تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه السابق للوفد الأندونيسي؛ وإننا إذ فهمنا ذلك جيدا فلنا بعض الملاحظات:
أولاً: تكلم فضيلته عن الوهابية التكفيرية، ولم يوضح هل يقصد الوهابية المنسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦ للهجرة والذي قام بالحركة الإصلاحية سنة ١١٥٧هـ في ظل قيادة الدولة السعودية المباركة، التي لا زالت حتى اليوم تتبنى هذا النهج الإصلاحي، وهو سر انتصارها ونهوضها في جميع الأزمات التي تعرضت لها، إذ تأتي الأزمة فيسألون الله وحده، ولا يسألون سواه من الأحياء الذين لا قدرة لهم سوى اعتقادِ بعض الناس وجاهَتَهم، أو الأموات، بدءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كتب الله أنه ليس له من الأمر شيء سوى أننا إذا صلينا عليه رد الله عليه روحه حتى يصلي علينا في كيفية لا يعلمها إلا الله تعالى؛ وخوضُ بعضِ الناس فيها، هو من تتبع ما ليس للناس علم به، وقد نهى عن ذلك سبحانه في قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً}.
ومروراً بالصحابة ومن بعدهم ممن هو دونهم، فليس لهم أي حظوة حتى يُسألوا من دون الله، أو يطلب جاههم في الحوائج؛ هكذا كان السعوديون في كل أزماتهم هم وشعوبهم، فلا تلبث والحمد لله الأزمة أن تنجلي على خير حال وهذا معلوم لجميع الناس؛ وهو ما كان عليه مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود منذ أن كان وحيداً فريداً إلى أن أصبح زعيماً مهيباً، فعلى تدينه المعروف عنه لم يؤثر عنه الالتجاء إلى غير الله تعالى، فأعطاه الله جزاء ذلك ثواباً عنده تعالى وهذا ما نرجوه له، كما أعطاه وذريته حكماً عريضاً غنياً. نسأل الله أن يديم عليهم التمكين لنشر الخير وعز الإسلام وإقامة التوحيد.
فإن كان يقصد بالوهابية هذه النعمة العظيمة، فما أبعدها عن التكفير المذموم؛ لذلك ننأى بفضيلة الشيخ عن هذه الزلة إذ يَعلم المنصفون أن هذا ليس منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ لم يُعرف عنه التكفير إلا لمن جحد، أما الجاهل ونحوه فقد ثبت عنه في مناسبات عدة قوله: أنا لا أكفر الذي يعبد الصنم الذي على قبر عبد القادر إذا لم يكن عنده من يعلمه؛ والتفصيل في ذلك يطول؛ وقد بيناه في عدد من الأبحاث والأوراق العلمية الصادرة عن مركز سلف للبحوث والدراسات، كما بينه العديد من طلاب العلم في أبحاث منشورة ورسائل علمية للماجستير والدكتوراه؛ وها هي المملكة العربية السعودية في عصرها الراهن وهي قائمة على مذهب الإمام أحمد الذي يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه مذهبه لا يعرف عنها عند طوائف أهل السنة والجماعة، منذ قيامها سنة ١٣١٩ حتى اكتمال انتصاراتها سنة ١٣٤٧ أنها قامت بالتكفير المذموم، وذلك رغم وجود الأشاعرة الصوفية في الشعوب التي دخلت في حكمه ودخول الشيعة الإثني عشرية والإسماعيلية كذلك، وفي كل طائفة من هؤلاء أقوال كفرية، إلا أنه لم يصدر من عالم واحد من علماء المملكة السلفيين والذين يسميهم خصومهم وهابيين من قام بتكفير أعيانهم، أي الحكم بكفر الفعل دون كفر الفاعل هو مذهب جماهير علماء المسلمين، وعليه ألّف ابن حجر الهيتمي كتاب: الإعلام بقواطع الإسلام من قول أو فعل أو نية؛ وفي ذلك الكتاب ذكر أن التكفير بدعاء غير الله من الأولياء والمقبورين من مقولات الحنابلة، هذا معنى ما قال، وليس الأمر كذلك، بل هو قول أهل السنة قبل أن يظهر فيهم التصوف.
ثانياً: قال الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله: إن أهل السنة يتألفون من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث؛ ولا يخفى على فضيلته أن من الأشاعرة والماتريدية أهل حديث كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم، بل من أهل الحديث من كان مصراً على البدع مدافعاً عنها كالسيوطي رحمهم الله جميعاً، فكيف نعلم أنه أدخل السلفيين في أهل السنة وقد ذكرهم بعد ذلك على أنهم من مكونات الشعب السوري؛ ولهذا ينبغي إدخال السلفيين في أهل السنة التي هم رأسها والمعبرون عنها بصدق، والمدافعون عن أهلها بأموالهم وأنفسهم.
