الأربعاء - 16 محرّم 1440 هـ - 26 سبتمبر 2018 م

ماذا قال لنا محمَّد بنُ عبدِ الوهَّاب؟

A A

لا شك أننا حين نتحدث عن مصلحٍ ما ونريد أن نثبت أثرَه، لا بد أن ننظر في الأمر كيف كان قبله؛ ليتضح لنا ما هو الإصلاح الذي قدمه؟ ومن أراد أن يتعرف على نجد موطن الشيخ محمد، وكيف كانت قبله؟ فما عليه إلا أن يتصور عددا من المعطيات تكفُل له تصوير الواقع حتى وإن لم يقرأ في ذاك حرفا واحدا.

بلدٌ صحراوي الطبيعة، قليلُ المطر، طاردٌ للسكان، لا حكومةَ جامعةٌ له تقوم بمصالحه، بل يعيش أهله في افتراق واحتراب، حتى القرى المستوطن أهلها ربما وجدت في القرية الواحدة أميرين أو ثلاثة بينهم احتراب وتنازع على السلطة في هذا المكان المحدود.

الجهل هو الطابع العام على سكَّان الدول الإسلامية من حولهم، لا تقدم لهم شيئا سوى غارات حربية يقوم بها الهاشميون بين الفترة والأخرى؛ القصد منها مطاردة أعراب نجد وتأديبهم، ولم يكن هناك أيُّ قصدٍ لتنمية هذا البلد أو تثقيف أهله، ظلَّ أهل نجد على هذا الوضع منذ سقوط دولة بني أمية حتى قيام الدولة السعودية الأولى.

فكيف يظن المرء بالمستوى الديني والعقدي في تلك البلاد؟

إذا علمنا أن البلاد الآمنة التي تعيش تحت إدارة دول قوية؛ كالشام ومصر والعراق، تك البلاد قد شاع فيها الجهل والانحراف العقدي، فكيف سيكون حال أهل نجد؟

لا شك أنك أخي المشاهد ستتصور مشهدًا مظلمًا في غالبه، والحقيقة أنه هكذا كان؟

وسأعرض الصورة إجمالا، فالناس إذ ذاك انقسموا في شهادة التوحيد إلى قسمين:

القسم الأول: وهم السواد الأعظم يقرون بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولكنه إقرارٌ خاوٍ عن معناه، فالصلاة مضيعة، والزكاة معدومة، والصيام مجهول، والحج موسم للسلب والنهب، والنذر لقبور الأولياء وغير الأولياء والذبح لهم، ودعاء الجن والخوف منهم، والتحاكم إلى الطواغيت سائد بينهم، كما حكى ذلك غير واحد ممن عاصر هذه الدَّعوَة من الثقات.

وقسم آخر: وهم محصورون في سكان القرى قليلة العدد والعدة، يعرفون معنى الشهادتين ويقيمون أركان الإسلام، لكنهم لا يقدمون شيئا فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ربما حاربوا الداعي إلى إصلاح الناس كما فعل عدد منهم مع دعوة الشيخ.

أما الشيخ رحمه الله فلم يدْعُ إلى أمر خطير كما يوهم كلام أعدائه، كل ما دعا إليه ببساطة أن نحقق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله في أنفسنا وفي حياتنا العملية، هذه خلاصة دعوته، فلماذا الغضب منها؟

دعا محمد بن عبد الوهاب إلى مراجعة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماذا دعا الناس إليه؟

وحين نصل إلى جواب، نعلم أن ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما يجب علينا أن ننصاع له.

كيف نعرف حقيقة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

يقول لنا محمد بن عبد الوهاب: إن ذلك سهل ميسور بإمكان كل مسلم فعله، وهو الرجوع إلى القرآن مباشرة، القرآن الذي هجر الناس تلقي العقيدة منه، وأوكلوا ذلك إلى المشايخ والملالي، كل مؤلفات محمد بن عبد الوهاب يحاول فيها أن يربط المسلم بالقرآن مباشرة، هذا كتاب التوحيد لا يتكلم فيه الشيخ كثيرا يذكر الآية فقط أو الحديث ثم يذكر ما يمكن أن يستفيده كل إنسان منه، سواء أكان عالمًا أم أميًّا، إن الأمية في نظر محمد بن عبد الوهاب لا تحول بين العبد وبين تعلُّم حقيقة ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن مباشرة؛ لأن الأمِّي من البشر، والرسول أُرسِل إلى كل البشر، فمن المحال أن ينزل الله القرآن ويجعل فهمه في أصول العقيدة مقصورا على العلماء فقط.

محمد بن عبد الوهاب يحارب الوصاية على العقول باسم الدين، ويدعوا إلى احترام العالم؛ لأنه أكثر علما بالكتاب والسنة وطرق الاستنباط؛ لأن لديه سلطة من الله على عقول البشر.

أشهر كتب الشيخ هو كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، استمع إلى الشيخ ما يقول في كتابه:

وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] الآية، وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] الآية، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] الآية، وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] الآيات.

قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: من أَرادَ أن يَنظُر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خَاتَمُه، فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 151 – 153] الآية([1]).

 

وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: “يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله”؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا”، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟  قال: “لا تبشرهم فيتكلوا”، أخرجاه في الصحيحين([2]).

 

فيه مسائل:

الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.

الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.

الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله تعالى: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3].

الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.

الخامسة: أن الرسالة عمَّت كل أمة.

السادسة: أن دين الأنبياء واحد.

السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ…} [البقرة: 256] الآية.

الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما يعُبِد من دون الله.

التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف. وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.

العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا } [الإسراء: 22]، وختمها بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39]، ونبهنا الله -سبحانه- على عظم شأن هذه المسائل بقوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39].

الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].

الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند موته.

الثالثة عشرة: معرفة حق الله تعالى علينا.

الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدَّوا حقه.

الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.

السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.

السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.

الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.

التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.

العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.

الحادية والعشرون: تواضعه -صلى الله عليه وسلم- لركوب الحمار مع الارداف عليه.

الثانية والعشرون: جواز الارداف على الدابة.

الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل رضي الله عنه.

الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.

 

يذكر محرر مركز الأبحاث العقائدية: أن محمد بن عبد الوهاب تلميذٌ بليد لابن القيم؛ لأنه سطحي في الاستنباط من النصوص، والحقيقة أن ما يسميه ذلك المحرر سطحية هو سر عظمة الشيخ محمد؛ لأنه يريد أن يقرب القرآن للجميع بعد أن حاول كثير من العلماء إيهام الناس أنه حكر على العلماء، وأن استنباط العقيدة منه أمر بعيد المنال، بل جعلوا حتى تفسيره أمرا معقدا.

محمد بن عبد الوهاب يقول بيسر وسهوله: لا تدع إلا الله؛ لأنه تعالى يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، لا تذبح إلا لله؛ لأنه تعالى يقول: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، أين المشكلة إذًا؟ لماذا يكرهون محمد بن عبد الوهاب؟

هل لأنه يقول إن الله أقرب إليك من البدوي والعيدروس والسقاف وابن علوان وسيدي بوزيد وسيدي موسى وعبد السلام بن مشيش؟!

هل لأنه يقول ذلك يكرهونه؟

إن الله تعالى يقول ذلك، فماذا تقولون في قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

 

محمد بن عبد الوهاب دعانا لنزع الخوف من قلوبنا، الخوف الذي ينتاب الإنسان بشكل فطري حين يبتعد عن ذكر الله، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36].

هذه المعيشة الضنكة التي أشار إليها القرآن تتمثل في شعور الإنسان بحاجته للأموات وخوفه منهم؛ يخاف من الجيلاني، والجيلاني عبدٌ ميت في قبره، ويخاف من العيدروس والبدوي والحسين، يُقدِّم القربات لهم بدلا أن يقدمها لله، لماذا يقول محمد بن عبد الوهاب: لماذا لا تقدم قرباتك ونذورك لله وهو كفيل بأن يحقق لك ما تريد من الأمن والرضا؟ كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]، الله الذي يقبض ويبسط وليس صاحب القبر ولا صاحب الزمان، فلماذا لا تُقدِّم قَرضَك له خفية بأيدي الفقراء بدلا من صناديق النذور في المساجد، {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271].

