ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)
لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم.
وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود ما بين اليمن والسعودية وكأنها هي حدوده!». فلا اعتبار عنده لحدود الدول ولا لسيادتها؛ فإنه لا ولاية مشروعة عنده إلا في أهل البيت، وأما الدول السنية التي حكمت العالم الإسلامي فإنما هي دول ظالمة.
وتتضاعف خطورة هذه الفكرة إذا رُبطت بتقديمه جماعته بديلاً عن الدولة؛ ففي (ص 409) يقرر أن على أهل الحق أن يتحركوا «بشكل جماعي متوحدين؛ لذا فعليهم أن يؤهلوا أنفسهم ليصبحوا أمة قادرة حينئذٍ عندما يتوحدون، عندما يكون منهجهم واحداً، عندما يكون منهجهم قائماً على الاعتصام بحبل الله مجتمعين، عندما يكونون صادقين متعاونين فيما بينهم حينئذٍ سيصبحون أمة قادرة على أن تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر». فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده ليس واجباً فردياً يؤديه كل مسلم بحسبه، ولا هو من وظائف الدول التي يصفها بالفساد والعمالة. إنه مهمة الجماعة الحوثية التي سعى إلى تكوينها.
وإذا سقطت الحدود السياسية، وصارت الجماعة هي المنوط بها الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد من النظر في موقفه من المملكة العربية السعودية. وقد أوضحه في مواضع كثيرة، منها قوله في (ص 609): «موقف السعودية الآن أليس معروفاً لدينا؟ ألم تكن السعودية معروفة عند الجميع بأن لها علاقة قوية جداً مع أمريكا وصديقة لأمريكا». ويخاطب العلماء القائلين بطاعة ولي الأمر في (ص 577): «أنتم يا من دَجَّنْتُم الأمة الإسلامية للحكام، انظروا كيف دَجَّنَها الحكام لليهود، انظروا كيف أصبحوا يتحركون كجنود لأمريكا وإسرائيل». فالسياسي والشرعي عنده شريكان في خدمة القوى الكبرى، وبذلك ينتقلان معاً إلى خانة الخصم الذي تتوجه إليه الجماعة بالمجاهدة والمقاتلة.
ومن هنا يربط انتشار السلفية بأمريكا، فيقول في (ص 1568): «انظر كيف كانت الطائفة الوهابية تتحرك في الدنيا كلها، ألم يكونوا يتحركون في الدنيا كلها؟ بكل هدوء، وبمعنويات مرتفعة، ولا يخافون شيئاً؛ لأنْ ما هناك من يخافون منه، هم لا يخافون أمريكا، ولا يخافون أحداً، هم من جندوهم، تحركوا في الحجاز، وفي اليمن، وفي باكستان، وفي الجزائر، وفي مصر، وفي مناطق كثيرة».
ولأنهم -بزعمه- صنيعة أمريكية، فهم عنده يفرّقون كلمة أهل الإسلام الحقيقي؛ يقول في (ص 579) واصفاً تجربته معهم: «الإرهابيون الحقيقيون هم الوهابيون يوم كانوا يفرقون كلمة الناس، يوم كانوا ينطلقون داخل هذا المسجد وتلك القرية، وهذه المدرسة وذلك المعهد؛ ليثيروا في أوساط الناس العداوة والبغضاء ضد بعضهم بعضاً؛ ويثقفوا أبناء المسلمين بالعقائد الباطلة التي جعلت الأمة ضحية طول تاريخها وأصبحت اليوم بسببها تحت أقدام اليهود والنصارى».
وهذا التنظير هو الأساس الذي تُبنى عليه الحرب على المسلمين المخالفين؛ فإذا كانت الإمامة والولاية والحكم الشرعي محصورة في أهل البيت، وكان الحكام والعلماء القائمون عملاء لأمريكا؛ فإن لازم ذلك أن ردّ الأمر إلى أهله لا يتم إلا بإزاحة هؤلاء.
أما عموم الناس فهم عنده صنفان: مؤمن ومنافق، وعلامة المنافق رفضه للصرخة، يقول في (ص 579): «فحتى تعرفون أنتم، وتسمعون أنتم أثر صرختكم ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصرخة». ثم يصعّد الوصف إلى الخروج من الدين، فيقول في (ص 2082): «فمن يمنعنا ممن يحمل اسم إسلام فليس بمسلم، من يعمل ضدنا ونحن نتحرك لنثقف أنفسنا بثقافة القرآن قبل أن يثقفونا اليهود – أكثر مما قد حصل – بثقافتهم، فإنه من أولياء اليهود من يحاول أن يحول بيننا وبين ذلك». ويجعل رفع الشعار علامة الفرق بين الثابت والمرتد، فيقول في (ص 1595): «إذاً عندما ينطلق الشباب، ويقوموا بقوة، ويرفعوا شعار كهذا، ما معناه أنه لن نكون كأولئك الخانعين، الخاضعين، الخائفين، القاعدين المرتدين عن دينهم».
