجه الصحيح في كل هذه المسائل، ومن أهم ما تمسكوا به في تمرير اعتقادهم بالتوجه إلى القبور: اشتراط اعتقاد الربوبية في كون الفعل أو القول عبادة، ويعني ذلك أن أي فعل أو قول يوجه إلى المقبور والمخلوق دون اعتقاد الربوبية فإنه لا يكون شركًا؛ لأنه أصلا ليس عبادة، وعليه فإنَّ الذبح لغير الله، والنذر لغير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، كل هذه أعمال توجَّه لغير الله ومع ذلك لا تكون شركًا ما لم يعتقد فاعلها الربوبية في هذا المتوجَّه إليه!

وفي سبيل ردِّهم على القائلين بعدم اشتراط اعتقاد الربوبية يقولون: إن السلفية القائلين بعدم اشتراط الربوبية قد تناقضوا في أظهر قضية من قضايا العبادة وهي الدعاء؛ ذلك أن السلفية لم تجعل صرف الدعاء لغير الله شركًا في كل أحواله، وهذا التفريق دليل على أن صرف الفعل أو القول لغير الله لا يكون شركا إلا باعتقاد الربوبية، فإذا أرادت السلفية الاتساق في قولها فعليها إما أن تجعل كل دعاء لغير الله شركًا، حتى دعاء الحي فيما يقدر عليه، أو تقول في كل صرف فعل أو قول لغير الله أنه ليس بشرك إلا باعتقاد الربوبية!([3]).

وقد كرَّر كثير من القبوريين والشيعة وبعض مناوئي الدعوة السلفية هذا الأمر كثيرًا، وهو وجوب اعتقاد الربوبية، ثم ربطوا ذلك ببيان تناقض السلفية في التفريق بين دعاء الحي ودعاء الميت، أو دعاء المقدور عليه ودعاء غير المقدور عليه، وفي هذا يقول عثمان النابلسي: “أداء الفعل لغير الله تعالى بغير نية التعبد ليس شركًا، ولا يكون كذلك إلا إذا قصد السائل التَّعبد، أو اعتقد في المخلوق شيئًا من خواص الربوبية أو الإلهية، ولو كان شركًا دون تلك القيود لما اختلف دعاء الحي عن دعاء الميت، فكلاهما عبادة، وصرفها لغير الله تعالى شرك؛ إذ لا فرق بين أداء العبادة لحي أو ميت، ولا تكون مباحة في حال شركًا في آخر إلا إذا اختلف قصد السائل من مجرد السؤال إلى التعبد، او اختلف اعتقاده فيمن يدعوه، لكن الوهابية يرون أن مجرد الدعاء بصرف النظر عن قصد الداعي شرك مخرج من الملة لأنه عبادة، مع أن ما كان عبادة ذاتية لا يختلف أداؤه لحي أو ميت لقادر أو عاجز، وقد تبين مما سبق أن الدعاء ليس من العبادات الذاتية… ما الذي جعل سؤال المخلوق فيما يقدر عليه ليس عبادة وجعل سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى عبادة دون أن يقصد السائل التعبد للمخلوق بسؤاله أو يعتقد فيه الربوبية والإلهية؟!”([4]).

ويقول: “أما القول بأنَّ دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة فليس بسديد؛ إذ عندما تبرهن للوهابيَّة أنَّ الآيات التي يتوهمونها إنَّما جاءت في دعاء العبادة لا في دعاء المسألة بادروك بالقول بأنَّ دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة ليتم لهم الحكم بالشرك على من استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بطلب دعائه أو شفاعته؛ إلا أنَّ ما يقوم به الناس في حياتهم من دعاء بعضهم بعضا في حوائجهم يبطل ما زعموه، فلو كان دعاء المسألة دون قصد التعبد واعتقاد شيء من الربوبية والإلهية في المدعو متضمنًا لدعاء العبادة، لكان جميع من سأل غير الله تعالى مشركًا، ويكون سؤاله ذلك متضمنًا عبادة غير الله، ولما وجدت شخصًا يسأل آخر إلا وقد عبده من دون الله؛ لأنه دعاه دعاء مسألة كما في قوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، ولو كان مجرد دعاء المسألة متضمنا لدعاء العبادة لكان الملهوف المستغيث برجال الإطفاء عابدًا لهم!”([5]).

