الخميس - 08 جمادى الآخر 1442 هـ - 21 يناير 2021 م

قاربٌ بلا قاع! (دراسةٌ في المنهج النَّقدي للمتون بين المحدِّثين والحداثيين)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقدمة:

يقول لوقا: “أمَّا شاؤول فكان لم يزل ينفثُ تهدُّدًا وقتلًا على تلاميذ الرَّبّ، فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق، إلى الجماعات، حتى إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم، وفي ذهابه حدَث أنَّه اقترب إلى دمشق، فبغتةً أبْرق حوله نورٌ من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتًا قائلًا له: شاؤول شاؤول، لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال الربّ: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعبٌ عليك أن تَرْفُسَ مَنَاخِس. فقال وهو مرتعد ومتحيِّر: يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له الربُّ: قم وادخل المدينة، فيقال لك: ماذا ينبغي أن تفعل… وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق أيامًا وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أنّ هذا هو ابن الله”([1]).

هذا هو بولس الذي كان يهوديًّا ثمَّ دخل النصرانيةَ، فأدخل معَه ما يقوِّض النَّصرانية ويفسِدها، أراد هدمَ النصرانية فلم يجد بدًّا من أن يقوِّضها من الداخل فيهدمها، فهو الذي علَّم الناس أن عيسى عليه السلام لم يكن نبيًّا فحسب، بل هو ابن الله، أنزله الله إلى الأرض ليقدِّم نفسه قربانًا تكفيرًا لخطيئة البشر([2])، فدخل بولس وأدخل معه الوثنيات التي بدَّلت دين النصارى وغيَّرت معالمه، يقول: Berry صاحب كتاب (أديان العالم): “وكان عيسى يهوديًّا وقد ظلَّ كذلك أبدًا؛ ولكن شاؤول كوَّن المسيحيّة على حساب عيسى، فشاؤول في الحقيقة هو مؤسّس المسيحية، وقد أدخل بولس على ديانته بعض تعاليم اليهود ليجذب له العامة من اليهود، كما أدخل صورا من فلسفة الإغريق”([3]).

وإنَّك إن مررتَ بصرك على التاريخ الإسلامي تجد أنَّ لكل فكرة صحيحةٍ بولسًا جديدًا! تجد شخصًا يعلم جيّدًا أنَّ هذه الفكرة الصحيحة لا يمكن تقويضُها إلا بالنَّخر من داخلها بعد أن يلبس لبوسها، ويتزيَّن بتعاليمها، ويدَّعي اتِّباعها، وليس ببعيدٍ عنَّا ما فعله عبد الله بن سبأ الذي قال فيه ابن تيمية رحمه الله: “وأوَّل من ابتدعَ القولَ بالعصمة لعلي وبالنَّصّ عليه في الخلافة هو رأس هؤلاء المنافقين عبد الله بن سبأ الذي كان يهوديًّا فأظهر الإسلام، وأراد فساد دين الإسلام كما أفسد بولص دين النَّصارى”([4])، فأخطرُ حالةٍ تمرُّ بها أيّ فكرة هي أن ينقضَها أحدٌ من داخلها، ممَّن يدَّعي أنَّه من أهلها ويتزيَّى بزيِّها.

واليومَ بعد مُرور قرونٍ على ظهور ابن سبأ لا زال الحال كما هو، فأينما مررت بصرَك ستجد من يمرِّرون مشاريعهم الهدميَّة للإسلام بثيابٍ إسلامية، ومن يجعلون المصطلحات الإسلامية تكأة لتمرير مشاريعهم التقويضيَّة، وهو أخطر ما يكون على أيّ فكر.

يقولُ أحمد أمين: “إِنَّ الأزهَر لا يقبل الآراءَ العلميَّة الحرَّة، فخير طريقة لبثِّ ما تراه مناسبًا من أقوال المستشرقين ألَّا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريِّين على أنها بحثٌ منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مَسُّها، كما فعلتُ أنا في فجر الإسلام وضُحَاهُ”([5]). وقارن بين هذا وبين فعل بولس أو عبد الله بن سبأ تجد الحالَ نفسَه، والنتيجة نفسَها، وإن كان ليس بالضرورة أنَّ مراد الحداثيين من نقد ثوابت الإسلام هو هدم الدين، إلَّا أنَّ النتيجة هي نفسها في كثير من القراءات النقدية غير المنهجية التي يقدّمونها.

أولًا: المنطلقاتُ الحداثيَّة في نقد السُّنة النَّبوية:

الحداثيون كانت لهم مواقفُ واضحة من السُّنة النبوية وطريقة التعامل معها، فقد انطلقوا من حاكميَّة العقل على النَّص النَّبوي، وأن سلطة العقل هي السلطةُ الوحيدة في التَّعامل مع السنَّة النبوية، ومن أجل ذلك يشنِّع حسن حنفي على التَّيار السلفي بأنَّهم يقبلون: “قال الله، وقال رسوله”، أمَّا عنده فـ”لا يعتمد على صدق الخبر سندًا أو متنًا، وكلاهما لا يثبتان إلَّا بالحسِّ والعقل طبقًا لشروط التواتر، فالخبرُ وحدهُ ليس حجةً، ولا يثبت شيئًا، على عكس ما هو سائدٌ في الحركة السَّلفية المعاصرة على اعتمادها المطلق على قال الله وقال الرَّسُول، واستشهادها بالحُجج النَّقلية وحدها دون إعمال الحسِّ والعقل، وكأنَّ الخبر حجَّة، وكأنَّ النقل برهان، وأسقطت العقل والواقع من الحساب في حين إنَّ العقل أساس النقل”([6]).

ولا أدري مَن أوحى لحسن حنفي بفكرة أنَّ أهل السنة والجماعة قد أسقطوا العقل ولم يُعملوه، وكأنَّ أهل السنة والجماعة لم يؤسِّسووا علومًا كثيرة على العقل، ومنها اعتمادهم عليه في المنهج النَّقدي للحديث النبوي! ولسنا بصدد بيان اهتمام أهل السنة بالعقل، ولكن نبين أن مرتكز الحداثيين في التعامل مع السُّنة النبوية هو العقل.

كما أنهم ينطلقون في نظرتهم إلى السنة النبوية من منطلق التَّسوية بين نص النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين أيِّ نصٍّ بشري آخر، فالنُّصوص كلّها لا قداسةَ لها، وبناءً عليه فإن المناهج التي تُطبق على أيّ كلام اعتياديّ يُطبق على السنة دون مراعاةٍ لأن يكون هذا الكلام صادرًا من إنسانٍ معصوم في تبليغ الدين، وأن يكون الكلام له لواحقه وسوابقه، وأنه لا يمكن إهدارُ نصٍّ دون الرجوع إلى النُّصوص الأخرى، يقول عليّ حرب: “لا يهمّ اختلاف النُّصوص وتباعدها ما دامت المسألةُ تتعلَّق بالاشتغال على النَّص بغية العلم به… وبالإجمال: ففي نقد النَّص تسوية النصوص على اختلافها، فلا يهمّ هنا الفرق بين نصّ وآخر من حيث المضامين والمحتويات، أو من حيث الموضوعات، وإنما الذي يهمّ كيفية بناء الخطاب وطريقة تشكُّله وآلية اشتغالِه، هنَا يُمكن الجمع بين النَّص الفلسفي والنَّص النبوي؛ إذ كلاهما يشكّل نصًّا لغويًّا”([7]).

كما أنَّهم ينطلقون أيضًا من تاريخيَّة النَّص، وأنَّ النَّص وإن كانت له سلطةٌ في وقت معيَّن من التاريخ إلا أنَّه لا سلطة له في زماننا، يقول شحرور: “إنَّ المشكلة تأتي مرةً أخرى من زعم الفقهاء أنَّ حلالَ محمَّد صلى الله عليه وسلم حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرام محمَّد صلى الله عليه وسلم حرام إلى يوم القيامة، وتأتي من اعتبارهم أنَّ القرارات النَّبويَّة التنظيمية لها قوة التنزيل الحكيم الشامل المطلق الباقي؛ ناسينَ أنَّ التحليلَ والتحريم محصورٌ بالله وحدَه، وأنَّ التقييد الأبديَّ للحلال المطلَق يدخل حتمًا في باب تحريم الحلال، وهذه صلاحيَّة لم يمنحها تعالى لأحد بما فيهم الرُّسُل”([8]).

فمكانةُ السنةِ عند الحداثيِّين مكانةٌ هامشيَّة لا سلطةَ لها، ولا فرق بينَها وبين أيِّ نص آخر، بل يرون أنَّ السُّنة مآلها أن تضمحلَّ وتختفي، ويُمنُّون أنفسَهم بذلك! يقول عبد الله العروي عن السنَّة أنها: “تحمل في أحشائها الجرثومةَ التي تقوِّض أركانها، وتؤول بها إلى الانهيار متى اقتضت ذلك الظروف الخارجيَّة”([9])، ويقول أيضًا: “من يعتمد العلم الموضوعيَّ يحكم آجلًا أو عاجلًا على السنَّة بالتَّلاشي والانقراض”([10]).

ولأجلِ هذا كلِّه فإنَّ الحداثيّين قد وضعوا السنَّة النبويةَ كلَّها فوق المشرحة، وراحوا يعملون عليها مشرَط النَّقد والتَّأويل والردّ، وقد ادَّعوا أنَّ منهج المحدّثين في التعامل مع الحديث النبوي منهجٌ لا يستقيم والمنهجَ النَّقدي العقلاني، فإنَّ عمل المحدِّثين إنَّما هو في نقد السَّند والاهتمام بعِلم الرجال، ولم يراعوا المتنَ ولم يلتفِتوا له، فمتى ما صحَّ السَّند عندهم صحَّحوا المتن وإن كان يخالف بَدهيَّات العقول وحقائق العلم!

ثانيًا: بين البراعة والادِّعاء:

تعامَل المحدِّثون مع الحديثِ النَّبويّ تعاملًا علميًّا عقلانيًّا، يوحي بمكانةِ الحديث النَّبوي عندهُم، وشدَّة حرصهم عليه، فكانَ ليلُهم ونهارهم مع الحديث النبويِّ عملًا وحفظًا ومذاكرةً واشتغالًا وتأليفًا وتحليلًا ونقدًا، ويكفيهم شرفًا أنَّهم انتمَوا للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهم رواةُ حديثه، ونقَلَة كلامِه، وحفَّاظ حروفِه، وحرَّاس سكنَاتِه وحركاتِه، وقد ألَّف أحد سادات المحدِّثين وجهبذٌ من جهابذتهم الحافظ الخطيب أبو بكر البغداديُّ كتابًا في الذب عنهم أسماه: “شَرف أصحاب الحديث”.

واهتمَامُ المحدِّثين بالحديث يعني اهتمامَهم بالسَّند الموصل للمتن وبالمتن معًا؛ ولذلك حينما وضعوا شروطًا للحديث الصحيح المقبول جعلوا فيها شرطين ينصبَّان -بالإضافة إلى الإسناد- على المتن وهما: عدم الشُّذوذ وعدم العلَّة، ولم يتركِ المحدِّثون نقدَ متن الحديث، بل أعملوا فيه منهجَهم النَّقدي الدقيقَ، وألَّفوا كتبًا كثيرة في ذلك، لا يملك أمامها المتأمِّل إلا أن يقفَ مذهولًا من شدَّة جهل أو تجاهُل الطاعنين على المحدثين بأنهم لم ينقدوا المتون، وقد بيَّن جهودَ المحدثين في نقدِ المتن ثلةٌ من الباحثين، منهم: محمد مصلح محمد الزعبي في “نقد المتن عند الإمام النسائي في السنن الكبرى”، ومحمد مصطفى الأعظمي في “منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخه”، وصلاح الدين الإدلبي في “منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي”، ومسفر الدميني في “مقاييس نقد متون السنة”، وخالد الدريس في “نقد المتن وعلاقته بالحكم على رواة الحديث عند علماء الجرح والتعديل”، ومحمد طاهر الجوابي في “جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف”، ومحمد لقمان السلفي في “اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندًا ومتنًا”، وغيرها من الكتب الكثيرة.

فكان نقد المتن عندهم حاضرًا في كتاباتهم وكتبهم وفحصهم للأحاديث([11])، يقول ابن حجر رحمه الله: “من المقرَّر عندهم أنه لا تلازمَ بين الإسناد والمتن؛ إذ قد يصحّ السَّند أو يحسن؛ لاجتماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط، دون المتن لشذوذ أو علة”([12])، وقد وضع ابن الجوزي رحمه الله كتابًا كاملا في الموضوعات، وبيَّن أنه قد يُحكم على الحديث بالوضع مع أنَّ ظاهر الإسناد السلامةُ، يقول رحمه الله: “وقد يكون الإسناد كلُّه ثقات، ويكون الحديث موضوعًا أو مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليس، وهذا أصعَب الأحوال، ولا يعرف ذلك إلا النُّقاد”([13]).

كما أنَّ المحدثين عند نقدهم للمتون وضَعوا المعايير العلميَّة التي استخرجوها بالاستقراء والتتبّع، وبينوا أن ما خالف هذه المعايير فهو حديث غير مقبول([14]).

