التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين
طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين.
وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون نظام بشار الأسد الذي كان أشد تطرفا وهمجية وعنصرية وقتلا للناس من أي تطرف ؛ ولهذا فموقفهم في بيانهم أشد ما يكون تناقضا؛ كما أن البعض الأخر رجعوا عن هذا البيان ، وبعضهم أنكر توقيعه عليه .
ولذلك فما سوف نقوله إنما هو من البيان في وقت الحاجة.
وقد جاء البيان ضد التكفير جملة ، ونحن إنما نوافقه في تجريم تكفير المسلمين، ورفض العنف على الذميين ، وضرورة حماية السلم الذي أمر الله به في مثل قوله تعالى :(فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ).
ونحن إنما نقف أمام أمانة العلم لتحرير محل الخلاف بيننا وبين أصحاب البيان .
فإن الاتفاق على نُبل الغاية لا يعني التسليم بسلامة مسلكها، فقد تضمن البيان نقاطاً نختلف معها منهجياً وتاريخياً، ولعل من أبرزها: إقحام تراث ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب بوصفه حواضن للتكفير، والتعويل على ما أسماه البيان بـ “إحياء الفكر التنويري” من فنون وموسيقى وفلسفة كأداة محورية للمعالجة.
فإن القول بأن كتب ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب هي محاضن للتكفير يمثل باباً خاطئا لفهم ظاهرة التكفير والعنف على من لا يستحقه، ومحاكمةً للنص الفقهي بخطأ القارئ المعاصر في فهمه.
كخلطه -أي بعض القراء المعاصرين – بين المطلق والمعين:؛ فمثلا قد غاب عن البيان التمييز الأصولي الدقيق في تراث هؤلاء الأعلام بين “التكفير المطلق” و”تكفير المعين”؛ إذ قرر ابن تيمية وابن القيم مراراً: أن القول أو الفعل قد يكون كفراً، لكن لا يُحكم بكفر الفاعل بعينه إلا بعد “ثبوت الشروط وانتفاء الموانع” كإزالة الجهل أو التأويل.
ثم إن الجماعات التي تزعم تحرريتها المعاصرة والجماعات المناوئة للسلفية أو المناوئة للدولة السعودية هي التي ألغت هذا الاشتراط المنهجي، وسطت على الأحكام المطلقة لتزعم سقوطها عند ابن تيمية ومن معه على الأعيان والمجتمعات؛ وجاء الشباب المتدينين كما يزعمون بتدين ابن تيمية وأكثرهم لم يقرأوا له بتنزيل التكفير دون تفريق بين من يقع منه كفر ومن يخرج من الملة وليس هذا مقام بسط المسأله .
ولا يتحمل وزر هذه الجناية الخارجية من قعّد القواعد التي يُفهم بها كلام الرجال ، بل يتحملها من جرّأ أولئك الشباب على الحكم دون تبصر ودون قراءة ، وأتهام الشيوخ الذين يؤخذ عنهم.
ثم إن بعض النصوص التيمية التي تتكئ عليها جماعات العنف قيلت في سياق حروب وجودية واجتياح مغولي أهلك الحرث والنسل؛ واستدعاء فتاوى ارتبطت بـزمن الحرب العسكرية، وتنزيلها على واقع
الدولة المستقرة هو انحراف منهجي تمارسه جماعات التكفير، وينبغي للمثقف الموضوعي ألا يقع في الفخ ذاته بتصديق ادعاءات هذه الجماعات بأنها التطبيق الأمين لفقه الأئمة.
كما لا ينبغي لعموم الناس تصديق الناقمين على دعوة السلف تحت أي تأثير كان .
أما تحرير موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛فعلى رغم الاستقطاب الحاد حول أدبياته، إلا أأننا نجده صرَّح مراراً في رسائله الموثقة في “الدرر السنية” قائلاً: “لا نكفر إلا بما أجمع عليه العلماء”، نافياً تكفير العوام ومن لم تبلغه الحجة. إن التجاوزات التي وقعت من بعض المنتسبين لفِكره ، أو التوظيف السياسي اللاحق، لا يصح أن تنسحب على تقريراته العلمية المجردة. كما لا ينبغي محاكمة هذا التراث الفقهي ِالعريض بممارسات قلة معاصرة ،كما لا ينبغي محاكمة علم الطب بجهل أدعياء التطبيب.