وهذا أيضًا واحد من أبرز أدلتهم في الرد على من يقول بعدم اشتراط الربوبية، وهو القول بأن السلفية تخلط بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، وأن كل الآيات التي وردت في بيان أن صرف الدعاء لغير الله شرك إنما هي في دعاء العبادة لا في دعاء المسألة، وفي هذا يقول النابلسي: “يستدل الوهابية على كون سؤال الأنبياء والأولياء شركا بآيات تنهى عن دعاء غير الله تعالى، أو ورد فيها تكفير المشركين لصرفهم الدعاء لغير الله تعالى؛ كقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]، مع أن المقصود من الدعاء في تلك الآيات التي يستدلون بها هو العبادة وليس السؤال والطلب، فهذه الآيات تتحدث عن دعاء العبادة لا عن دعاء المسألة، فلما خلطوا بين الدعاء بمعنى العبادة والدعاء بمعنى السؤال والطلب كان حكمهم على الدعاء بمعنى السؤال نفس الحكم على الدعاء بمعنى العبادة، فمن صرف أيا منها لغير الله فقد أشرك وعبد غيره سبحانه، لكن هذا يستلزم أن دعاء المسألة إذا صرف لغير الله تعالى فهو شرك؛ وذلك لأن الدعاء عبادة وصرف العبادة لغير الله تعالى شرك، إلا أن الوهابية لا يقولون بذلك مع كونه يلزمهم، بل يقيدون السؤال بكونه شركا إذا كان للعاجز أو الغائب أو الميت، وهذا ينقض استدلالهم بتلك الآيات على أن الدعاء عبادة، وأن من دعا غير الله تعالى فقد عبد غيره تعالى؛ إذ إنهم يخرجون بقية صور الدعاء -دعاء الحاضر والقادر والحي- عن كونها عبادة، فتكون النتيجة أن الدعاء قد يكون عبادة وقد لا يكون عبادة، وحينئذ لا بد من دليل يدل على أن الدعاء في هذه الحال عبادة وفي غيرها ليس عبادة”([6]).

ويقول أحمد زيني دحلان وهو يكرر قضية أنَّ السلفية لم تفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة: “قالوا: إنَّ من استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنَّه يكون مثل هؤلاء المشركين الذين كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فإنَّ المشركين ما اعتقدوا في الأصنام التأثير وأنها تخلق شيئا؛ بل كانوا يعتقدون أنَّ الخالق هو الله تعالى بدليل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87]، فما حكم الله عليهم بالكفر والإشراك إلا لقولهم: (ليقربونا إلى الله زلفى)… وكلامهم كله باطل؛ لأن الدعاء الذي في الآيات بمعنى العبادة، وهم لبسوا على الخلق وجعلوه بمعنى النداء، وقد علمت بطلانه من النصوص السابقة”([7]).

ويقول: “وممَّا يعتقده هؤلاء المنكرون للزيارة والتوسل: منع النداء للميت والجماد، ويقولون: إن ذلك كفر وإشراك وعبادة لغير الله تعالى، وهذا أيضا باطل ومردود ولا مستند لهم فيه، وشبهتهم التي يتمسكون بها أنَّهم يزعمون أنَّ النداء دعاء، وكل دعاء عبادة؛ بل الدعاء مخ العبادة، وحملوا كثيرًا من الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الموحدين الذين يصدر منهم النداء المذكور، وهذا تلبيس في الدين توصلوا به إلى تضليل كثير من الموحدين… وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقد ألوهيته واستحقاقه للعبادة، فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه، فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله، أو اعتقاد التأثير لغير الله تعالى“([8]).

ويقول علوي الحداد: “وغاية شبهته [يعني محمد بن عبد الوهاب] في نسبة الشرك إلى غير أتباعه وهي التي بنى عليها أساس بدعته وزندقته وجميع قبائحه: أنَّه ادَّعى أنهم يعظمون مشاهد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ومشاهد الأولياء -نفعنا الله بهم- تعظيمًا بليغًا حتى صاروا يطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى، وذلك بزعمه الفاسد، وإلا فإنَّ الفاعل هو الله حقيقة إكراما منه لأنبيائه وأوليائه إذا توسلوا بهم إليه”([9]).

وخلاصةُ هذه النُّقول أنَّ صرف العبادة لغير الله ليس شركًا ما دام أنه لم يعتقد فيمن صرف له العبادة شيئًا من خصائص الربوبية، وأنَّ السلفية عمومًا قد تناقضوا في مسألة الدعاء حين جعلوا الدعاء الذي يكون شركًا هو الذي يكون فيه اعتقاد ربوبية المدعو، مع قولهم بعدم اشتراط اعتقاد الربوبية في عموم صرف العبادة، ولذلك كله فإننا في هذه الورقة سنناقش:

  • مفهوم العبادة.
  • أدلة عدم اشتراط اعتقاد الربوبية في مفهوم العبادة.
  • نعرج على قضية التناقض، هل حقًّا وقعت السلفية في التناقض أم أن ذلك وهم توهَّموه؟
أوَّلًا: مفهوم العبادة:

أول قضية ينبغي الفصل فيها هي قضية مفهوم العبادة في الشريعة، ذلك أنَّ الجميع متفقون على أن صرف العبادة لغير الله شرك، لكن مشترطي اعتقاد الربوبية لا يعدون الفعل أو القول عبادة إلا مع اعتقاد الربوبية، فالذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والاستغاثة بغير الله، ليست عبادات عندهم؛ لأن فاعليها لا يعتقدون الربوبية في من توجهوا لهم بهذه الأفعال، فالمناط عندهم في كون الفعل عبادة أو غير عبادة هو اعتقاد الربوبية عند أداء هذا الفعل.

أمَّا العبادة في الشرع فيدور مفهومها حول التذلل والخضوع، فمن بلغ الغاية في الخضوع والتذلل لشيء ما فقَدْ عَبَدَه، وهذا هو التعبد لله سبحانه وتعالى، وكثير من تقريرات العلماء إنما تدور حول هذا المعنى في تفسير مفهوم العبادة، سواء اعتقد الربوبية في هذا المعبود أو لم يعتقد ذلك، فمناط العبادة ليس هو اعتقاد الربوبية وإنما هو غاية الذل والخضوع.