بيد أنَّ الحداثيين كان الوضع مختلفًا معهم أشدَّ الاختلاف، فرغموا أنَّ السنة لا تشكِّل أهميةً كبرى لديهم، إلا أنهم يعلمون أنَّ السنة النبوية مكوّنٌ أساسيّ من مكونات العقل المسلم، فهو مرجع ثابت يرجع إليه في معرفة أحكام هذا الدين، فراحوا يزعمون أوَّلا أن المحدِّثين ما التفتوا لنقدِ المتون، ولم يأبهوا به، وكانت هذه دعوى المستشرقين التي تلقَّفها أتباعهم الحداثيون، يقول: نيكولاس أغندس (Nicolas p.aghnides): “إنَّ المحدّثين تجاهلوا تمامًا المحتوى، وأصبح جلُّ اهتمامهم باتصال السند إلى النبيّ، فالحديث الذي سندُه متَّصل يعتبر صحيحًا، بل ولم يعتبروا حتى هذا القانون البسيط في جميع الأحيان”([15])، ويقول وليم موير: “إنهم كان يكفيهم لصحة الحديث أن يكونَ رواته عدولًا مع اتصال السند إلى الصحابي، ولو كان المضمون يستبعده العقل، إنهم لم يخوضوا غمارَ النقد بحرِّيَّة وشمول، بل أصبحوا متمسِّكين بتلك القاعدة الوحيدة، ولم يجرؤوا على نقد الحديث بناءً على الشهادات الداخلية”([16])، ويقول المستشرق الإيطالي ليون كايتاني: “سبق أن قلنا: إنَّ المحدثين والنقاد المسلمين لا يجسرون على الاندفاع في التحليل النقدي للسُّنة إلى ما وراء الإسناد، بل يمتنعون عن كلّ نقد للنصِّ؛ إذ يرونه احتقارًا لمشهوري الصحابة، وقِحَة ثقيلةَ الخطر على الكيان الإسلامي”([17])، ويقول المستشرق غاستون ويت: “لقد نقل لنا الرواةُ حديث الرسول مشافهةً، ثم جمعه الحفاظ ودوَّنوه، إلا أنَّ هؤلاء لم ينقدوا المتن؛ لذلك لسنا متأكِّدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله، من غير أن يضيف إليه الرواة شيئًا عن حسن نيَّة في أثناء روايتهم الحديث”([18]).

وسار الحداثيون على طريق متبوعيهم المستشرقين فقالوا مثل قولهم، وإنك لتتعجب أن يأتي إنسان يبحث في تراثه وينقل فيه دعاوى من هو أجنبيّ عن هذا التراث! يقول أبو ريَّة: “ولكن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحقُّ من العناية والدّرس، وتركوا أمره لمن وفقوا بعلمهم عندما يتّصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء، وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية بسنده، فإنهم أهملوا جميعًا أمرًا خطيرًا هو البحث عن حقيقة النص الصحيح”([19]).

فالحداثيون -تبعًا للمستشرقين- لم يقبلوا المنهجَ النقديَّ عند المحدثين، بل رأوا أن منهجَهم يغيب عنه الروح النقديّة، يقول محمد عابد الجابري: “فما يعاني منه هذا المنهج يتلخَّص في آفتين: غياب الروح النقدية، وفقدان النظرة التاريخية، وطبيعي والحالة هذه أن يكون إنتاج هؤلاء هو التراث يكرر نفسه، وفي الغالب بصورة مجزَّأة ورديئة”([20])، بل يرون أنَّ علم الحديث ليس بعلم، يقول إسماعيل منصور: “نقول: آراء رجال الحديث، ولا نقول: علم مصطلح الحديث، ولكن نظريات قبول الحديث؛ لأنه ليس علمًا يعتمد على منهج كعلم التاريخ أو المنطق أو اللغة”([21]).

ولكن زعمهم هذا يتنافى مع الواقع الذي يتمثَّل في أن المحدثين قد وضعوا كتبًا كثيرة في نقد المتن، ووضعوا معايير ساروا عليها وبيَّنوا أن ما يخالفها حديث غير مقبول. فخفَّفوا من النقدِ، بأن جعلوا المحدّثين قد مارسوا نقدَ المتن، لكنه بدرجةٍ قليلة جدًّا لا يتناسب مع مقدار العلم، يقول يحيى محمد: “أما علماء الحديث فمن الثابت أنهم قلَّما يتعرَّضون لنقد المتن، وغايتهم المثلى هي نقد السند فحسب”([22]).

ويقول أحمد أمين: “كما يؤخَذ عليهم أنهم عُنُوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن، فقد يكون السند مدلَّسًا تدليسا متقنا، فيقبلونه، مع أن العقل والواقع يأبيانه، مثل: «من أكل سبع بلحات عجوة لم يصبه في ذلك اليوم من سم»، ومثل: «لا يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأةً»، بل قد يعدُّه بعض المحدثين صحيحًا؛ لأنهم لم يجدوا فيه جرحًا، ولم يسلم البخاري ولا مسلم من ذلك، وربما لو امتحن الحديث بمحكِّ أصول الإسلام لم يتَّفق معها وإن صحَّ سنده”([23]).

وكانت نتيجةُ عدمِ اهتمام علماء الحديث بنقد المتن إلا نادرًا -بزعمهم- ما قاله إبراهيم فوزي: “وقد صرفوا اهتمامهم لنقد رجال الإسناد في التمييز بين الحديث الصحيح والحديث الموضوع أو الضعيف أكثر مما اهتمّوا بنقد المتن؛ معتبرين أنَّ نقدَ المتن لا يجوز البحث فيه متى صحَّ الإسناد، فابتعدوا عنه، وكان من نتيجة الثقة التي أولوها لرجال الإسناد أن دوِّنت في كتب الصحيح والسنن أحاديثُ خالية من كل مضمون علميّ أو فكريّ أو اجتماعيّ، وأحاديث متناقضة، وأحاديث تنسخ القرآن وتلغي أحكامَه”([24])، بل نتيجة ذلك أنَّ أعمال المحدثين ومعاييرهم قد “سمحت بدخول ألوف الأحاديث الموضوعة”([25])!

لكن مع ذلك كلِّه فإنَّ الحداثيين لم يستطيعوا أن يقوِّضوا السنةَ بأكملها، فحاولوا تجاوز الحاجز المنيع باتّباع طريقة المحدّثين أنفسهم، وكلّ ذلك من أجل تخفيفِ حدَّة النقد الموجَّه إليهم، فقالوا: ما دام أنَّ المحدّثين قد أعملوا نقد المتن، ووضعوا معايير له، فإننا نعمل مثل عملهم، وننهج نهجهم، ونضرب السنة بمعاولهم، بلِ ادَّعوا أن الصحابةَ الكرام هم أول من نقدوا المتون بعقولهم([26])، وهم يريدون المرورَ من خلال ذلك إلى أن يحدِثوا هم معاييرَ جديدة كما يقول محمد العشماوي: “تقدير الأحاديث بميزان جديد يقوم على أساس سلامة ومعقولية المتن لذاته، لا على أساس سلسلة الرواة”([27]).

وفي هذه الورقة نريد أن نضَع أيديَنا على الفروقِ بين منهج المحَدِّثين ومنهج المحْدِثين في نقد متون الحديث النبوي، لنقف على مشروع الحداثيّين وما الذي يوصلنا إليه.

ثالثًا: مِبضَع طبيب في يد جاهل:

حينما يمرض أحدُ أبنائك ستسرع به إلى طبيبٍ، لا إلى كهربائيّ أو فنِّيّ سباكة أو نحوهما، وحين تتعطَّل سيارتُك فإنك حتمًا لن تتَّصل على طبيبٍ عامّ ولا أخصَّائي ولا استشاريٍّ، وإنما ستعرضها على ميكانيكي سيارات. هكذا تسيرُ هذه الحياة، فلكلّ مجال من المجالات الحياتية أناسٌ يختصّون به، والعاقل يدرك جيدًا أنَّ المتخصّص هو من له أهليَّة الكلام في العلم، فكما لا قيمةَ لكلام الطَّبيب فيما يجهلُه، فكذلك لا قيمةَ لكلام أحدٍ فيما لا يحسِنه، وهذا أوّل فرق بين المحدِّثين والحداثيّين.

فنقدُ المتنِ عند المحدِّثين كان ضمنَ منظومةٍ متكاملة من علمِ الحديث، ولم يكن النَّقد من أجنبيٍّ عن العلم، والفرق بين الحالتين أنَّ النقد الذي يوجِّهه الحداثيون ليس موجَّهًا من متخصِّص في العلم، ولا مطَّلع عليه، بل ويأتي بعضُهم بطوامّ حين يتحدَّثون عن علوم الحديث([28])، أمَّا المحدثون فقد عرفوا نورَ النُّبوة، وعاشوا مع كلمات النَّبي صلى الله عليه وسلم وحركاتِه وسكناتِه، فلا يمكن أن يدخلَ هذا الباب كلُّ أحد ما لم يكن متخصِّصًا فيه، فأين من أفنى عمره في تتبُّع الأحاديث، والسَّفر من أجلها، ومعرفة رجال أسانيدها، ممن انشغل طول عمره بالتفكيكيَّة والبنيويَّة والأبستمولوجيا الحديثة، ولا عناية له بالحديث إطلاقًا؟!

ولئن كان المحدِّث يُعاب إن دخَل في هذه المعارف دون معرفةٍ بها، فكذلك يعاب الحداثيُّ حين يدخل في باب لا يحسنه!

فالحديثُ وصحَّته وضعفُه وعللُه وشذوذُه ونكارتُه إنما يعرف بالممارسةِ، يقولُ الحاكم رحمه الله: “إنَّ الصحيحَ لا يُعرف بروايته فقط، وإنَّما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السَّماع، وليس لهذا النَّوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علَّة الحديث”([29]).

فالذي يريد أن يتحدَّث في علم الحديث ينبغي له أن يقضيَ شطرًا من عمره في معرفة الحديث ومظانِّه وعلله ومصادره، يقول البيهقي رحمه الله: “الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظًا، ثم كتبه بعضهم احتياطًا، ثم قام بجمعه ومعرفة رواته والتمييز بين صحيحه وسقيمه جماعةٌ لم يخفَ عليهم إتقان المتقنين من رواته، ولا خطأ من أخطأ منهم في روايتِه، حتَّى لو زِيدَ في حديثٍ حرفٌ أو نقصَ منه شيءٌ أو غُيِّر منه لفظٌ يغير المعنى وقفوا عليه وتَبَيَّنُوه، ودوَّنوه في تواريخهم حتى تَرك أوائِلُ هذه الأمة أَواخرَها بحمد الله على الوَاضِحَة. فمن سلك في كلّ نوع من أنواع العلوم سبيلَهم واقتدى بهم صار على بَيِّنة من دينه”([30])، ويقول السخاوي رحمه الله: “فالله تعالى بلطيفِ عنايته أقام لعلمِ الحديث رجالًا نُقادًا تفرَّغوا له، وأفنوا أعمارَهم في تحصيلِه، والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله، ومعرفةِ مراتبهم في القوَّة واللين، فتقليدُهم والمشي وراءَهم وإمعانُ النظر في تواليفهم وكثرة مجالسة حفَّاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور ومداومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع يوجب لك -إن شاء الله- معرفةَ السنن النَّبوية، ولا قوة إلا بالله”([31]).

ومع اشتغال المحدّثين بعلم الحديث واهتمامهم به وإفنائهم أعمارهم فيه كانوا لا يثقون بمجرَّد رأيهم حتى يعرضوا ذلك على من هو أكبر منهم من المحدثين، يقول ابن أبي حاتم رحمه الله: “قال الأوزاعي: إن كنَّا لنسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصَّيارفة؛ فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا”([32])، ويقول رحمه الله: “وقال قبيصة بن عقبة: رأيت زائدةَ يعرض كتُبَه على سفيان الثوريّ، ثم التفت إلى رجلٍ في المجلس فقال: ما لك لا تعرض كُتُبك على الجهابذة كما نعرض؟!”([33]).

ولئن كان علم الحديث عمومًا علمًا له رجاله المختصون به، يقضون فيه سنوات أعمارهم، فإنَّ العلوم المختصَّة بالمتن أدقُّ وأصعب وأغمض، ويحتاج إلى متمرّس في العلم، عارف بالأحاديث، متعايش مع السنة النبوية، يقول ابن حجر رحمه الله وهو يتحدَّث عن الحديث المعَلِّ: “وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقِّها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن؛ كعلي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني”([34])، واشترط المحدّثون فيمن يتصدّى لبيان مشكل الحديث أن يكونَ متخصِّصًا، يقول ابن الصلاح رحمه الله: “النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث. وإنما يكمل للقيام به الأئمَّة الجامعون بين صناعتَي الحديث والفقه، الغوَّاصون على المعاني الدقيقة([35])، ويقول النووي رحمه الله: “وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالبًا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكِّنون في ذلك، الغائصون على المعاني الدقيقة، الرائضون أنفسهم في ذلك، فمن كان بهذه الصّفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان([36]).

والشاهد أنَّ المحدثين قد أعملوا مناهجهم النقدية على السند والمتن، وكان إعمالُهم من متخصِّص في المجال، عارفٍ بالخبايا، مطلعٍ على جملة الأحاديث، يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: “الموضوع من الحديث، أي: المختلق. وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار أمورٍ ترجع إلى المروي وألفاظِ الحديث، وحاصلُه يرجع إلى أنَّه حصلت لهم -لكثرة محاولة ألفاظ الرَّسول صلى الله عليه وسلم- هبةٌ نفسانيّة، أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكونَ من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه([37]).

وقال ابن القيّم رحمه الله: “وسئِلت: هل يُمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟

فهذا سؤالٌ عظيمُ القدر، وإنَّما يعلَم ذلك من تضلَّع في معرفة السُّنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاصٌ شديدٌ بمعرفة السُّنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ويخبر عنه ويدعو إليه ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالطٌ للرسول صلى الله عليه وسلم كواحدٍ من أصحابه.

فمِثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متّبع مع متبوعه؛ فإنَّ للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصحّ أن ينسب إليه وما لا يصحّ ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلِّدين مع أئمَّتهم؛ يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم”([38]).

فنقدُ المتن لا يمكن أن يستقيمَ إلا بمعرفة أصول هذا العلم، ومجاهدةِ النَّفس في الاطلاع عليه، والصَّبر على طول العيش معه، وهذا ما يؤكِّده ابن حجر رحمه الله إذ يقول: “وهذا الفنُّ أغمضُ أنواع الحديث، وأدقُّها مسلكًا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصًا، واطلاعا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرُّواة، ومعرفة ثاقبة؛ ولهذا لم يتكلَّم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك”([39]).

وخلاصة الكلام: أنَّ المحدثين نقدوا المتونَ وهم عارفون بعلل الحديث وطرقِه، عالمون بالرِّجال ورواياتهم وتفرُّداتهم، متضلِّعون من الحديث النبوي سماعًا وحفظًا وكتابة، وأين هذا ممن يأتي -مثل حسن حنفي- فينتقد صحيح البخاري بما يُضحِك به الناسَ؛ لخطئه في أيسر العبارات وبدهيات المعلومات([40]).

وليس غرضنا هنا هو التحجير والتَّضييق، والقول بأن علم الحديث علم خاصّ لأناس مخصوصين! فإنَّ ديننا لعامَّة المسلمين، وليس فيه ما هو خاصّ لفئة معينة، ولكن يتحدَّث في كلِّ فنٍّ مَن يحسنه، فهي دعوة إلى أن يتقن الحداثيّون علم الحديث ومعايير المحدثين، ثمَّ يُعملوا هذه المعايير كما فعل المحدثون.

رابعًا: وِجهةٌ بلا طريق:

كان منهجُ النَّقد عند المحدِّثين أعجوبةً علميَّةً تفتَّقت عنها أذهان جهابذة المحدِّثين الذين هيَّأهم الله لحفظ السُّنة النبوية، وذلك أنَّ هذا المنهج النقديَّ قائمٌ على شبكة متعاضدة من الوسائل الكثيرة لحفظ هذا التُّراث، فهي تحتوي على فحصِ الرُّواة والمرويَّات، بل والملابسات المحتفَّة حولها، وأبعادها الزمانية والمكانية، بل والنفسيَّة حين يتعلق الأمر بحديثٍ يقوِّي عقيدةَ المحدِّث ويكون متَّهمًا فيها، وهي شاملة لفحص احتمالات الخطأ سواء كان متعمَّدًا أو غير متعمَّد، ولا يكتفى بذلك، بل وبعد صحَّة السند والمتن معًا يبحث عن المرويات في الموضوع نفسه؛ للنظر في الموافقة والمخالفة وطرق الجمع والترجيح عند الاختلاف، وفق منهجٍ نقديّ متكامل.

وتظهر براعةُ المحدِّثين في منهجهم النقديّ المتكامل الذي وضعوه، والذي يبتدئُ من السَّند وصولًا إلى المتن، والاهتمام بالسَّند يأتي أولًا لأنَّ المتون لا يمكن الوصول إليها إلا بالأسانيد، فيجب فحصُها ودراستُها ومعرفة متعلقاتِها الزمانية والمكانية، والأحوال الشخصية للرواة، وهو أمتن ما يكونُ في وسائل النقد؛ ولذا فإنَّ موازين نقد المتن عند المحدثين لا تنفكّ عن موازين نقد السند، فلا يُنقد المتن وحدَه دونَ معرفةٍ للسند، ولا يُنقد السند وحدَه دون المتن، بل موازين السَّند والمتن كلّها تخضع لشروطٍ علميَّة عقليّة دقيقةٍ سار عليها المحدثون، ونتيجة ذلك أنَّ المحدثين إذا ثبت عندهم الحديث فلا يسارعون في ردِّه، بل يبحثون في المنظومة الحديثية الكاملة؛ ذلك أنَّ الأحاديث ليس كلّ واحد منها منفردًا أجنبيًّا عن الآخر، وإنَّما الكلُّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يوافق بعضُه بعضًا، ويبيِّن بعضه بعضًا.

أمّا المنهج النقديّ عند الحداثيّين فإنَّه ينطلق رأسًا من المتن دون أيِّ اعتبار للسند، وهذا يوقِعنا في مزالق معرفيَّة كبيرة، منها العبثية في ردِّ الأحاديث كما سيأتي؛ إذ أنَّنا إذا اكتفينا بالنَّظر إلى المتن فقط دون النَّظر إلى السند فهذا يعني أنَّ كلَّ أحد ينتقد المتون حسب عقله، والعقول تختلف؛ فما يراه هذا معارضًا للعقل يراه الآخر متَّسقًا معه، والعكس بالعكس، ففتح الباب يفضي إلى هدم السنّة بالكامل وعدم الوثوق بها كما سيأتي بيانه، أمَّا الانطلاق من السَّند والاعتداد به فيعني أنه إذا صحَّ السند فإنَّنا نتثبَّت أكثر من المتن، وأن نعلم أنَّ وجه المعارضة التي ظهرت يجب التَّحقق منه بالرُّجوع إلى الحزمة المعرفية الواحدة من المرويات الأخرى في نفس الموضوع؛ حتى نعرف من خلالها موافقة هذا المتن لغيرِه.

وعمومًا فإنَّ منهج المحدثين يقوم على أصل أصيل، وهو المحافظة على النَّص وعدم التفريط فيه؛ لأنهم يؤمنون أنَّ المتحدّث به واحد، فوجب أن يتناول حديثه بحِزَمٍ مترابطة لا بفصل كل لفظة عن الأخرى، فهم في منهجهم النقدي يولون النص اهتمامًا كبيرًا بالغًا، ولأجل ذلك يبدؤون بالنَقَلة، ويجنبون كل الأحاديث التي فيها رواة غير عدول أو غير ضابطين أو مجهولين، فما بقي لهم بعد ذلك نظروا إلى متونها، وأعملوا فيها النَّقد والتَّمحيص، ولم يردوه لمجرد ورود شبهة طرأت لهم؛ ولذلك نشأ عند المحدثين علمُ مختلِف الحديث، وعلم مشكل الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وهي علوم تتناول بالدراسة الأحاديثَ التي ظاهرها التعارض، وإن كان لا تعارض حقيقيَّ بينَها.

وهذا الفعل من المحدثين هو الذي يقتضيه العقل، فإنه إن صحَّ السَّند فالأصل أن يصحَّ المتن جريًا على قاعدة البراءة الأصلية، فالأصل في الخطاب: الصِّدق من الصادق، والأصل فيما اتَّصل سنده بثقات أن يكون النَّص صادرًا من النبي صلى الله عليه وسلم، إلا ما ظهر بالفعل أنَّه مخالفٌ للقواعد التي وضعوها والمعايير التي حدَّدوها بعد دراسة وتمحيص، ولم يحابوا أحدًا في ردّ الحديث وبيان ضعفه أو شذوذه.

أما منهج الحداثيين بالاعتماد على المتن وحدَه فقد بينا أنَّه يجرنا إلى العبثية، كما أنَّ هناك مشكلةً أخرى وهي: قبول أيّ متن يتوافق مع المعايير التي وضعوها، فإذا وجدنا متنًا لم يخالف القرآن ولا العقل مثلًا قبلناه، وقد يكون الحديث موضوعًا، فهل تكفي صحة المتن وحدها في قبول الحديث؟!

إن المحدثين لا يقبلون أيَّ حديثٍ موضوعٍ أو ضعيف شديد الضعف وإن كان المتن صحيحًا.

وخلاصة الأمر: أنَّ هذا هو الفرق الثاني بين منهج المحدِّثين ومنهج الحداثيّين، وهو أنَّ المحدّثين قد اعتمدوا في نقد المتون على منظومةٍ متكامِلة، ومنهج علمي واضح في النَّقد، قائم على نقد السَّند والمتن، أما الحداثيون فإنهم بدؤوا بالمتن رأسًا، فنقدوه بمعاييرهم، وهذا فرقٌ واضح بين المنهجين، وهم يصرِّحون بأنَّهم لا يلتفتون إلى الأسانيد، وإنما العبرة عندهم بالمتن وحده، يقول محمود إسماعيل مبيِّنًا معايير نقدِ الحديث: “وفق مناهج مستحدَثة تفيد من الثورة المنهجيَّة المعاصرة، وتطرح جانبًا منهج الإسناد، معوِّلة على نقد المتون بقياسِها على روح الإسلام وجوهره ومبادئه كما وردت بالقرآن الكريم”([41]).

خامسًا: المزاج الغربي:

حيَنما تُمعن النظرَ في معايير الحداثيّين في نقد متون الحديث تجد أنَّهم كثيرًا ما يتَّكئون على المزاج الغربيّ، ويقدِّمونه ويجعلونه هو الأساس في المنهج النَّقديّ الحداثيّ، فهم يقفُون على عتبات الفكر الغربيّ؛ معظِّمين له، وجاعلينه حكَمًا على الإسلام كلِّه، وليس على السنة فحسب!

ولذلك نجدُهم حين يتحدَّثون عن المعايير يهتمُّون كثيرًا بالمعايير التي يهتمُّ بها الفكر الغربي المعاصر، وهذا ناشئٌ عن تبعيتهم -شبه المطلقة- للمستشرقين، وهو ما تنبَّه له المفكر الفرنسي روجيه أرنالدز إذ يقول: “ما آخذُه على الفلاسفة العرب المعاصرين أنَّهم تأثَّروا كثيرًا بالفكر غير العربيّ، إنَّهم يترجمون كثيرًا، وهذه ظاهرة لافتة مهمَّة، فمن الضروري أن يلِمّ الفلاسفة العرب المعاصرون بالفلسفات غير العربيَّة، لكن غالبًا ما تشكِّل هذه الترجمات لهؤلاء المفكِّرين المادَّة الجاهزة التي يعتمدونها لبناء فكرهم الخاصّ، وآمل أن يؤسِّس الفلاسفة العرب فلسفةً عربية خاصَّة، دون أن ينغلقوا على الفلسفات غير العربيَّة، وأن يخلقوا فكرًا عربيًّا أكثر استقلالًا وانطلاقًا من تراثهم وتقاليدهم الخاصَّة، إن لديهم تراثًا غنيًّا دينيًّا وصوفيًّا وفكريًّا، وأعني بالطبع الفلاسفة المسلمين، إذًا يجب أن ينطلقوا من هذا التُّراث الرائع؛ ليبحثوا على ضوئه في القضايا المطروحة الآن من ظروفها المكانية والزمانيَّة، وتحمّل خصائصها المميزة”([42]).

فالفرق الثالث إذًا هو أنَّ المحدِّثين قد وضَعوا معاييرَ واضحة تتناغم مع المنظومة الإسلامية وثقافتها، أمَّا معايير الحداثيين فكثيرٌ منها مستورد من علوم إنسانية حديثة، نشأت في بيئة مختلفةٍ عن البيئة الإسلاميَّة، ونحن إذا أردنا أن نطبقَ هذه المعايير بحذافيرها لطرَحنا أكثرَ من نصف السنة كما يصرِّح به جمال البنا إذ يقول: “وقد تتملَّكنا الدهشة عندما نرى أنَّ إعمالَ هذا المعيار سيجعلنا نستبعد قرابة نصف الأحاديث المتداولة بين الناس”([43])، والأدقُّ أنَّ إعمالنا لكل هذه المعايير بالطريقة التي يريدونها يصيِّرنا في الأخير إلى أن نستبدل سنَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بسنَّة ناشِئة في نيويورك وباريس!

وتظهر سُلطةُ هذا المزاج الغربيّ عند الحداثيِّين في معاييرهم التي وضعوها لنقدِ المتون غير التي وضَعها المحدّثون، من أمثال: رد كلِّ الأحاديث المختصَّة بالنساء، ورد كلِّ الأحاديث المتعلقة بالحكَّام، وردّ كل الأحاديث المتعلّقة بالحدود؛ لأنه يتنافى مع القيم الغربية، ورد كل الأحاديث التي تتحدَّث عن الغيب؛ لأنها تتنافى مع النظرة المادِّية الغربية، وسيظهر لك هذا جليًّا عند عرضنا للمعايير الجديدة التي أتوا بها، ودونك ما ذكره جمال البنَّا وما أبان به عما في قلبه وضميره، وهو الذي وضع اثني عشر معيارًا لقبول الأحاديث، يقول عن حديث الرَّجم: “ولكنَّنا نتوقَّف عند حديث الرَّجم؛ لأنه يخالف النصوصَ القرآنية التي جاءت عن الزِّنا، ولأنَّه يمثل عقوبةً أقسى مما جاء به القرآن، وللرَّسول أن يسنَّ ما فيه تخفيف ورحمة”([44])، إذن فالرَّجم للمحصن عقوبة قاسيَة بزعمه، إلَّا أن جمال البنا أدرك أنَّ القتل في نفس هذا الفعل تقومُ به ولايات أمريكية، فقال معلِّقا في الحاشية: “لهذا الموضوع جوانب لم يتَّسع لها السياق؛ لأن من الواضح أنَّ الزانيَين إذا مارسا فعلهما عن تراضٍ، فهما تحت مشيئة الله، وقد يتوبا أو يفعلا من الحسنات ما يجبُّ السيئة، والمسلمون مأمورون بالتستُّر عليهما وليس التشهير بهما، فإذا كان الفعل فيه نوعٌ من الإجبار فهو الاغتصابُ المعاقب عليه حتى في أمريكا بالموت”([45])، فالقتلُ حين جاء من فكرٍ غربيّ لم يصبح عندَه مناقضًا للعقل والرَّحمة، رغم أنَّه بلا شروط، وللمحصن وغير المحصن، أمَّا نفس العقوبة عند المسلمين مع وجود الشروط الكثيرة واشتراط الإحصان فإنَّه يراه منافيًا للرحمة!

فالمعيار عنده إذن في اعتبار الفعل نفسه قسوة أو غير قسوة هو أنه إذا صدرَ من مسلم فهو قسوة، وأما إذا صدر من غير المسلم فلا يكون كذلك.

أما زكريا أوزون فقد جاء إلى قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها»([46])، فردَّ هذا الحديث، ليس لأنَّ سنده ضعيفٌ، ولا لأنَّ فيه علةً، أو أنه مخالف لصريح القرآن والسنة، كلا؛ وإنَّما لأنه مخالف لذوقِ أوزون الخاضع للمزاج الغربي، والمخالف لهدي الصحابة بنصه، يقول: “وهي ظاهرةٌ تنافي الذَّوق السليم، وتجانب الطبَّ الوقائيَّ، وهل هناك من يرضى بلعق إصبع صديقه أو أخيه بعد الطعام ليطبّق السنَّة النبوية؟! وإذا كان بعض السادة العلماء الأفاضل يرى في ذلك الحديث مظهرَ شكرٍ وتقدير لنعمة الله، فإنَّني أرى مع كثيرين غيري مظهرَ تخلُّف وقرفٍ واشمئزاز فيه، وما أجملَ الإنسان الذي يغسل يديه بعد الطعام بصابونٍ معطر! نقوم بعدها بحمد الله على نعمه، وعلى تطور العلوم والصناعات التي جعلتنا ننعم بحمد الله، ونرضي أصحاب الذوق السليم في كافَّة أرجاء الأرض، والمخالف للصحابة”([47]). فالمهم عند أوزون أن يرضِيَ أصحاب الذوقِ، ولسنا ننكر ذلك، لكن الصحابة عندهم هم أوّل الخارجين عن أصحاب الذوق؛ ولذلك فإنَّ هذا الحديث مردود عنده وإن كان متَّفقًا على صحَّته!

ولم يتفطَّن أحدٌ على مدى أربعة عشر قرنًا أنَّ هذا مخالف للذوق، وأنَّه كذبٌ على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أوزون!

فمن آفات الحداثيين ومن الفروقات بينهم وبين المحدثين أنَّهم جاؤوا إلى الحقل الحديثي الشرعيّ، فأعملوا فيه العلوم الألسنية الحديثة والبنيوية والتفكيكيَّة دون أيّ اعتبارٍ لسياق النُّصوص وسوابقها ولواحقِها، أو نسبة الثقات العدول ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدوره منه عليه الصلاة والسلام، فتمَّ إخضاع الأحاديث لطرائق الاستنباط الغربية المختلفة كليًّا عن حقل المعرفة الإسلامية، ابتداءً بالتاريخية والبنيوية، وانتهاءً بالتفكيكية التي لا ترى أيَّ قيمةٍ للنَّص، بل تدمِّره وتلغيه، وتفرِغه من محتواه العلميّ والمعرفي، ووصولًا إلى إرضاء الذوق الغربي والرحمة المفصّلة على مقاسهم!([48]).

والمزاج الغربيّ مسيطر على الحداثيين، لا يكادون ينفكُّون عنه، سواء في نقدهم للحديث النبوي، أو في نقدهم للتُّراث الإسلاميِّ عموما، يقول طه عبد الرحمن: “أمَّا عن قصة الحداثة العرية فإنِّي أرى أنه لا وجودَ لحداثة عربية، فالحداثيون العرب هم أصلًا مقلِّدون صريحون، فعلى سبيل المثال إذا ظهرت التفكيكية صاروا تفكيكيِّين، وإذا ظهرت البنيوية صاروا بنيويِّين، وهكذا. ولقد حدّدت الحداثة بالإبداع، واعتبرته جوهرًا فيها، فلا يكون الإنسان حداثيًّا حتى يكون قادرًا على الإبداع، ومن لم يبدع لا يستحقّ أن يكون حداثيًّا”([49]).

سادسًا: نقض الغَزْل:

أرأيتم المرأة التي كانت بمكَّة تتَّخذ الغزلَ عملًا لها، فتغزل الصوف والوبر، وتجلس في ذلك السَّاعات الطويلة والأيام العديدة، حتى إذا أتمَّت العمل وأخرجت حلَّة بهيَّة نقضَت غزلها، وأفسدت كلَّ عملها، هل يشكُّ أحدٌ في جنون هذه المرأة وفساد عقلها؟!

إنَّ ما فعله الحداثيون بعلم الحديث هو ما كانت تفعلُه هذه المرأة سواء بسواء.

فقد جاء منهج المحدِّثين منهجًا تكامليًّا متعاضدًا، يعضد بعض أجزائِه بعضًا كما بيَّنَّا، وجاء منهج الحداثيين منهجًا اجتزائيًّا انتقائيًّا، والمحدثون قد أبدعوا في ابتكار منهجٍ نقديّ واضح وضعوا الحديث في ميزانه، وصار هذا العلم علمًا قويًّا بارزًا، بل ومما يختصّ به المسلمون ويتفاخرون به، حتى قال المسشرق مرجليوث: “ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم”([50]).

لكنَّ الحداثيين جاؤوا بعد قرونٍ من هذا الإبداع، وادَّعوا أنَّهم يسيرون على طريقة المحدِّثين، فأحدثوا شرخًا في السنة النبوية لا ينسدُّ إلا بإبطال هذا السير الذي ساروه.

وقد بينا فيما سبق بعضَ الفروق التي هي راجعة إلى خارج المعايير نفسها، أمَّا ما نحن بصدد ذكره فهو الفرق في إعمال نفس المعايير التي أعملها المحدثون، فقد ادَّعى الحداثيون كما علمتَ أنَّهم يريدون السيرَ على منهج المحدثين في النَّقد، فإن كان المحدِّثون قد نقدوا المتون بالعقل والحقيقة العلمية والقرآن وغيرها، فإنَّ الحداثيين كذلك يريدون أن ينقدوا المتون بنفس المعايير، فلِمَ نقبل منهج المحدثين ونشنِّع على منهج الحداثيين؟!

والجواب: أنَّنا نشنِّع على الحداثيين لأن بين منهجهم ومنهج المحدثين فرقًا شاسعًا في إعمال المعايير، وهذا الفرق يكمن في أمرين:

1- أن المحدثين قد انطلقوا في النقد بهذه المعايير من خلال دراسة كلّ حديثٍ بمفرده، أمَّا الحداثيون فإنَّهم يردون الأحاديث بهذه المعايير ردًّا مجملًا دون دراسة كل حديث، فكما أنَّ المحدثين انطلقوا من السند إلى المتن، كذلك انطلقوا في نقد الحديث بنقد كلّ حديث بعينه، يقول ابن رجب وهو يتحدث عن المحدثين: “ولهم في كل حديث نقدٌ خاصّ”([51])، بينما الحداثيون يكتفون بإصدار أحكامٍ عامَّة فضفاضة للحكمِ على مئات الأحاديث كما يقول جمال البنا، ومشروعه أوضح مثالٍ على ذلك، فإنَّه جاء ووضع اثني عشر معيارًا لردّ الأحاديث دون أن يعتبر كلَّ حديثٍ بمفرده أو يدرسه أو يعرف طرقه، فليس عنده وقتٌ لكل ذلك، ولا أظنّ أنه يحتمل ما كابده المحدِّثون حتى وصلوا إلى منهجهم النَّقدي، فكان مشروعه الذي قال عنه: إن الأمة كلّها على مدار أربعة عشر قرنًا قد جبنت عنه([52]) هو أن يردَّ كل حديث يتحدَّث عن المرأة، وكلّ حديثٍ يتحدَّث عن الغيبيات، وكل حديثٍ يتحدَّث عن الحاكم، ولتلغ من أجل تحقيق معاييره مئات الأحاديث التي صحَّت أسانيدها بنقل العدول الضابِطين المعروفين عينًا وعدالةً، شخصًا عن شخص إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليضرب بذلك كله عرض الحائط، فالأهم هو أن يضع معايير من عقله ثم يقول للناس: هيا تجرؤوا مثلي، وحاكموا الأحاديث على هذه المعايير، وارفضوا من أجل ذلك عشراتٍ بل مئات الأحاديث، وكان هذا ما فعله يحيى محمد في كتابه “مشكلة الحديث”([53]).

2- أنَّ المحدثين حين وضعوا المعايير وضعوا لها ضوابط، فالمعايير نفسها يمكن أن تكون نسبيةً أو عامة ما لم تحدَّد بضوابط وتقيّد بسياجٍ واضح المعالم، فالمحدثون حين ذكروا الأحاديث المعارضة للعقل أو القرآن أو السنة أو ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم اعتبروا في كل واحد من هذه المعايير ضوابطَ خاصة، أما الحداثيون فأتوا إلى نفس المعايير وطبّقوها دون ضوابط المحدثين في تطبيقها، فحالهم كحال أستاذ المادة الذي اختبر طلابه، ويصحح أوراقهم بقلمه وهو يعرف ماذا يصحِّح وماذا يخطِّئ، فأتى شخص جاهلٌ وأخذ قلم الأستاذ وراح يكتب في كل ورقةٍ الدرجة التي يريدها، ويقبل من الإجابات ما يريد، ويردُّ ما يريد؛ بحجة أنَّه يستخدم نفس الأداة التي حملها أستاذ المادة وهي القلم، ويفعل نفس فعله وهو التصحيح والتخطئة!

فإن كنت لا تشكّ أن فعله هذا خاطئ، ليس لخطئه في الأداة، ولا في الفعل، وإنما لأنه لم يسر على القواعد التي سار عليها أستاذ المادة، فكذلك لا تشكَّ في أنَّ الحداثيين حين اعتمدوا على معايير المحدثين قد عملوا نفس هذا العمل، فلم يُراعوا الضوابط التي وضعوها لأجل إعمال هذه المعايير.

وسندرس هنا أهمَّ ثلاثة معايير عند المحدثين لنرى كيف استخدمها الحداثيون، وهي:

1- معارضة العقل. 2- معارضة العلم. 3- معارضة القرآن.

المعيار الأول: معارضة العقل:

أعمل المحدثون هذا المعيار وردُّوا بعض الأحاديث نظرًا لمخالفتها الواضحة للعقل السليم([54])، بل بيَّن أهل الحديث أنَّ المعارضة لا يمكن أن تقع أصلًا بين حديث صحيح وعقل صريح، وانظر ما يقوله ابن تيمية رحمه الله وهو يفصِّل فيما لو وقع تعارضٌ ظاهريٌّ، فإنه يرى أن الحديث النبويّ إن تعارض مع عقل صحيحٍ صريح فإن المشكلة في الحديث النبوي، وكان ذلك هو الواقع بعد استقراء للنُّصوص التي ادُّعي فيها المعارضة، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ما عُلم بصريح العقل لا يتصوَّر أن يعارضه الشَّرع البتَّة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقولٌ صريح قط. وقد تأمَّلتُ ذلك في عامَّة ما تنازع النَّاس فيه، فوجدت ما خالف النُّصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموفق للشرع.

وهذا تأمَّلته في مسائل الأصول الكبار؛ كمسائل التَّوحيد والصفات، ومسائل القدر والنُّبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمعٌ قط، بل السَّمع الذي يقال: إنَّه يخالفه إمَّا حديثٌ موضوع، أو دلالةٌ ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرَّد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟!

ونحن نعلم أنَّ الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، بل بمحاراة العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته”([55]).

إلا أن المحدِّثين حين أعملوا العقل وضعوا له ضوابطَ وحدودًا أعملوه داخلها، ولم يفتحوا البابَ على مصراعيه لردِّ أيِّ حديثٍ بحجة معارضته للعقل، والمحدّثون حين وضعوا الضوابط لمعيار العقل فإنَّما فعلوا ذلك لأمور:

1- أنَّ العقل البشري محدود، يقول الشافعي رحمه الله وهو يؤكِّد ذلك: “إنَّ للعقل حدًّا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه”([56])، والموضوع الذي يتناوله النَّقد العقلي هو النَّص النبوي الذي خرج من إنسان معصوم جاء ليبلّغ دينًا نزل من عند الله سبحانه وتعالى، والنَّبي الذي أتى بهذه الأحاديث له خصائصه، ويحيط بعلوم ومعارف أطلعه الله عليها ممَّا هي غائبة عنَّا أو محجوبة، وكل هذا يعطي ما يأتي به خصوصيةً تجعله عند المعارضة العقليَّة أقوى في الثَّبات من النصوص العادية البشرية، وبناءً عليه فإنَّ هذا العقل المحدود لا يمكن أن ينجرف وراء آرائه المجردة ليأخذ من الدين ما يريد ويدع ما يريد، فمحدوديَّة العقل جعلت المحدثين يكبحون جماحَه ويُعملونه بحدوده التي يمكنه العملُ فيها، فينتقدون كل حديث بمفرده بعد دراسة سنده ومتنه والتأكُّد من مخالفته.

ومما يؤكِّد محدوديَّة العقل الواقعُ التاريخيّ للعقل البشري، فكم من أمرٍ كان العقل لا يعرفه ولا يدركه، بل ربَّما يرى أنه من المستحيلات، ثمَّ مع تقدُّم البشريَّة وتطور العلم صار الواقع يفرض على العقل أن يقبلَ ذلك بعد أن صار محسوسًا أمامه!

أما الحداثيون فإنَّ ممارستهم للعلوم الألسنية وتماهيهم مع “الهرمنيوطيقا” في تفسيرِ النُّصوص الشرعية ومحاكمتها إلى العقلِ وحدَه عبر هذه العلوم أدَّت بهم في النهاية إلى “فوضى تأويلية” و”لانهائية المعاني” للنُّصوص، وأصبح الحقّ هلاميًّا، ولكلِّ عقل الحقُّ في تفسيرِهِ حسب تفكيره، وإن شئتَ فقُل: حسبَ هواه! فالعقل عند المحدثين محدود يتعامل معه فيما يتعلق بالغيب في حدود ضيِّقة؛ لأنّ هذا ليس مجاله، وليس حقله الذي يبدع فيه، مع الاعتراف بأن له حقوله المعرفية التي يستطيع أن يبحر فيها كما يريد، أما الحداثيون فإن العقل عندهم هو تلك العلوم الألسنية الغربية الأجنبية عن حقل العلم الشرعي، وهو عقل هلامي مفتوحٌ بابه على مصراعيه.

2– أن العقل البشريَّ كما أنه محدود فهو غير محصور من ناحية الكثرة؛ لذلك كان نقد المحدِّثين للمتن النبويّ بالعقل نقدًا لكل حديث بمفرده، وبالمعارضة مع العقل المتَّفق عليه، وليس بالعرض على عقل كلّ أحد من الناس، فما قبله عقله أخذ، وما ردَّه عقله رفض!

والمعايير العقلية عند البشر ليست واحدة؛ لأنها تتأثَّر بالأهواء والأعراف والبيئة المحيطة، ويشهد التاريخ والواقع أن العقول تختلف غاية الاختلاف لدرجة التناقض في قضية عينية واحدة، فأمرٌ واحد قد يراه عقلٌ ما أنَّه عقلانيّ، بينما يراه آخر أنَّه غير عقلاني، بل يراه معارضًا للعقل، فعدم ضبط العقل المراد إعماله في النقد الحديثيّ يدخلنا في التناقض في المنهج!

فإلى أي عقل يكون التحاكم؟ إلى عقل جمال البنا، أم يحيى محمد، أم حسن حنفي، أم أركون، أم أوزون، إلى ما شاء الله من الأسماء، وكل واحد يردّ أحاديث لا يردّها الآخر.

ومن أجل التخلُّص من هذه الفوضى أعمل المحدثون العقل في الحديث؛ لكن هذا الإعمال كان منضبطًا بضوابط، من أهمِّها أنَّهم لا يتركون السند، وأن يكون العقل ممَّا أجمعوا عليه، ولأجل هذا المنهج الدقيق لن تجد عند المحدثين الفوضى الموجودة عند الحداثيين، فكل حديث ردَّه المحدِّثون بالعقل ونقدوه به لن تجد له إسنادًا صحيحا، على عكس ما يدَّعيه الحداثيون من وجود مئاتِ الأحاديث الضعيفة في البخاري ومسلم لأنَّها تناقض العقول، وفي هذا السياق يقول عبد الرحمن المعلمي: “لا ريبَ أن في ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار ما يردّه العقل الصريح، وقد جمع المحدثون ذلك وما يقرب منه في كتب الموضوعات، وما لم يذكر فيها منه فلن تجد له إسنادًا متصلًا إلا وفي رجاله ممن جرحه أئمة الحديث رجل أو أكثر”([57]).

وموقف الحداثيين من هذه النقطة -وهي زعمهم وجود هذا الكمّ الهائل من الأحاديث المعارضة للعقل- فيه إجحافٌ بعقول الأمة كلّها طيلةَ أربعة عشر قرنًا؛ إذ إنَّهم لم يتفطنوا إلى معارضة هذه الأحاديث لعقولهم حتى قامت قائمة الحداثيين، فعرَّفوا النَّاس أنَّ لهم عقولًا تخالفها هذه الأحاديث ويجب ردها بناءً على ذلك!

ومن العجيب أنَّ العقلَ الذي يريدون الاحتكامَ المطلق إليه هم بأنفسهم يعترفون أنه عقلٌ نسبيّ، خاضع للمؤثرات الآنية والقبلية، بل العقل عندهم ليس له مبادئ مطلقة، وله تاريخيته التي لا يمكن أن يتجاوزها، يقول أركون عن العقل: “نكتشف أنَّ مفهومَ العقل نفسه له تاريخ، فالعقل الذي كان يستخدمه الحسن البصري ليس هو العقل نفسه الذي كان يستخدمه ابن خلدون… العقل ليس جوهرًا ثابتًا يخرج على كلّ تاريخية وكل مشروطية، فللعقل تاريخيَّته أيضًا، وكل واحد من هذه العقول المذكورة مرتبطٌ بمرحلة معينة من مراحل التاريخ بكل معطياتها وأدواتها، إنَّه مرتبطٌ بالبيئة والمجتمع والحالة التطورية للأنظمة الثقافية والمعرفية السائدة في زمن كل مفكر”([58]).

والسمة الأساسية للعقل عند أركون أنَّه متغير! يقول: “تحدثت عن تاريخيَّة العقل، أقصد الطابع المتغير والمتحوّل للعقل، وبالتالي الطَّابع المتغير للعقلانية المنتجة عن طريق هذا العقل”([59]).

أمَّا الجابري فإنَّه يزيد في الطنبور نغمةً، فيدَّعي أنَّ العقلَ مجرد كائنٍ نسبي، يقول: “فما مصدر هذه القواعد؟ إن العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع، ومن دون شكٍّ فإنَّ قواعدَ العقل إنَّما تجد مصدرها الأول في الحياة الاجتماعية التي تشكّل أوَّل أنواع الواقع الحي الذي يحتكّ به الإنسان بل يعيش في كنفه، وبما أنَّ الحياة الاجتماعية ليست واحدة ولا على نمط واحد، فمن المنتظر أن تتعدَّد أنواع القواعد العقلية -ولنقل: أنواع المنطق- بتعدّد أنماط الحياة الاجتماعي وتباينها، ومن هنا لكلِّ مرحلة تاريخية منطقها([60])، بل يرجعون بأنفسهم إلى ما قلناه من أنَّ العقل هكذا بإطلاق عقلٌ غير محصور، فإلى أيِّ عقل نتحاكم؟! يقول حسن حنفي: “وحتَّى إذا عرض القدماء للصلة بين العقل والنَّقل، فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن العقل أساس النقل، وحتى في هذه إحالة يغيب الواقع وهو أزماتنا المعاصرة، عقل من؟ عقل الغني أم عقل الفقير؟ عقل المضطهَد أم عقل المضطهِد؟”([61]).

يَبقى أن نشيرَ في موضوع العقل إلى أنَّ موقف المحدّثين منه ومن إعماله في نقد المتن النبوي دون فتح الباب على مصراعيه للعقل لا يعني بأي حال ازدراء العقل، أو التهوين من شأنه، بل يذكر المعلمي أن المحدثين قد أعملوا العقل في الحديث فيقول رحمه الله: “ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟ أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن: عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث، فالمتثبّتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يحدّثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكره ذكروه مع القدح فيه وفي الراوي الذي عليه تبعته”([62])، فلا مشكلةَ لدينا في أنَّ العقل جزءٌ لا يتجزَّأ من الدين الإسلامي؛ إلا أنَّنا نؤكد على أنه يعمل وفق منظومة معرفية متكاملة، فكما أن له حقولًا يبدع فيها، فله حقول يكون فيها مبهوتًا، لا يستطيع أن يقدِّم أي شيء، بل العلم الحديث يثبت أنَّه متى ما نقصت المعطيات فإن العقل لا يستطيع أن يخرج نتيجة صحيحة.

وخلاصة هذا الأمر: أن المنهج النقديَّ عند المحدثين قد أعمل العقل في الحديث في السند والمتن، إلا أنهم راعوا محدودية العقل، فأعملوه بما يناسب طبيعته، دون فتح الباب على مصراعيه، فتحًا يتيح لكل عقل أن يردَّ ما شاء من الأحاديث كما فعله الحداثيون.

المعيار الثاني: معارضة العلم:

المحدّثون اهتمّوا بنقد المتن من خلال معارضته للعلم القطعيّ، أو اشتماله على أمر مستحيل واقعًا سوى ما يذكرونه عن المعجزات؛ إذ إن المعجزات طبيعتها أنَّها تخرم قوانين الكون، ومن ذلك ما ذكر ابن القيم رحمه الله، فقد ذكر من معايير نقد المتون: “أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه”([63])، ثم ذكر عدة أمثلة لذلك، منها قوله: “ومن هذا حديث: (إنَّ الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة)، والعجب من مسوّد كتبه بهذه الهذيانات”([64])، ومن ذلك الحديث الذي فيه: (وكل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم، لولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته)([65])، قال فيه الألبانيّ رحمه الله: “وهذا الحديث مع ضعفه الشديد إسنادًا فإنِّي لا أشكّ أنه موضوع متنًا؛ إذ ليس عليه لوائح كلام النبوة والرسالة، بل هو أشبه بالإسرائيليات. ويؤيّد وضعه مخالفته لما ثبت في علم الفلك أن السببَ في عدم حرق الشمس لما على وجه الأرض إنما هو بعدها عن الأرض بمسافات كبيرة جدًّا([66]).

وإعمال المحدثين لهذا المعيار يكون بالتناسق مع المنهج كاملًا كما بينَّا، كما أنَّ المعارضة عندهم لا تكون إلا مع العلم القطعي، يقول المعلمي: “وتجارب العلم الثابتة إنَّما يعتدّ بها إذا كانت قطعيّة، وناقضت الخبر مناقضةً محقَّقة”. إذن فهنا ضابطان لهذا المعيار وهما:

1- أن تكون الحقيقةُ العلميّة ثابتةً، وليست فرضية أو نظرية.

2- أن تناقض الخبر مناقضةً حقيقية.

فالمحدِّثون حين يجدون حقيقةً علمية ثابتة مؤكَّدة يعارضها حديث ليس بقطعي؛ فإن هذا ينبئ عندهم بوجود علَّةٍ في سند الحديث وهو ما يكون بعد التتبُّع، فالمحدثون يقولون في بادئ الأمر: لا يمكن أن يقع التعارض بين حقيقةٍ علمية ثابتة وبين خبرٍ قطعيّ صحيح، فإما أن تكون الحقيقة العلمية ليست حقيقة وإنَّما هي نظرية أو فرضية، أو أن يكون النَّصّ فيه ضعف، وهو كما ترى منهجٌ متَّسقٌ واضح.

أمَّا الحداثيون فقد ردّوا كثيرا من الأحاديث بحجَّة مخالفتها للعلم، يقول أوزون: “هل يوافق كل ما وصَلنا من الأحاديث النبويّة المعطيات العلمية والنظم والأعراف السائدة اليوم؟ والجواب هنا: لا تتوافق معظم الأحاديث النبوية التي تتطرّق للأمور الكونية مع الثوابت والمعطيات العلمية([67]). فالنتيجة عند أوزون أن (معظم) الأحاديث النبوية لا تتوافق مع المعطيات العلمية!

والحداثيون عند إيرادهم أمثلة التناقض مع العلم يخالفون ضابطَي المحدثين، فكثيرٌ من الحقائق العلمية التي يوردونها ليست حقائق علمية ثابتة، وبعضها لا تناقض الخبر أصلًا مناقضة حقيقية؛ لكنهم لا يتلفتون لتحقيق هذين الضَّابطَين، فيوردون كل ما يشمّون فيه رائحةَ مخالفة؛ إذ إنَّ منهج الحداثيين منهجٌ هدميّ لا بنائي كما سيأتي بيانه!

ومن أمثلة النوع الأول -أي: إتيانهم بأحاديث يدعون مناقضتها للعلم ويكون العلم ليس قطعيًّا-: ما يوردونه من نقدٍ لحديث الذباب، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإنَّ في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء»([68])، يقول أوزون: “يوضح الحديث أنَّه قد يقع أكثر من ذبابة في الطعام دون أن يؤثر في تلوّثه (جرثمته بمصطلح اليوم) شريطة أن يغمس الذباب بأكمله في الطعام ثم يطرح منه، وعلى الرغم من تعارض معطيات ذلك الحديث مع نتائج وتطبيقات البحوث العلمية”([69]). وادعاء أنَّ الحقيقة العلمية تناقض هذا الحديث ادعاءٌ زائف، حيث لا يمكن القول بأنه هذا أصبح حقيقةً علميَّة مع وجود أبحاثٍ تؤكّد وجود فوائد للذُّباب، أو وجود دواءٍ مع وجود الداء، يقول الدكتور أمين رضا -أستاذ ورئيس قسم جراحة العظام-: “ليس صحيحًا أنَّه لم يرد في الطِّب شيء عن علاج الأمراض بالذُّباب؛ فعندي من المراجع القديمة ما يوصف وصفات طبية لأمراضٍ مختلفة باستعمال الذباب، أمَّا في العصر الحديث فجميع الجراحين الذين عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا -أي: في السنوات العشر الثالثة من القرن الحالي- رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذُّباب، وكان الذباب يربَّى لذلك خصّيصًا، وكان هذا العلاج مبنيًّا على اكتشاف فيروس البكتريوفاج القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبّب المرض، وكذلك البكتريوفاج الذي يهاجم هذه الجراثيم، وكلمة بكتريوفاج هذه معناها: آكلة الجراثيم… وكل هذا مفصَّل تفصيلًا دقيقًا في الجزء التاريخي من رسالة الدكتوراه التي أعدَّها الزميل الدكتور أبو الفتوح مصطفى عيد تحت إشرافي عن التهابات العظام، والمقدمة لجامعة الإسكندرية من حوالي سبع سنوات”([70]). وليس غرضنا البحث في حديث الذبابة، وإنَّما الغرض هو بيان أنَّ ما ذكروه لم يثبت أنَّها حقيقة علمية حتى الآن.

أما الثاني -وهو الإتيان بمثال يناقض الخبر في زعمهم وهو لا يناقضه- فمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟»، قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يُؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّْ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]»([71]).

قال يحيى محمَّد: “وهناك روايات تفسِّر طلوع الشمس وغروبها بما يناقضُ العلم لما تحمله من خرافة”([72])، ويقول سامر إسلامبولي: “من الواضح من قراءة النَّصِّ أنَّه تركيبة غير مُوفَّقة صدرت من جهة جاهلة؛ وذلك من عدة أوجه:

أولًا: من المعلوم أنَّ الشَّمسَ لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر، ولا تغيب عن الأرض أبدًا، ولا تخرج عن مسارها.

ثانيًا: إنَّ الشَّمس من المخلوقات التي لا تملك عقلًا ولا إرادة؛ وبالتالي فهي لا تسجد سجودَ العاقل الواعي، وهي غير مكلفة ومسؤولة حتى يُقبل منها السجود أو يُرفض”([73]).

ويقول إسماعيل كردي: “فإنَّه من المعلوم لكل طالب دَرَسَ الجغرافيا أن الشَّمس مستقرة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية، لا تذهب لعرشٍ ولا لمكان آخر، ولا تأتي منه، وأن شروقها ومغيبها ليس بسبب حركتها هي، بل سببه دوران الأرض حول نَفْسِها، وأنَّ هذا الشروق والمغيب مستمران على مدار الـ(24) ساعة، وفي كل لحظة تكون في حالة شروق بالنسبة لمكانٍ في الأرض، وفي الوقت نفسه في حالة غروب بالنسبة للمكان المقابل من الأرض، وهذا أصبح في علوم اليوم من البدهيات؛ بل من المشاهدات بالمحسوس”([74]).

فسجود الشمس تحت العرش ممَّا يناقض العلم عند الحداثيّين، ولسنا بصدد الردِّ على زعمهم، لكنَّنا نبين أنَّ نقدهم هذا لا يتعارض مع الخبر تعارضًا تامًّا، فهم قد توهَّموا التَّعارض وبنوا عليه ضعفَ الحديث فردّوه، لكنَّ الصحيح أنَّ للشمس سجودًا خاصًّا بها، بما أن طبيعتها ليست مثل طبيعة البشر، ولا يتنافى وجودها كلّ وقت مشرقة أن تكون أيضًا ساجدة سجودًا يليق بها، كما قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]، ومع ذلك فنحن لا نعرف كيفية هذا التسبيح؛ لأن لكل شيء تسبيحًا يليق به([75]).

فعرض السنة على الحقائق العلمية يجب أن يكونَ بضوابطه وحدوده، وكثير من الأمور العلمية نفسها لم ترقَ إلى أن تصبح حقيقة علمية، فإسقاط الدَّليل النَّقلي ونزع الصحة منه لمجرد توهّم معارضته للعلم الحديث أمر غير منضبط، ومشكلة الحداثيين أنهم يشعرون أن منافذ العلوم والمعرفة تقتصر على العلم الحديث المادّي، فطعنوا بأيّ منفذ آخر للمعرفة، وردّوا النصوص الصحيحة الثابتة لظنهم المعارضة مع المنفذ الأوحد لديهم، فمشكلة الحداثيين هي أنهم لم يستطيعوا التخلُّص من سطوة العلم المادي الحديث، فعدوه (إلهًا) يُعاقب كلَّ من يخرج عن أدواته!

المعيار الثالث: معارضة القرآن:

لا شكَّ أنَّ السنة النبوية الصحيحة لا يمكن أن تعارض القرآن الكريم، وقد ذكرنا في مبحث (معايير نقد المتن عند المحدثين) أنَّ المحدثين قد اعتمدوا على هذا المعيار، إلا أنَّ الفرق بين المحدثين والحداثيين يكمن في أن معيارَ المحدثين في نقد الحديث هو مخالفة القرآن، ومعيار الحداثيين هو عدم موافقة القرآن، وبينهما فرقٌ كبير.

ومنهج الحداثيين يعني أنَّ أيّ شيء ورد في السُّنة لم يوافق القرآن فأتى بشيءٍ جديد غير موجودٍ في القرآن فهو يُعتبر مخالفًا للقرآن، ولا يُمكن أن يُقبل، بل يجب أن يُردَّ، يقول جمال البنا: “هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكُم عليها في ضوء القرآن، فما لا يخالف القرآن يُقبل وما يخالفه يُستبعد”. ثم ذكر مثالًا فقال: “فتحريم زواج المرأة على عمَّتها وخالتها وتحريم لحم الحُمر الأهلية أمور لا نرى مانعًا فيها، ونجد فيها قياسًا سليمًا”([76]).

فأين المخالفة للقرآن هنا؟! إلا أن ما ورد أتى بشيء لم يرد في القرآن، فعده جمال البنا مخالفة!

والمحدثون إذ يرِدُهم حديثٌ يوهم ظاهره التَّعارض مع القرآن لا يسارعون في ردِّه، بل يجمعون كل النُّصوص في موضع واحد، فقد يكون مخصّصًا أو مقيّدًا، وكل ذلك لا يقول به الحداثيون؛ ولذلك ردّ جمال البنا كلَّ أحاديث الغيب، وكلَّ أحاديث أسباب نزول القرآن، وكلَّ ما يثبت النسخ، وهو تأكيدٌ على ما تقدَّمَ سابقًا من أنَّ منهج المحدثين منهج بنائي، ومنهج الحداثيين منهج هدمي، ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله: “وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من ردَّ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لزعمه أنَّها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه (كتاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم)، والذي يجب على كل مسلمٍ اعتقاده: أنَّه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:

المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدةٌ بنفس ما شهد به الكتاب المنزَّل.

المنزلة الثانية: سنَّةٌ تفسِّر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.

المنزلة الثالثة: سنَّة متضمِّنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبيِّنه بيانًا مبتدأ، ولا يجوز ردّ واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.

وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله على من قال: “السنة تقضي على الكتاب”، فقال: بل السنة تفسّر الكتاب وتبيّنه، والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه البتة، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتِّباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومرادِه؟! ولو ساغ ردُّ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمِا فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردَّت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية([77]).

فالمحدّثون لا يردُّون الأحاديث لمجرد ظهور التَّعارض لأوّل وهلة، دون بحث وتدقيق في السند والمتن، أمَّا الحداثيُّون فكل ما لم يوافق القرآن أو ظنُّوه معارضًا كان ذلك كافيًا عندهم لرد الحديث، وإن كان التعارض ظاهريًّا والجمع ممكنًا، أمَّا المحدثين فلم يردّوا إلا عند عدم الوقوف على تأويل مقبول وعند الاستحالة؛ ولذلك أسَّسوا علومًا مستقلةً تناولت دراسة الأحاديث التي ظاهرها التعارض والمعارَضة للقرآن الكريم، ومنها: علم مختلف الحديث، وعلم مشكل الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وكل ذلك مندرج تحت الباب الذي قعَّده وحرَّره المحدّثون والأصوليون، ألا وهو باب التعارض والترجيح.

وخلاصة الأمر في هذه المعايير الثلاثة التي عرضناها: أن الأحاديث عندنا على مجموعات ثلاث:

1- مجموعة نُجمع على أنها لا تخالف العقل والعلم والقرآن.

2- ومجموعة مخالفةٌ للعقل صراحة وباتفاق كل العقلاء، ومخالفة للعلم، ومخالفة للقرآن.

3- ومجموعة يدَّعي البعض أنها مخالفة للعقل والعلم والقرآن، ويرى آخرون أنها ليست كذلك.

والمغالطة هنا تحصل بإلحاق هذا النوع الثالث المختلف فيه بالنوع الثاني المجمع على مخالفته، فيقولون: قد ذكر المحدثون أنّ الحديث الفلاني قد عارض العقل أو العلم أو القرآن، ونحن ننطلق منه إلى أحاديث أخرى لم يذكرها المحدثون، فيقعون في وهم المعارضة، وهي ليست كذلك.

فالمحدثون لم يأتوا بمعايير فقط لنقد المتون، وإنما جعلوا لهذه المعايير شروطًا وضوابط، ومن يدَّعي أنَّه يسير وفق منهج المحدّثين يجب عليه أن يسير وفق هذه الشروط والضوابط.

سابعًا: من وحي الأوهام:

بعد أن بيَّنا كيف أنَّ الحداثيين قدِ ادَّعوا أخذهم بمعايير المحدثين، إلا أنَّهم أعملوا تلك المعايير دون مراعاة للضوابط المحيطة بها، نبيّن أن الحداثيين لم يكتفوا بذلك، بل رأوا عدم الاكتفاء بمعايير المحدثين، وزعموا أنَّنا بحاجة إلى إضافة معايير جديدة تتناسب مع العصر الحديث والمزاج الغربي المعاصر!

فمن تلك المعايير الجديدة التي أضافوها ما ذكره أحمد أمين في قوله: “وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعدَ ليس هنا محلّ ذكرها، ولكنَّهم -والحقّ يقال- عنوا بنقد الأسانيد أكثرَ مما عُنوا بنقد المتن، فقلَّ أن تظفر بنقد من ناحيةِ أنَّ ما نُسب إلى النَّبي لا يتَّفق والظروف التي قيلت فيه، أو أنَّ الحوادثَ التاريخية الثابتة تناقِضه، أو أنَّ عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو أنَّ الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا([78]). وليت أنَّ أحمد أمين مثَّل لنا بحديثٍ نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يتّفق والظروف التي قيلت فيه ولم يُنقَد من المحدّثين، أو يمثل بحديث تناقضه الحوادث التاريخية الثابتة ولم ينتقدوه ويبيّنوه، أو يأتينا بحديثٍ واحد قبِله المحدثون وفيه عبارات فلسفية لا تتناسب مع ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وعصره! ما أجمل أن يرفع الإنسان نفسه من التنظير إلى التطبيق! فيمثل لكلّ ذلك، ويبيّن أن هذا لم يعتنِ به المحدثون، فلو أن أحمد أمين فعل ذلك لكان قدَّم خدمة جليلة للإسلام والمسلمين، ولكن هيهات!

فلا يوجد حديثٌ واحد فيه عبارات فلسفية قبِله المحدثون، ولا حديث واحد يتناقض مع الثوابت التاريخية ثم قبله المحدثون!

أما المعايير التي يقدّمها أوزون فتتمحور حول الذوق الغربي الذي كان أوزون مهمومًا بمراعاته والتماشي معه، وكان حريصًا على أن لا يأتي نصٌّ واحدٌ يخالفه أو يجرحه، يقول أوزون وهو يبين التناقض الذي من أجله يجب ردّ الأحاديث: “فالتَّناقض قد يكون في مضمون الحديث نفسه وفي معناه، أو تناقله أو أسلوبه، أو في تناقض مدلوله ومفهومه مع الذكر الحكيم، أو مع معطيات العلم، أو المنطق الصوري، أو القوانين والأعراف الاجتماعية السائدة، أو الذوق العام، أو غير ذلك من الأمور”([79])، ويقول: “هل يوافق كل ما وصلنا من الأحاديث النبوية المعطيات العلمية والنظم والأعراف السائدة اليوم؟ والجواب هنا: لا تتوافق معظم الأحاديث النبوية التي تتطرق للأمور الكونية مع الثوابت والمعطيات العلمية”([80]).

ومن قواعده أيضًا أن لا يخالفَ الحديث العادات الصحية السليمة، يقول أوزون في حديث أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة، فشقَّ ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكَّه بيده، فقال: «إنَّ أحدَكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه -أو: إن ربه بينه وبين القبلة-، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه»([81]). هذا الحديث الذي فيه صيانة المسجد عن القذى والأذى يقول فيه أوزون: “هل يقبل هذا الحديث في مساجدنا اليوم؟! وماذا نفعل بالسُّجاد والجدران الرخامية المذهَّبة في بيوت الله اليوم؟! أنبصق ونتفل عليها ثم نقوم بتنظيفها بالوسائل الحديثة المتوافرة أو بالحصاة لتطبيق سنة النبي في ذلك؟! كلّ ذلك يوضّح أنَّ مثل تلك الأحاديث تنطبق على أناس تفرش الرمال أرضهم، وسعف النخيل سقوفهم، والطين جدرانهم. وعلى الرغم من أن المساجد قد تطوَّرت في عهد البخاري -العصر العباسي الذهبي بعد أكثر من قرنين من رواية الحديث- فإنَّه لم يجد في روايته ما يناقض قواعد النِّظام والعادات الصحية السليمة في عصره”([82]). ولا أدري كيف فهم أوزون من الحديث أن فيه أمرًا بالبصق ثم تنظيف ذلك! إلا إن كان مثل حسن حنفي حين نقد صحيح البخاري([83]) كحاطب ليل يقرأ ولا يدري ما يقرأ، وإنَّا إذ ننزه العقلاء عن مثل هذه القراءة الفجَّة للسنة النبوية، فإننا في الحقيقة نتعجَّب من صدور مثل هذا النقد الغريب!

أما يحيى محمَّد فإنه يذكر أيضًا معاييره الخاصة فيقول: “حيث على الرغم من أن كتب الصحاح قد احتوت على الكثير من الروايات المختلة المتن، إلا أنَّ العلماء تعاملوا معها في الغالب معاملة المسلَّمات. ويأتي اختلالها كونها تتعارض إما مع الحقائق الحسية والكونية، أو مع السنن الحياتية، أو مع الاعتبارات التاريخية الموثقة، أو مع القيم والضرورات الدينية، أو مع النصوص القرآنية، أو مع غيرها من متون الأخبار الأخرى”([84]). ولا يؤسِفنا أن نُحزن يحيى محمد ونقول له: إن المحدثين بالفعل قد أعمَلوا هذه القواعد، ولا يمكنك أن تأتي بحديث واحد يتعارض مع الحقائق الحسية أو الكونية أو التاريخية، ونكرر ونؤكد على كلمة (الحقائق) لا الأوهام التي يظنها حقائق!