كون التكفيريين دخلوا في أهل الثورة، مسألةٌ ينبغي أن ينظر لها بتدبر وحسن تقسيم، فبعض التكفيريين نهجوا هذا المنهج جهلاً منهم بحقيقة الدعوة السلفية لصغرهم وقلة اطلاعهم وغزير حماستهم، وبعضهم أضافوا إلى جهلهم قلة ديانتهم وجَعْلهم التكفير وسيلة دنيوية يصلون بها إلى مآربهم، وبعضهم صنيعة استخبارات معادية صرحت بذكرهم عدد من الوثائق ليس هنا مجال ذكرها؛ فلا بد لمثل الشيخ وفقه الله أن يعمل بهذه الروح التي لا ترمي كل من لا ترضى بشرّ ما يُرمى به.
ثالثاً: ذكر فضيلته أنه لا ينبغي أن يتعلم التوحيد إلا خاصة الخاصة؛ ونحن معه في هذا إن كان يريد التوحيد الذي يدرسه الأشاعرة، وهو علم الكلام، وقد سبقه العلامة أبو حامد الغزالي إلى هذا الرأي في كتابه: إلجام العوام عن علم الكلام، ولولا خلفية أبي حامد الأشعرية وظهورها في كتابه الإلجام والذي يعد من أواخر ما صنَّف لقلنا إنه أصبح سلفي العقيدة.
أما عقيدة التوحيد الذي هو مذهب السلف رضي الله عنهم فيجب أن يتعلمه العوام بل وعوام العوام، ذلك أنه توحيد الله سبحانه وتعالى ولا يعبد الإنسان ربه إلا بتوحيده سبحانه وهو المعرفة التامة بوحدانيّته في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته؛ وليس الأمر صعباً بل هو في غاية السهولة إذ يكفي الإنسانَ فيه حديث جبريل الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد ولا يرى عليه أثر السفر… الحديث، فإذا عرف المسلم هذا الحديث، وفهم معناه كفاه، أما أسماء الله وصفاته فينبغي على المسلم أن يعرف أنها حقائق، إذ لا تنقلب الحقيقة إلى مجاز كما يقول علماء البلاغة حتى تكون هناك قرينة قادرة على صرفها إلى المجاز، ولا قرينة في أسماء الله وصفاته، فالله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه لا تخفى عليه خافية؛ وأما كتب العقيدة الطويلة فلم تظهر في السلف وأتباعهم حتى ظهرت الفرق كالقدرية والشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ولولا الرد على هذه الفرق لم يكن في كتب عقيدة السلف طول، فالحمد لله على هذا الدين الميسر الذي لا تناقض فيه ولله الحمد والمنة.
رابعاً: ما ذكره فضيلة الشيخ عن التناقض بين لفظ الله أكبر وبين كون الله سبحانه وتعالى في السماء، أمر ينبغي أن يوضح.
فنبدأ بحديث الجارية الذي رواه معاوية بن الحكم رضي الله عنه، وهو الحديث الذي أقر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية على جوابها على سؤاله صلى الله عليه وسلم: {أين الله} فقالت: في السماء؛ وهذا حديث صحيح ثابت رواه مسلم وأحمد وغيرهما من أصحاب السنن، فلا يجوز أن يقول عبد ضعيف عن حديث رسول الله إنه مناقض لما ثبت في كتاب الله وفي سنة رسوله وجعل مفتاحاً للصلاة في كل وقت، فالقول بأنهما متناقضان من جنس الأقوال التي قال عنها ابن حجر الهيتمي أنها من قواطع الإسلام، ونأمل من فضيلة الشيخ الرجوع عنها.
كما أننا إذا نظرنا إلى اللغة العربية وجدنا أن كلمة السماء لفظ مشترك بين علو السماء، ذلك الجرم العظيم الذي يظل ما نراه من الكون، وبين مطلق العلو، فالله تعالى في السماء أي في العلو، وكون الأشاعرة ينكرون علو الله لا يعطيهم الحق في أن ينكروا صحة الحديث، أو أن يتأولوا قوله تعالى ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّماءِ أَن يَخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ فَإِذا هِيَ تَمورُ﴾ [الملك: ١٦] ومعلوم أنه لا يخسف الأرض بمشيئته إلا الله تعالى، فهو الذي في السماء كما يقوله الله عز وجل.
هذا ما أردنا التنبيه إليه، ونسأل الله تعالى للشيخ التوفيق في مهمته التي يقوم عليها في الدولة السورية، والحمد لله رب العالمين.