قال لنا محمد بن عبد الوهاب: إن الإنسان يشعر بعزته وإنسانيته الحقَّة وتكريم الله له حين يكون عبدا خالصا لله، ولن يتم استعباده لله تعالى وهو خاضع للمُلَّا ولشيخ الطَّريقة، شيخُ الطَّريقة والمُلَّا يجب أن ينظر إليهما العبد كنِدَّينِ له يشتركان معه في العبودية لله كَمالُهُما بقدر خضوعهما لأوامر الله واجتنابهما لنواهيه، قد يكون العبد الأمِّي أفضل بمراحل من الشيخ العالم إذا كان أكثر التزاما بأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه.

قال لنا: لا تجعلوا عقولكم بأيدي الكُتاب والمفكرين والملالي، أنتم وهؤلاء الكتاب والملالي أقربكم من الله هو أتقاكم له، كلُّكم سواء عند الله تعالى، راجعوا القرآن وانظروا كما ينظر الملا، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

أنا محمد السعيدي وسماحة مفتي المملكة العربية السعودية عيالٌ على الدليل في مسائل أصول الدين ليس هو أولى بها مني، أما فروع الفقه وما يسوغ فيه الخلاف فهو أكثر إحاطة بأقوال العلماء، وأعظم قدرة على الاستنباط بحكم ما آتاه الله من علم.

أفتش في القرآن: هل يأمرني القرآن بالذبح والنذر والاستغاثة بغيره؟

إذا كان الجواب: نعم، فأين هذا الخطاب الذي يأمرني فيه الله تعالى بالتوسل والاستغاثة بغيره؟!

إذا كان الجواب: لا، فلماذا أُعادي محمد بن عبد الوهاب؟!

كلُّ من رَدَّ على محمد بن عبد الوهاب يوافقه أن الذبح لله أفضل من الذبح لغيره والتوسل بالله مباشرة أفضل من التوسل بغيره، وإنما يخالفونه في أمر واحد وهو أنهم يرون أن التوسل والاستغاثة بغير الله تعالى مشروعة وهو لا يراها مشروعة.

ويقول لهم محمد بن عبد الوهاب: أين الدليل على مشروعيتها من كتاب الله فلا يحيرون جوابا.

قال لنا محمد بن عبد الوهاب: لا تعبدوا الله إلا بما شرع الله، لا تؤلفوا عبادات من تلقاء أنفسكم؛ لأن ابتداع عبادات جديدة مناف لكمال الدين، ولا يعبد الله إلا بما شرع، والله قد أكمل الدين {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المائدة: 3]

فمن رأى أنه يتقرب إلى الله تعالى بهذه الموالد، والعزاءات، والمآتم، والتطبير، وشد الرحال إلى القبور، وسؤال الله عندها، أو سؤال أصحابها من دون الله، فقد أحدث في دين الله ما ليس منه، “وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”([3])

قال لنا الشيخ رحمه الله: إن من أعظم أضرار الإحداث في الدين والابتداع فيه أن الإنسان يتعلق بالبدعة أكثر من تعلقه بالسنة؛ ولهذا نجد هذه المحدثات يحرص عليها أصحابها، ويوالون فيها ويعادون فيها أكثر من حرصهم على الموالاة والمعاداة في الفرائض، فنجد مثلا رجلا لا يصلي ولكنه يقرُّ المآتم والعزاءات، لا يجافيه أهلُه ولا يعادونه، ورجلا يمنع المآتم والعزاءات ويقيم الصلاة نَجدُ أن أهله يعادونه ويبغضونه؟!

لذلك يبغض كثيرٌ من الناس محمدًا بن عبد الوهاب؛ لأنه يمنع من البدع ويدعوا إلى إقامة السنن، وهذا من شدة شؤم البدعة وعظيم ضررها وشرِّها.