يقول الطبري في تقرير ذلك: “العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة: معبدا”([10]).

ويقول الزمخشري: “والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل. ومنه: ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج؛ ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع”([11]).

ويقول البيضاوي: “والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق معبَّد أي: مذلل، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة؛ ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى”([12]).

ويقول ابن القيم رحمه الله: “والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد أي: مذلَّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له، حتى تكون محبًّا خاضعا”([13]).

أمَّا العبادة باعتبارها أفعالًا وأقوالًا فقد عرفها ابن تيمية رحمه الله فقال: “العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة”([14]).

وخلاصة الأمر: أنَّ كل ما أمر الله به من قول أو فعل ظاهرٍ أو باطنٍ فهو عبادة، سواء كانت عبادة في كل صورها بأن لم ترد في الشريعة إلا بكونها عبادة كالصلاة والزكاة والحج والصيام فيكون مجرد صرفها لغير الله شركًا، أو كانت بعض صور الفعل عبادة كالذبح، فما يفعل تقربا كان عبادة، وما يفعل عادة لا يكون كذلك، ومنه السجود والدعاء، وهذه الأفعال المحتملة تكون عبادة باعتبارات ولا تكون عبادة باعتبارات أخرى، ومرد ذلك إلى الشرع، وفي هذا يقول السمعاني: “وقوله: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} معناه: وقعوا له ساجدين، واختلفوا في هذه السجدة، فالأكثرون أنهم سجدوا له، وكانت السجدة سجدة المحبة لا سجدة العبادة، وهو مثل سجود الملائكة لآدم عليه السلام، قال أهل العلم: وكان ذلك جائزًا في الأمم السالفة، ثم إنَّ الله تعالى نسخ ذلك في هذه الشريعة وأبدل بالسَّلام، وقال بعضهم: إنَّهم سجدوا لله لا ليوسف، وإنما خروا له سجدا؛ لأنه كان قدامهم فحصل سجودهم إليه كما يسجد إلى المحراب والجدار، والصحيح هو الأول، هكذا قاله أهل العلم، والدليل عليه أنه كان في رؤياه: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، فالشمس والقمر أبواه، وأحد عشر كوكبا هم إخوته.

فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟! وإذا جاز السجود لغير الله فلم لا تجوز العبادة لغير الله؟!

والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تجوز إلا لله؛ وأما السجود: نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض، وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء”([15]).

ويقول ابن تيمية رحمه الله في تقرير نفس المعنى: “أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وهو في غيره ممتنع باطل. وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله تعالى أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل؛ إذ أحب أن نعظم من سجدنا له، ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له؟!”([16]).

وفي هذه الأفعال المحتملة يقول المعلمي: “فإن قلت: وكيف يكون الشيء كفرا وقد كان مثله إيمانا؟! قلت: ليس السجود للمخلوق بأمر واحد، بل ثلاثة أمور: إن أنزل الله به سلطانًا كان إيمانًا، وإن لم ينزل به فإن لم يقصد به التدين كان معصية، وإن قصد به التدين كان كذبا على الله تعالى وشركا”([17]).

فهذه تكون شركًا في صور، ولا تكون شركًا في صور أخرى، وهي راجعة إلى اعتبار الشرع لهذا الأمر عبادة في هذه الصورة وعدم اعتبارها عبادة في صورة أخرى.

ويحسن التنبيه إلى أنَّه إذا وجدنا بعض العلماء يذكرون الربوبية في تعريف العبادة وبيانها فليس في ذلك حصر مفهوم العبادة في اعتقاد الربوبية، ولكنه تأكيد على أن العبادة لا تقبل إلا بالاعتقاد الصحيح في ربوبية الله عز وجل، فليس هو للحكم على الفعل نفسه هل هو عبادة أو لا، كما أن ورود بعض الأفعال والحكم عليها بالشرك لاعتقاد الربوبية لا يعني حصر الشرك فيها، فليست المشكلة في كون اعتقاد الربوبية مناطًا من مناطات الحكم بالشرك، ولكن المشكلة في الحصر ونفي أن يكون هناك شرك إلا باعتقاد الربوبية.

ثانيًا: أدلة عدم اشتراط اعتقاد الربوبية في مفهوم العبادة:

حين عرَّف علماء الشريعة العبادة لم يدخلوا فيها قيد اعتقاد الربوبية، وبناءً عليه فإن الشرك المناقض للتوحيد هو صرف هذه العبادة التي جاء وصفها بالشرع لغير الله سبحانه وتعالى، فمتى ما صرف الإنسان أي عبادة -سواء كانت محضة، أو عبادة ذات صور متعددة لكن في صورتها التي تسمى عبادة- لغير الله فقد أشرك مع الله، سواء اعتقد الربوبية في من صرف له هذه العبادة أو لم يعتقد فيه الربوبية.