وأما جمال البنا فقد حدَّد اثني عشر معيارًا، حدَّدها بعقله وقال للأمة كلها: دعوكم من المحدثين الذين أفنوا أعمارهم في الحديث؛ فإنهم قد جبنوا عن نقد الحديث، ودونكم معاييري التي اخترعتها من تلقاء نفسي، يقول جمال البنا: “حدَّدنا اثني عشر معيارًا قرآنيًّا يفترض أن لا يخالف أيّ حديث معيارًا منها، وهذه المعايير هي:

1- التوقّف أمام الأحاديث التي جاءت عن المغيبات، بدءا من الموت حتى يوم القيامة والجنة والنار، فهذه مما استأثر الله تعالى بعلمها.

2- نحن نتوقّف أمام كلِّ الأحاديث التي جاءت بتفسير المبهمات في القرآن، وكل ما جاء عن نسخ في القرآن أو وجود آيات أو سور ليست في المصحف، كما نتوقف عن الأحاديث التي جاءت عن أسباب النزول.

3- وهناك أحاديث تخالف الأصول القرآنية، وبوجه خاص العدل وما جاء به القرآن من تحديد المسؤولية الفردية، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

4- نحن نتوقّف أمام كثير من الأحاديث التي جاءت عن المرأة، بدءًا من خلقها من ضلع أعوج، حتى حجابها، حتى لا تظهر إلا عينًا واحدة.

5- كذلك نحن نستبعد الأحاديث المتكررة عن معجزات الرسول [صلى الله عليه وسلم] من شقّ الصدر أو حنين الجذع؛ لأنها تخالف القاعدة المحورية في الإسلام، ألا وهي: أن معجزة الإسلام هي القرآن.

6- ونحن نتوقف أمام كل الأحاديث التي تكفل ميزة خاصة لأشخاص أو أماكن أو قبائل.

7- الأحاديث التي تخالف الآيات العديدة في القرآن عن حرية الاعتقاد.

8- هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكم عليها في ضوء القرآن، فما لا يخالف القرآن يقبل، وما يخالفه يستبعد.

9- نحن نتوقف أمام كل الأحاديث التي تنذر بعقاب رهيب على أخطاء طفيفة، وتعد بنعيم مقيم لتلاوة أدعية وتسبيحات.

10- الأحاديث التي جاءت عن الأكل والشرب والزي والسير والركوب وما إلى ذلك من شؤون الحياة الدنيا لا تعدّ ملزمة في شيء، وإنما هي أخبار.

11- نحن نؤمن أن الأحاديث التي تنصّ على طاعة الحكام والصلاة خلف كل بر وفاجر موضوعة.

12- نحن نستبعد حديثين عن الميراث نسَخا ما جاء في القرآن”([85]).

إذن فهذه المعايير يفترض أن لا يخالفها أيّ حديث، فإذا جاءك أيّ حديث يتحدث عن الغيب فلا تتعب ذهنك في تتبّعه ومعرفة رجاله، بل اطرحه جانبا حتى وإن رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم!([86]).

ونحن نقول: يحقّ لكم أن تضيفوا المعايير، بل هي خدمة جليلة تقدمونها لعلم الحديث؛ ولكن الفرق الجليّ بين منهج الحداثيين في وضع المعايير وبين منهج المحدثين هو أن المحدثين ينطلقون من الاستقراء، فوضع المعيار عند المحدثين ينطلق من الأحاديث نفسها؛ إذ إنهم يدرسون الأحاديث حديثًا حديثًا، ثم يرون أن مجموعة من الأحاديث قدِ اجتمعت تحت معيارٍ واحد فيقولون بهذا المعيار، وشتان بين هذا وبين منهج الحداثيين في وضع المعايير؛ إذ إنهم ينطلقون رأسًا من المعيار، فهم يأتون أولا إلى ما يوافق آراءهم ونفوسهم وقلوبهم واختياراتهم ومنهجهم، فيضعون معيارًا من عند أنفسهم، ثم يقولون للناس: أيّ حديث خالف هذا المعيار فضعفوه واقدحوا فيه!

والفرق هنا كالفرق بين من يتّبع مذهبًا معينًا، أو يجتهد للوصول إلى حكم مسألة معينة، فيصل بعد بحثٍ وتتبّع أن حكمها حلال، وبين من يتبنى في الأساس أصلًا معينًا أو حكمًا معينا، ثم ينقِّب في كتب الفقه علَّه يجد قولًا لعالم ما يوافق قوله، فإن وجد بغيته كان الحكم عند الاثنين واحدًا، وهو أن المسألة حلال، لكن شتان بين المنهجين، فالأول متّبع لما أمر الله به من الاجتهاد في الدين، والثاني متّبع للهوى، وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشرع، وهو فرق جوهريّ بين منهج المحدثين ومنهج الحداثيين.

ثامنًا: الهدم أولًا:

من الفروق المهمَّة بين المنهج النَّقدي الحديثي والحداثي: أن منهج المحدثين منهج بنائي، فالأصل عند المحدثين هو المحافظة على النَّص النبوي، ومتى ما ثبت النص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يتسارعون في ردّه بأدنى شبهة كما يفعل الحداثيون، بل يجمعون النصوص كلها ذات الموضوع الواحد، ويرجعون النصوص بعضها إلى بعض، أما منهج الحداثيين فهو منهج هدمي، وهو مبنيٌّ على موقفهم من الحديث عمومًا؛ إذ إن كثيرًا منهم لا يعدُّه وحيًا من الله، يقول هشام جعيط: “إن كل ما اختزنه محمد في ذاكرته سيرجع عن طريق الوحي في حالة الإيحاء الداخلي عن طريق الصوت الداخلي الملهم في فترات الانخطاف، والذي اعتبره محمد بكل حماس وحيًا إلهيا من الخارج”([87]).

والمتأمّل في معاييرهم وطريقة وضعها وطريقة التعامل معها يعرف يقينًا أن مآل ذلك هدم السنة كلها، لا تمحيصها وتضعيف بعضها كما يدعون!

ذلك أن تلك المعايير لا ضوابط لها ولا حدود، فإن كنَّا نقول: إننا نقبل ما يقبله العقل فإلى أي عقل نرد الأحاديث؟! إننا إن لم نرجع ذلك إلى العقل الذي هو إجماع الأمة وتركنا السنة لعقول كل الناس فهذا يعني بالضرورة رد كل السنة، فما تراه عقلانيًّا يراه غيرك غير عقلاني، فمعايير الحداثيين يفتح الباب للذاتية والنسبية المطلقة، وهي التي تقودنا إلى تقويض السنة كلها، وبهذا تصبح قواعد قبول الأحاديث وردها نهبًا للفوضى التي لا ضابط لها؛ لأن الموازين دون ضوابط تتعدَّد بتعدّد المنتقدين، وبحسب خلفياتهم الثقافية، وغاياتهم، وقناعاتهم، وإيديولوجياتهم، ويصبح كل يوم يطلع علينا غرٌّ لم يشمَّ رائحة علم الحديث، فيرد أحاديث صحيحة السند معقولة المعنى؛ بحجة أنها لا تتناسب مع عقله وفهمه، ولا يسعه علمه!

وهذا ما حصل بالضبط في مشاريع الحداثيين، فالأحاديث التي لا ترضي ذوق أوزون قد ردها، والتي لا تنسجم مع معايير جمال البنا التي أتى بها من عند نفسه يقول للنَّاس: ردوها، وسيروا على قواعدي ومعاييري، والأحاديث التي لا تتماشى مع تفكير حسن حنفي يعدها من الأحاديث الدخيلة وينتقدها نقدًا غريبًا كما مرَّ، وهكذا يمر بك عدنان إبراهيم، وعبد المجيد الشرفي، وأركون، وإبراهيم فوزي، والطيب تيزني، وعبد الجواد ياسين، والعروي، وجعيط، وطرابيشي، فإلى عقل مَن مِن هؤلاء نتحاكم؟! ومن له الحق في النقد ووضع المعايير وضبطها؟!

إنك وأنت تقرأ مشاريع هؤلاء في السنة يتوه عقلك في دهاليز المعايير التي يعتمدون عليها، فكلّ واحد من هؤلاء يأتي بما وافق عقله، وإن شئت فقل: بما وافق هواه!

فمشروع الحداثيّين إن كان يقول عنه جمال البنا: “وقد تتملَّكنا الدهشة عندما نرى أن إعمال هذا المعيار سيجعلنا نستبعد قرابة نصف الأحاديث المتداولة بين الناس”([88])، أقول: بل ستتملّك الدهشة حين ترى أن مشروع الحداثيين يفضي بك إلى هدم السنة كلّها، فلا معيار متفق عليه، ولا ضوابط للمعايير التي وضعوها، ولا ميزان صحيح في وضع المعيار أساسا!

ولسنا نقول هذا الكلام نقمةً أو إجحافًا، بل هذا ما ينطق به جمال البنا إذ يقول: “كانت الأحاديث تُتَناقل شفاهًا قبل أن يأتي وقت التدوين، فلو قال أحدٌ: إن هذه الأحاديث لا يعتد بها أصلًا لما كان متعسفا”([89]).

ومن العجَب أن يأتي نصر حامد أبو زيد فيخبرنا بأن معايير المحدثين نسبية! يقول: “إن وقف هذه العملية المهمة وتثبيت نصِّ الحديث في الصحاح الخمسة أو الستة وعلى رأسها البخاري ومسلم هو في الحقيقة تثبيت للواقع عند رؤى واجتهادات عصور بعينها… إنَّ معايير السلف في نقد الأحاديث وفي التمييز بين الصحيح والضعيف والمنحول كانت محكومة دون شكّ بأطر معرفية زمانية نسبية محدودة، لا ترقى إلى مستوى المعايير الموضوعية كما يتوهَّم البعض”([90]).

معايير المحدّثين نسبيّة وليست موضوعية؛ فلئن كانت كذلك وهم أصحاب الصنعة، وأهل الدار، فما الذي يجعل معايير الحداثيين موضوعية؟!

وختَامًا: هذا ملخَّصٌ للفروق بين المنهج النقدي للمتون عند المحدثين والمنهج النقدي عند الحداثيين في نقاطٍ:

1- النقد عند المحدثين من متخصِّص، وليس كذلك عند الحداثيين.

2- أنَّ المحدثين ينقدون ضمن منظومةٍ متكاملةٍ من علوم السَّند والمتن، والحداثيون لا يلتفتون إلا إلى المتن وحده.

3- ينبني على اهتمام المحدثين بالسَّند والمتن معًا أنهم لا ينسبون شيئًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يقله وإن كان معناه صحيحًا، أما منهج الحداثيين -وهو الاكتفاء بالمتن وحده- فإنَّه يفضي إلى قبول متونٍ صحيحة المعنى وإن لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم.

4- أنَّ نقد المحدثين ضمن الأطر المعرفية للمسلمين، بينما النقد الحداثي يعتمد على المزاج الغربي.

5- أنَّ معايير المحدثين التي حاكموا إليها متون الأحاديث قد وضعوا لها ضوابط تحكمها، أمَّا الحداثيون فقد فتحوا الباب على مصراعيه في إعمال هذه الضوابط، ممَّا يدخلنا في فوضوية القبول والرد.

6- أنَّ المحدثين لهم نقد خاصّ لكل حديثٍ بمفرده، فهم يأتون إلى كل حديث ويدرسونه منفردًا ثم مجموعًا إلى غيره ثم يصدرون نقدهم، أمَّا الحداثيون فلا يدرسون الأحاديث، وإنما يضعون المعايير أولا، ثم لتردَّ ما شئت من الأحاديث دون ضابط.

7- أنَّ المحدثين ينطلقون في تحديد المعايير من الاستقراء التام للأحاديث، فهم يصلون إلى المعيار من الأحاديث الجزئية ومن دراستها وجمعها، أمَّا الحداثيون فإنهم ينطلقون رأسًا من المعيار نفسه، فيضعون المعيار أولا، ثم يحاكمون إليها الأحاديث.

8- أنَّ مشروع المحدّثين مشروع بنائي يقوم على أساس المحافظة على النص، ومشروع الحداثيين مشروع هدمي فوضوي في الرد، ويفضي إلى رد كل السنة.

والنقد الحداثي للنصّ النبوي أنتج لنا في كثيرٍ من أحايينه نقدًا ساذجًا غير منضبط، نقدًا يرى أنَّ عمر بن عبد العزيز قد أخّر الصلاة لنزول جبريل للصَّلاة أمامَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم([91])، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد غرس عنْزة أمامه ليصلي!([92])، وأنه عليه الصلاة والسلام قد بال على الطعام ليأكله الطفل المريض!([93])، وأن آسية امرأة فرعون قد راودت يوسف عن نفسه!([94]).

والحديث إذا كان لا يوافق أهواءهم ردّوه بكل طريق، أما إن كان يتماهى مع مشروعهم فإنهم لا يحتاجون في قبوله حتى إلى أدنى نظر! يقول محمود أبو رية: “ومن الأحاديث ما تقضي البداهة بصدقه كحديث: «لا تكتُبوا عني شيئًا غير القرآن»([95]).

وإنك إذ ترى هذا المنهج الذي يردّ الأحاديث بكل هذه البساطة دون ضوابط، فإنك تتعجب من صنيع المحدثين ودقتهم وإفناءهم أعمارهم في سبيل طلب هذا العلم وتحصيله، وفي سبيل تنقية السنة من الخلل والنقص، يقول الخطيب البغدادي: “فمن الأحاديث ما تخفى علَّته، فلا يوقف عليها إلا بعد النَّظر الشديد، ومضي الزمان البعيد”([96])، ويقول ابن المديني: “ربما أدركت علَّة حديث بعد أربعين سنة”([97])، فأين عن هذا من يصحّح حديثا بنظرة أو يضعفه بنظرة؟!

