” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
الوعي .. مدار النقاش
النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد.
حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _ يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة المركزية وهي : ” الوعي ” ، فالمؤمن يصف هذا الفاعل للكون بصفة ” العلم ” الكامل الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه ، والطرف الملحد ينفي عنه صفة ” الوعي ” ويصف فاعل الكون بأنه ” قوة لا واعية ” .
وحتى نقوم بحل هذه الإشكالية بشكل منطقي وسليم بعيداً عن التعصب والتقليد _ لا سيما وأن هذه القضية تعتبر مفترق طرق في حياة الإنسان _ لابد من طرح هذه الأسئلة والتفكير فيها بروية وعدل وإنصاف .
السؤال الأول : هل ” يمكن ” أن يتصف صانع المصنوعات بالكمال أم لا ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : ” يمكن ” أن يتصف بالكمال ؛ يقال : إذا كان يمكن أن يتصف بالكمال ، فهل توجد قوة أعلى منه ؟
إن قيل : لا توجد قوة أعلى منه
يقال إذاً : ” يجب ” أن يتصف بالكمال ، لأنه لو لم يجب له الكمال لافتقر إلى غيره ، وقد قررنا أنه لا يوجد قوة أعلى منه _ لاستحالة التسلسل في المؤثرين _ ، وبناء عليه فإن ذاته مستحقة للكمال .
مقام النفي : فإن قيل : لا يمكن أن يتصف بالكمال بل” يمتنع ” أن يتصف بالكمال ؛ يقال : وهل المانع من ذاته أم من خارج ذاته ؟
فإن قيل : من خارج ذاته ؛ يقال إذاً : هذا المانع الذي منعه هو أقوى منه وهو ” الصانع ” للمخلوقات ، وهذا يفضي إلى التسلسل الممنوع .
وإن قيل : بل المانع من ذاته ؛ يقال : وما هو الدليل على أن ذاته لا يمكن أن تتصف بالكمال ؟! لا يوجد دليل على ذلك ، بل الدليل على ضده .
إذاً نخرج من هذا السؤال بنتيجة هامة :
وهي أن صانع المصنوعات ” يجب ” له الكمال لذاته ، لأنه لا شيء أقوى منه ، ولا شيء أعلى منه يعطيه الكمال أو يمنعه منه وإلا وقعنا في التسلسل الممنوع عقلاً .
السؤال الثاني : هل القوة التي صنعت هذه المصنوعات صنعتها باختيارها أم بدون اختيارها ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : باختيارها ؛ فإنه يلزم منه أن هذه القوة الفاعلة لها إرادة تتصف بها ، فمتى شاءت فعلت ما أرادت كيفما أرادت ، وأنها أرادت خلق الإنسان على هذه الصفة ، وأرادت خلق الحيوان على صفته التي هو عليها وهكذا .
مقام النفي : وإن قيل : بدون اختيارها ؛ فإنه يلزم منه قِدَم هذه المصنوعات ، وعدم حدوث شيء منها . أي بمعنى : أنه يلزم أننا جميعا نوصف بالقدم منذ الأزل وأننا لم نحدث !
لماذا ؟
الجواب : لأن هذه القوة التي فعلت الكون إن كانت لا تتصف بالإرادة فإنها حينئذ تكون “علة ” للمصنوعات ، والعلة التامة الأزلية تستلزم معلولها في الأزل .
أي : أن المعلول لا يتأخر عن علته التامة الأزلية .
فيكون فاعل الكون وهي الطبيعة موجِبة بالذات يجب وجود موجَبُها في الأزل ، ولا يتأخر عنها معلولها .
ولا شك أن الخيار الأول هو الصواب ، لأننا نعلم من أنفسنا الحدوث ولنا بداية هي : تاريخ ميلادنا وقبل هذا التاريخ لم نكن موجودين ، ونرى بأعيننا حدوث أشياء أمامنا لم تكن موجودة من قبل ، فلا يمكن وصف هذه المصنوعات بالقدم وبناء عليه نخرج بنتيجة هامة من هذا السؤال :
فإن القوة التي صنعت هذا الكون هي : قوة مختارة ، لها صفة ” الإرادة ” .
السؤال الثالث : هل القوة التي صنعت هذه المصنوعات صنعتها بقدرة أم بدون قدرة ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : بقدرة ؛ فإنه يلزم منه أنها تتصف بالقدرة على صنع هذه المصنوعات وإيجادها ، وتتصف بالقدرة على تسييرها وفق ما أرادت لأنها تملك الإرادة .
مقام النفي : وإن قيل : بدون قدرة ؛ فإنه لا يتصوَّر في العقل ولا في المنطق السليم أن فاعلا يفعل فعلا وهو غير قادر عليه ، ولا يمكن أن يصدر الفعل من غير القادر ، وبناء عليه : فإن هذه القوة لو لم تتصف بالقدرة التامة لاستحال وجود هذه المصنوعات .
والواقع يدل على خطأ هذه الفرضية ، إذ إن المصنوعات موجودة ونحن من جملة هذه المصنوعات .
وبناء عليه نخرج بنتيجة هامة من هذا السؤال : أن هذه القوة التي صنعت هذا الكون تتصف بالقدرة التامة أيضا إضافة لاتصافها بالإرادة والكمال كما سبق .
السؤال الرابع : هل القوة التي صنعت هذه المصنوعات صنعتها بعلم أم بدون علم ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : بعلم ؛ فإنه يلزم منه أنها متصفة بالعلم الكامل ، لأن إرادة شيء ما تستلزم تصوُّره .
ومن جملة مصنوعاتها : الدماغ البشري ، حيث جعلت فيه قوة يستقبل بها المعلومات ، وهذا يدل على اتصافها بالعلم ، لأنها تعلم أن هناك ” معلومات ” تحتاج إلى حفظ وتخزين ومعالجة ، وكل هذه الأمور تدل عقلا على أن صانع ” الدماغ ” متصف بالعلم .
خذ مثلا : صانع الهاردسك أو الذاكرة ، يعلم أنها سوف تستعمل لتخزين المعلومات فيها ، وهذا يدل أن صانع الهاردسك متصف بالعلم ، حيث صنعه لهذا الغرض وخصه بهذا العمل ، ويعلم آلية الاستفادة منه.
مقام النفي : وإن قيل : بجهل وعدم علم ؛ وعلى هذه الفرضية يلزم بطلان اتصافها بالإرادة ، لأن الإرادة تستلزم تصور المراد قطعا .
فأنت عندما تريد الذهاب لمطعم فإنك متصور أنه للأكل ، وعندما تذهب لشراء أرض فإنك تعلم مكانها ، وتعلم أن صاحبها يريد منك الثمن وتعلم ما تريد من شرائك لها وهكذا في بقية الأمور .
إذاً نخرج بنتيجة هامة من هذا السؤال وهي : أن العقل والمنطق والواقع يدل على خطأ الفرضية الثانية ، وأن الصواب هو اتصاف القوة التي صنعت هذا الكون بـ ” بالعلم ” .
السؤال الخامس : هل القوة التي صنعت هذه المصنوعات حية أم لا ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : أنها متصفة بالحياة ؛ لأنها هي التي وهبت الحياة للكائنات وواهب الحياة هو أولى بها .
إذاً : هي متصفة بالحياة وبالإرادة والقدرة والعلم .
مقام النفي : وإن قيل : أنها غير متصفة بالحياة ؛ يقال : هذا تناقض ، لأن من شرط العلم والقدرة والإرادة أنها تقوم بالحي ، أما غير الحي فلا يمكن أن يوصف بمجموع هذه الصفات .
فلو قيل : الكمبيوتر غير حي ومع ذلك قام به علم .
الجواب : جهاز الكمبيوتر آلة صنعها الإنسان ” لتخزين المعلومات ” التي يريدها الإنسان ، والإنسان هو الذي يقوم بتشغيله ، وإطفائه ، وبرمجته حسب ما يريد ، ويقوم بإصلاح أعطاله ، والإنسان هو الذي يودع ويخزن فيه المعلومات ، فهو تحت تحكم الإنسان بالكلية ولا يتصف بإرادة مستقلة ولا يمكن أن يقال عنه أنه عالم فهو آلة تخزين .
والقوة التي صنعت الكون لا يمكن أن يودع فيها أحد معلومات ، لأنه لا أحد أعلم منها وإلا وقعنا في التسلسل الممنوع .
مثال آخر : هذا الكتاب هو مجموعة أوراق مكتوب عليها معلومات فهل يصح أن يقال عنه : الكتاب عالم ؟! أو الورقة عالمة ؟! قطعا لا يصح .
إذاً نصل إلى نتيجة هامة من هذا السؤال وهي : أن صانع هذه الكون متصف بالحياة الكاملة .
السؤال السادس : هل هذه القوة التي صنعت البشر أعطتهم حرية وإرادة أم لا ؟
لدينا احتمالان في الجواب إما الإثبات أو النفي كما يلي :
مقام الإثبات : فإن قيل : أعطتهم حرية وإرادة ؛ فإنه يلزم منه اتصافها بالعلم والوعي والإرادة ، حيث أنها عرفت معنى الحرية ونقيضها وهو الجبر فاختارت بإرادتها وبناء على علمها ومعرفتها : أن تعطي البشر حرية وإرادة .
فلو قيل : أنها أعطت البشر حرية وإرادة رغما عنها ؟
الجواب يقال : من الذي أرغمها ؟! فإنه لا يوجد قوة أعلى منها !
فلو قيل : أعطت البشر حرية وإرادة لأنها لا تعرف التدبير ؟
الجواب : عبر النقاط الآتية :
1 ـ هذا الاعتراض فيه اعتراف بأن لها إرادة ، فإنها لما علمت من نفسها ” أنها لا تستطيع تدبير شؤونهم ” اختارت أن تعطي المصنوعات الحرية ، فاختيارها يدل على اتصافها بصفة الإرادة .
2 ـ هذا الاعتراض فيه اعتراف بأن لها علم من ناحيتين :
أ ـ معرفتها بحقيقة نفسها وكمية العلم الذي لديها ، فمجرد إدراكها لنفسها يدل على أنها تتصف بالوعي.
ب ـ معرفتها بأن ثمة أمور سوف تحصل مستقبلا وإن كانت لا تعرف آحادها ، ولهذا اختارت أن تعطي البشر حرية وإرادة .
ج ـ معرفتها بالاختيارات التي أمامها : إما أن تعطي البشر حرية وإرادة ، أو تجعلهم مجبورين مجرد هذا الإدراك منها لهذين المسارين ” الحرية أو الجبر ” يدل على أنها تتصف بالوعي .
فلو قيل : أنها أعطت البشر حرية وإرادة صدفة منها ؟
الجواب كما يلي :
1 ـ أن يقال : فهل تستطيع التراجع عن قرارها هذا أم لا ؟
فإن قيل : تستطيع التراجع لكنها لم تفعل ؛ فهذا دليل على إرادتها و معرفتها وعلمها ووعيها بالخيار الثاني وهو ” الجبر ” ، وأنها كذلك تعلم وتعي قرارها بإعطائها البشر حرية وإرادة .
وإن قيل : لا تستطيع التراجع ؛ يقال إذاً : من الذي منعها من التراجع عن هذا القرار ؟ مع أنه لا يوجد قوة أعلى منها !
2 ـ معامل الصدفة ممنوع ؛ لأنه ثمة أمور تجري باختيارنا وإرادتنا ، وأمور ليس لنا فيها خيار ، فرفع اليد والكلام ونحوها باختيارنا ، أما حركة القلب والمعدة وعمل النخاع ونحوها ليس لنا فيه خيار البتة .
فهذا التفريق المنضبط في كل أحد يدل على أن صانع البشر متصف بـ”العلم والإرادة” ، فهو يعلم الأمور التي يصلح أن يعطينا فيها الخيار والأمور التي لا يصلح أن يعطينا الخيار فيها .
مقام النفي : وإن قيل : أنها لم تعطهم حرية وإرادة بل جعلت البشر مجبورين ؛ يلزم من ذلك أمور خطيرة منها عدم مؤاخذة المجرم بجريمته لأنه مجبور عليها ! ويلزم منه بطلان الإلحاد في نفسه أيضا وهو : أن الملحد مجبور على اختياره للإلحاد فكيف يمكننا تصديق أبحاث وكتابات شخص مجبور لا يملك الإرادة في تقرير ما يريد ؟!
إذاً نخرج بنتيجة هامة من هذا السؤال وهي :
أن هذه القوة التي صنعت البشر أعطتهم “حرية وإرادة ” ، وهذا يدل على اتصافها بـ ” بالعلم والقدرة والإرادة ” .
وبعد هذه الأسئلة وهذا التسلسل المنطقي السليم نصل إلى نتيجة عقلية واضحة وهي أن خالق هذا الكون : متصف بالكمال المطلق لذاته ، ومن جملة كمالاته علمه الكامل وإرادته النافذة جل وعلا .
فالإنسان الحريص على مصلحة نفسه عليه أن يقف وقفة صدق مع نفسه بعيدا عن المكابرة والتحايل وأن يعترف بالحقيقة ويسلم لفطرته ولما يدل عليه العقل الصريح لينجو من ظلمات الإلحاد والكفر ويدخل في نور الإيمان والإسلام .
والله جل وعلا يقبل توبة التائبين الصادقين قال سبحانه” أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ “[سورة التوبة:104] وقال جل وعلا و”َهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ”[سورة الشورى:25] ، وقال سبحانه:” وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”[سورة الأعراف:153] بل إنه تعالى يحب التائبين المنيبين قال سبحانه: إ”ِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ”[سورة البقرة:222] .
فالباب مفتوح أمام كل أحد ليتوب ويرجع إلى الله سبحانه ما دام الإنسان في زمن المهلة والإمكان ، فخذ هذا الأمر بجدٍّ ياصاح ، وإياك والتأجيل والاستهتار فلن ينفعك أحد إن تماديت في العتو والمكابرة .
ليس الأمر دوغمائية وتعطيلا للعقل ، بل قد رأيت بنفسك أن العقل الصريح ليس أمامه إلا أن يعترف بالله جل في علاه ، فبادر الفرصة وقاوم أصحاب السوء واستعن بالله جل وعلا وعد إلى رشدك وستجد من الله العون واللطف ما لا يخطر لك على بال .














