ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي
ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة.
وأولى حلقاتها تتناول نظرة الحوثي إلى السعودية: قيادةً وشعبًا.
فأما القيادة، فينطلق الحوثي من أن قيادة الأمة حق محصور في سلالة محددة، فيقول (ص1641): «نجد أن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) جعل قيادة لهذه الأمة تهديها، وتقودها نحو هذه الحركة، تتمثل في أهل بيت رسول الله». ولا يقف عند تقرير هذا المبدأ، بل يجعل (ص474) مناهضة الإمامة بمفهومها الحوثي تحقيقًا لـ«مقاصد الصهيونية في محاربة العناوين والمفردات». وبهذا المنطق يصبح كل من يرفض مشروعه أداةً للعدو، ويصبح كل نظام حكم لا يقوم على الإمامة بمفهومه فاقدًا للشرعية.
وبناءً على هذا الأصل، يعرّض الحوثي (ص909) بقادة الدول الإسلامية السبع والخمسين، ذاكرًا أنهم لم يفعلوا شيئًا مع أن «تحتهم كم؟ مليار وثلاثمائة مليون مسلم، وتحتهم ثروات هائلة جداً، وتحت أقدامهم منطقة استراتيجية هامة جداً»، وهي مكة التي تفيض ملازم الحوثي بالمشاعر الدالة على أهمية استرجاعها ممن يصفهم بالوهابية.
ويأتي هذا الكلام في سياق حديثه عن الحج، الذي لا يتم عنده إلا بإعلان البراءة. ولهذا يمتدح الخميني (ص1487) لأنه تحرك «ليعيد الحج إلى أصالته». ويصف ما جرى في حج عام 1407هـ فيقول (ص909): «ولهذا كان جريمة كبيرة جداً: عندما قتلوا العشرات من المسلمين في [عام 1407هـ] السعوديون وقع منهم تلك المجزرة الرهيبة جداً». وهو بذلك يتبنى الرواية الإيرانية كاملة، ويُغفل أن الأحداث جاءت إثر مظاهرات سياسية نظمها حجاج إيرانيون داخل مكة.
ثم يتجاوز القيادة إلى المنهج الذي قامت عليه الدولة السعودية، فيردّه إلى صناعة الأعداء، ويقول (ص1510): «هم صنعوا طوائف إسلامية خلال المائة السنة الماضية، والمائتي السنة الماضية، صنعوا طوائف جديدة كالوهابية، والبهائية، والقاديانية». وعلى هذا الأساس يصف القائمين على المسجد النبوي بقوله (ص466): «هؤلاء بجفوتهم بغلظتهم بوحشيتهم عند قبره يركلون الناس بأقدامهم؛ لأنهم تربوا على ماذا؟ على مسح الشعور بأنه عظيم».
ولم يقف تشويهه للواقع السعودي عند هذا الحد، بل تبنّى ما نسبه إلى الخميني (ص977) من أن «أمريكا وإسرائيل يخططون للسيطرة على الحج». ويلزم من مجموع كلامه أن القيادة السعودية غير شرعية، وأنها، بمنعها البراءة في الحج، تخدم مشروع أعداء الأمة. وبهذا يؤسس الغطاء الشرعي للهجوم على الحرمين ومن يقوم عليهما.
ولكي لا ننخدع بالصرخات المرفوعة ضد أمريكا وإسرائيل، لا بد من النظر في أفعاله لا في أقواله. ففي حديثه عن سلفيي صعدة يقول للحكومة اليمنية (ص1633): «يكفينا أن تتخلوا عنا وعنهم، دعونا نتصارع نحن وهم إما أن يقهرونا أو نقهرهم، نحن في مواجهة دينية معهم». فماذا صنع طلاب الحديث في دماج حتى يُعلن عليهم هذا الصراع؟ القاصي والداني يعلم أنهم لم يشتغلوا بغير سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كانوا أول من دفع ثمن هذا الفكر حين تحوّل التنظير إلى حصار وتهجير.
وهنا يظهر المحرك الحقيقي للفكر الحوثي: فالعداء ليس لأمريكا في المقام الأول، بل لمن يخالفه في الولاء. فهو يجعل محبة الصحابة سببًا للضلال والهزيمة، فيقول (ص455): «من في قلبه ذرة من الولاية لأبي بكر وعمر لا يمكن أن يهتدي إلى الطريق التي تجعله فيها من أولئك الذين وصفهم الله… ولن يكونوا من حزب الله… إذا كان رافضاً أن يتولى علياً فلن يكون من حزب الله، ولن يغلب».
وإذا كان هذا حكمه على كل من يحب أبا بكر وعمر، فهو حكم على المجتمع السعودي كله: قيادةً فاقدة للشرعية، ومنهجًا مصنوعًا، وشعبًا محرومًا من الهداية والنصر. وهذه هي الأرضية التي تُبنى عليها كل الصواريخ والمسيّرات التي تستهدف المملكة العربية السعودية.