أما وهم التعويل على “الفكر التنويري” كعلاج أملس فهذا من أخطر الأمور بل هو أخطرها؛ إذ دعا البيان إلى محاربة التكفير عبر إحياء الفكر التنويري وتفعيل حصص الموسيقى والفنون والفلسفة في المدارس كمسار موازٍ، وهنا نختلف مع هذا المقترح للأسباب الآتية:
أولها : أن من لا يؤمن بالإسلام دينا ويعمل بغيره أو يترك العمل بكل دين ، كافر عند جميع المسلمين كما أن المسلم عند اليهود والنصارى كافر ، لا يخالف في ذلك إلا بعض الليبراليين سواء أكانوا مسلمين أم نصارى أم يهودا ؛ فالتكفير إذا وُضع في موضعه الصحيح ليس منكراً عند الجميع ، وإنما المنكر في الإسلام هو تكفير المسلمين ،وصدوره من غير أهل له ، وجعل التكفير ملازما للقتل ، فالكافر في نظر أهل الغلو يُقتل أياً كان ؛ أكان على دين مخالف أم على دين الإسلام في أصله .
وعند المسلمين يجب احترامه سواءً أكان ذميا أم معاهداً .
الثاني :القصور في فهم أسباب وجود التكفير ؛ فإن الشاب الذي ينزلق إلى هاوية التكفير لا يفعل ذلك لقصور في ذائقته الفنية، بدليل وجود التكفير عند عدد النصارى المغنين ممن انخرطوا مع الغلاة وهم من إسبانيا والنمسا وفرنسا وبريطانيا .
بل إن الغلو ناتج عن خلل واعوجاج في بنائه العقدي، إذ يرى بيقين أنه ينفذ مراد الله.
وعلاج هذه اللوثة الفكرية لا يكون باستيراد قوالب تنويرية لا يثق بها، بل بأدوات عقدية وفقهية مضادة تنقض شبهاته من داخل النسق المعرفي الإسلامي ذاته، وعلى يد علماء راسخين ومؤسسات دينية معتبرة تملك الرمزية الموثوقة لدى الشباب.
صحيح أن الشاب قد ينزاح من الغلو إلى الليبرالية فيريح الناس من غلوه إلى غلو آخر ، لكنه لن ينهي هذه الظاهرة وهي ظاهرة التطرف في الدين ، كما أنه سوف يوقعنا في خطر صناعة التطرف العكسي؛ فإقحام برامج تُستلهم من سياقات غربية ـ حيث نشأ التنوير كتمرد على الكنيسة ـ وتقديمها كبديل للمقررات الدينية، غالباً ما يأتي بنتيجة عكسية.
وهذا الخطاب التغريبي تستغله جماعات التطرف كدليل زائف على وجود خطة ممنهجة لسلخ المجتمع من هويته، مما يمنحها شرعية عاطفية لاستقطاب المزيد من الغيورين غير المحصنين. فبرامج التنوير غير المنضبطة بمرجعية الأمة قد تصبح مصنعاً رديفاً يغذي خطاب المظلومية لدى المتطرفين.
إن استئصال شأفة الغلو في التكفير غاية نبيلة لا مساومة عليها، لكنها تتطلب مبضع جراح ماهر يعرف تشريح الجسد الثقافي للأمة؛ فالحل يكمن في واقع الأمة وتراثها لافي الاستيراد ؛وذلك من خلال تفعيل مقاصد الشريعة، ودعم الخطاب الديني الرصين القادر على تفكيك مقولات الغلو بالدليل الشرعي، بدلاً من الدخول في خصومة مجانية مع تراث الأمة وعلمائها الكبار، أو الهروب إلى حلول ثقافية ناعمة لا تزيد المشهد المعقد إلا هشاشة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم













