الأربعاء - 03 جمادى الأول 1448 هـ - 14 أكتوبر 2026 م

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

A A

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم.

وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود ما بين اليمن والسعودية وكأنها هي حدوده!». فلا اعتبار عنده لحدود الدول ولا لسيادتها؛ فإنه لا ولاية مشروعة عنده إلا في أهل البيت، وأما الدول السنية التي حكمت العالم الإسلامي فإنما هي دول ظالمة.

وتتضاعف خطورة هذه الفكرة إذا رُبطت بتقديمه جماعته بديلاً عن الدولة؛ ففي (ص 409) يقرر أن على أهل الحق أن يتحركوا «بشكل جماعي متوحدين؛ لذا فعليهم أن يؤهلوا أنفسهم ليصبحوا أمة قادرة حينئذٍ عندما يتوحدون، عندما يكون منهجهم واحداً، عندما يكون منهجهم قائماً على الاعتصام بحبل الله مجتمعين، عندما يكونون صادقين متعاونين فيما بينهم حينئذٍ سيصبحون أمة قادرة على أن تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر». فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده ليس واجباً فردياً يؤديه كل مسلم بحسبه، ولا هو من وظائف الدول التي يصفها بالفساد والعمالة. إنه مهمة الجماعة الحوثية التي سعى إلى تكوينها.

وإذا سقطت الحدود السياسية، وصارت الجماعة هي المنوط بها الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد من النظر في موقفه من المملكة العربية السعودية. وقد أوضحه في مواضع كثيرة، منها قوله في (ص 609): «موقف السعودية الآن أليس معروفاً لدينا؟ ألم تكن السعودية معروفة عند الجميع بأن لها علاقة قوية جداً مع أمريكا وصديقة لأمريكا». ويخاطب العلماء القائلين بطاعة ولي الأمر في (ص 577): «أنتم يا من دَجَّنْتُم الأمة الإسلامية للحكام، انظروا كيف دَجَّنَها الحكام لليهود، انظروا كيف أصبحوا يتحركون كجنود لأمريكا وإسرائيل». فالسياسي والشرعي عنده شريكان في خدمة القوى الكبرى، وبذلك ينتقلان معاً إلى خانة الخصم الذي تتوجه إليه الجماعة بالمجاهدة والمقاتلة.

ومن هنا يربط انتشار السلفية بأمريكا، فيقول في (ص 1568): «انظر كيف كانت الطائفة الوهابية تتحرك في الدنيا كلها، ألم يكونوا يتحركون في الدنيا كلها؟ بكل هدوء، وبمعنويات مرتفعة، ولا يخافون شيئاً؛ لأنْ ما هناك من يخافون منه، هم لا يخافون أمريكا، ولا يخافون أحداً، هم من جندوهم، تحركوا في الحجاز، وفي اليمن، وفي باكستان، وفي الجزائر، وفي مصر، وفي مناطق كثيرة».

ولأنهم -بزعمه- صنيعة أمريكية، فهم عنده يفرّقون كلمة أهل الإسلام الحقيقي؛ يقول في (ص 579) واصفاً تجربته معهم: «الإرهابيون الحقيقيون هم الوهابيون يوم كانوا يفرقون كلمة الناس، يوم كانوا ينطلقون داخل هذا المسجد وتلك القرية، وهذه المدرسة وذلك المعهد؛ ليثيروا في أوساط الناس العداوة والبغضاء ضد بعضهم بعضاً؛ ويثقفوا أبناء المسلمين بالعقائد الباطلة التي جعلت الأمة ضحية طول تاريخها وأصبحت اليوم بسببها تحت أقدام اليهود والنصارى».

وهذا التنظير هو الأساس الذي تُبنى عليه الحرب على المسلمين المخالفين؛ فإذا كانت الإمامة والولاية والحكم الشرعي محصورة في أهل البيت، وكان الحكام والعلماء القائمون عملاء لأمريكا؛ فإن لازم ذلك أن ردّ الأمر إلى أهله لا يتم إلا بإزاحة هؤلاء.

أما عموم الناس فهم عنده صنفان: مؤمن ومنافق، وعلامة المنافق رفضه للصرخة، يقول في (ص 579): «فحتى تعرفون أنتم، وتسمعون أنتم أثر صرختكم ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصرخة». ثم يصعّد الوصف إلى الخروج من الدين، فيقول في (ص 2082): «فمن يمنعنا ممن يحمل اسم إسلام فليس بمسلم، من يعمل ضدنا ونحن نتحرك لنثقف أنفسنا بثقافة القرآن قبل أن يثقفونا اليهود – أكثر مما قد حصل – بثقافتهم، فإنه من أولياء اليهود من يحاول أن يحول بيننا وبين ذلك». ويجعل رفع الشعار علامة الفرق بين الثابت والمرتد، فيقول في (ص 1595): «إذاً عندما ينطلق الشباب، ويقوموا بقوة، ويرفعوا شعار كهذا، ما معناه أنه لن نكون كأولئك الخانعين، الخاضعين، الخائفين، القاعدين المرتدين عن دينهم».

وبهذا تنقسم المجتمعات المسلمة عنده ثلاث فئات:

  • السياسيون: ولايتهم باطلة؛ لأنهم ليسوا من أهل البيت؛ ولأنهم عملاء لأمريكا.
  • العلماء: علماء سوء؛ لأنهم يأمرون الشعوب بالسمع والطاعة للحكام.
  • الشعوب: والمعيار الظاهر الذي يميّز مؤمنها من منافقها ومرتدها هو تبنّي الصرخة وانطلاق الألسنة بها.