وعدم اشتراط اعتقاد الربوبية في مفهوم العبادة له أدلة كثيرة، سنقتصر على أصولها، وهي:

أولًا: حال المشركين الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم:

فإن الحالة التي كان عليها كفار قريش ممن بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم تبين بوضوح أن صرف العبادة لغير الله شرك بذاته دون اعتقاد الربوبية في المعبود، والعجيب أن هذا الأصل يعتمد عليه الطرفان، فيعتمد عليه من يقول بعدم اشتراط اعتقاد الربوبية، ويعتمد عليه من يقرر اشتراط اعتقاد الربوبية، فيقررون أن المشركين كانوا يعتقدون في معبوداتهم النفع والضر، ويجعلون لهم من مقامات الربوبية ما يجعلهم مشركين، وهذا غير صحيح، فإن الشرع قد حكم بكفرهم بمجرد فعلهم.

وقد صرح القرآن الكريم أنَّ كفار قريش كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وأنهم لا يتقربون إلى هذه الأصنام إلا لتقربهم من الله، فهي مجرد وسائط بينهم وبين الله، ومع ذلك كان فعلهم شركًا([18])، والأدلة التي تدل على إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25]، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].

ومن أصرحها قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فقد توارد جمع من المفسرين على أنَّ المراد هو اعترافهم بربوبية الله وأنه هو الخالق الرازق، ومع ذلك أشركوا معه غيره، يقول الطبري رحمه الله: “يقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عز وجل صفتهم بقوله: {وَكَأَيِن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء {إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابا، وزعمهم أن له ولدا، تعالى الله عما يقولون… عن ابن عباس: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} الآية، قال: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون)، وعن عكرمة في قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}، قال: (تسألهم: من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره)”([19]).

ويقول السمعاني رحمه الله: “قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فإن قيل: كيف يجوز اجتماع الإيمان مع الشرك في الواحد؟! الجواب من وجوه:

أحدها: أن معناه {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} أي: وما يقر أكثرهم بالله إلا وهم مشركون بقلوبهم وضمائرهم.

والثاني: أن مشركي مكة كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من يرزقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام، وبعضهم يقولون: إن الملائكة بنات الله، وبعضهم يقول: الأصنام شفعاؤنا عند الله، فالقول الأول هو الإيمان، وليس المراد من الإيمان هو حقيقة الإيمان الذي يصير به الإنسان مؤمنا، وإنما المراد ما بيَّنَّا”([20]).

وقال القرطبي: “قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وأكثر المفسرين”([21]).

والشاهد أنَّ المشركين يقرون بأنَّ الله هو الخالق والرازق، ولم يدَعوا أن كل معبوداتهم لها التأثير في الكون، أو أن لها خصائص الربوبية من خلق أو رزق أو تدبير، وفي هذا يقول الشهرستاني: “اعلم أنَّ الأصناف التي ذكرنا مذاهبهم يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام، إذ كان لا يستمر لهم طريقة إلا بشخص حاضر ينظرون إليه ويعكفون عليه، وعن هذا اتخذت أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا زعموا أنها على صورتها. وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فنعلم قطعًا أنَّ عاقلًا ما لا ينحت جسمًا بيده ويصوره صورة ثم يعتقد أنه إلهه وخالقه، وإله الكل وخالق الكل، إذ كان وجوده مسبوقا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته؛ لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها”([22]ووجود بعض المشركين يتقربون إلى أصنامهم دون اعتقاد الربوبية فيها ثم حكم الشرع عليهم بالشرك كافٍ في عدم اشتراط اعتقاد الربوبية ليكون الفعل عبادة والتقرب به إلى غير الله شركًا.

وفي بيان هذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: “وتوحيد الإلهية هو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك. وتمام هذا أن تعرف أنَّ المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وأمه وعزير وغيرهم من الأولياء؛ فكفروا بهذا، مع إقرارهم بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر.

إذا عرفت هذا عرفت معنى (لا إله إلا الله)، وعرفت أن من نخا نبيًّا أو ملكًا أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أنَّ الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحون مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل عليهم ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق المدبر.

فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنَّهم يدعون عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]

فإذا تأملت هذا تأملا جيدًا، وعرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية -وهو تفرده بالخلق والرزق والتدبير- وهم ينخون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ويشفعون لهم عنده، وعرفت أن من الكفار -خصوصا النصارى منهم- من يعبد الله الليل والنهار ويزهد في الدنيا ويتصدق بما دخل عليه منها معتزلًا في صومعة عن الناس، وهو مع هذا كافر عدو لله مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه أو يذبح له أو ينذر له، تبين لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل، وتبين لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ»([23])”([24]).

ويقول رحمه الله: “وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا”([25]).

ثانيا: ومما يتبع الأول أن الله قد حكم بالكفر على من صرف العبادة لغير الله مع اعترافهم بأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع:

فقد حكى الله سبحانه وتعالى عن قوم إبراهيم أنهم يعلمون أن أصنامهم لا تضر ولا تنفع في الحوار الذي وقع مع إبراهيم عليه السلام، يقول تعالى حاكيًا حوارهم: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 71-74].