 

أختم بالقول من أراد أن يعرف عن محمد بن عبد الوهاب فليقرأ كتبه مباشرة، ولا يقرأ ما كُتِب عنه، فليس في كتبه -رحمه الله- سوى آيات الكتاب المنير، وهي كتب صغيرة الحجم عظيمة القدر، في متناول فهم الكبير والصغير العالم والجاهل، وكلُّ من يَكتب عن كتب الشيخ من خصومه إنما يريد أن يصدَّ الناس عنها؛ لتستمر وصاية العباد على عقول العباد.

 

ـــــــــــــــــــــــ
(المراجع) 

([1]) سنن الترمذي (5/ 264) برقم (3070)، وقال: حديث حسن غريب، واختلف في إسناده، والخلاف مبني على الخلاف في تحديد (داود الأودي) أهو ابن يزيد الضعيف، أم ابن عبد الله الثقة؟

([2]) متفق عليه، صحيح البخاري (7373)، ومسلم (50).

([3]) سنن أبي داود (4607)، والترمذي (2871)، وغيرهما، وصححه جمع من الأئمة كالترمذي والبزار وابن عبد البر، ونقل ابن عبد البر عن البزار قوله: “هذا حديث ثابت صحيح” جامع بيان العلم وفضله (2/ 1165).

 

ردان على “ماذا قال لنا محمَّد بنُ عبدِ الوهَّاب؟”

  1. يقول فتحي سعد سليمان القناشي:

    جزاكم الله خيرًا ونفع بكم البلاد والعباد اللهم آمين آمين آمين

  2. يقول محمد حسين فلاته:

    جزاك الله خيرا دكتور محمد على هذا المقال وبارك في جهودك الطيبة في إنصاف هذا الشيخ المجدد المفترى عليه من قبل الروافض والصوفية واهل البدع وجميع الكارهين لعقيدة أهل السنة والجماعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

شيوع الفعل لا يدل على جوازه

لأهل العلم مقالات سارت مسار الأمثال، واتخذها أهل الحق مِن بعدهم قواعدَ يسترشدون بها في ضبط ما يحلّ وما يحرم من أفعال العباد، وفي هذه المقالة عرض لأصلٍ وبيان لقاعدة قررها الإمام الطرطوشي (ت 520هـ) في كتابه “الحوادث والبدع”، ووافقه عليها علماء أهل السنة والجماعة؛ حتى جعلوها فارقة بين أهل الحق وأهل الباطل. نص القاعدة: […]

مناقشة دعوى تأويل صفة الضحك لدى الأئمة (البخاري والخطابي وابن عبد البر)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة كم من دعاوى مفتريات وُجِّهت إلى أئمة الإسلام وعلمائه!! وكلها -بحمد الله تعالى- مدفوعة ومردودة غير مقبولة، وليس ذلك الرد والدفع بالصدر، وإنما على بساط العلم والبحث. ومن تلك الدعاوى: دعوى وقوع بعض السلف في تأويل صفة الضحك لله تعالى!! وصفة الضحك ثابته لله تعالى على الوجه اللائق به […]

القرآنُ وكشفُ خفايا النفوس وسيلةً لرد الباطل  

لا يمكن إغفال حظ النفس في المعتقدات التي يعتقدها الإنسان؛ وذلك أن المقاصد والغايات تعدُّ المفسِّر الحقيقي لتصرفات المكلف ومعتقداته، والنفس البشرية نفس معقَّدة يتجاذبها كثير من المغذِّيات الخفيَّة، فالإنسان بطبعه يسعى إلى ما يحقِّق رغباته ويصل من خلاله إلى مراده، ومن هنا كان حديث المكاشفة مقصدًا قرآنيًّا يراد من خلاله كشف التصور وحقيقته لدى […]

تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان: تحليل ودراسة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، واختصهم بأن قرن شهادتهم بشهادة ملائكته على وحدانيته؛ فقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل […]

السلفية ليست رديفا للظاهرية

السّلفية تعني اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهي بهذا المعنى تمثّل الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتَمَثَّلَهُ الصحابة -رضون الله عليهم- في تصرفاتهم وواقع حياتهم. ومن نافلة القول أن يؤكَّد على أسبقيتها للمذاهب الفقهية أيًّا كانت، فقد كان الأئمة -رضوان الله عليهم- على منهج الصحابة في الفقه والتفقُّه، لم يخرجوا […]