وعلى هذا الأساس قام مفهوم الجهاد عنده؛ فما يُسمّى إرهاباً ليس إرهاباً في الحقيقة، وإنما هو تسمية أمريكية للجهاد، كما يقول في (ص 1565): «فالجهاد في الإسلام هو نفس الإرهاب الذي أمريكا تريد أن تقود العالم كله لمقاومته».

أما ما يصيب الدول العربية من ويلات، فيردّه إلى وقوفها ضد الخميني، الذي يصفه في (ص 1622) بأنه كان إماماً عادلاً «والإمام العادل لا تُرد دعوته». ويعدّد في الصفحة نفسها الدول التي “ضُربت”، ومنها السعودية التي “ضُربت اقتصادياً”، ويتوقع أن ينال الجيش اليمني “عقوبة ما عمل”. فالضرر الواقع على الدولة المخالفة -بما فيه الضرر الاقتصادي- جزاء مستحق لمناهضتها الثورة الإيرانية.

وأخطر ما في هذا البناء أن منطقه لا يتسع لفئة اسمها “المدنيون” أصلاً. فالناس في الملازم إما مؤمن يرفع الصرخة، وإما منافق أو مرتد يقعد عنها أو يعارضها، ولا منزلة ثالثة بينهما يقف فيها إنسان محايد له حرمة لذاته. ولذلك حين يرد لفظ “المدنيين” لا يرد ليُثبت لهم حصانة، بل ليُسقط عنهم الوصف نفسه، ويردّهم إلى إحدى الخانتين، كقوله في (ص 1787): «هم من تسمع عنهم يقال عنهم (مدنيين وعزّل)، ثم انظر أولئك المدنيين والعزل هل هم نساء وأطفال؟ أم أنك ترى فيهم الكثير من الشباب، ترى فيهم الكثير من الرجال الذين كان باستطاعتهم وبإمكانهم أن ينطلقوا في عمل فذلّوا». فـ”المدني” في هذا المنطق ليس إنساناً خارج دائرة القتال، بل قاعدٌ اختار الذلة.

وبهذا تكون الملازم قد قسمت العالم الإسلامي فسطاطين: فسطاط المؤمنين بالصرخة والولاية لأهل البيت، وفسطاط المنافقين. يقول في (ص 575) إننا في آخر الزمان «الذي يَتَغَرْبَل فيه الناس فيكونون فقط صفين فقط: مؤمنون صريحون/ منافقون صريحون». وإذا لم يبقَ في التصور إلا هذان الصفان، فلازم ذلك أن ما يصيب المواطنين في البلاد المخالفة من قتل يُقرأ جزاءً على نفاقهم وقعودهم عن الصرخة، لا جنايةً على أبرياء. وأن ما يصيب أعيانهم المدنية من قصف لا يُرى عدواناً على حرمة، بل إصابةً لأموال منافقين وعملاء لأمريكا وإسرائيل.

وهذا اللازم هو ما تحوّل بعد ذلك من تنظير في الملازم إلى ممارسة في الميدان، كما رأيناه في الهجوم الذي شنّته ميليشيا الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وكان بين ضحاياه معتمرون في طريقهم إلى المسجد الحرام. فلم يشفع لهم أنهم مدنيون في منشأة مدنية. بل لم تسلم من صواريخهم البقاع المقدسة نفسها: فقد أعلن التحالف مراراً اعتراض صواريخ أطلقتها الميليشيا باتجاه مكة المكرمة، وأعلن استهدافها محطة الكهرباء التي تغذي المسجد النبوي في المدينة المنورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  أولا – ملخص : في هذا المقال تطرقت إلى الكتابة حول معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة ، وهما من مصادر الاستدلال والتلقي والحكم عندهم ، مبينا أنهم مع استدلالهم بالقرآن الكريم والحديث النبوي استدلوا بالرؤى والمنامات والإلهامات في أقوالهم وأذكارهم وأورادهم وأحوالهم . وتتمثل إشكالية البحث في الأسئلة الآتية […]

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

تعريف النوحية: النوحية أو “النصرانية الإسرائيلية“: نسبة إلى نوح عليه الصلاة والسلام، ومعناها عند من يدعو إليها: “التزام الوصايا السبع” التي أوصى بها نوح البشريةَ، بعد أن تعاهد هو وأبناؤهم مع الله للقيام بها، ويُرمز لها بألوان قوس قزح[1]، وأصلها ما وضعه حاخامات اليهود في “التلمود“، وهي تحريم الوثنية وعبادة الأصنام، ووجوب تنزيه اسم الله […]

ما قولك في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم

لا نقر للميتين أياً كانوا بأي نصيب من الدعاء ، إذ ليسو شفعاء وليسو وسطاء ؛وحتى لو علمنا وجاهتهم عند ربهم ،فليس لوجاهتهم في حياتنا ما يجعلنا نُسَيِّرُ شيئا من دعائنا إليهم ، إذ هم اليوم في حاجة ماسة إلى أن ندعوَ لهم ونرجوا لهم الخير من باريهم ؛ فالله وحده هو الذي ندعوه ونسأله […]

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: هذه السطور ليست من باب التعصب لشخصية تاريخية، ولا اصطفافًا في معركةٍ مذهبية معاصرة، وإنما محاولة علمية هادئة لإعادة الميزان إلى موضعه الصحيح، بعد أن اختلّ هذا الميزان في زمنٍ غلب فيه خطاب الشحن والكراهية على التحقيق العلمي، والمواقف المُسبقة على الشهادات الموثَّقة. لقد تعرّض الشيخ محمد […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017