فهذا إقرار منهم بأنها لا تضر ولا تنفع، يقول الطبري رحمه الله: “وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}، فكان جوابهم إياه: لا، ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه قولهم: {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، وذلك رجوع عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا. ومعنى قولهم: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}: وجدنا من قَبلنا من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم واتباعا لمنهاجهم”([26]).

ثالثا: الحكم بالشرك على التوجه للأشجار والأحجار وغيرها مما لا تضر ولا تنفع، ولا يعتقد فيها المتقربون لها أن لها خصائص الربوبية:

ولئن كان البعض يعتقد فيها ذلك فإن هناك من لا يعتقد ذلك، ومع ذلك حكمت الشريعة على هذا الفعل بالشرك، فقولهم: إن هناك من اعتقد الربوبية في الأشجار والأحجار لا يستلزم منه القول بأنه لا يوجد شرك في العبادة إلا باعتقاد الربوبية؛ لأن هناك من لم يعتقد ذلك، ومن أصرح النصوص الدالة على ذلك حديث ذات أنواط، فعن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم»([27])، ففي الحديث أن بعض الصحابة الكرام طلبوا مثل هذه الشجرة كما يصنع المشركون، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا طلب لإله من جنس صنيع قوم موسى عليه السلام، فهذا الفعل شرك كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ربطه بصنيع قوم موسى حين طلبوا إلها، وقد عذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لجهلهم وكونهم حديثي عهد بإسلام، وفي هذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب معلقًا على هذا الحديث: “ففي هذا عبرتان عظيمتان:

الأولى: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صرح أن من اعتقد في شجرةٍ أو تبرك بها أنه قد اتخذها إلهًا، وإلا فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون أنها لا تخلق ولا ترزق، وإنما ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بالتبرك بها صار فيها بركة.

والعبرة الثانية: أن الشرك قد يقع فيمن هو أعلم الناس، وأصلحهم، وهو لا يدري”([28]).

ويستبعد أن يكون الصحابة يعتقدون في الشجرة نفعًا أو ضرًّا أو تأثيرًا في الكون أو أن لها بعض خصائص الربوبية، وما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن الحال، ولم يستفصل عن الأمر هل يريدون التقرب للشجرة معتقدين فيها خصائص الربوبية أو دون اعتقاد الربوبية؛ عرفنا أن مجرد صرف العبادة لغير الله شرك.

رابعًا: أن الشريعة قد حكمت بالشرك على من اتبع مشرعا من دون الله مع عدم اعتقاده بأنه يملك حق التشريع المستقل من دون الله:

فقد قال الله تعالى عن مشركي أهل الكتاب: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، واتخاذهم أربابا معناه أخذهم بتشريعاتهم دون الرجوع إلى تشريعات الله سبحانه وتعالى، مع عدم ادعائهم استقلالية الرهبان والأحبار عن الله في التشريع. وقد توارد المفسرون على نقل حديث عدي بن حاتم الطائي حين قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن»، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه»([29])، والأحبار والرهبان لم يدَّعوا استقلالهم بالتشريع، ولم يعتقد فيهم اليهود والنصارى شيئًا من خصائص الربوبية، ومع ذلك حكم الله عليهم بالشرك، وأنَّهم صرفوا العبادة لغير الله، يقول أبو البختري: “فجعل الله طاعتهم عبادتهم”([30])، فمجرد اتباعهم في التحليل والتحريم دون مستند شرعي هو اتباع لأرباب، وليس فيه اشتراط اعتقاد الربوبية أو شيء من خصائصها في هذا المتبوع.

فهذه جملة من الأدلة التي تبين أن الشريعة حكمت بالكفر على صرف العبادة لغير الله دون بيان لشرط اعتقاد الربوبية، فظهر من هذا أن هذا ليس بشرط، وأن مجرد صرف العبادة المحضة لغير الله شرك.

ثالثًا: دعوى تناقض السلفية في هذا الباب:

كثيرٌ من مناوئي الدعوة السلفية في سبيل الرد على القول بعدم اشتراط اعتقاد الربوبية يشنعون على السلفية بأنهم متناقضون في المسألة؛ ذلك أنَّ الدعاء من أهم مظاهر العبادة، ومع ذلك لم تحكم السلفية على أنَّ صرفه لغير الله شرك إلا إذا اعتقد الربوبية في المدعو، فهم قد اشترطوا اعتقاد الربوبية في أهمِّ مظهر من مظاهر العبادة، وبناء عليه فإنه يجب عليهم أن يجعلوا كل العبادات كذلك، فيشترطوا اعتقاد الربوبية في كل الأقوال والأفعال حتى يكون صرفه لغير الله شركًا، أو أن يجعلوا كل دعاء لغير الله شركًا! وقد نقلنا أقوالهم في بيان هذا التناقض في أول الورقة، وبداية نقول:

نعم؛ السلفية تعتقد أن الدعاء أنواع، فمنه ما هو جائز صرفه لغير الله كدعاء الحي فيما يقدر عليه، ومنه ما هو شرك كطلب ما لا يقدر على جنسه إلا الله، وفي هذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: “ولهم شبهة أخرى وهو ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا.

والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.

إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ذلك في حياته. وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!

ولهم شبهة أخرى وهي: قصة إبراهيم لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم.