وبهذا تنقسم المجتمعات المسلمة عنده ثلاث فئات:
- السياسيون: ولايتهم باطلة؛ لأنهم ليسوا من أهل البيت؛ ولأنهم عملاء لأمريكا.
- العلماء: علماء سوء؛ لأنهم يأمرون الشعوب بالسمع والطاعة للحكام.
- الشعوب: والمعيار الظاهر الذي يميّز مؤمنها من منافقها ومرتدها هو تبنّي الصرخة وانطلاق الألسنة بها.
وعلى هذا الأساس قام مفهوم الجهاد عنده؛ فما يُسمّى إرهاباً ليس إرهاباً في الحقيقة، وإنما هو تسمية أمريكية للجهاد، كما يقول في (ص 1565): «فالجهاد في الإسلام هو نفس الإرهاب الذي أمريكا تريد أن تقود العالم كله لمقاومته».
أما ما يصيب الدول العربية من ويلات، فيردّه إلى وقوفها ضد الخميني، الذي يصفه في (ص 1622) بأنه كان إماماً عادلاً «والإمام العادل لا تُرد دعوته». ويعدّد في الصفحة نفسها الدول التي “ضُربت”، ومنها السعودية التي “ضُربت اقتصادياً”، ويتوقع أن ينال الجيش اليمني “عقوبة ما عمل”. فالضرر الواقع على الدولة المخالفة -بما فيه الضرر الاقتصادي- جزاء مستحق لمناهضتها الثورة الإيرانية.
وأخطر ما في هذا البناء أن منطقه لا يتسع لفئة اسمها “المدنيون” أصلاً. فالناس في الملازم إما مؤمن يرفع الصرخة، وإما منافق أو مرتد يقعد عنها أو يعارضها، ولا منزلة ثالثة بينهما يقف فيها إنسان محايد له حرمة لذاته. ولذلك حين يرد لفظ “المدنيين” لا يرد ليُثبت لهم حصانة، بل ليُسقط عنهم الوصف نفسه، ويردّهم إلى إحدى الخانتين، كقوله في (ص 1787): «هم من تسمع عنهم يقال عنهم (مدنيين وعزّل)، ثم انظر أولئك المدنيين والعزل هل هم نساء وأطفال؟ أم أنك ترى فيهم الكثير من الشباب، ترى فيهم الكثير من الرجال الذين كان باستطاعتهم وبإمكانهم أن ينطلقوا في عمل فذلّوا». فـ”المدني” في هذا المنطق ليس إنساناً خارج دائرة القتال، بل قاعدٌ اختار الذلة.
وبهذا تكون الملازم قد قسمت العالم الإسلامي فسطاطين: فسطاط المؤمنين بالصرخة والولاية لأهل البيت، وفسطاط المنافقين. يقول في (ص 575) إننا في آخر الزمان «الذي يَتَغَرْبَل فيه الناس فيكونون فقط صفين فقط: مؤمنون صريحون/ منافقون صريحون». وإذا لم يبقَ في التصور إلا هذان الصفان، فلازم ذلك أن ما يصيب المواطنين في البلاد المخالفة من قتل يُقرأ جزاءً على نفاقهم وقعودهم عن الصرخة، لا جنايةً على أبرياء. وأن ما يصيب أعيانهم المدنية من قصف لا يُرى عدواناً على حرمة، بل إصابةً لأموال منافقين وعملاء لأمريكا وإسرائيل.
وهذا اللازم هو ما تحوّل بعد ذلك من تنظير في الملازم إلى ممارسة في الميدان، كما رأيناه في الهجوم الذي شنّته ميليشيا الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وكان بين ضحاياه معتمرون في طريقهم إلى المسجد الحرام. فلم يشفع لهم أنهم مدنيون في منشأة مدنية. بل لم تسلم من صواريخهم البقاع المقدسة نفسها: فقد أعلن التحالف مراراً اعتراض صواريخ أطلقتها الميليشيا باتجاه مكة المكرمة، وأعلن استهدافها محطة الكهرباء التي تغذي المسجد النبوي في المدينة المنورة.