وهذه الدقة ممَّا يدركها الحداثيون أنفسُهم، يقول جمال البنا: “وحقًّا إن المحدثين وضعوا القواعد والمراتب والدرجات والمعايير، ووصلوا في هذا إلى درجةٍ كبيرة من التمييز والدقَّة كما توضح تقسيماتهم الأحاديث إلى المتصل والمرفوع والمرسل والمعنعن والمدرج والغريب والمصحف والمفصل والمسلسل والعالي والنازل والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمنقطع والمدلس”([98]). وقد تبين من خلال الورقة وما سبقها من أوراق كيف أنَّ المحدثين قد وضعوا معايير دقيقة، ووضعوا لتلك المعايير ضوابط تضبطها، وكيف أن الحداثيين كان إعمالهم لهذه المعايير -على قلة ذلك واختزاليته في نقد المتن دون السند- إعمالًا براجماتيا، ليس نابعًا عن معرفة تامة بمسالك علم الحديث، ولا عن يقين بصوابيته أصلا، وإنما لكونه سلَّما إلى هدفهم التقويضي للتراث!

فليس نقدنا للحداثيين لأنهم أعملوا معايير في نقد المتون، ولكن لأنهم لم يحسنوا استخدام هذا الطريق، فهم مثل من يأتي إلى مريض قلب مسجّى على سرير طبيب، فيتناول مبضع الطبيب ليجري عملية قلب لهذا المسكين!

فليسَت المشكلة في المبضع، ولا في حالة المريض، ولا في أنها تحتاج إلى عملية وعلاج، ولكن المشكلة كلها في أن يأتي هذا الإنسان الذي لا يفقه في الطب شيئا، ولا في طريقة عمل هذا المبضع، فيستخدمه! والحال هنا كالحال فيما أصَّلنا له في هذه الورقة، وبالله التوفيق.

وصلى الله على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) إنجيل لوقا، سِفر أعمال الرسل، الإصحاح التاسع (1-20).

([2]) انظر: المسيحية لأحمد شلبي (ص: 115).

([3]) نقلا عن أحمد شلبي في كتابه: المسيحية (115-116).

([4]) مجموع الفتاوى (4/ 518).

([5]) عن مصطفى السباعي في كتابه: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (ص: 266).

([6]) من العقيدة إلى الثورة لحسن حنفي (ص: 368).

([7]) نقد النص (ص: 11).

([8]) نحو أصول جديدة في الفقه الإسلامي (ص: 160).

([9]) السنة والإصلاح (ص: 171).

([10]) السنة والإصلاح (ص: 199).

([11]) انظر ورقة علمية منشورة في موقع مركز سلف بعنوان: “نقدُ المتن بين براعَةِ المحدِّثين وادِّعاء الحدَاثيين”.

([12]) ينظر: توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار للصنعاني (1/ 177).

([13]) الموضوعات (1/ 99-100).

([14]) انظر ورقة علمية بعنوان: “معايير نقد المتن عند المحدثين” على الرابط التالي:

https://salafcenter.org/4231/

([15]) نقلا عن: ضرورة بيان الضوابط والحدود لنقد متن الحديث في ضوء المعارف والعلوم العصرية (ص: 182).

([16]) المرجع السابق.

([17]) دائرة المعارف الإسلامية (2/ 279)، نقلا عن: آفاق في معايير نقد المتن رؤية استشرافية في نقد المتن لخالد الطويان.

([18]) موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية (2/ 602)، نقلا عن: التاريخ العام للديانات (ص: 365).

([19]) أضواء على السنة المحمدية (ص: 7).

([20]) التراث والحداثة (ص: 26).

([21]) تبصير الأمة بحقيق السنة (ص: [21]).

([22]) مشكلة الحديث (ص: 96).

([23]) ظهر الإسلام (2/ 301).

([24]) تدوين السنة (ص: 148).

([25]) تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم (ص: 11).

([26]) انظر ورقة علمية بعنوان: “عقلنة النصّ” على الرابط:

https://salafcenter.org/3531/

([27]) تحديث العقل الإسلامي (ص: 10)، نقل عنه طيب تيزيني في النص القرآني (ص: 364).

([28]) انظر مثلا نقد حسن حنفي للبخاري في الرابط:

https://salafcenter.org/3948/

([29]) معرفة علوم الحديث (ص: 59).

([30]) مناقب الشافعي (2/ 321-322).

([31]) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (1/ 289).

([32]) علل الحديث (1/ 22).

([33]) علل الحديث (1/ 22).

([34]) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: 113-114).

([35]) مقدمة ابن الصلاح (ص: 284).

([36]) شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 35).

([37]) الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص: 25).

([38]) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص: 43-44).

([39]) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 711).

([40]) كما مرّ بنا في ورقة علمية بعنوان: “حين ينتقد الحداثيون صحيح البخاري -حسن حنفي أنموذجا-” على الرابط:

https://salafcenter.org/3948/

([41]) التراث وقضايا العصر (ص: 54).

([42]) جريدة النهار البيروتية، من مقابلة مع المفكر الفرنسي روجيه أرنالدز، بتاريخ 6/ 4/ 1985م، نقلا من كتاب: ظاهرة التأويل الحديثة، لخالد السيف (ص: 348).

([43]) نحو فقه جديد (2/ 248).

([44]) نحو فقه جديد (2/ 254).

([45]) نحو فقه جديد (2/ 255).

([46]) أخرجه البخاري (5456)، ومسلم (2031).

([47]) جناية البخاري (ص: 147-148).

([48]) كما بينا ذلك فيما فعله جمال البنا حين رأى أن الرجم يتنافى مع الرحمة الغربية، بينما القتل دون اعتبارٍ آخر إلا لمجرد الاغتصاب رحمة، وقد نشر مركز سلف مقالا يبين الرحمة في الحدود الإلهية عنوانه: “الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟” على الرابط الآتي:

https://salafcenter.org/3388/

([49]) الحوار أفقا للفكر (ص: 104-105).

([50]) نقله المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل (ص: ب).

([51]) شرح علل الترمذي (2/ 582).

([52]) يقول جمال البنا في بيان سبب عدم نقد البخاري ومسلم، لأن: ” العجز أو الخوف أو هما معًا حالا دون ذلك” انظر مقالا له على: المصري اليوم، على الرابط التالي:

https: //www.almasryalyoum.com/news/details/77510

([53]) انظر: مشكلة الحديث (ص: 111) وما بعدها.

([54]) وقد بينا بعض ذلك في الورقة العلمية التي هي بعنوان: “معايير نقد المتن عند المحدثين” على الرابط:

https://salafcenter.org/4231/

([55]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 147).

([56]) آداب الشافعي ومناقبه للرازي (ص: 207).

([57]) الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة (ص: 10).

([58]) الفكر الإسلامي نقد واجتهاد (ص: 233).

([59]) الفكر الإسلامي نقد واجتهاد (ص: 234).

([60]) تكوين العقل العربي (ص: 24).

([61]) التراث والتجديد (ص: 139)، وانظر: موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام (ص: 147-169).

([62]) الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة (ص: 6).

([63]) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص: 76).

([64]) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص: 78).

([65]) ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 461).

([66]) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 461-462).

([67]) جناية البخاري (ص: 25).

([68]) أخرجه البخاري (5782).

([69]) جناية البخاري (ص: 147).

([70]) انظر: حوار مع صديقي المؤمن لسامية يوسف (ص: 104-105).

([71]) أخرجه البخاري (3199).

([72]) مشكلة الحديث (ص: 108).

([73]) تحرير العقل من النقل (ص: 254).

([74]) نحو تفعيل قواعد نقد متون الحديث (ص: 180).

([75]) وانظر في الرد على هذا الزعم: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد للدكتور عيسى النعمي (ص: 676-688).

([76]) نحو فقه جديد (2/ 254).

([77]) الطرق الحكمية (ص: 65).

([78]) فجر الإسلام (ص: 238).

([79]) جناية البخاري (ص: 135).

([80]) جناية البخاري (ص: 25).

([81]) أخرجه البخاري (405).

([82]) جناية البخاري (ص: 146).

([83]) انظر ورقة علمية بعنوان: “حين ينتقد الحداثيون صحيح البخاري -حسن حنفي أنموذجا-” على الرابط:

https://salafcenter.org/3948/

([84]) مشكلة الحديث (ص: 99).

([85]) تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم (ص: 13-14).

([86]) وهذا الإسناد يسمى عند المحدثين: السلسلة الذهبية.

([87]) تاريخية الدعوة المحمدية (ص: 155).

([88]) نحو فقه جديد (2/ 248).

([89]) تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم (ص: 7).

([90]) نقد الخطاب الديني (ص: 127-128).

([91]) من النقل إلى العقل (2/ 265-366).

([92]) من النقل إلى العقل (2/ 449).

([93]) من النقل إلى العقل (2/ 448).

([94]) تدوين السنة لإبراهيم فوزي (ص: 88-89).

([95]) أضواء على السنة (ص: 34).

([96]) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 257).

([97]) ينظر: المرجع السابق.

([98]) السنة ودورها في الفقه الجديد (2/ 232).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حكم الصلاة خلف الوهابي ؟!

فِرَق أهل البدع الذين أنشأوا أفكاراً من تلقاء عقولهم وجعلوها من كتاب الله وماهي من الكتاب في شيء ،وزادوا في دين الإسلام مالم يأذن به الله تعالى ، طالما قال الراسخون في العلم من أتباع منهج السلف إن أولئك أشد انغماساً في تكفير المسلمين مما يفترونه على  الملتزمين منهج السلف ، وعلى ذلك أدلة كثيرة […]

هل انتشرت الأفكار السلفية بأموال النفط؟ “مناقشة ونقد”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  غالبًا ما يلجأ الطرفُ المنهزم في أيِّ مواجهة أو الفاشلُ في أيِّ مشروع إلى إيجاد مبررات لهزيمته وفشَله، كما أنه يسعَى للنيل من خصمِه بالحرب الإعلاميَّة بعد عجزه عن مواجهته في الميدان.  هذه حكايةُ الدعوى التي نناقِشها في هذه الورقة، وهي الزَّعم بأن الأفكار السلفية انتشرت في العالم الإسلامي […]

ترجمة الشيخ محمد السعيدي بن محمد الجردي (1)

  اسمه ونسبه وكنيته ونسبته: هو الشيخ الفقيه الأصولي محمد السعيدي بن محمد بن عبد السلام أبو عبد الرحمن الجردي، مفتي طنجة. مولده: ولد في إقليم تطوان، وتحديدًا في قرية الجردة إحدى قرى منطقة أنجرة، وكانت ولادته عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة النبوية (1358هـ-1940م). نشأته العلمية: حفظ الشيخ القرآن في صباه، وأتم حفظه وهو […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

تحقيق قول القرافي في حُكم المجسمات

  المعلوم أن علماء الإسلام أجمعوا على حُرمة عمل المجسمات ذوات الظل التي على هيئة ذوات أرواح تامات الخِلقة ، ولم يكن ذلك خاصاً بمذهب من مذاهب أهل السنة دون مذهب ، وليس خاصاً بالسلفيين أو مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، كما يُثيره البعض ، قال النووي الشافعي :”وأجمعوا على منع ما كان […]

المفاضلة بين الصحابة.. رؤية شرعية

لا يختَلِف اثنانِ على وجود التفاضُل بين المخلوقات؛ سواء كانت أمكنةً أو أزمنةً أو أعيانًا، حيوانًا أو بشرًا أو ملائكةً، لكن الاختلاف يقع وبشدَّة في معيار هذا التفاضل وطريقة إدراكه، هل هو بمجرَّد الحسِّ والمشاهدة، أم بمجرَّد مسائل معنوية، أم بقضايا مركبة، وهل هذا التركيب عقلي أو شرعي أو حسي، والنظر الشرعي يقول بوجود التفاضل، […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، […]

عرض وتعريف بكتاب “نظرات في مناهج الفرق الكلامية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على المتابع للحركة الفكرية البعثُ الأشعريّ الجديد في مواجهة التيار السلفي الممتدّ، ولم تعد النقاشات مقتصرةً على المحاضِن العلمية ومجالس الدراسة، بلِ امتدَّت إلى الساحة الإعلامية ليشارك فيها عامّة الناس ومثقَّفوهم؛ ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى كتاب يتناول منهج الأشاعرة بالبيان والنقد بالأسلوب الهادئ المناسب لغير […]

دلالة الترك عند الأصوليين والموقف السلفي

  مما يُرمى به السلفيون في الآونة الأخيرةِ أنهم يخترعون قواعدَ لا أصلَ لها عند الأصوليين، ويدلِّل أصحابُ هذا الاتهام على ذلك بمسألة التَّرك، فإذا ما استدلَّ السلفيون على بدعيَّة بعض الأمور بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تركها وأعرض عنها، وأن تَرْكه حجة؛ فيزعمون أنَّ هذه قاعدةٌ منِ اختراع السلفيين، وأنَّ الترك لا يدلُّ […]

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات […]

العلامة محمد البشير الإبراهيمي فخرُ علماءِ الجزائر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه الترجمة مُستقاة من الترجمتين اللَّتين كتبهما الشيخ الإبراهيمي لنفسه، إحداهما بعنوان: (خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية)، وكان كتبها بطلبٍ من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتُخِب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961م، وهي منشورة في آثاره (5/ 272-291)، والأخرى بعنوان: (من […]

هل كل ما خلقه الله يحبه؟

  مقدمة: “ليس -الله تعالى- منذ خلق الخلق ‌استفاد ‌اسم ‌الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحقَّ هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم؛ ذلك بأنه على كل شيء قدير”([1]). والخلق خلقُه، والأمر أمرهُ، سبحانه لا يعزب عن […]

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ومُحدَثَة البيت الإبراهيمي

ردُّ الابتداع والإحداث في الدّين أصلٌ عظيم من أصول دين الإسلام، يدلُّ على ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»([1])؛ ولهذا يقول الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017