فالجواب: إن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عليه السلام عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله فيه: {شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5]، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلا محتاجا، فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟!”([31]).

وعلى هذا تقريرات علماء الأمة، وهو يدل على تحوطهم الشديد في هذا الباب، ودقتهم في الحكم على الأفعال، ومستندهم في كل ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، ولا تناقض بين أن يجعلوا نوعًا من الدعاء ليس بشرك لأن الشريعة بينت أنه ليس بشرك، ويجعلون نوعًا آخر شركا لأن الشريعة بينت ذلك، فالأمر كله منوط بحكم الشرع، ويدل على عدم تناقضهم وجوه:

أولا: أن السلفية قالوا: إن صرف العبادة لغير الله شرك، وحين جاؤوا في مسألة الدعاء جعلوا الأنواع الجائزة شرعًا ليست عبادة أصلا، فهم متسقون مع تعريفهم، فصرف العبادة لغير الله شرك، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله عبادة في نفسها، فصرفها لغير الله شرك، فالدعاء إذن كلمة عامة، لا يكون عبادة إلا بمحدِّدات، فإذا وجدت صار عبادة، وصار صرفها لغير الله شركًا.

ثانيًا: أن السلفية اعتمدت على الكتاب والسنة في هذا التفريق، فإن مشترطي اعتقاد الربوبية يقولون: إن الأموات من الأولياء والصالحين أسباب مثل الأسباب التي في الدنيا، والله هو الفاعل حقيقة، ونقول: إن الحي القادر جعله الله سببا مؤثرا بإذن الله، فمن أين لكم أن الله جعل الأموات سببًا في نيل هذا الذي يريده العابد من غفران الذنوب وشفاء الأمراض ورزق البنين والبنات؟!

نعم؛ إذا لم تفرق الشريعة بين الأمرين وفرقت السلفية بينهما كان تناقضًا، لكن الأمر ليس كذلك، يقول ابن تيمية رحمه الله: “نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببًا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟! ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيًّا كان أو غير نبي كان ذلك سببًا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟! ومن الذي شرَّع ذلك وأمر به؟! ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؟!

فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:

إحداهما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله.

والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببًا كونيًّا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله؛ وكلاهما محرّم، والدخول في دين النصارى قد يكون سببًا لمال يعطونه؛ وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببًا لما يؤخذ من المشهود له؛ وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببًا لنيل مطالب؛ وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب؛ وهو محرم، وكذلك الشرك مثل دعوة الكواكب والشياطين، وعبادة البشر قد يكون سببًا لبعض المطالب وهو محرم، فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانًا، وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقًا وأمرًا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتًا أو غائبًا، أو يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره وهم لا يقدرون على ذلك“([32]).

ثالثًا: قولهم: إنه يجب على السلفية أن تشترط اعتقاد الربوبية في كل العبادات أسوة بالدعاء ليس بصحيح؛ لأن السلفية لم تنكر أن يكون الشرك بمجرد اعتقاد الربوبية في غير الله، فصرف أي قول أو فعل لغير الله واعتقاد الربوبية فيه شرك أكبر، بل اعتقاد الربوبية دون صرف شيء شرك أيضًا، لكن السلفية لم يحصروا الشرك في هذا النوع فقط، فما دام أنهم يقولون: الشرك أنواع وصور، لم يصح لأحد أن يقول: يجب أن تجعلوها كلها صورة واحدة، أو نوعًا واحدا، أو تشترطوا فيها كلها شرطًا واحدا، وهذا التنوع والتفريق يعد ميزة علمية عند السلفية لا مثلبة عليهم.

رابعًا: قالوا: إنَّ السلفية لم تحكم على دعاء غير الله بأنه شرك إلا بعد ربطه باعتقاد الربوبية في المدعو، وهو ما يصحح موقفنا! واستندوا إلى قول ابن عثيمين رحمه الله حين جاء يشرح قضية الدعاء في الأصول الثلاثة للإمام محمد بن عبد الوهاب فقال: “هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في أدلة أنواع العبادة التي ذكرها في قوله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء..) إلخ، فبدأ رحمه الله بذكر الأدلة على الدعاء، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أدلة الإسلام والإيمان والإحسان.

واستدل المؤلف رحمه الله بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدعاء مخ العبادة»([33])، واستدل كذلك بقوله تَعَالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، فدلت الآية الكريمة على أن الدعاء من العبادة، ولولا ذلك ما صح أن يقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر، سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا. ومن دعا حيًّا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، يا فلان اسقني، فلا شيء فيه، ومن دعا ميتًا أو غائبًا بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدلّ على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون، فيكون بذلك مشركًا“([34])، ويقول في أنواع الاستعانة: “الاستعانة بالأموات مطلقًا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون“([35]).

وهذا الكلام منهم غير دقيق، بل هي دعوى؛ فإن كون الدعاء شركًا لاعتقاد الربوبية في المدعو صورة واحدة من صوره، فليست كل صور الدعاء الذي يكون صرفه لغير الله شركا يشترط فيه اعتقاد الربوبية، فاشتراط اعتقاد الربوبية في مثل هذا الكلام من العثيمين رحمه الله وغيره لا يعني الحصر، فإن هذا مناط واحد من مناطات التكفير، وقد عرفنا سابقًا أن هذه الصورة عبادة محضة، فكان صرفها مجردًا شركًا، ولا مانع من أن يكون الفعل الواحد شركًا من عدة جهات، وفي بيان أن دعاء غير الله يكون شركًا بالاعتبارين السابقين يقول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: “ونعتقد أن عبادة غير الله شرك أكبر، وأن دعاء غير الله من الأموات والغائبين وحبه كحب الله وخوفه ورجائه ونحو ذلك شرك أكبر، وسواء دعاه دعاء عبادة أو دعاء استعانة في شدة أو رخاء، فإن الدعاء هو العبادة، وسواء دعاه لجلب النفع، أو دفع الضر، أو دعاه لطلب الشفاعة، أو ليقربه إلى الله، أو دعاه تقليدًا لآبائه أو أسلافه أو لغيرهم، والأدلة على ذلك في كتاب الله كثيرة جدا، منها قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} الآية [المؤمنون: 117]، وإن اعتقاد أن لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين شرك أكبر، وأن من عظم غير الله مستعينًا به فيما لا يقدر عليه إلا الله كالاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله لها، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا يكون مشركًا شركا أكبر”([36]).

فالدعاء له صور كثيرة تكون شركًا أكبر فيها كلها، واعتقاد الربوبية واحد منها، ومن تلك الصور:

  • أن يدعو غير الله بشيء هو من خصائص الله كالخلق والرزق، سواء صرح أنه يعتقد أنه قادر على ذلك أو لم يصرح.
  • أن يدعو مخلوقًا لا يوجَّه له الدعاء عادة كالشمس والقمر.
  • أن يدعو الأصنام التي تصرف لها العبادة كمن دعا بوذا.
  • أن يدعو مخلوقًا شيئًا لا يسأل مثله من مخلوق؛ بل هو من خصائص الله، كأن ينزل المطر أو يحيي الميت أو يشفي المريض
  • أن يدعو بعيدًا ميتًا أو حيا لا يسمع في العادة؛ لأنه يتضمن أنه محيط أو عالم وهو من خصائص علم الله.
  • أن يدعو غيره في حالة تتضمن غاية الذل والخضوع بما لا يكون إلا لله.

فهذه صور متعددة تكون شركًا سواء اعتقد الربوبية أو لم يعتقد.

خامسًا: إن تنزلنا وقلنا: إن الصور الماضية كلها تتضمن اعتقاد شيء من خصائص الله لغير الله، وإن الدعاء لا يكون شركا إلا باعتقاد الربوبية، فإن هذا لا يعد تناقضا مع أصل المسألة؛ لأن السلفية لا تنفي الشرك في اعتقاد الربوبية، لكنها تزيد عليه أنواعا أخرى كصرف العبادة المحضة لغير الله، فإيراد مثال على اشتراط اعتقاد الربوبية لا ينقض قولهم؛ لأنهم يقرون بذلك، ويقرون بأنواع أخرى أيضا تكون شركا، فموقفهم في المسألة متسق ولله الحمد.

وأخيرا: من أعظم القيم التي جاءت بها الشريعة: صرف الناس من التعلق بغير الله إلى التعلق بالله، وفي هذا عزة للمسلم بأن لا يذل لقبر، ولا مشهد، ولا ولي، بل يكون ذله لله وحده، ومحاولة بعض الناس نزع هذه العزة ما هو إلا تشويه لصورة الإسلام، وإفراغ له من مقاصده العظام، ولا أدل على ذلك من افتتان الناس بالمقبورين ومن يتعلقون بهم حتى إن بعضهم يجيز لنفسه الحلف بالله كاذبا، أما لو طلب منه الحلف بوليه وشيخه ومن يعتقد فيه ارتعد وارتجف وأمسك، وهكذا في طلب الشفاء، وطلب البنين والبنات، ينصرفون عمن بيده كل ذلك إلى من لا يملك لنفسه شيئا فضلا عن أن ينفع غيره! فتحرير هذه القضية وبيانها من أهم ما اشتغل به العلماء، وعلى رأسهم السلفية التي أولت هذا الملف اهتمامًا بالغا في كل كتبهم قديمًا وحديثًا.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير الطبري (18/ 427).

([2]) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله (ص: 3-4) للعلامة المعلمي.

([3]) من أفضل الكتب التي عالجت قضية مفهوم العبادة: رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله، للشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي ت1386.

([4]) الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه (ص: 209).

([5]) المرجع السابق (ص: 230).

([6]) المرجع السابق (ص: 190-191).

([7]) الدرر السنية في الرد على الوهابيَّة (ص: 40).

([8]) الدرر السنية في الرد على الوهابية (ص: 33-34).

([9]) مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام (ص: 5).

([10]) تفسير الطبري (1/ 159).

([11]) تفسير الزمخشري (1/ 13).

([12]) تفسير البيضاوي (1/ 29).

([13]) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 95-96).

([14]) العبودية (ص: 44).

([15]) تفسير السمعاني (3/ 67).

([16]) مجموع الفتاوى (4/ 360).

([17]) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله (ص: 748).