ضوابط التفسير عند السلف: مناقشة لأهل الإعجاز العلمي في الأسلوب والنتائج

أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ووصف المتلقين له ابتداء بالعلم، فقال سبحانه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فصلت: 3]. وَبَيَّنَ مقاصده وأحكامه، ووصفه بالتفصيل والإحكام، كما وصف أخباره بالصدق وأحكامه بالعدل، فقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنعام: 115]. وتحدى الله الناس به، وجعله معجزا في […]

لماذا توقَّفت النبوَّةُ لو كانت طريقَ الجنَّة؟!

لم يترك الله سبحانه وتعالى الخلق سدى؛ لا يدرون من أين جاؤوا، ولا يعلمون إلى أين هم ذاهبون، ولا يعرفون غايتهم في هذه الحياة، بل أرسل سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وهدى الخلق إلى الحق، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ […]

مناقشة دعوى المجاز العقلي في الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من أعظم البدع التي يتعلّق بها القبوريّون: الاستغاثة بالأموات فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كمغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، وهداية القلوب، ونحو ذلك، فهي رأس الانحرافات عند القبوريين، وهي “الهدف الأسمى للقبورية والغاية العظمى، والمقصد الأعلى لهم من سائر عقائدهم الباطلة وغلوّهم في الصالحين وقبورهم هو التوصل بها إلى […]

الإلهام بين الإفراط والتفريط!!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فمن المستحيل أن يستدل أهل الباطل على باطلهم بدليل هو حق في ذاته؛ فلا تجدهم البتة يستدلون على بدعهم بصحيح المنقول أو بما يوافق صريح العقول، بل أدلتهم في جملتها مجرد تخيلات تخالف الكتاب والسنة وتناقضهما، وإن وقع منهم الاستدلال بدليل […]

حقيقة التسليم الشرعي

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. جاء الشرع ليخرج الإنسان من داعية هواه إلى اتباع الوحي، وهذا هو حقيقة الدين وأسه، والنفس البشرية تؤثّر عليها الشهوة والشبهة، وهذه المؤثِّرات قد تأخذ مساحة من عقل الإنسان تبعده عن التفكير السليم والتوجُّه الصحيح، فيختار ما فيه هلاكه على ما […]

حديث «من تصبح بسبع تمرات عجوة»: معناه ورفع الأوهام في فهمه

 الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الطب يتميز عن كلام غيره من الأطباء، وله خصائص وسمات ليست لغيره؛ ذلك أنه وحي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا […]

قصة جمع القرآن الكريم

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة تمهيد مساهمةً في تدبر وتعظيم القرآن الكريم نذكّر بقصة جمع القرآن الكريم في كتاب واحد، كجزء من وعد الله عز وجل بحفظ كتابه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر، 9]، وفي الحديث الذي رواه مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل في […]

إثبات صفة العلو والجواب عن الشبه الواردة عليها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد: فقد قال تعالى في كتابه واصفًا نفسه أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11]، والمسلمون مجمعون على وجوب تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، وعن كل مشابهة للمخلوقين. ورغم أن مذهب […]

تفاضل الصفات: مبحث في دلالة الألفاظ ورد التأويل

  كلُّ موصوف بصفات لا بدّ أن تتفاوت في حقِّه بحسب الغرضِ منها، وما يدل عليه الوضع اللغويّ لها، وما تتحمله الكلمة في سياق معيَّن، ومبحث الصفات الإلهية من المباحث التي خفضت فيها الفرق الإسلامية ورفعت بين منكرٍ لها ومثبتٍ ومتأوِّل، ومن الأمور التي تنازع الناس فيها قديمًا قضية تفاضل الصفات بعضِها على بعض. وقد […]

عرض ونقد لكتاب “أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: «الحمد لله الهادي النصير فنعم النصير ونعم الهاد، الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويبين له سبل الرشاد، كما هدى الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق وجمع لهم الهدى والسداد، والذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017