([18]) يحسن التنبيه إلى أن من يرى اشتراط اعتقاد الربوبية يقولون: بل اعتقد كفار قريش التأثير لغير الله في بعض معبوداتهم، وهذا لا يناقض التقرير الذي قدمناه؛ لأن وجود صورة واحدة حكم الشرع عليها بالشرك دون استفصال عن اعتقاد الربوبية في المعبود كاف في عدم اشتراط اعتقاد الربوبية، ونحن لم ننكر أن اعتقاد الربوبية شرك، فالشرك موجود في اعتقاد الربوبية، وفي صرف العبادة لغير الله دون اعتقاد الربوبية.

([19]) تفسير الطبري (16/ 286) باختصار يسير.

([20]) تفسير السمعاني (3/ 71).

([21]) تفسير القرطبي (9/ 272)، وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 418).

([22]) الملل والنحل (3/ 104).

([23]) أخرجه مسلم (145).

([24]) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان -ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- (1/ 366-367).

([25]) كشف الشبهات (ص: 22-23).

([26]) تفسير الطبري (19/ 362).

([27]) أخرجه الترمذي (2180)، وقال: “هذا حديث حسن صحيح”، وصححه ابن حبان (6702)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (2/ 1075).

([28]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 112).

([29]) أخرجه الترمذي (3095) وضعّفه، وحسنه ابن تيمية كما في المجموع (7/ 67).

([30]) ينظر: تفسير الطبري (14/ 212).

([31]) كشف الشبهات (ص:50-54).

([32]) الاستغاثة في الرد على البكري (ص: 221).

([33]) أخرجه الترمذي (3371) وضعفه.

([34]) شرح ثلاثة الأصول (ص: 55-56).

([35]) شرح ثلاثة الأصول (ص: 62).

([36]) البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد (ص: 5).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

مآخذ الفقهاء في استحباب صيام يوم عرفة إذا وافق يوم السبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فقد ثبت فضل صيام يوم عرفة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (‌صِيَامُ ‌يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)([1]). وهذا لغير الحاج. أما إذا وافق يومُ عرفة يومَ السبت: فاستحبابُ صيامه ثابتٌ أيضًا، وتقرير […]

لماذا يُمنَع من دُعاء الأولياء في قُبورهم ولو بغير اعتقاد الربوبية فيهم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة هناك شبهة مشهورة تثار في الدفاع عن اعتقاد القبورية المستغيثين بغير الله تعالى وتبرير ما هم عليه، مضمونها: أنه ليس ثمة مانعٌ من دعاء الأولياء في قبورهم بغير قصد العبادة، وحقيقة ما يريدونه هو: أن الممنوع في مسألة الاستغاثة بالأنبياء والأولياء في قبورهم إنما يكون محصورًا بالإتيان بأقصى غاية […]

الحج بدون تصريح ..رؤية شرعية

لا يشكّ مسلم في مكانة الحج في نفوس المسلمين، وفي قداسة الأرض التي اختارها الله مكانا لمهبط الوحي، وأداء هذا الركن، وإعلان هذه الشعيرة، وما من قوم بقيت عندهم بقية من شريعة إلا وكان فيها تعظيم هذه الشعيرة، وتقديس ذياك المكان، فلم تزل دعوة أبينا إبراهيم تلحق بكل مولود، وتفتح كل باب: {رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ […]

المعاهدة بين المسلمين وخصومهم وبعض آثارها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة باب السياسة الشرعية باب واسع، كثير المغاليق، قليل المفاتيح، لا يدخل منه إلا من فقُهت نفسه وشرفت وتسامت عن الانفعال وضيق الأفق، قوامه لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، والإنسان قد لا يخير فيه بين الخير والشر المحض، بل بين خير فيه دخن وشر فيه خير، والخير […]

إمعانُ النظر في مَزاعم مَن أنكَر انشقاقَ القَمر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن آية انشقاق القمر من الآيات التي أيد الله بها نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت من أعلام نبوّته، ودلائل صدقه، وقد دلّ عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية دلالة قاطعة، وأجمعت عليها […]

هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وهدنا صراطه المستقيم. وبعد، تثار شبهة في المدارس التنصيريّة المعادية للإسلام، ويحاول المعلِّمون فيها إقناعَ أبناء المسلمين من طلابهم بها، وقد تلتبس بسبب إثارتها حقيقةُ الإسلام لدى من دخل فيه حديثًا([1]). يقول أصحاب هذه الشبهة: إن المسلمين باتجاههم للكعبة في الصلاة وطوافهم بها يعبُدُون الحجارة، وكذلك فإنهم يقبِّلون الحجرَ […]

التحقيق في نسبةِ ورقةٍ ملحقةٍ بمسألة الكنائس لابن تيمية متضمِّنة للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ تحقيقَ المخطوطات من أهمّ مقاصد البحث العلميّ في العصر الحاضر، كما أنه من أدقِّ أبوابه وأخطرها؛ لما فيه من مسؤولية تجاه الحقيقة العلمية التي تحملها المخطوطة ذاتها، ومن حيث صحّة نسبتها إلى العالم الذي عُزيت إليه من جهة أخرى، ولذلك كانت مَهمة المحقّق متجهةً في الأساس إلى […]

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017